بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
مقصود(محور) سورة الأعراف[1].
وفيه تسعة مباحث:
المبحث الأول: الجو الذي نزلت فيه السورة.
المبحث الثاني: معنى الأعراف لغة وسبب التسمية.
المبحث الثالث: مقصود سورة الأعراف وفيه ثلاثة مطالب:
المطلب الأول: مقصود سورة الأعراف بإيجاز، المطلب الثاني: شرح مقصود سورة الأعراف، وتلخيص مواضيعها، المطلب الثالث: أحسن أقوال العلماء في مقصود السورة.
المبحث الرابع: وفيه ثلاثة مطالب: دلالة (بداية السورة وقصصها وموضوعاتها)، وخاتمتها، واسمها على مقصودها.
المبحث الخامس: وفيه مطلبان: دلالة الألفاظ والتراكيب التي انفردت بها السورة أو كثر دورها في السورة على مقصودها.
المبحث السادس: العلاقة بين سورة الأعراف والأنعام يشير لمقصود السورة.
المبحث السابع: دلالة موضوعات السورة على مقصود السورة.
المبحث الثامن: أقوال المفسرين في مقصود السورة، وهي منقسمة إلى سبعة أقسام.
المبحث التاسع: مناقشة الأقوال والترجيح بينها.
1)المبحث الأول: الجو الذي نزلت فيه السورة:

الأصح أن سورة الأعراف كلَّها مكية بلا استثناء[2] ، نزلت هذه السورة الكريمة في وقت كان الصراع فيه على أشده بين المسلمين والكفار [3]، وبالتحديد في الوقت الذي أمر به النبي ـ ـ بالجهر بالدعوة ، وهي مرحلة جديدة ، مرحلة فيها الإعلان والمواجهة ،فيها اتباعُ الكفار للشيطان ولساداتهم ولآلهتهم في عدمِ اتباع القرآن والإيمان، وعدمِ اتباع الرسول الذي جاء به، وعدمِ الشكر لله سبحانه، وإصرارُهم على باطلهم، وفيها حرجٌ و شدةُ أذىً من الكفار للنبي ـ ـ ومن معه من المؤمنين ، وفيها يتطلع المؤمنون للفرج والنصر ويحتاجون للذكرى والبشرى والتثبيتِ القويِّ والأمرِ بالعزيمة في الإيمان والتمسكِ بالكتاب وعدمِ التساهل، وفيها يتردد أناس فيقفون غير آمرين بالمعروف ولا ناهين عن المنكر متساهلين في التمسك بالكتاب ، فأنزلت في هذا الظرف وهذا الجو لتعالج هذا الأمر ببيان وجوبِ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ ، وإنذارِ من لم يتبعه واستكبر أو تهاون في اتباعه، ولحثّ النبيِّ ـ ـ والمؤمنين والدعاةِ على إنذارهم، وللذكرى والبشرى لمن اتبعه بعزم ، وذلك من خلال سلسلةٍ قصصيةٍ طويلة للأنبياء وأقوامهم بينت حركةَ عقيدة التوحيد وأصولَها وعاقبتَها ، ومواجهةَ الإيمانِ والكفرِ عبر رحلة البشرية منذ وجودها الأول ومسيرها الطويل إلى نهاية عودتها ورجوعها إلى الدار الآخرة [4]، مع ذكر أسباب الضلال والانحراف عن الحق ، وبيانِ أنَّ هذا الصراعَ بين الحقِّ والباطلِ سنةٌ دائمةٌ مستمرةٌ منذ خلق الله تعالى الخلق إلى نهاية يوم القيامة[5].
و"سورة الأعراف يغلِب فيها التحذير على التبشير مع إعطاء الفرصة للنجاة، ففيها التركيز الواضح على مصارع المكذبين والقلة النسبية لذكر عبارات البشارة".[6]
جاء في كتاب أول مرة أتدبر القرآن: "نزلت هذه السورة المباركة في وقت الجهر بالدعوة، ومرحلة شديدة الخطورة؛ لأنها ستكون مواجهات عنيفة، وقد يخجل البعض وقد يخاف البعض الآخر من الأذى، فأنزلت هذه السورة بمحاورها وتسلسها الرائع"[7] .
2)المبحث الثاني: معنى الأعراف لغة وسبب التسمية:

الأصل في مادة (ع، ر، ف) هو اطلاعٌ على شيء وعلمٌ بخصوصياته وآثاره،و تمييزُه بملمح يدل عليه أو على أمر فيه.
يقول المصطفوي:" والتحقيق أنَّ الأصل الواحد في المادة هو اطلاع على شيء وعلم بخصوصياته وآثاره، وهو أخص من العلم، فإن المعرفة تمييز الشيء عما سواه وعلم بخصوصياته، فكل معرفة علم ولا عكس"[8] ، وقال صاحب المعجم الاشتقاقي:" المعنى المحوري تمييز أعلى الشيء أو ظاهرِه بملمح يدل عليه أو على أمر فيه، كعُرْف الديك والفرس لهما، فالفرق بين المعرفة والعلم أن أصل المعرفة تمييز يقوم على ملامحَ ظاهرةٍ للأشياء أخذًا من استعمال التركيب في الملامح الظاهرة التي تميز الشيء عن غيره". [9]
والأعراف في اللغة جمع عُرْف، وهو المكان المشرف، استعير من عُرف الديكِ وهو: الرّيش الذي في أعلى رأسه، وعُرفِ الفَرَسِ وهو: شعر ناصية الفرس، وإنما قيل لعُرْف الديك والفرس عرفٌ؛ لارتفاعه على ما سواه من جسده، وكل مرتفعٍ عالٍ عُرفٌ؛ لأنه بظهوره أعرف مما انخفض، كأنه عُرِف بارتفاعه دونَ الأشياءِ المنخفضة فإنها مجهولة غالبًا، هذا هو القول الذي عليه الجمهور.
وقال السُّدِّي: "سمي الأعراف أعرافاً؛ لأن أصحابه يعرفون الناس، كلًا بسيماهم".
وسميت السورة بسورة الأعراف لورود اسم الأعراف فيها، وهو سور بين الجنة والنار، روى ابن جرير الطبري عن حذيفة أنه سئل عن أصحاب الأعراف، فقال:" هم قوم استوت حسناتهم وسيئاتهم، فقعدت بهم سيئاتهم عن الجنة، وخلفت بهم حسناتهم عن النار، فوقفوا هناك على السور حتى يقضي الله فيهم"[10]، فمعنى عَلَى الْأَعْرَافِ: على الأعالي المشرفات من ذلك الحجاب الذي بين الجنة والنار وذراه.
و "(أل) في الأعراف للعهد وهي الأعراف المعهودة التي تكون بارزة في أعالي السور، أو يجعل (أل) عوضًا عن المضاف إليه: أي وعلى أعراف السور".[11]
3)المبحث الثالث: مقصود سورة الأعراف ، وفيه ثلاثة مطالب:

  1. المطلب الأول: مقصود سورة الأعراف بإيجاز:

وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ دون توانٍ، وإنذارُ من لم يتبعه واستكبر واتبع أولياء من دون الله بمثل جزاء الأمم المكذبة المستأصلة دنيا وأخرى، والذكرى والبشرى والتثبيت لمن اتبعه من المؤمنين، وحثُّ النبيِّ ـ ـ والدعاةِ على القيام بالإنذار والذكرى والبشرى دون حرج ".
وهذه أمور مترابطة تؤول إلى شيء واحد: وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ، وإنذارُ من لم يتبعه، والذكرى لمن اتبعه، وحثُّ النبيِّ على القيام بالإنذار والذكرى.

  1. المطلب الثاني: شرح مقصود سورة الأعراف، وتلخيص مواضيعها:


  1. وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ المنزلِه بصائرَ وهدىً ورحمةً في التوحيد والشكر لله، يتبعونه بجد ونشاط وتعظيم دون تردد ولا توانٍ؛ لأن فيه خيرَهم وصلاحَهم في دينهم ودنياهم، فيه التوحيد لله تعالى اعتقادًا وعملًا وعبادةً وشكراً، وفيه التشريع والتزكية والأخلاق الفاضلة، ويستتبع ذلك وجوب اتباع الرسول النبي الأمي الذي جاء به الذي يجدونه مكتوبًا عندهم في التوراة والإنجيل يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ويحل لهم الطيبات ويحرم عليهم الخبائث.

وعدمُ اتباعِ أولياءَ من دون الله تعالى:

  • لأنَّ دينَ الله تعالى هو دين التوحيد الضارب في التاريخ البشري من وجودها الأول بوجود آدم وزوجه، إلى نوح فمن بعده إلى عودتها ورجوعها إلى قيام الساعة، فقد وحَّدَ اللهَ تعالى جميعُ الأنبياء الله تعالى ودَعَوا لتوحيده من آدم إلى نوح فهود فصالح فشعيب فلوط فموسى فسيدنا محمد ـ عليه وعلى النبيين الصلاة والسلام.
  • ولأنَّ اللهَ تعالى ربُّهم الواحدُ الخالقُ المنعمُ الذي له ملك السماوات والأرض، لا إله إلا هو وحده المستحِقُّ وحدَه للعبادة، والشكر.


  1. والإنذارُ لكل من خالفه من أهل القرى و استكبر وأعرض عنه وعما يدعو إليه من توحيدِ الله وعبادتِه وشكرِه ، واتبع أولياء من دونه ، يطيعونهم في مخالفة الرسل أو يقصدونهم بالعبادة أو يرجعون إليهم في التحليل والتحريم: كالشيطانِ الذي يريد إضلال البشرية ،والملأِ الكافرين المستكبرين، والمعبوداتِ الباطلة، ـ إنذارهم بالعقوبة الشديدة التي ستنالهم في الدنيا والآخرة كما نالت الأممَ المهلكَة المستأصلَة المكذبةَ للأنبياء في التاريخ البشري لعدمِ الاتباع للهدى، ولركونِهم إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ولأخذهم بأسباب إهلاك الأمم، فأذلهم الله سبحانه وغضب عليهم، وعندها يتوبون حين لا تقبل التوبة ولا تنفعهم معبوداتهم من دون الله ،والله غني عنهم، فليعتبروا بذلك.
  2. والذكرى العظيمةُ النافعةُ المؤثرةُ للمؤمنين المتبعين لكتب الله ورسله الذين وقفوا في وجه الملأ في اتباعهم، وضَحَّوا بالدنيا ـ بالاتباعِ والتمسكِ بالكتاب والقيامِ بما يجب وتركِ ما يجتنب مهما كلفهم الأمر، والبشرى لهم بغلبةِ الحقِّ والنصرِ على أعدائِهم والنجاةِ دنيا وأخرى، والتثبيتُ لهم مع تحذيرِهم من الضلالِ بعدَ الهدايةِ وكفرانِ النعمةِ وعدمِ الصبرِ.
  3. وحثُّ النبيِّ ـ ـ والدعاةِ على القيام بالإنذار والذكرى والبشرى، بأن يستمروا في الدعوة بعزمٍ وقوةٍ دون حرجٍ مما يلقَون من المشركين من أنواع الأذى ،و دون أن يتوانَوا في التبليغِ والإنذارِ ودون أن يسكتوا على الكفرِ والمعصيةِ ، معذرةً إلى ربهم ولعلهم ينتهون، مخالفين الجاهليةَ وتقاليدَها كما فعلت قافلةُ الأنبياءِ الطويلةِ، وأن يقتدوا في دعوتهم بأحوالهم مع أممهم دعوةً وصبرًا وإعراضًا عن الجاهلين وتلطفًا، مستعينين بذكرِ الله تعالى، و السجودِ له، والأخذِ بالعفوِ، والأمرِ بالعرفِ والإعراضِ عن الجاهلين.

وحثُّ الناس أنْ يكونوا من المؤمنين الناجين باتباع القرآن بعزم يوم يبعث الله الناس وهناك توزن الأعمال ويجازى كل إنسان بعمله [12]، ولا يكونوا من الكافرين الهالكين أو ممن تساوت حسناتهم وسيئاتهم، فإن لم يستجيبوا واستكبروا فالله سبحانه غني عنهم وعن عبادتهم، وله ملائكة لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون.
وملخص مقصود السورة هو ما جاء في مقدمة السورة:

  • المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ [الأعراف:4،3،2،1].
  • ويقابلها ما في سورة البقرة: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ [البقرة: 39،38] [13]، وفي خاتمة سورة الأنعام: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام:165].

ج) المطلب الثالث: أحسن أقوال العلماء في مقصود السورة:
أنقل لك أفضل عبارات العلماء في مقصود سورة الأعراف:

  1. قال البقاعي:" فتحرر أن مقصود السورة الحثُّ على اتباع الكتاب، وهو يتضمن الحثَّ على اتباع الرسول والدلالةَ على التوحيد والقدرةَ على البعث ببيان الأفعال الهائلة في ابتداء الخلق وإهلاك الماضين إشارة إلى أن من لم يتبعه ويوحِّدْ - من أنزله على هذا الأسلوبِ الذي لا يستطاع، والمنهاجِ الذي وقفت دونه العقولُ والطباعُ، لِمَـا قام من الأدلة على توحيده بعجز من سواه عن أقواله وأفعاله - أوشك أن يعاجله قبل يوم البعث بعقاب مثل عقاب الأمم السالفة والقرون الخالية مع ما ادخر له في ذلك اليوم من سوء المنقلب وإظهار أثر الغضب".[14]

وقال البقاعي قبل ذلك: "مقصودها إنذار من أعراض عما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية: من التوحيد، والاجتماع على الخير، والوفاء لما قام على وجوبه من الدليل في الأنعام، وتحذيره بقوارع الدارين، وأدل ما فيها على هذا المقصد أمر الأعراف؛ فإن اعتقاده يتضمن الإشراف على الجنة والنار والوقوف على حقيقة ما فيها وما أعد لأهلها الداعي إلى امتثال كل خير واجتناب كل شر والاتعاظ بكل مرقق "[15].

  1. جاء في التعبير القرآني لفاضل السامرائي:" السياق العام للسورة يشير إلى وجوب التمسك بهذا القرآن، ورفع أيِّ حرج من النفس في الدعوة إليه، وأنه كتاب أتى بالبيان التام وأقام الحجة على العباد، وأن من استنكف عنه فإنه قد تعرض للوعيد والعذاب".[16]
  2. قال ابن عجيبة: " مُضَمَّنها الحثُّ على اتباع ما أنزله على نبيه من التوحيد والأحكام، والتحذير من مخالفته ومتابعة الشيطان، وذكر وبال من تبعه من القرون الماضية، وما لحقهم من الهلاك في الدنيا والعذاب في الآخرة، تتميما لقوله: إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الأنعام: 165] ". [17]
  3. قال د. عمر عرفات: 1) تعظيم آيات الله التي عرضتها مسيرة العقيدة في التاريخ البشري، والدعوة إلى الإيمان بها 2) وبيان نجاة من آمن، والتحذير من بأس الله لمن كذب بها واستكبر عنها.[18]
  4. قال الشيخ سعيد حوى: محورها: "فرْضية اتباع الهدى المنزل وعاقبة ذلك سلبًا أو إيجابياً[19]، والسورة تفصيل لقوله تعالى: قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [البقرة:38].
  5. قال الطباطبائي في الميزان:" غرضها هو الإنذار والذكرى".[20]

4)المبحث الرابع: دلالة بداية السورة وقصصها وموضوعاتها، وخاتمتها، واسمها على مقصودها، وفيه ثلاثة مطالب:

أ-المطلب الأول: دلالة بداية السورة (براعة الاستهلال)، وموضوعاتها وقصصها على مقصودها.

مقدمة السورة، وموضوعاتها وقصصها تشير لمقصودها:

سألخص ما ذكره العلماء في تفسير آيات مقدمة السورة، مع ربطها بموضوعات السورة وقصصها ومن خلالها يلاحظ دلالة هذه الآية على مقصود السورة التي ذكر، والبحث وإن لم يكن موضوعًا للتفسير التحليلي لكن لا بد من ذكره هنا ليظهر ويحدد موضوع السورة تمام الظهور والتحديد:
1.الآية الأولى: المص (1):

"هذه الحروف المقطعة وردت على سبيل الإيقاظ والتنبيه للذين تحداهم القرآن، فكأنَّ اللهَ - تعالى - يقول لأولئك المعارضين أنَّ القرآن من عند الله: هاكم القرآنَ ترونه مؤلفًا من كلام هو جنس ما تؤلفون منه كلامكم، فإنْ كنتم في شك من كونه منزلًا من عند الله فهاتوا مثله"[21]، وهذا الابتداء يناسب موضوع السورة، فمن أهم أهدفها " وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ" ولا يكون ذلك إلا بإثبات إعجازه.

2.الآية الثانية: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2).

  • قال سبحانه مخبراً عن مبتدأ محذوفٍ وهو ما ينبئ عنه تعديدُ الحروفِ كأنه قيل: المؤلَّفُ من جنس هذه الحروفِ هو كتاب عظيم، فتنكير كتاب: للتعظيم والتفخيم.

أنزل: بُني الفعلُ للمفعول جرياً على سَنن الكبرياءِ، وإيذاناً بالاستغناء عن التصريح بالفاعل لغاية ظهورِ تعيُّنِه، أيْ: كتابٌ عظيمٌ أنزل إليك أوضحَ الطريقَ المستقيمَ فلم يدع بها لبساً، ولم يذر خيراً إلا أمر به ولا شراً إلا نهى عنه، فإنزاله من عظيم رحمته.

  • ولما كانت مواجهة الناس بالإنذار شديدة على النفوس، وكان الإقدام عليها من الصعوبة بمكان عظيم؛ قدَّم قولَه تعالى مسبباً عن تخصيصه بهذه الرحمة: فلا يكن في صدرك حرج منه وهو اعتراض في أثناء الكلام، أتي به لأن الإقدام على الإنذار والتبليغ لا يتم ولا يكمل إلا عند زوال الحرج عن الصدر، فلهذا السبب أمره الله تعالى بإزالة الحرج عن الصدر، ثم أمره بعد ذلك بالإنذار والتبليغ.

والضمير في منه عائد على الكتاب، أي: بسبب من أسبابه، و «من» ها هنا لابتداء الغاية، أي من تبليغِه والإنذارِ به والتعرضِ به للمشركين وتكذيبِ المكذبين به.

  • ونهيه ـ ـ أن يكون في صدره حرج منه لِـمَا تضمنه من أعباءِ الرسالة، وتبليغِها لمن لم يؤمن بكتاب ولا اعتقد صحة رسالة، وتكليفِ الناسِ أحكامَها، ولا بد أن يلقى أشدَّ الإيذاءِ والمقاومةِ، والطعنِ في كتاب الله، والإعراضِ عن آياته، وهذه أمور صعبة ومعانيها تشق، وهي أسباب لضيق الصدر.
  • وإسناد النهي إلى الحرج معناه نهي المخاطب عن التعرض للحرج، وهو أبلغ من نهي المخاطب مباشرة لما فيه من أنّ الحرج لو كان مما ينهى لنهيناه عنك، فانتهِ أنت عنه بعدم التعرّض له، ولأن فيه تنزيهَ نبيِّه ـ .
  • أصل الحرج: الضيق، ومنه الحَرَجة: الشجر الملتف الذي قد تضايق، والمراد هنا: كل ما يضيق الصدر والخوفُ والهمُّ، والتنكير للتقليل، والمعنى: لا يضق صدرك ضيقًا ما بسبب أن يكذبوك في التبليغ، فأمّنه الله تعالى ونهاه عن المبالاة بهم.
  • لتنذر به: المخالفين من سرعة العقاب على نحو ما أوقع سبحانه بالقرون الماضية والأمم السابقة مما سيقصه من أخبارهم في هذه السورة، وحذف المفعول يدل على عموم الرسالة لكل من أمكن إنذارُه وتذكيرُه من العقلاء. و ذكرى أي عظيمة نافعة مؤثرةللمؤمنين؛ لأنهم هم المستعدون للاهتداء به، وذَكَر متعلَّق الذكرى للمؤمنين تنويهًا بشأن المؤمنين. وتقديم الإنذار لأنه الأهم بحسب المقام وهو الأنسب لمقصود السورة.

والآية من الاحتباك: إثباته " لتنذر " أولاً، دال على حذف " لتذكر " ثانياً، وإثبات "المؤمنين" ثانياً دال على حذف المخالفين أولاً.

  • وقد جاءت كثيرٌ من آيات السورة شارحةً لهذه المقدمة التي تضمنت جزءًا من مقصود السورة:


  1. فقد ذكرت هذه السورة الكريمة كثيرًا من الأنبياء الذين بلَّغوا دين الله تعالى وأنذروا أقوامهم وذكَّروا، دون أن يكون في صدورهم حرج، وهي شرح لقوله تعالى: فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ وإليك هذه الآياتِ:


  • يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ [آية:35].
  • إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ. [الأعراف:40].
  • لقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ [آية:59]. أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنْصَحُ لَكُمْ وَأَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (62) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آية:63،62].
  • وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65)قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66)قَالَ يَاقَوْمِ لَيْسَ بِي سَفَاهَةٌ وَلَكِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (67) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69).
  • وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ عَادٍ وَبَوَّأَكُمْ فِي الْأَرْضِ تَتَّخِذُونَ مِنْ سُهُولِهَا قُصُورًا وَتَنْحِتُونَ الْجِبَالَ بُيُوتًا فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ (74).فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَةَ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ وَلَكِنْ لَا تُحِبُّونَ النَّاصِحِينَ (79) .
  • وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ (80) إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ (81) وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ.
  • وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مبها،نَ (85) وَلَا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِرَاطٍ تُوعِدُونَ وَتَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِهِ وَتَبْغُونَهَا عِوَجًا وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ وَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (86) وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87)، فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93).
  • وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ [آية:104].



  1. قد بينت السورة أن هذا الرسول النبي الأمي ـ ـ يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر، وهي شرح لقوله تعالى: فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ:


  • الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ [الآيات:157 ـ 159].
  • وفي آخر السورة: إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [آية:188].

3)قصة تمثل أهمية الدعوة وخطر السكوت والحرج:

وَإِذْ قَالَتْ أُمَّةٌ مِنْهُمْ لِمَ تَعِظُونَ قَوْمًا اللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا شَدِيدًا قَالُوا مَعْذِرَةً إِلَى رَبِّكُمْ وَلَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ (164) فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ [الآيتان:165،164].

  1. نصائح للداعية في مواجهة الكفار تتناسب مع النصيحة في أول السورة: فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ:


  • إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196).
  • خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201).
  • وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203) وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204) وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206). وسيأتي شرحها وعلاقتها بالمقدمة في المطلب الآتي.

5)وردت آيات كثيرة في السورة فيها إنذار المكذبين وتبشير المتقين وهي شرح لقوله تعالى: لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ:

  • وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42) وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ لَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ وَنُودُوا أَنْ تِلْكُمُ الْجَنَّةُ أُورِثْتُمُوهَا بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (43)وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51).هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53).
  • وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ (179) وَلِلَّهِ الْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى فَادْعُوهُ بِهَا وَذَرُوا الَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِي أَسْمَائِهِ سَيُجْزَوْنَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (180) وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا سَنَسْتَدْرِجُهُمْ مِنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ (182) وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ (183) أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا مَا بِصَاحِبِهِمْ مِنْ جِنَّةٍ إِنْ هُوَ إِلَّا نَذِيرٌ مُبِينٌ (184) أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187).

3.الآية الثالثة: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3).

·لما كان أمر الرسالة إنما يتم بالمرسِل وهو الله ، والمرسَل وهو الرسول، والمرسَل إليه وهو الأمة ، وكان قد أمر في الآية الأولى الرسول بالتبليغ والإنذار مع قلبٍ قويٍّ ، وعزمٍ صحيحٍ أمر المرسَل إليه بمتابعة الرسول ، فقال ملتفتاً إليهم مقبلاً بعز جلاله عليهم: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ، وهو كلامٌ مستأنفٌ خوطب به كافةُ المكلفين على طريق الالتفات باتباع ما أنزل إليهم ، ويدخل فيه دخولًا أوليًا المشركون والكفار، أي: اقتفوا آثار الكتاب الذي قد خصصتم بإنزاله دون غيره، فاشكروا هذه النعمة ، بجد ونشاط كما يدل عليه الافتعال ، واعملوا بما أمركم به ربكم المربي لكم بنعمه ومن جملة ذلك إنزال القرآن ، ولاَ تَتّبِعُوا أولياء من دون الله تعالى.

  • ومحل من دونه: النصبُ على أنه حالٌ من فاعل فعلِ النهي، أي: لا تتبعوا متجاوزين الله تعالى أولياءَ: من الجن والإنسِ بأن تقبلوا منهم ما يُلْقونه إليكم بطريق الوسوسةِ والإغواءِ من الأباطيل ليضلّوكم عن دين الله وما أنزل إليكم عن الحق فيأمروكم بالشرك بالله، ويحملوكم على عبادة غيره، ويَحمِلوكم على الأهواءِ الزائغةِ: كالشيطان، والرّهبان، والكهّان، والأحبار من أهل الضلال، والأصنام، والنار، والكواكب، من المعبودات.
  • وجعلُه منزلاً إليهم أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مع أنه أنزل بواسطة الرسول ـ ـ لتأكيد وجوبِ اتباعه.
  • وفي التعرُّض لوصف الربوبيةِ مع الإضافة إلى ضمير المخاطَبين مِنْ رَبِّكُمْ مزيدُ لطفٍ بهم وترغيبٍ لهم في الامتثال بما أُمروا به وتأكيدٌ لوجوبه.
  • قَليلاً ما تَذَكّرُونَ: الجملة اعتراضٌ تذييليٌّ مسوقٌ لتقبيح حالِ المخاطَبين، أي: تتذكرون ما هو مركوز في عقولكم تذكرًا قليلاً لا يجديكم ولا يوصلكم للمطلوب، فإنكم مقرون بأن ربكم رب كل شيء، فكل من تدعون من دونه مربوب ، وأنتم لا تجدون في عقولكم ولا طباعكم ما يدل بنوع دلالة على أنَّ مربوباً يكون شريكاً لربه ، فلا تتعظون ولا تعتبرون ، حيث تتركون دين الله وتتبعون غيره ، والتعبير بالتذكر إشارة إلى أنه مركوز في فطرهم وعقولهم .
  • قَلِيلاً: منصوب على أنه نعت لمصدر محذوف معناه: تذكراً قليلا تتذكرون، و مَا إبهامية لتوكيد القلة.
  • وهذا المعنى المفهوم من الآية كقوله تعالى: وَمَا أَكْثَرُ النَّاسِ وَلَوْ حَرَصْتَ بِمُؤْمِنِينَ [يوسف: 103]. وقوله: وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الأرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [الأنعام: 116] وقوله: وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلا وَهُمْ مُشْرِكُونَ [يوسف: 106] وهذا فيه إشارة إلى أن السورة ستتحدث عن أمم ضلت وانحرفت ولم تتذكر: وَمَا وَجَدْنَا لِأَكْثَرِهِمْ مِنْ عَهْدٍ وَإِنْ وَجَدْنَا أَكْثَرَهُمْ لَفَاسِقِينَ [الأعراف:102].

وقد جاءت كثير من آيات السورة شارحة لهذه المقدمة التي تضمنت مقصود السورة:

  1. جاءت آيات فيها حث على اتباع القرآن والأمر بالاستماع والإنصات، وما يستتبعه من اتباع الرسول محمد الذي جاءهم به، والتحذير من مخالفته مع ذكر نظيره من إنزال التوراة، وبيان جزاء الذين اتبعوه والذين صُرِفوا عنه وسبب ذلك وهي شرح لقوله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْوإليك هذه الآيات:


  1. وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52) هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ. [الآيتان:53،52].
  2. الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157) قُلْ يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ وَاتَّبِعُوهُ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ (158) وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159).


  • فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169) وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ [الآيتان:170،169].
  • إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ [آية:196].
  • وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [آية:204].
  • وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ (142) وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ (143) قَالَ يَامُوسَى إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي فَخُذْ مَا آتَيْتُكَ وَكُنْ مِنَ الشَّاكِرِينَ (144) وَكَتَبْنَا لَهُ فِي الْأَلْوَاحِ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ مَوْعِظَةً وَتَفْصِيلًا لِكُلِّ شَيْءٍ فَخُذْهَا بِقُوَّةٍ وَأْمُرْ قَوْمَكَ يَأْخُذُوا بِأَحْسَنِهَا سَأُرِيكُمْ دَارَ الْفَاسِقِينَ (145) سَأَصْرِفُ عَنْ آيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الرُّشْدِ لَا يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا وَإِنْ يَرَوْا سَبِيلَ الْغَيِّ يَتَّخِذُوهُ سَبِيلًا ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (146) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَلِقَاءِ الْآخِرَةِ حَبِطَتْ أَعْمَالُهُمْ هَلْ يُجْزَوْنَ إِلَّا مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (147).
  • وَلَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ أَخَذَ الْأَلْوَاحَ وَفِي نُسْخَتِهَا هُدًى وَرَحْمَةٌ لِلَّذِينَ هُمْ لِرَبِّهِمْ يَرْهَبُونَ (154).



  1. أول وأخطر ولي من دون الله يتبعه الناس الشيطان فاستفاضت في ذكر قصته وحذرت من خطره، وبينت كيف فعل بأبينا آدم وأمنا حواء في إخراجها من الجنة ونزع لباسهما عندما اتباعه، مع تحذير أبنائه أن يفعل بهما كما فعل بأبيهما وهو شرح لقوله تعالى: وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) :

فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11) قَالَ مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ قَالَ أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ (12) قَالَ فَاهْبِطْ مِنْهَا فَمَا يَكُونُ لَكَ أَنْ تَتَكَبَّرَ فِيهَا فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ (13) قَالَ أَنْظِرْنِي إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ (14) قَالَ إِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ (15) قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) قَالَ اخْرُجْ مِنْهَا مَذْءُومًا مَدْحُورًا لَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ لَأَمْلَأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْكُمْ أَجْمَعِينَ (18) وَيَاآدَمُ اسْكُنْ أَنْتَ وَزَوْجُكَ الْجَنَّةَ فَكُلَا مِنْ حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ (19) فَوَسْوَسَ لَهُمَا الشَّيْطَانُ لِيُبْدِيَ لَهُمَا مَا وُورِيَ عَنْهُمَا مِنْ سَوْآتِهِمَا وَقَالَ مَا نَهَاكُمَا رَبُّكُمَا عَنْ هَذِهِ الشَّجَرَةِ إِلَّا أَنْ تَكُونَا مَلَكَيْنِ أَوْ تَكُونَا مِنَ الْخَالِدِينَ (20) وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ (21) فَدَلَّاهُمَا بِغُرُورٍ فَلَمَّا ذَاقَا الشَّجَرَةَ بَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَنَادَاهُمَا رَبُّهُمَا أَلَمْ أَنْهَكُمَا عَنْ تِلْكُمَا الشَّجَرَةِ وَأَقُلْ لَكُمَا إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمَا عَدُوٌّ مُبِينٌ (22) قَالَا رَبَّنَا ظَلَمْنَا أَنْفُسَنَا وَإِنْ لَمْ تَغْفِرْ لَنَا وَتَرْحَمْنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (23) قَالَ اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ (24) قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ (25) يَابَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنَا عَلَيْكُمْ لِبَاسًا يُوَارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشًا وَلِبَاسُ التَّقْوَى ذَلِكَ خَيْرٌ ذَلِكَ مِنْ آيَاتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (26) يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27). فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) . يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36).

  1. التحذير من رؤساء الضلال الذين كذبوا الرسول و أضلوا أقوامهم وكانوا سببًا لهلاك أقوامهم وأكبرهم فرعون الذي أطالت السورة في ذكره، والتحذير من اتباع أمثالهم، سواء كان من الملأ، أم من العلماء الضالين، وهو شرح لقوله تعالى: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3).


  • قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْسِبُونَ (39).
  • أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49).



  • لَقَدْ أَرْسَلْنَا نُوحًا إِلَى قَوْمِهِ فَقَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ إِنِّي أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (59) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (60).
  • وَإِلَى عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ أَفَلَا تَتَّقُونَ (65) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66). قَالُوا أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (70) قَالَ قَدْ وَقَعَ عَلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ رِجْسٌ وَغَضَبٌ أَتُجَادِلُونَنِي فِي أَسْمَاءٍ سَمَّيْتُمُوهَا أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ مَا نَزَّلَ اللَّهُ بِهَا مِنْ سُلْطَانٍ فَانْتَظِرُوا إِنِّي مَعَكُمْ مِنَ الْمُنْتَظِرِينَ (71).
  • وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73). قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ.
  • قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89) وَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْبًا إِنَّكُمْ إِذًا لَخَاسِرُونَ (90) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ (92) فَتَوَلَّى عَنْهُمْ وَقَالَ يَاقَوْمِ لَقَدْ أَبْلَغْتُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَنَصَحْتُ لَكُمْ فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ (93).
  • ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103) وَقَالَ مُوسَى يَافِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ (104). قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) .(108) قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109) يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ فَمَاذَا تَأْمُرُونَ (110) قَالُوا أَرْجِهْ وَأَخَاهُ وَأَرْسِلْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ (111) يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112). قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124). وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127). فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131) وَقَالُوا مَهْمَا تَأْتِنَا بِهِ مِنْ آيَةٍ لِتَسْحَرَنَا بِهَا فَمَا نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ (132).
  • أمثلة للعلماء الضالين المضلين:


  1. فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا وَإِنْ يَأْتِهِمْ عَرَضٌ مِثْلُهُ يَأْخُذُوهُ أَلَمْ يُؤْخَذْ عَلَيْهِمْ مِيثَاقُ الْكِتَابِ أَنْ لَا يَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ وَدَرَسُوا مَا فِيهِ وَالدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ (169).

2.وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانْسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ (175) وَلَوْ شِئْنَا لَرَفَعْنَاهُ بِهَا وَلَكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَاتَّبَعَ هَوَاهُ فَمَثَلُهُ كَمَثَلِ الْكَلْبِ إِنْ تَحْمِلْ عَلَيْهِ يَلْهَثْ أَوْ تَتْرُكْهُ يَلْهَثْ ذَلِكَ مَثَلُ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا فَاقْصُصِ الْقَصَصَ لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ (176) سَاءَ مَثَلًا الْقَوْمُ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَأَنْفُسَهُمْ كَانُوا يَظْلِمُونَ (177).

4)ذكر جهالات العرب في اتباعهم أولياء من دون الله، ومخالفتهم لأمر الله تعالى وضلالهم في ذلك، وذكر ذلك في بداية السورة وخاتمتها، وهذه هي طريقة القرآن المحورية، فالبداية والخاتمة يلتقيان ويوضع موضوع في الوسط يدعم البداية والنهاية، كالترغيب بالجنة أو الترهيب من النار أو قصة أو نحو ذلك ، وفي بادئ الرأي قد يظن أنه لا علاقة له بالمقدمة والخاتمة، لكنها تشد السورة وتربطها وتدعم الموضوع[22] :

  • وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (28) قُلْ أَمَرَ رَبِّي بِالْقِسْطِ وَأَقِيمُوا وُجُوهَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَادْعُوهُ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ كَمَا بَدَأَكُمْ تَعُودُونَ (29) فَرِيقًا هَدَى وَفَرِيقًا حَقَّ عَلَيْهِمُ الضَّلَالَةُ إِنَّهُمُ اتَّخَذُوا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَيَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ مُهْتَدُونَ (30) يَابَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِنْدَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ (31) قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ كَذَلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَنْ تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33).
  • قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188) هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195).


  1. ذكر الذين اتبعوا كتب الله ورسله، مع تحذيرهم من الضلالِ بعد الهدايةِ وكفرانِ النعمة وعدمِ الصبر، وتصبيرهم وتثبيتهم بذكر قدوات ممن ضحى في اتباع الرسل ولم ينصع للشيطان ولا للملأ المستكبرين، وبيان حسن عاقبتهم وفوزهم ونجاتهم دنيا وأخرى:


  1. فأما تحذيرهم من الضلال بعد الهداية وكفران النعمة، وعدم الصبر، ففي قوله تعالى:


  • وَقَطَّعْنَاهُمُ اثْنَتَيْ عَشْرَةَ أَسْبَاطًا أُمَمًا وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى إِذِ اسْتَسْقَاهُ قَوْمُهُ أَنِ اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانْبَجَسَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْنًا قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَشْرَبَهُمْ وَظَلَّلْنَا عَلَيْهِمُ الْغَمَامَ وَأَنْزَلْنَا عَلَيْهِمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُوا مِنْ طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ (160) وَإِذْ قِيلَ لَهُمُ اسْكُنُوا هَذِهِ الْقَرْيَةَ وَكُلُوا مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ وَقُولُوا حِطَّةٌ وَادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا نَغْفِرْ لَكُمْ خَطِيئَاتِكُمْ سَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ (161) فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ قَوْلًا غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِجْزًا مِنَ السَّمَاءِ بِمَا كَانُوا يَظْلِمُونَ (162).
  • وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَلَمَّا سُقِطَ فِي أَيْدِيهِمْ وَرَأَوْا أَنَّهُمْ قَدْ ضَلُّوا قَالُوا لَئِنْ لَمْ يَرْحَمْنَا رَبُّنَا وَيَغْفِرْ لَنَا لَنَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ (149)وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151) إِنَّ الَّذِينَ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ سَيَنَالُهُمْ غَضَبٌ مِنْ رَبِّهِمْ وَذِلَّةٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُفْتَرِينَ (152) وَالَّذِينَ عَمِلُوا السَّيِّئَاتِ ثُمَّ تَابُوا مِنْ بَعْدِهَا وَآمَنُوا إِنَّ رَبَّكَ مِنْ بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَحِيمٌ (153) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَى مِنْ بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَهُ خُوَارٌ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ وَلَا يَهْدِيهِمْ سَبِيلًا اتَّخَذُوهُ وَكَانُوا ظَالِمِينَ (148) وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَامُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ (138) إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (139) قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ.


  1. وأما وتصبيرهم وتثبيتهم بذكر قدوات ممن ضحى في اتباع الرسل ولم ينصع للشيطان ولا للملأ المستكبرين ففي قوله تعالى:



  • قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76).
  • وَإِنْ كَانَ طَائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ وَطَائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا فَاصْبِرُوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنَا وَهُوَ خَيْرُ الْحَاكِمِينَ (87) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لَنُخْرِجَنَّكَ يَاشُعَيْبُ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَكَ مِنْ قَرْيَتِنَا أَوْ لَتَعُودُنَّ فِي مِلَّتِنَا قَالَ أَوَلَوْ كُنَّا كَارِهِينَ (88) قَدِ افْتَرَيْنَا عَلَى اللَّهِ كَذِبًا إِنْ عُدْنَا فِي مِلَّتِكُمْ بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْهَا وَمَا يَكُونُ لَنَا أَنْ نَعُودَ فِيهَا إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ رَبُّنَا وَسِعَ رَبُّنَا كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ قَوْمِنَا بِالْحَقِّ وَأَنْتَ خَيْرُ الْفَاتِحِينَ (89).
  • يَأْتُوكَ بِكُلِّ سَاحِرٍ عَلِيمٍ (112) وَجَاءَ السَّحَرَةُ فِرْعَوْنَ قَالُوا إِنَّ لَنَا لَأَجْرًا إِنْ كُنَّا نَحْنُ الْغَالِبِينَ (113) قَالَ نَعَمْ وَإِنَّكُمْ لَمِنَ الْمُقَرَّبِينَ (114) قَالُوا يَامُوسَى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ نَحْنُ الْمُلْقِينَ (115) قَالَ أَلْقُوا فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ وَجَاءُوا بِسِحْرٍ عَظِيمٍ (116) وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ (117) فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ (118) فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ (119) وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ (120) قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ (121) رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ (122) قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا فَسَوْفَ تَعْلَمُونَ (123) لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ (124) قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَتِّلُ أَبْنَاءَهُمْ وَنَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ (127) قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ اسْتَعِينُوا بِاللَّهِ وَاصْبِرُوا إِنَّ الْأَرْضَ لِلَّهِ يُورِثُهَا مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ (128) قَالُوا أُوذِينَا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَأْتِيَنَا وَمِنْ بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَنْ يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ (129) وَلَقَدْ أَخَذْنَا آلَ فِرْعَوْنَ بِالسِّنِينَ وَنَقْصٍ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (130)فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ (131).
  • وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ قَالَ ابْنَ أُمَّ إِنَّ الْقَوْمَ اسْتَضْعَفُونِي وَكَادُوا يَقْتُلُونَنِي فَلَا تُشْمِتْ بِيَ الْأَعْدَاءَ وَلَا تَجْعَلْنِي مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (150) قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَلِأَخِي وَأَدْخِلْنَا فِي رَحْمَتِكَ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ (151).
  • وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159).


  1. وأما بيانُ حسنِ عاقبةِ الذين اتبعوا كتبَ اللهِ ورسلَه وفوزِهم ونجاتِهم دنيا وأخرى ففي قوله تعالى:


  • وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44).
  • فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64).
  • فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ (72).
  • وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83).
  • وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96).
  • وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137).
  • وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَالَّذِينَ هُمْ بِآيَاتِنَا يُؤْمِنُونَ (156) الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157).
  • وَالَّذِينَ يُمَسِّكُونَ بِالْكِتَابِ وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ إِنَّا لَا نُضِيعُ أَجْرَ الْمُصْلِحِينَ (170).

ونحن إذا تأملنا القصص[23] التي ذكرت في السورة نلاحظ توضيحها ودعمها وإشارتها لمقصود السورة وشرحها لمقدمتها:

ففي بداية السورة الأمرُ باتباعِ ما أنزل من ربنا، واتباعِ الرسل الذين جاءوا بالتوحيد الذي هو دين الله تعالى لجميع البشرية، والشكرِ لله الخالِق، واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ دون توانٍ، وقد ذكرت السورة قصص الرسل مع أقوامهم، وحذرت من اتباع أولياء من دون الله :
وأولهم وأخطرهم الشيطان الذي استفاضت السورة في ذكر قصته وحذرت من خطره، وكالملأ الكفار المستكبرين الذين هم رؤساء الضلال الذين كانوا سببًا لهلاك أقوامهم: في قصة سيدنا نوح، وهود، وصالح ،ولوط، وشعيب ،وموسى عليهم الصلاة والسلام ، وأكبرهم فرعون ، وكعلماء الضلال الذين يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ومنهم الذي انسلخ من الآيات فأتبعه الشيطان، وحذرت من الضلال بعد الهداية وكفران النعمة وعدم الصبر بقصة الذين عصوا في السبت، وفي قصة بني إسرائيل الذين لم يشكروا النعم ، صبرتهم وثبتتهم بذكر قدوات ممن ضحى في سبيل اتباع الرسل ولم ينصع للشيطان ولا للملأ المستكبرين كسحرة فرعون، وقصة من آمن من بني إسرائيل، وقصة نجاة من آمن من أتباع سيدنا نوح ،وهود ،وصالح، ولوط، وشعيب :
ففي قصة نوح مثلًا نرى أن ختام القصة فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [الأعراف: 64]، وفي قصة هود عليه الصلاة والسلام: فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ[الأعراف:72] وفي قصة لوط عليه الصلاة والسلام : وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ (82) فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ (83) [الأعراف:83،82] ، وفي قصة موسى : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ (137) الأعراف: 137] .
ولا تكتفي السورة بالأمر بالاتباع لكتب الله ورسله، والتحذير من اتباع الأولياء بل تنْهَى الناس أنْ يتخذوا حالة وسطًا، فلذلك تذكر قصة الأعراف، وقصة أصحاب السبت وانقسام الناس فيهما إلى ثلاثة أقسام: متبعٍ للآيات والرسل، ومكذبٍ بها، متوسطٍ بينهما.
قال البقاعي:

  1. قصة الأعراف: تتضمن الإشراف على الجنة والنار والوقوف على حقيقة ما فيها وما أعد لأهلها الداعي إلى امتثال كل خير، واجتناب كل شر، والاتعاظ بكل مرقق.
  2. وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم [الأعراف: 3] فإنه هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس.
  3. ثم أتبع ذلك بقصة آدم ـ ـ ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27].
  4. وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين [الأعراف: 7] وختم القصص فيها بقوله: فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف: 176] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا [الأعراف: 175]، ثم قال: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا [الأعراف: 176] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص، وكيف ألحق مَنْ كذب رسول الله ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ من العرب وغيرهم بمن قصَّ ذكره من المكذبين.

4.الآية الرابعة: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4).

·كانت الآية الأولى والثانية من السورة في بيان إنزال الكتاب إلى الرسول ـ ـ لينذر به كل الناس وذكرى وموعظة لأهل الإيمان، والآية الثالثة بيان لما يبدأ به من التبليغ وهو أنْ يأمر الناس باتباع ما أنزل إليهم من ربهم وألا يتبعوا من دونه أحدًا يتولونه في أمر التشريع الخاص بالرب تعالى، وأمرهم بالقبول والمتابعة ، ولما كان الإنذار تعليمًا مقرونًا بالتخويف من عاقبة المخالفة قفَّى بالتخويف من عاقبة المخالفة لاتباع ما أنزل إليهم ولِمَا يتلوه من أصول الدين وفروعه، فبدأ في هاتين الآيتين بالتخويف من عذاب الدنيا، فحذرهم عقوباته للأمم الذين كذبوا ما جاءتهم به رسلهم ، لئلا يشابهوهم، وحذرهم ترك الاتباع والإعراض عنه:

وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4).

  • فأخبر سبحانه و تعالى - على وجه الترهيب للكفار والإيعاد لهم - أنه أهلك كثيرًا من القرى الكافرة العاصية بما له من العظمة، وأنه أنزل عليهم بأسه، يعني عذابه، والبأس: القوة الشديدة التي تؤدي إلى القتل وإلحاق الضرر بمن توجه إليه،" بياتًا " يعني في الليل سمي الليل بياتًا لأنه يبات فيه، " أوهم قائلون " نائمون وقتَ القيلولة وهي: نصف النهار للاستراحة، وأصله الراحة، فمعنى أقلته البيعَ: أرحته منه بإعفائي إياه من عقده، وقِلت: إذا استرحتَ إلى النوم ، في وسط النهار .
  • وإنما خصّ هذين الوقتين: وقتَ البيات ووقتَ القيلولة؛ لأنهما وقت الغفلة والدعة، فيكون نزول العذاب فيهما أشدّ وأفظع، يعني أنهم كانوا في كل من الوقتين غافلين بسبب أنهم كانوا آمنين، لم يظنوا أنَّ شيئاً من أعمالهم موجب للعذاب ولا كانوا مترقبين لشيء منه.
  • والمعنى: حذِّرْ هؤلاء العابدين غيري والعادلين بي الاَلهةَ والأوثانَ ـ سخطي وعقوبتي فأُهْلِكُهم كما أهلكتُ من سلك سبيلهم من الأمم قبلهم، فكثيرًا ما أهلكت قبلهم من أهل قرية عصوني وكذّبوا رسلي وعبدوا غيري، فجاءَها عقوبتنا ونقمتنا ليلاً قبل أن يصبحوا، أو في هم قائلون.

  • فإن قلت: فما معنى قوله: أهلكناها فَجَاءهَا بَأْسُنَا والإهلاك إنما هو بعد مجيء البأس؟ فأحسن جواب أنَّ الفاء تفصيلية من عطف المفصّل على المجمل[24] وفيها مع التفصيل ارتقاء في مفهوم العذاب ، كقوله تعالى: فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ[الأعراف:136] ،وقول علي " «تَوَضَّأَ فَغَسَلَ وَجْهَهُ ثَلَاثًا، وَغَسَلَ ذِرَاعَيْهِ ثَلَاثًا، وَمَسَحَ بِرَأْسِهِ وَاحِدَةً» فالفاء في قوله تعالى (فأغرقناهم) تفسير للانتقام ، وكذلك الفاء في (فغسل) للتفسير ، لأن غسل الوجه واليدين تفسير للتوضؤ، فكذلك ههنا مجيء البأس مفسر لذلك الإهلاك مبين لكيفيته؛لأن الإهلاك ، قد يكون بالموت المعتاد ، وقد يكون بتسليط البأس والبلاء عليهم في وقت دون وقت ، فكان ذكر البأس تفسيرًا لذلك الإهلاك، وتقيدًا بالوقت كذلك، و"فيه الترقي في الإيضاح والبيان، وفي بيان الشدة من شديد إلى أشد، ومن عظيم إلى أعظم"[25] .
  • والتحقيق أنَّ في قوله تعالى: فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) احتباكًا[26] ، والتقدير: بياتاً هم فيه بائتون، أي: نائمون.
  • أو قائلة هم فيها قائلون، أي: نائمون.
  • دل إثبات " بياتاً " أولاً على حذف " قائلة " ثانياً، وإثبات " هم قائلون " ثانياً على حذف " هم نائمون " أولاً .

"وهلاك القرى التي تمردت على المرسلين سنة وعاها التاريخ، وقد فصلت سورة الأعراف ما وقع لعاد وثمود ومدين، وقوم نوح وقوم لوط"[27]، فتكرر ذكر هلاك الظالمين في هذه السورة الكريمة شرحًا لهذه المقدمة في معظم السورة، وإليك الآيات التي ورد فيها ذلك:

  • فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ [آية:64].
  • فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ بِرَحْمَةٍ مِنَّا وَقَطَعْنَا دَابِرَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَمَا كَانُوا مُؤْمِنِينَ [آية:72].
  • فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ [آية:78].
  • وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ [آية:84].
  • فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دَارِهِمْ جَاثِمِينَ (91) الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ [الآيتان:92،91].
  • وَمَا أَرْسَلْنَا فِي قَرْيَةٍ مِنْ نَبِيٍّ إِلَّا أَخَذْنَا أَهْلَهَا بِالْبَأْسَاءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَضَّرَّعُونَ (94) ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ (95)
  • وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96) أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ [الآيات:99،98،97،96].
  • ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ [آية:103].
  • فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135) فَانْتَقَمْنَا مِنْهُمْ فَأَغْرَقْنَاهُمْ فِي الْيَمِّ بِأَنَّهُمْ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَكَانُوا عَنْهَا غَافِلِينَ (136)[الآيات:136،135،134،133].
  • فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ (165) فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ (166) وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الآيات:167،166،165].

ولاحظ التقابل بين هذه المقدمة وبين والتعليق على قصص المهلكين بعد ذكر قصصهم:
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4)
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ[الآيتان:5،4]
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97)
أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[الآيات:99،98،97].
5.الآية الخامسة: فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ (5).

  • مادة (د، ع، و) تدل على طلب شيء لأن يتوجه أو يسير إليه في كل مورد بحسبه.
  • الدعوى اسم مصدر: من الدعاء بمعنى ما يتحصل من المصدر وهو الدعاء، والمراد دعاؤهم واستغاثتهم وتضرعهم مع قوة الدعاء والكرب والمصيبة والاستغاثة.
  • والمعنى: فلم يكن دعاءُ أهلِ القرى المهلكةِ القويُّ واستغاثتُهم وتضرعُهم إذ جاءهم بأسنا وسطوتنا بياتًا أو هم قائلون إلا اعترافهم على أنفسهم وإقرارهم بأنهم كانوا إلى أنفسهم مسيئين وبربهم جاحدين ولأمره ونهيه مخالفين تحسرًا.

وشرح هذه الآية قد ذكر في قصص كثيرة في هذه السورة كما هو ظاهر، فما من قوم ذكر هلاكهم إلا كرروا هذه الدعوى فلم تنفعهم كفرعون وقومه، وقوم نوح وهود وصالح وشعيب.
6.الآية السادسة: فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6).

·لما أمر تعالى الرسل في الآية المتقدمة بالتبليغ، وأمر الأمة بالقبول والمتابعة، وذكر التهديد على ترك القبول والمتابعة بذكر نزول العذاب في الدنيا، أتبعه بنوع آخر من التهديد، وهو أنه تعالى يسأل الكل عن كيفية أعمالهم يوم القيامة، فبيَّنَ عذابَهم الأخرويَّ إثرَ بيانِ عذابِهم الدنيويِّ إلا أنه قد تعرض لبيان مبادي أحوالِ المكلفين جميعاً لكونه أدخلَ في التهويل.

  • وفي ذكره دفع لوهم من يظن أن الأمر انقضى بما عذبوا به في الدنيا.
  • والفاءُ فَلَنَسْأَلَنَّ لترتيب الأحوالِ الأخرويةِ على الدنيوية ذِكراً حسَبَ ترتبها عليها وجوداً.
  • وهذه الآية وعيد ووعد من الله لجميع العالم، فهذا السؤل لا يختص بأهل العقاب بل هو عام في أهل العقاب وأهل الثواب، فمن أنكر منهم قص عليه بعلم.
  • أخبر سبحانه أنه بما له من العظمة ليسألنّ الأممَ قاطبةً قائلًا: ماذا أجبتم المرسلين الذين أرسلت إليهم رسلي؟، ماذا عملت فيما جاءتهم به الرسل من عندي من أمري ونهيي؟، هل امتثلتم أوامرنا وأحجمتم عند زواجرنا كما أمرتكم الرسل، أم عصيتموني، فخالفتم ذلك؟
  • وهذا السؤال توبيخ وتقريع للعصاة، وتشريف وتعظيم للمطيعين كقوله تعالى: وَيَوْمَ يناديهم فَيَقُولُ مَاذَا أَجَبْتُمُ المرسلين [القصص: 65] فوربك لنسألنهم أجمعين عما كانوا يعملون [الحجر:92].
  • وأظهر الموصول الذين موضع الإضمار تعميماً.
  • ولنسألنّ الرسل الذين أرسلتهم إلى الأمم سؤالًا يعقب الأنبياء ثواباً وكرامةً:


  1. عما أجيبوا به، كما قال: يَوْمَ يَجْمَعُ الله الرسل فَيَقُولُ مَاذَا أُجِبْتُمْ [المائدة: 109].
  2. هل بلغتموهم رسالاتي وأدّيتم إليهم ما أمرتكم بأدائه إليه، أم كان في صدوركم حرج مما أرسلناهم به فقصّرتم في ذلك؟


  • فإن قيل: فما الفائدة في سؤال الرسل مع العلم بأنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة؟
    قلنا: لأنهم إذا أثبتوا أنه لم يصدر عنهم تقصير ألبتة التحق التقصير بكليته بالأمة، فيتضاعف إكرام الله في حق الرسل لظهور براءتهم عن جميع موجبات التقصير، ويتضاعف أسباب الخزي والإهانة في حق الكفار، لما ثبت أن كل التقصير كان منهم.
  • فإن قيل فقد نفي سؤال الكفار يوم القيامة في عدة آيات، فكيف أثبت هنا؟

الجواب:

  1. أنه قد جاء السؤال منفيّاً ومثبتاً بحسب المواطن أو بحسب الكيفيّات: كسؤال التوبيخ، والتأنيس، وسؤال الاستعلام والبحث، والذي نُفيَ بقوله تعالى مثلًا: وَلاَ يُسْأَلُ عَن ذُنُوبِهِمُ المجرمون [القصص: 78] سؤالُ الاستعلامِ.
  2. أو الأولُ في موقف الحساب والثاني في موقف العقاب.

7.الآية السابعة: فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7).

  • الفاء في قوله: فلنقصن عليهم للتفريع والتّرتيب على قوله: فلنسألن.
  • أي: فلنخبرنّ الرسل والمرسل إليهم اخبارًا مستقصىً متتبعًا، بِعِلْمٍ: بعلم عظيم، فإنّ تنوين (عِلم) للتعظيم، أي:عالمين بأحوالهم الظاهرة والباطنة وما عملوا في الدنيا فيما كنت أمرتهم به، وما كنت نهيتهم عنه، وما كنا غائبين عنهم وعن أفعالهم التي كانوا يفعلونها، فعِلْمُنا غَنِي عن جوابهم ولكن السّؤال لغرض آخر، والغائب ضدّ الحاضر، والغيبة تستلزم الجهالة بأحوال المَغيب عنه عرفاً، فإنّها ولو بلغتْه بالأخبار لا تكون تامة عنده مثل المشاهد.


  1. الآية الثامنة: وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8)


  1. لما بين سبحانه في الآية السابقة أنَّ من جملة أحوالِ القيامةِ السؤالَ والحسابَ، وختم الآية السالفة بإحاطة العلم على الوجه الأبلغ المقتضي لذلك على أعلى الوجوه ، وكان الجزاء على حسب الأعمال وهي متفاوتة ـ بين في هذه الآية أن من جملة أحوال القيامة وزن الأعمال، وأثَرَه هو الثّواب والعقاب ، وتفاوتُ درجاتِ العاملين ودرَكاتِهم تفاوتاً لا يُظلمُ العاملُ فيه مثقالُ ذرّةٍ ، ولا يفوتُ ما يستحقّه فكأنّه قيل : فلنقصنَّ عليهم بعلمٍ ،و لا نكتفي بما نقص بل نزِنُه فيصير بحيث يظهر لكل أحد أنه على غاية ما يكون من التساوي، ولنُجَازِيَنَّهم على أعمالهم جزاء لا غَبْن فيه على أحد.
  2. ولما كان مقصودُ السورةِ أيضًا الحثَّ على اتباع الكتاب ذكر هذا الوزن، وهو مناسب إلى انقسام الناس إلى ثلاثة أقسام: منهم من يزيد حسناته على سيئاته وهو في الجنة، ومنهم من يزيد سيئاته على حسناته، وهو في النار، ومنهم من تتساوى حسناته مع سيئاته وهم أهل الأعراف على الأعراف، وهي ساكتة عن بيان حالهم لكنها مشيرة إليه، وسيأتي ذكرهم في هذه السورة.


  • والوزن: مصدر من قول القائل: وَزَنْت كذا وكذا، أَزِنُه وَزْنًا وزِنةً، مثل: وَعَدْته أَعِدُه وَعْدا وعِدَةً.
  • والأصح أن (الوزن) مبتدأ، و(يومئذ) ظرف منصوب به، (الحق): خبر المبتدأ، أي: والوزن في ذلك اليوم مقصور على الحق يطابق الواقع مطابقة حقيقة، ولا يتجاوز الوزنُ في ذلك اليوم الحقَّ إلى شيء من الباطل بزيادة ذرة ولا نقصِها، فيعرف كل أحد ما يستحقه من الثواب.
  • والأصح أن موازين في الآية جمعُ "ميزان" وهو الذي توزن به الأعمال، والجمعُ؛ لأنَّ لكلِّ عملٍ ميزانًا يعرف به، فهي موازين متعددة تناسب صنوف الأعمال القلبية والنفسية والفكرية والجسدية لا جمعُ "موزون"، واختار هذا الإمام الرازي، والبقاعي، والشوكاني، والشربيني، والثعالبي، والشعراوي، وعبد الكريم الخطيب وغيرهم.

قال الإمام الرازي:" الأظهر إثبات موازين في يوم القيامة لا ميزان واحد والدليل عليه قوله:
وَنَضَعُ الْمَوَازِينَ الْقِسْطَ لِيَوْمِ الْقِيَامَةِ [الأنبياء: 47]، وقال في هذه الآية: فمن ثقلت موازينه وعلى هذا فلا يبعد أن يكون لأفعال القلوب ميزان، ولأفعال الجوارح ميزان، ولما يتعلق بالقول ميزان آخر"[28].
أما الذين اختاروا أنه ميزان واحد وهم الأكثر، فقالوا: موازين جمع موزون، أي: موزونات أعماله والمراد أعماله الموزونة، ولعله عبر بها عنها إشارة إلى أن كل عمل يوزن على حدة؛ ليسعى العامل في إصلاح عمله.

  • والمعنى: وزن الأعمال والتمييز بين راجحِها وخفيفِها بميزانٍ حقيقيٍّ يوم نسأل الذين أُرسل إليهم والمرسلين ـ الحقُّ المطابقُ للواقع ولما ينبغي أن يكون عليه الأمر، لا جور فيه ولا ظلم بوجه؛ تأكيداً للحجة، وإظهاراً للنَّصَفَة، وقطعاً للمعذرة ، كما يسألهم عن أعمالهم فيعترفون بها بألسنتهم ، وتشهد بها عليهم أيديهم وأرجلهم وجلودهم ، وتشهد عليهم الأنبياء والملائكة والأشهاد ، وكما تثبت في صحائفهم فيقرؤونها في موقف الحساب ،فمن رجحت موازينه بأعماله الموزونة التي لها وزن وقدر وهي الحسنات فأولئك أي العالو الهمم هم أي خاصة المفلحون أي الظافرون بجميع مآربهم ، وأيُّ فلاح ٍبعد النجاةِ من النارِ والعودةِ إلى الجنة ، في نهاية الرحلة المديدة ، وفي ختام المطاف الطويل ؟.
  • ويقابل هذه الآيات الثلاثة في السورة:


  • وَنَادَى أَصْحَابُ الْجَنَّةِ أَصْحَابَ النَّارِ أَنْ قَدْ وَجَدْنَا مَا وَعَدَنَا رَبُّنَا حَقًّا فَهَلْ وَجَدْتُمْ مَا وَعَدَ رَبُّكُمْ حَقًّا قَالُوا نَعَمْ فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45) وَبَيْنَهُمَا حِجَابٌ وَعَلَى الْأَعْرَافِ رِجَالٌ يَعْرِفُونَ كُلًّا بِسِيمَاهُمْ وَنَادَوْا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ سَلَامٌ عَلَيْكُمْ لَمْ يَدْخُلُوهَا وَهُمْ يَطْمَعُونَ (46) وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47) وَنَادَى أَصْحَابُ الْأَعْرَافِ رِجَالًا يَعْرِفُونَهُمْ بِسِيمَاهُمْ قَالُوا مَا أَغْنَى عَنْكُمْ جَمْعُكُمْ وَمَا كُنْتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ (48) أَهَؤُلَاءِ الَّذِينَ أَقْسَمْتُمْ لَا يَنَالُهُمُ اللَّهُ بِرَحْمَةٍ ادْخُلُوا الْجَنَّةَ لَا خَوْفٌ عَلَيْكُمْ وَلَا أَنْتُمْ تَحْزَنُونَ (49) وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51).
  • الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (157)


  1. الآية التاسعة: وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9).


  • خسروا أنفسهم: غبنوا حظوظَها ونقصوها من جزيل الثواب، بتضييع الإيمان ففتاهم الثواب وحرموا سعادات أنفسهم التي هي رأس مالهم وخلدوا في النار.
  • بما كانوا بآياتنا يظلمون: «ما» مصدرية. و يظلمون: يضعونها في غير مواضعها وينقصونها حقها بالكفر والتكذيب، بما كانوا بآياتنا أي على ما لها من العظمة يظلمون يجددونه مستمرين على ذلك مصرين عليه إلى نهاية أعمارهم كما يدل عليه التعبير بالمضارع، فلا يقرّون بصحتها، ولا يوقنون بحقيقتها، وعدي الظلم بالباء لتضمنه معنى الجحود، أي: بجحودهم آياتنا على ما لها من العظمة من وضعها في غير المحل الذي يليق وإنقاص حقها، والمراد الآياتُ الإلهيةُ التي هي: الآيات القرآنية، والحجج والبراهين الدالة على التوحيد وصدق الرسول.
  • يقول جلّ ثناؤه: ومن خفت موازين أعماله الصالحة بأن طاشت وخفت كِفَّتُها فشالت فلم تثقل بإقراره بتوحيد الله، والإيمان به وبكتابه وبرسوله واتباع أمره ونهيه، فأولئك المبعدون الذين خسروا أنفسهم غبنوا حظوظ أنفسهم التي هي رأس مالهم ونقصوها من جزيل الثواب، بتضييع الإيمان ففاتهم الثواب وحرموا سعادات أنفسهم التي كانت مستعدة لها لو لم يكفروا ويعصوا وخلدوا في النار جزاء[29] .
  • وقد خسروا أنفسهم، فماذا يكسبون بعد؟، إنَّ المرء ليحاول أن يجمع لنفسه، فإذا خسر ذات نفسه فما الذي يبقى له؟8.

وقد جاءت عدة آيات في السورة شارحة لهذه الآية ومؤكدة لها:

  • وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37).
  • قَالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِكُمْ مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ فِي النَّارِ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَعَنَتْ أُخْتَهَا حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِنَ النَّارِ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَكِنْ لَا تَعْلَمُونَ (38).
  • إنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُمْ مِنْ جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِنْ فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41).
  • فَأَذَّنَ مُؤَذِّنٌ بَيْنَهُمْ أَنْ لَعْنَةُ اللَّهِ عَلَى الظَّالِمِينَ (44) الَّذِينَ يَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَيَبْغُونَهَا عِوَجًا وَهُمْ بِالْآخِرَةِ كَافِرُونَ (45).
  • وَإِذَا صُرِفَتْ أَبْصَارُهُمْ تِلْقَاءَ أَصْحَابِ النَّارِ قَالُوا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (47)
  • وَنَادَى أَصْحَابُ النَّارِ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ أَنْ أَفِيضُوا عَلَيْنَا مِنَ الْمَاءِ أَوْ مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ حَرَّمَهُمَا عَلَى الْكَافِرِينَ (50) الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51).
  • هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا تَأْوِيلَهُ يَوْمَ يَأْتِي تَأْوِيلُهُ يَقُولُ الَّذِينَ نَسُوهُ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَاءَتْ رُسُلُ رَبِّنَا بِالْحَقِّ فَهَلْ لَنَا مِنْ شُفَعَاءَ فَيَشْفَعُوا لَنَا أَوْ نُرَدُّ فَنَعْمَلَ غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ قَدْ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ (53).



  1. الآية العاشرة: وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ (10) وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ (11).


  • جملة وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ عطف على جملة: ولا تتبعوا من دونه أولياء قليلاً ما تذكرون

[الأعراف: 3].

  1. لما بدأ هذه السورة بذكر إنزال القرآن على خاتم الرسل لينذر به جميع البشر فيما يدعوهم من دينه ، وليبين أساس الدين الإلهي، وهو أن واضع الدين هو الله تعالى رب العباد، فالواجب فيه اتباع ما أنزله إليهم على أيدي الرسل، وألا يتبعوا من دونه أولياء يتولونهم ويعملون بما يأمرونهم به من عبادة وحلال وحرام ،وبيّن لهم وخامةَ عاقبة التكذيب به واتباع الأولياء من دونه بالإهلاك في الدنيا والعذاب المخلّد في الآخرة فأبْلَغَ في تحذيرهم ـ ذكّرهم في هذه الآية ما أفاض عليهم من فنون النعم الموجبةِ للشكرِ ، ومنها التمكين في الأرض، وخلق أنواع المعايش فيها، و خلق نوعهم الإنساني مستعدًا للكمال ،و من هنا تبدأ الرحلة الكبرى ، وذلك قبل أن تبدأ قصة البشرية تفصيلاً .


  • التمكين في الأصل: جعل الشيء في مكان مع قدرة، ثم استعمل في لازمه وهو التثبيت والترسيخ، والتقوية، والإقدار على التصرف، وإعطاء السلطنة، وإذا عدي بـ(في) تعلق التمكين والاستقرار والقوة بنفس المفعول فيكون في نفسه متمكنًا يقال مكنهم في الأرض: جعلهم متمكنين من التصرف تامَّي الاستقلال فيها، وجعل لهم فيها منازل وبيوتًا، وأباح منافعَها، وسَخَّر لهم أشياء كثيرة لإخراج أرزاقهم منها، فجعل لها رواسي وأنهارًا وغير ذلك.
  • معايش: جمع معيشة وهي: وهي أشياء يحصل بها العيش، وهو تصرف أيام الحياة بما ينفع، وما يعاش به من المطاعم والمشارب وغيرها، وما يؤدي إليهما من مكاسب وأسباب يتجرون فيها، ويتسببون أنواع الأسباب.
  • الخطاب لجميع الناس، وهو راجع للذين خوطبوا بقوله تعالى: اتّبِعوا ما أنزل إليكم من ربكم وما بينهما أورد مورد الاعتبار والإيقاظ بذكر ما آل إليه أمرهم في الدنيا وما يؤول إليه في الآخرة، والمراد أنَّ النوع بجملته ممكن في الأرض.
  • والتذكير بهذه النعم يتضمن أمورًا[30]:


  1. التذكيرُ لهم بأن الله هو ولي الخلق؛ لأنّه خالقهم على وجه الأرض، وخالق ما به عيشهم الذي به بقاء وجودهم إلى أجل معلوم، فهو المستحق للعبادة والشكر، ولا شك أنَّ كثرةَ الإنعامِ توجب الطاعة،
  2. والتوبيخ على قلّة شكرها، والتحذير من سلب هذه النعم كما دلّ عليه تذييل الجملة بقوله: قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ، وحاصله أنه سبحانه أوجدهم وقوّاهم وخلق لهم ما يديم قواهم، فأكلوا خيره وعبدوا غيره.
  3. التحذير مما يعرض لهم من وسوسة الشيطان التي تصدهم عن توحيد الله وعبادته واتباع كتابه، وأمر بعدم اتخاذهم أولياء يتبعونهم مخالفين ما أنزل إليهم من ربهم؛ فإنَّ الشياطين هم الذين يحملونهم بذلك على كفر النعم وعلى تحريم ما أحل الله، وتحليل ما حرمه عوضًا عن عبادة الله واتباع شرعه.
  4. التنبيه للناس ألا يغتروا بأمر المعيشة التي هي من أسباب إفساد الفطرة بالإسراف في الشهوات، من حيث إنه يجب أن تكون نعم الله عليهم بما يحتاجون إليه من أمر المعيشة سببًا لإصلاحها بشكر الله عليه الموجب للمزيد منه، الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَهُمْ لَهْوًا وَلَعِبًا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فَالْيَوْمَ نَنْسَاهُمْ كَمَا نَسُوا لِقَاءَ يَوْمِهِمْ هَذَا وَمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ (51).

فتأمل دقة بلاغة التناسب بين آيات القرآن فإنها نوع خاص من أنواع إعجازه الكثيرة.
وهناك آيات عدة في السورة هي شرح وبيان لهذه الآية الكريمة:

  • من الآيات التي ذكر استحقاقه سبحانه للشكر وهي كالشرح لهذه الآية:

إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهَارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومَ مُسَخَّرَاتٍ بِأَمْرِهِ أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ تَبَارَكَ اللَّهُ رَبُّ الْعَالَمِينَ (54) ادْعُوا رَبَّكُمْ تَضَرُّعًا وَخُفْيَةً إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ (55) وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا وَادْعُوهُ خَوْفًا وَطَمَعًا إِنَّ رَحْمَتَ اللَّهِ قَرِيبٌ مِنَ الْمُحْسِنِينَ (56) وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ حَتَّى إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَيِّتٍ فَأَنْزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ كَذَلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَى لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (57) وَالْبَلَدُ الطَّيِّبُ يَخْرُجُ نَبَاتُهُ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَالَّذِي خَبُثَ لَا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِدًا كَذَلِكَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَشْكُرُونَ (58).

  • من أهم أهداف إبليس أن يجعل الناس غير شاكرين: ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17).
  • من أمثلة عدم الشكر للنعمة:


  1. قصص بني إسرائيل التي ذكرت في هذه السورة، ومن ذلك أنهم بعد إنجائهم من آل فرعون وإيتاء الكتاب، وإنزال المن والسلوى، وتظليل الغمام، وتفجير العيون، وغير ذلك عبدوا العجل من دون الله واتبعوا السامري، وتركوا اتباع موسى وهارون .
  2. وكقصة دخولهم للأرض المقدسة وتبديلهم الذي قيل لهم.
  3. وقصة أصحاب السبت وعصيانهم.
  4. وقصة الذي أوتي آيات الله فانسلخ منها.

تنبيه : قصة موسى ـ ـ و فرعون وبني إسرائيل حوت جميع مقصود السورة وما حوته مقدمة السورة ففيها: وجوب اتباع كتب الله المنزلة ورسله في التوحيد والشكر لله الخالق، فقد كلم الله موسى وأمره بالذهاب إلى فرعون فعصى هو وقومه فهلكوا، و أنزلت التوراة على موسى فلم يستقم بنو إسرائيل فعاقبهم الله سبحانه ؛ لمخالفتهم لرسل الله وكتبه، وفيها إنذار لمن اتبع أولياء من دون الله ولم يشكر الله سبحانه مع أنه غمره بالنعم كأتباع فرعون وأتباع السامري ، وتهديد الملأ المستكبرين والتحذير من اتباعهم كفرعون وملئه والسامري وعلماء السوء الذين يأخذون عرض هذا الأدنى ويقولون سيغفر لنا ،وبيان هلاكهم، وتثبيت المبتلَين من المؤمنين ووعدهم بالنصر والتمكين، وفيها حثُّ النبيِّ ـ ـ والدعاةِ على القيام بالإنذار والذكرى والبشرى دون حرج كما فعل موسى مع فرعون وقومه.[31]
ب-المطلب الثاني: دلالة خاتمة السورة على مقصودها.

وسنذكر تفسيرها التحليلي باختصار لنصل إلى النتيجة الدقيقة في تحديد مقصد السورة؛ لأن مقصد السورة ملخص في الخاتمة كما هو ملخص في المقدمة.

  1. المجموعة الأولى: هُوَالَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190).

جملة مستأنفة استئنافاً ابتدائيًا، عاد بها الكلام إلى تقرير دليل التوحيد ببيان أن ابتداء الخلق مختص بالله سبحانه، وهو موجب لتمامِ القدرةِ ونفيِ الشريك والقدرةِ على الساعة الموجبِ لاتباع الكتاب المنزل وقَبولِ بشارته ونِذارته والإقبال بالكلية على الخالق، وإبطالِ الشرك، فهي مقابل لما في أول السورة: وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ [الأعراف:11].
وهنا أراد سبحانه أن ينكر عليهم أنهم جعلوا الأصنام هي الضارةَ النافعةَ الجالبةَ للنفع، ومن ذلك أنها المحسنةُ للأولاد، ولها علاقة في ولادتهم، فأشركوها بالله سبحانه بالشكر والدعاء والاتجاه، فذكَّرهم بالنعمة من أصلها، وهو أنه خلقهم من نفس واحدة هي آدم وجعل منها زوجها حواء، وجَعْلُ حواءَ هو جعلٌ لكلِّ زوجةٍ للأزواج؛ ليسكنوا إليها ، فــزوجهامراد به حواء وجنسها وليس حواءَ فقط .
ثم انتقل القرآن للموضوع الأصلي للإنكار على المشركين بصيغة الغيبة "فلما تغشاها "بعد الخطاب في "خلقكم" فالضمائر في "خلقكم" لكل البشر ، وأما ضمائر الغيبة في "تغشاها" فما بعدها فهي للزوج والزوجة المشركين فهي كقوله تعالى: هُوَ الَّذِي يُسَيِّرُكُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ حَتَّى إِذَا كُنْتُمْ فِي الْفُلْكِ وَجَرَيْنَ بِهِمْ بِرِيحٍ طَيِّبَةٍ وَفَرِحُوا بِهَا جَاءَتْهَا رِيحٌ عَاصِفٌ وَجَاءَهُمُ الْمَوْجُ مِنْ كُلِّ مَكَانٍ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ أُحِيطَ بِهِمْ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا مِنْ هَذِهِ لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (22)، فالخطاب في "يسيركم" لكل البشر، وضمائر الغيبة في "وجرين بهم" فما بعدها للمشركين خاصة .
قال الزجاج: "جعل من كل نفس زوجها كأنه قال: وجعل من النفس زوجها على طريق الجنس"، والآيات منصبة على المشركين وأوثانهم وفيها تنديد بهم وتحدّ لهم، وفي صرفها إلى آدم وحواء إشكال ، وفي ما حاولوه من صرف نسبة الشرك إليهما تكلف، ويدل عليه الالتفات من الخطاب في "خلقكم" إلى الغيبة في " تغشاها"، وأيضًا قوله تعالى فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)فهو يجعلنا نجزم بأنها في صدد الكلام على المشركين بالإلهية .

  1. المجموعة الثانية: أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191) وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192) وَإِنْ تَدْعُوهُمْ إِلَى الْهُدَى لَا يَتَّبِعُوكُمْ سَوَاءٌ عَلَيْكُمْ أَدَعَوْتُمُوهُمْ أَمْ أَنْتُمْ صَامِتُونَ (193) إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا قُلِ ادْعُوا شُرَكَاءَكُمْ ثُمَّ كِيدُونِ فَلَا تُنْظِرُونِ (195).

ذكر جهالات العرب في اتباعهم أولياء من دون الله، ومخالفتهم لأمر الله تعالى وضلالهم في ذلك، وذكر ذلك في بداية السورة وخاتمتها، وهذه هي طريقة القرآن المحورية، فالبداية والخاتمة يلتقيان ويوضع موضوع في الوسط يدعم البداية والنهاية، كالترغيب بالجنة أو الترهيب من النار أو قصة أو نحو ذلك، وفي بادئ الرأي قد يظن أنه لا علاقة له بالمقدمة والخاتمة، لكنها تشد السورة وتربطها وتدعم الموضوع. والمقصود من هذه الآيات إقامةُ الحجةِ على أنَّ الأوثانَ لا تصلح للإلهية ولا للشركة مع الله تعالى ببيان عجزها، وأنها من جملة خلقه ولا تصرف لها تستحق به وجهاً من التعظيم، وتوبيخُ كافةِ المشركين واستقباحُ إشراكِهم على الإطلاق وإبطالُه بالكلية ببيان شأنِ ما أشركوه به سبحانه، وتفصيلِ أحوالِه القاضيةِ ببطلان ما اعتقدوه في حقه.
وهذا يتناسب تمامًا مع مقصود السورة وهو:" وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ، وإنذارُ من لم يتبعه واستكبر واتبع أولياء من دون الله ".

  1. إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196).

اعلم أنه لما بين في الآيات المتقدمة أنَّ هذه الأصنامَ لا قدرة لها على النفع والضر بيَّن بهذه الآية أنَّ الواجب على كل عاقل عبادة الله تعالى ؛ لأنه هو الذي يتولى عباده، وهذه الآية الكريمةُ تعليلٌ لعدمِ المبالاةِ بهم وبآلهتهم، ووصفُه تعالى بتنزيلِ الكتابِ للإشعار بدليل الولايةِ ، وكأنه وضع نزل الكتاب موضع أرسلني رسولاً ،ولا شك أن الإرسال يقتضي الولاية والنصرة، كأنه قيل : لا أبالي بكم وبشركائكم ؛لأنَّ وليّيَ هو الله الذي أنزل الكتابَ المشتملَ على هذه العلوم العظيمة النافعة في الدين ، وقوله تعالى : وَهُوَ يَتَوَلَّى الصالحين تذييلٌ مقرِّرٌ لمضمون ما قبله، أي: ومن عادته أن يتولى الصالحين من عباده وينصُرَهم ولا يخذُلَهم، بنصرهم على كل مناوئ وكفايتهم لكل مهم.
وهذا وما بعده وما قبله ملتفتٌ إلى قوله تعالى: اتبعوا ما أنزل إليكم ربكم ولا تتبعوا من دونه أولياء [ الأعراف : 3 ] بالشرح ، ومناسبٌ لمقصودِ السورة وهو: "وجوبُ
اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ ... والذكرى والبشرى والتثبيت لمن اتبعه من المؤمنين، وحثُّ النبيِّ ـ ـ والدعاةِ على القيام بالإنذار والذكرى والبشرى دون حرج ".


  1. خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ [الأعراف: 199]


  • تجيء هذه التوجيهات الربانية في نهاية السورة، من الله سبحانه إلى أوليائه رسول الله ـ ـ والذين آمنوا معه، وهم بعد في مكة في مواجهة تلك الجاهلية الفاحشة من حولهم في الجزيرة العربية وفي الأرض كافة ، وفي مواجهة هذه البشرية الضالة ؛ وفي هذه الآية الأمر بضد قالهم وفعالهم ؛لأنَّ محصلَ أمرِهم الذي ذكر في هذه السورة الكريمة: التكذيبُ والإعراضُ عن الحق، والإقبالُ على ما لم يأتهم بالطلبِ والتعنتِ كالسؤال عن الساعة ، والأمرُ بالمنكر من الشرك وما يلزم منه من مساوي الأخلاق ، والنهي عن المعروف الذي هو التوحيد وما يتبعه من محاسن الشرع ، وذلك هو الجهل ،فأمر بضد حالهم.
  • وأيضًا لما كان حالهم ربما كان مؤيساً من فلاحهم، مفتِّراً عن دعائهم إلى صلاحهم، وكان حاله ـ ـ كأنه قال : فما أصنع في أمرهم ؟ أُمر ـ عليه الصلاة والسلام ـ بمجامعِ مكارمِ الأخلاقِ والمنهجِ القويمِ والصراطِ المستقيمِ فيما يتعلق بمعاملة الداعية مع الناس، والإبلاغِ في الرفقِ بهم والسماحةِ واليسرِ، وأُمِرَ وأن يعرض عنهم ولا يجاوبهم في مكروه يسمعه وأن يغضي عنهم ، صيانة لنفسه عنهم، على وجه يقيه شر الحرج والضيق، ، وهي وصية وتأديب من الله لنبيه ـ ـ تعم جميع أمته.

وهذه الآية مناسبة لما بدأت به السورة من قوله تعالى: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) فبدأت السورة بخطابه وختمت كذلك، وفي بدايتها الأمر بالتبليغ والنهي عن الحرج، وفي هذه الآية طريقة الدعوة وما يجب أن يفعله عليه الصلاة والسلام في دعوتهم ،كيف يستعين على متاعب الطريق ؟ كيف يكظِم غضبه وهو يعاني من نفوس الناس وكيدهم؟ وتتناسب مع آيات السورة التي فيها دعوة المشركين وقصص الأنبياء مع أقوامهم، وفيها ثلاث وصايا للمبلغين:

  • الوصية الأولى: خُذِ الْعَفْوَ: والأخذ: تناول شيء للانتفاع به أو للإضرار به، فاستعير للتلبس بالفعل، فيُشبّه ذلك التلبسُ واختيارهُ بأخذ شيء من بين عدة أشياء، فمعنى خُذ: عَامِل به واجْعله وصفاً ولا تتلبس بضده.


  • العفو: هذه المادة تدور على السهولة، والمراد هنا ضدُّ الجَهدِ، أي خذْ ما عفا لك وأتاك من أفعال الناس وأقوالهمِ على حسب طباعهم وأخلاقهم وتسَهَّلَ عليهم بلا جَهْدٍ ولا تكَلُّفٍ ولا مشقةٍ، ولا تكلِّفْهم ما يشُقُّ عليهم في التعامل والأفعال والأقوال ولا تداقَّهم، ولا تطلب منهم أن يتعاملوا معكم على مستوى أخلاقك، ولا تطلب الاستقصاء حتى لا ينفروا.


  • الوصية الثانية: وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ: العرف: اسم مرادف للمعروف وهو الفعل الذي تعرفه النفوس و لا تنكره إذا خليت وشأنَها مما لا ترده الشريعة، فإن ذلك أقرب إلى قبول الناس من غير نكير، وهو اسم جامع لكل جميل مستحسن من طاعة الله، والتقرب إليه، والإحسان إلى الناس، وكل ما ندب إليه ،من تعليم علم ، أو حث على خير ، أو صلة رحم ، أو بِرِّ والدين ، أو إصلاح بين الناس ، أو نصيحة نافعة ، أو رأي مصيب ، أو معاونة على بر وتقوى ، أو زجر عن قبيح ، أو إرشاد إلى تحصيل مصلحة دينية أو دنيوية، فإن النفوس حين تتعود الخير الواضح الذي لا يحتاج إلى مناقشة وجدال ، يسلس قيادها ، ويسهل توجيهها.
  • الوصية الثالثة: وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ: «الجهل» هنا ضد الحلم والرشد، والمراد الذين لا يدركون قيم الأشياء والأشخاص والكلمات فيما يبدر منهم من أنواع السفاهة والإيذاء.

أمر اللّه تعالى أن يقابل الجاهل بالإعراض عنه وعدم مقابلته بجهله، أي: لا تكافئ السفهاء بمثل سفههم، ولا تمارهم، واحلم عليهم، وأغضِ على ما يسوءك منهم، صيانة لقدرك، فإن مجاوبة السفيه تضع عن القدر؛ لأن الرد على أمثال هؤلاء ومناقشتهم لا تؤدى إلى خير.

  1. وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [الأعراف: 200]

لما أمر سبحانه بأخذ العفو والأمر بالعرف والإعراض عن الجاهلين فعند ذلك ربما ينزغه الشيطان عندما يظهر السفيه سفاهته فيهيج الغضب والغيظ ويصده عن الإعراض عن الجاهلين ويحمله على مجازاتهم، ولا يبقى على حالة السلامة، وعند تلك الحالة يجد الشيطان مجالًا في حمل ذلك الإنسان على ما لا ينبغي ، لا جرم بيَّن تعالى كيف يعمل بتعليمه الاستعاذة ،وهو شرع لأمته ما يعصمهم من الشيطان مخاطباً للرسول ـ ـ بذلك ليكون أدعى لهم إلى القبول وأجدر باشتداد الخوف المقتضي للفرار المثمر للنجاة ؛ لأنهم إذا علموا قصد الشيطان لمن نزع منه حظه وعصم من كل محنة علموا أنه لهم أشد قصداً وأعظم كيداً وصداً .
والنزغ: الغرز، كأنه ينخس الناس حين يغريهم على المعاصي، والمعنى إما ينزغنك من الشيطان نزغ بأنْ يحملك بوسوسته على خلاف ما أمرت به: فاستجر بالله من نزغه إنه سميع: بالغ السمع فهو يسمع استعاذتك فيجيبك إن شاء، ويسمع ما تظهره الألسنة، بأقوال من آذاك عليهم ولجهل الجاهل عليك،
عليم:

  1. شامل العلم بما تريد وبما في ضميرك وبما تحمله نفسك من أذاه، ويعلم تضرُّعَك إليه قلباً، وقوةَ التجائك له، فسيحميك من فتنته، ويقيك من وسوسته.
  2. بالوسوسة التي ينزغ بها الشيطان، ما يريد به الشيطان عدوُه، و بما يذهب عنك نزغ الشيطان، و يعلم ما فيه صلاح أمرك فيحملك عليه، وهذا كناية عن دفاع الله عن رسوله وأنه بمحل عناية الله تعالى كقوله: فإنك بأعْيُننا فلا يعجزه شيء.

قال العلماء: يدل على أن الاستعاذة باللسان لا تفيد إلا إذا حضر في القلب العلم بمعنى الاستعاذة، فكأنه تعالى قال: اذكر لفظ الاستعاذة بلسانك فإني سميع، واستحضر معاني الاستعاذة بعقلك وقلبك فإني عليم بما في ضميرك.
وهذه الآية فيها تتناسب مع ما قبلها:

  1. وهناك تناسب بين الجاهلين أي: السفهاء من البشر الذين أمرت الآية السابقة بالإعراض عنهم اتقاء لشرهم وبين الشياطين المستترة التي أمرت هذه الآيات بالاستعاذة بالله منهم اتقاء لشرهم.
  2. وهي تتناسب تمامًا مع بداية السورة التي ذكر فيها قصة إبليس والتحذير من خطره وعداوته ومنها قوله: لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ (16) ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ (17) [ الأعراف :17،16 ] .
  3. وتتناسب مع ما جاء في أول السورة: اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3).
  4. وتتناسب مع ما تخلق به الأنبياء الذين ذكرت قصصهم في حلمهم على أقوامهم.
  5. وتتناسب مع مقصود السورة التي فيها التحذير من أولياء الشر وأولهم الشيطان.


  1. إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ [الأعراف: 201]

استئنافٌ مقررٌ لما قبله ببيان أنَّ ما أمر به عليه الصلاة والسلام من الاستعاذة بالله تعالى سنةٌ مسلوكةٌ للمتقين، وأنّ المتقين هذه عادتهم، والإخلال بها ديدنُ الغاوين، وفيها تأكيد وتقرير لما تقدم من وجوب الاستعاذة بالله عند نزغ الشيطان فتتنزل جملة: إِنَّ الذين اتقوا إلى آخرها منزلة التعليل للأمر بالاستعاذة من الشيطان إذا أحسّ بنزغ الشيطان.
الطائف: ما يطوف به ويدور من قولهم: طاف بالشيء: إذا دار حوله، وطاف به الخيال يطيف، والمراد به هنا وسوسة الشيطان وهمزاته.

وهو إشارة إلى أن الشيطان دائر حولهم لا يفارقهم، فتارة يؤثر فيهم طوافه فيكون قد مسهم مساً هو أكبر من النزغ؛ لكونه أطاف بهم من جميع الجوانب، وتارة لا يؤثر.
والمعنى: إنّ الّذِينَ اتّقَوْا الله من خلقه بترك الشرك و المعاصي وبأداء فرائضه وطاعة أمره ، فخافوا عقابه، إذا ألمّ بهم طيف من الشيطان من غضب أو غيره مما يصدّ عن واجب حقّ الله عليهم ليحملهم بوسوسته على الشرك أو المعصية ، تذكّروا ما أمر الله به ونهى عنه وعقابَه وثوابَه ووعدَه ووعيدَه وجميعَ ما ينفعهم في ذلك إقداماً وإحجاماً ، فإذا هم مبصرون ، الإبصار هنا إبصار البصيرة، أبصروا الحقّ والسداد ومواقِعَ الخطأ ومكايدَ الشيطانِ، ودفعوا ما وسوس به إليهم ولم يُتْبعوه أنفسهم فعملوا به، وانتهوا إلى طاعة الله فيما فرض عليهم وتركوا فيه طاعة الشيطان.
ولما كانوا بإسراع التذكر كأنهم لم يمسهم شيء من أمره، أشار إلى ذلك بالجملة الاسمية مؤكداً لسرعة البصر بـ(إذا) الفجائية : وعبر بالاسم في مبصرون للثبوت والدوام، أي: ثابت إبصارهم فلا يتابعون الشيطان ، وفي ذلك تنبيه على أن مس الشيطان يعمي ويطمس ويغلق البصيرة ، وأنَّ تقوى اللهِ ومراقبته وخشية غضبه وعقابه تنير الأبصار.
وهذه الآية فيها ما يريد الله تعالى من عباده في هذه السورة من اتباع ما أنزل إليهم وعدم اتباع أولياء من دونه وأولهم الشيطان، اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)، وتريد من الناس التقوى لتثقل موازينهم عنده سبحانه وتكون بها نجاتهم وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8).




  1. وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لا يُقْصِرُونَ [الأعراف: 202].


  • لما وصف المتقين الذين هم العلماء ملوحاً إلى نصح وليهم لهم، وعرف من حالهم أنهم أعداء الشيطان، وعرف أن أضدادهم أولياؤه؛ أتبعه وصف الجاهلين وغش أوليائهم لهم.
  • يمدونهم من المد، وهو الزيادة يقال: مده يمده أي: زاده.
  • الغي: خلاف الرشد، وهو فساد المذهب والاعتقاد والرأي والفكر، وتغشٍّ و حجب وإظلام في الأمر وعدم إصابة الحق والمقصود النافع، كأن ذا الغي فسد فكره و غشيه ما لا يرى معه سبيل الحق، يقال الغاوي: للجراد لأنه يغشى الأرض بكثافة ليأكل زرعها، والغوَى كالفتى: البشم من اللبن لأنه من كثافة ما رضع وكثرته في المعدة يعوق الهضم .قال الراغب : "الغي : جهل مع اعتقاد فاسد"[32]. يقصرون: هو ما يقبل الطول، يقال أقصر عن الشيء: نزع عنه وترك وتوقف عن الاستمرار ولم يتماد وأمسك عن الفعل مع القدرة على أن يزيد.
  • الضميران المرفوعان في قوله تعالى: يمدونهم وقوله تعالى: لا يُقصرون عائدان إلى الشياطين.
  • وإخوان الشياطين:هم الذين لم يتقوا الله، ولم يلجؤوا إلى حماه، ولم يخالفوا الشيطان ، عبر عنهم بقوله : وَإِخْوَانُهُمْ أي :إخوان الشياطين من المشركين والعصاة والغافلين تزيدهم الشياطين من الضلال عن طريق الوسوسة والإغراء بارتكاب المعاصي والموبقات، ويطيلون لهم الحبْل في الغي ، تشبيهاً لحال أهل الغواية وازديادهم فيها بحال النَّعَم المطال لها الطول في المرعى وهو الغي .
  • ثُمَّ لاَ يُقْصِرُونَ أي : ثم لا يكف هؤلاء الشياطين عن إمداد أوليائهم من الإنس بألوان الشرور والآثام حتى يهلكوهم ، يزيدونهم غيّا إلى غيهم إذا ركبوا معصية من معاصي الله ، ولا يحجزُهم تقوى الله ولا خوف المعاد إليه عن التمادي فيها والزيادة منها ، فهم أبدًا في زيادة من ركوب الإثم ، والشيطان يزيدهم أبدًا .

وأشار إلى مزيد اعتنائهم بالإغواء ومثابرتهم على الإضلال والإغراء بأداة التراخيثم، وهي هنا للدلالة على تراخي الزمن واستمراره مع التراخي الرتبي.
والمعنى: ثم بعد استمرارهم في غيهم وضلالهم وفوق ذلك لا يقصرون لا يألونهم جهداً في الازدياد من الإغواء و لا ينتهون بل دائمون.

  • وهذه الآية بينها وبين أول السورة مناسبة تامة وهي قوله تعالى: وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ(5)، وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ (9)فهذه القرى المهلكة ما أهلكت إلا بعد تماديها في الغي والضلال وطاعة الشيطان ، وكذلك الذين خفت موازينهم ، فنال إخوان الشيطان عقوبة الدنيا والآخرة.
  • ثم هي ملخصة لقصص الكفرة والمتكبرين والمهلكين التي ذكرت في هذه السورة، ومبينة سبب إشراك المشركين ومعصية العاصين من قريش وغيرهم الذين لا يؤمنون بأعظم آية وهي القرآن ويقترحون غيرها.
  • ومناسبة لمقصود السورة الذي هو: " وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ، وإنذارُ من لم يتبعه واستكبر واتبع أولياء من دون الله بمثل جزاء الأمم المكذبة المستأصلة دنيا وأخرى، والذكرى والبشرى والتثبيت لمن اتبعه من المؤمنين، وحثُّ النبيِّ ـ ـ والدعاةِ على القيام بالإنذار والذكرى والبشرى دون حرج "، فهؤلاء اتبعوا الشيطان واتخذوهم أولياء من دون الله ولم يتبعوا كتب الله ولا رسله ولا شكروا الله تعالى ولا وحدوه فجزاؤهم الهلاك.



  1. وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203).

لما بين في الآية الأولى أنَّ شياطينَ الجنِّ والإنسِ لا يقصرون في الإغواء والإضلال بين في هذه الآية نوعًا من أنواع الإغواء والإضلال، وهو أنهم كانوا يطلبون آيات معينة ومعجزات مخصوصة على سبيل التعنت، كما جاء في سورة الإسراء : وَقَالُوا لَنْ نُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرَ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا[الإسراء:90] ،فكان المشركون لا يكفون عن طلب الخوارق من رسول الله ويطلبون خارقة من الخوارق المادية مثل التي جرت على أيدي الرسل من قبل ، في طفولة البشرية ، وفي الرسالات المحلية غير العالمية ، والتي لا تصلح إلا لزمانها ومكانها ، ولا تواجه إلا الذين يشاهدونها ، فكيف بمن بعدهم من الأجيال ، وكيف بمن وراءهم من الأقوام الذين لم يروا هذه الخارقة ! ،وإذا أبطأت عنهم آيات قرآنية يقولون : هلا جئتنا به من قِبَل نفسك ، فلم يكونوا يدركون طبيعة الرسول ووظيفته ، وهذا وضحته الآيات السابقة: يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187) قُلْ لَا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعًا وَلَا ضَرًّا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ،فأخبره عن تكلفهم آية تعجباً منهم وإشهاداً لتماديهم مع إغواء شياطينهم ، وأمره بما يجيبهم به .
والمعنى: وإذا لم تأت يا محمد هؤلاء المشركين بآية ومعجزة حسية من الله على حسب اقتراحهم أو آية من القرآن التي تراخى الوحى بنزولها أو فيها أمر غيبي لا يكشف كوقت الساعة، قالوا لك بجهالة وسفاهة:
لولا اجتبيتها: "الأصل الواحد في المادة هو الجمع بقيد الانتخاب والاستخراج"[33] ، ، قال الزمخشري:" يقال: اجتبتِ الفرَسُ نفسَها: إذا اجتمعتْ نفسُها راجعة بعد النفار"[34]،والافتعال يدل على الجد في الجمع والاصطفاء والاختيار والدقة والامتياز.
والمعنى على أن الآية المطلوبة الآية الحسية: لولا اجتلبتها وتكلفت من عند نفسك الإتيان بها مختارة مصطفاة وأحدثتها من نفسك وأبرزتها وجمعتها بعد نفارها وتأخرها عن الإتيان إليك.
وإن كان المراد الآية القرآنية قالوا: لولا تقولتها وافتعلتها وجئت بها من عند نفسك واخترتها، وجمعتها بعد نفارها وتأخرها عن الإتيان إليك.
ثم بين أن عدم الإتيان بتلك المعجزات التي اقترحوها لا يقدح في الغرض؛ لأن ظهور القرآن على وَفق دعواه معجزةٌ بالغةٌ باهرة ٌ، فإذا ظهرت هذه المعجزة الواحدة كانت كافية في تصحيح النبوة، فكان طلب الزيادة من باب التعنت.
قُلْ إنّمَا أتّبِعُ ما يُوحَى إليّ مِنْ رَبّي: قل يا محمد للقائلين لك إذا لم تأتهم بآية هلَّا أحدثتها من قِبَل نفسك،إنما للحصر لأمر معروف وا ضح،أتبع:أتعمد وأجتهد في اتباع ما يوحى إلي مما يأتيني به الملَك، فكل شيء أكرمني به الله قلته ولا أتعداه ، من ربي أي المحسن إليّ بتعليمي ما ينفعني لا أني آتي بشيء من عند نفسي،: إن ذلك ليس لي ولا يجوز لي فعله ؛لأن الله إنما أمرني باتباع ما يوحى إليّ من عنده ؛ لأني عبده وإليَّ أمره ، وإنما يفعلها الله تعالى ويظهرها على حسب ما يعلم من المصلحة في ذلك ، لا بحسب اقتراح الخلق .
ثم أرشدهم - سبحانه - إلى أن هذا القرآن هو أعظم المعجزات، وأبين الدلالات، وأصدق الحجج والبينات فقال: هذا بَصَآئِرُ مِن رَّبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةً لِّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ .
هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبّكُمْ هذا تعليل لاتباعه؛ لأنه كافٍ في إثبات نبوته مغنٍ عن الآيات المقترحة، قاهرٌ في وجوب اتباعه.
هذا مشير إلى ما يوحى إليه؛ تنبيهاً على أنه يجب أن يكون مستحضَراً في سائر الأذهان حاضراً بين عيني كل إنسان هذا القرآنُ والوحيُ الذي أتلوه عليكم بصائر من ربكم ،،بصائر جمع بصيرة وهي: إدراك العقل الأمور على حقائقها ، من ربكم أي الذي لم يقطع إحسانه عنكم أصلاً ، فهو جدير بأن يتلقي ما أتى منه بكل جميل، وفي التعرض لوصف الربوبيةِ المنبئةِ عن المالكيةِ والتبليغِ إلى الكمال اللائقِ مع الإضافة إلى ضميره عليه الصلاة والسلام من تشريفه عليه الصلاة والسلام والتنبيهِ على تأييده ما لا يخفى ،أي: أنوار لقلوبكم تبصر بها الحقائق وتميز بين الحق والباطل حيث كانت عمياً عن الفهم والإدراك بالكلية ، فإن البصيرة نور القلب الذي به يستبصر كما أن البصر نور العين الذي به تبصر، جَعَل ما فيه من معالم الدين والشرائع بمنزلة البصائر في القلوب.
ولما كانت البصائر جمعاً، وكانت العادة جارية بأن مفردات الجمع تكون متفاوتة، أكدها بما يشير إلى أنها خارقة للعادة في أنها على حد سواء في أعلى طبقات الهداية فقال: وهدى كامل يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم.
ورحمة: في الدارين رحم الله به عباده المؤمنين، فأنقذهم به من الضلالة والهلكة.
لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ يوجدون حقيقة الإيمان بما يجب الإيمان به، ومنه أنه تنزيل الله ووحيه، ويستمرون على تجديدها في كل وقت دون مَنْ كذَّب به وجحده وكفر به ، بل هو على الذين لا يؤمنون به غمّ وخزي ، وخصّ المؤمنين لأنهم الذين يستبصرون وهم الذين ينتفعون بالوحي يتبعون ما أمر به فيه ويجتنبون ما ينهون عنه فيه ويؤمنون بما تضمنه.
وقوله تعالى: وَهُدًى وَرَحْمَةٌ عطفٌ على بصائرُ ، وتقديمُ الظرفِ عليهما من ربكم وتعقيبُهما بقوله تعالى : لّقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ للإيذان بأن كونَ القرآنِ بمنزلة البصائرِ للقلوب متحققٌ بالنسبة إلى الكل وبه تقوم الحجة على الجميع ، وأما كونُه هدىً ورحمةً فمختصٌّ بالمؤمنين به؛ إذ هم المقتبِسون من أنواره والمغتنِمون آثاره ، والجملةُ من تمام القولِ المأمورِ به.
وهذا فيه ارتباط مع قوله تعالى:

  1. يَابَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ يَنْزِعُ عَنْهُمَا لِبَاسَهُمَا لِيُرِيَهُمَا سَوْآتِهِمَا إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لَا تَرَوْنَهُمْ إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ (27) يَابَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ أُولَئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُمْ مِنَ الْكِتَابِ حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنْتُمْ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37).
  2. و هذا رجوع لأول السورة المص (1) كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3) وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) فهو كتاب معجز عظيم وآية كافية، وهو بصائر من ربكم وهدى ورحمة لقوم يؤمنون ، ومع ذلك لا يكتفون بها ويطلبون الآيات ،وفيه بيان أن النبي ـ ، متبع لما يوحى .
  3. وفيه إشارة وارتباط ومناسبة مع آيات كثيرة في السورة،منها:


  • إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّى يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40).
  • وَلَقَدْ جِئْنَاهُمْ بِكِتَابٍ فَصَّلْنَاهُ عَلَى عِلْمٍ هُدًى وَرَحْمَةً لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (52).
  • أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَلِتَتَّقُوا وَلَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (63) فَكَذَّبُوهُ فَأَنْجَيْنَاهُ وَالَّذِينَ مَعَهُ فِي الْفُلْكِ وَأَغْرَقْنَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا عَمِينَ (64) .
  • قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنَ الْكَاذِبِينَ (66) أُبَلِّغُكُمْ رِسَالَاتِ رَبِّي وَأَنَا لَكُمْ نَاصِحٌ أَمِينٌ (68) أَوَعَجِبْتُمْ أَنْ جَاءَكُمْ ذِكْرٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَلَى رَجُلٍ مِنْكُمْ لِيُنْذِرَكُمْ وَاذْكُرُوا إِذْ جَعَلَكُمْ خُلَفَاءَ مِنْ بَعْدِ قَوْمِ نُوحٍ وَزَادَكُمْ فِي الْخَلْقِ بَسْطَةً فَاذْكُرُوا آلَاءَ اللَّهِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (69).
  • وَإِلَى ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ هَذِهِ نَاقَةُ اللَّهِ لَكُمْ آيَةً فَذَرُوهَا تَأْكُلْ فِي أَرْضِ اللَّهِ وَلَا تَمَسُّوهَا بِسُوءٍ فَيَأْخُذَكُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (73) قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا مِنْ قَوْمِهِ لِلَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا لِمَنْ آمَنَ مِنْهُمْ أَتَعْلَمُونَ أَنَّ صَالِحًا مُرْسَلٌ مِنْ رَبِّهِ قَالُوا إِنَّا بِمَا أُرْسِلَ بِهِ مُؤْمِنُونَ (75) قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ (76) فَعَقَرُوا النَّاقَةَ وَعَتَوْا عَنْ أَمْرِ رَبِّهِمْ وَقَالُوا يَاصَالِحُ ائْتِنَا بِمَا تَعِدُنَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (77) .
  • وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَاقَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ (85).
  • ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ (103).
  • حقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (105).
  • قَالَ إِنْ كُنْتَ جِئْتَ بِآيَةٍ فَأْتِ بِهَا إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ (106) فَأَلْقَى عَصَاهُ فَإِذَا هِيَ ثُعْبَانٌ مُبِينٌ (107) وَنَزَعَ يَدَهُ فَإِذَا هِيَ بَيْضَاءُ لِلنَّاظِرِينَ (108).
  • قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ (109).
  • فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمُ الطُّوفَانَ وَالْجَرَادَ وَالْقُمَّلَ وَالضَّفَادِعَ وَالدَّمَ آيَاتٍ مُفَصَّلَاتٍ فَاسْتَكْبَرُوا وَكَانُوا قَوْمًا مُجْرِمِينَ (133) وَلَمَّا وَقَعَ عَلَيْهِمُ الرِّجْزُ قَالُوا يَامُوسَى ادْعُ لَنَا رَبَّكَ بِمَا عَهِدَ عِنْدَكَ لَئِنْ كَشَفْتَ عَنَّا الرِّجْزَ لَنُؤْمِنَنَّ لَكَ وَلَنُرْسِلَنَّ مَعَكَ بَنِي إِسْرَائِيلَ (134) فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُمُ الرِّجْزَ إِلَى أَجَلٍ هُمْ بَالِغُوهُ إِذَا هُمْ يَنْكُثُونَ (135).

وهي مشيرة لمقصود السورة: "وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ، وإنذارُ من لم يتبعه واستكبر واتبع أولياء من دون الله ".

  1. وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْءَانُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [الأعراف: 204]

إرشادٌ ودلالة إلى الطريقة الموصلة لنيل الرحمة بالقرآن، والحصانة من نزغ الشيطان، والفوز بما أشير إليه من المنافع الجليلةِ ، وهي الاستماع له إذا قرئ والإنصات مدة القراءة ،فلما ذكر أن القرآن بصائر وهدى ورحمة وعظَّم شأنه جاء التوجيه إلى أدب الاستماع لهذا القرآن، والخطاب موجه للكل ويشمل المشركين بألا يعرضوا عن استماع القرآن، وبأن يتأملوه ليعلموا أنه آية عظيمة ، والمعلوم من حالهم أنهم يعرضون عن السماع ويتناهون عن الإنصات إلى القرآن، ،قال تعالى: وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ [ فصلت : 26 ].
وذِكْرُ اسم القرآن إظهارٌ في مقام الإضمار؛ لأن القرآن تقدم ذكره بواسطة اسم الإشارة فنكتة هذا الإظهار التنويه بهذا الأمر، وجعل جملته مستقلة بالدلالة غير متوقفة على غيرها، وهذا من وجوه الاهتمام بالكلام ومن دواعي الإظهارِ في مقام الإضمار.
إذَا قرئ: عليكم القُرآنُ فاستمعوا: ألقوا إليه أسماعكم مجتهدين في عدم شاغل يَشْغلكم عن السمع إذا شرع في قراءته؛ لتتفهّموا آياته وتعتبروا بمواعظه.
والاستماع أبلغ من السمع؛ لأنه إنما يكون بقصد ونية وتوجيه الحاسة إلى الكلام لإدراكه، والسمع ما يحصل ولو بغير قصد.
وأنصتوا الإنصات: الاستماع مع ترك الكلام ،" والإنصات على هذا أقوى من الاستماع وفيه من الاستعداد للقبول، أو من الخشوع - ما ليس في الاستماع الذي يتحقق بمجرد الاستعداد لوصول الصوت إلى الأذن، ولعل هذا يفسر مجيء الإنصات بعد الاستماع في الآية الكريمة كما يفسر الاكتفاء به في قوله تعالى: فلما حضروه قالوا أنصتوا "[35]، أي: اسكُتوا في خلال القراءةِ وراعوها إلى انقضائها تعظيماً له وتكميلاً للاستماع للتأمل والتدبر لتنجلي قلوبكم، فتعلموا حقيقته فتعملوا بما فيه ؛ لأنّ ما اشتمل على هذه الأوصاف من البصائر والهدى والرحمة حريّ بأن يصغى إليه حتى يحصل منه للمنصت هذه النتائج العظيمة وينتفع بها ،فيستبصر من العمى ويهتدي من الضلال ،لَعَلّكُمْ تُرْحَمُونَ: يقول : ليكون حالكم حالَ من يرجى رحمته، التي هي أقصى ثمراتِه، فمن استمع وأنصت كان جديرًا بأن يفهم ويتدبر ، وهو الذي يرجى أن يرحم.
وقد خُتمت السورة بالقرآن كما بُدئت بالقرآن: كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ لِتُنْذِرَ بِهِ وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ (2) اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)،وهذا يشير إلى أن مقصود السورة:" وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ.. والذكرى والبشرى والتثبيت لمن اتبعه من المؤمنين.. ".
10)وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205):

ثم أتبعه بأدب ذكر الله تعالى؛ مع التنبيه إلى مداومة هذا الذكر وعدم الغفلة عنه، لتزكية النفس وليكون زادًا للدعوة وللطريق الشاق، ولتحصيل المقصود من الخلق وهو العبادة، وخلاصتها معرفة الله سبحانه وشكره لنيل رضا الله سبحانه ورحمته، وليكون حرزًا من نزغ الشيطان، وليندرجوا في سلك أهل السعادة للحفظ عن غضبه وهلاكه، وهو نوع من التربية العملية الروحية في إعلان التمسك بالحق والدعوة إليه خلافًا لمن ذكرت قصتهم في السورة من المهلكين.
فالآية لها علاقة وثيقة بموضوع السورة، وبآياتها ومنها:

  1. قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ [الأعراف:10].
  2. ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ [الأعراف:17].
  3. ولها علاقة المقابلة للذين تركوا الهداية والذكر والعبادة وكانوا غافلين وذكروا أصنامهم بدل ذكر الله تعالى، وللذين انسلخوا عن آيات الله تعالى فأتبعهم الشيطان فكانوا من الغاوين.

والظاهر أن قوله تعالى: وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ عطف على في نفسك فهي حالة مغايرة لقوله فِي نَفْسِكَ لعطفها عليها، والعطف يقتضي التغاير[36] ، وعلى هذا ذكرت الآية نوعينمن الذكر: ذكرًا بالنفس، وذكرًا باللسان دون الجهر.
والمعنى:وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ هو باستحضار عظمة ربك - - في قلبك وراقبه في كل حال، وبأَنْ تَسْتَحْضِرَ مَعْنَى أَسْمَائِهِ وَصِفَاتِهِ وَآيَاتِهِ وَآلَائِهِ وَفَضْلَهَ عَلَيْكَ وَحَاجَتَكَ إِلَيْهِ وغيرَ ذلك،ذكراً يكون راسخاً فيك مظروفاً لك ، ولتكن مُتَضَرِّعًا لَهُ خَائِفًا مِنْهُ ، وليكن ذكرك سراً ؛لأن ذلك أقرب إلى الإخلاص وأعون على التفكر ، وكونه سراً دال على أشرف الأحوال ، وهو المراقبة مع تحقق القرب ، وخائفًا منه - سبحانه أشد الخوف خوفًا ملازمًا كما تشير له صيغة مصدر الهيئة ، و الضراعة هي: التملق بنوع من الخشوع والخضوع ففيها ضَعفٌ وَذُلٌّ وَتَلَوٍّ ، والتفعل: للتكلف والمبالغة، والخيفة : أشد الخوف والخشية من سلطان الربوبية .

ودون الجهر: واذكره بلسانك دون الجهر؛ لأنه أدخل في الإخلاص، فالأول: في نفسك بالقلب، والثاني: دون الجهر: باللسان، والمراد بالجهر: رفع الصوت بإفراط، وبما دونه ما هو أقل منه، وهو الوسط بين الجهر والمخافتة، قال ابن عباس : هو أن يسمع نفسه.
بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ لا سيما في هذين الوقتين؛ لفضل هذين الوقتين؛ لأنهما طرفا النهار ولأنهما وقت سكون ودعة وتعبد واجتهاد، وما بينهما الغالب فيه الانقطاع إلى أمر المعاش.
جمع غدوة وهو ما بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، والآصال: جمع أصيل وهو آخر النهار إلى الغروب.
ولما أمره بالذكر أكد ذلك بالنهي عن أن يكون من الغافلين من الذين يغفلون عن ذكر اللّه ويلهون عنه ولا تغفل طرفة عين.
"بدأت سورة الأعراف بذكر الكتاب واتباع ما أنزل في الكتاب ليؤمنوا به ويتبعوه، فذكر الله تعالى ليس مجرد الذكر باللسان، ولكنه ذكر بالقلب والجوارح ليتقوى الإنسان على نزغات الشيطان، ويترك الانشغالَ بالدنيا والتعلقَ بها ونسيانَ الآخرة، وبهذا يتزود الإنسان الزاد الذي يقوى به على مشاق الحياة، فاتباع منهج الله المنزل في كتابه الكريم هو الأمان لمواجهة التغيير، والركيزة لتغيير واقع جاهلي إلى واقع رباني.[37]

إنه التذكر الدائم والاستحضار الدائم لجلال الله، ومراقبته في كل حال ومراقبته في السر والعلن، وفي الصغيرة والكبيرة، وفي الحركة والسكنة، وفي العمل والنية، " فخير ما يعصم المرء تشبثه بذكر الله، فإن هذا الذكر يعصمه من الزلل ويستبقيه في مستوى رفيع، وخير الذكر هو الكتاب الكريم".[38]


  1. إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ [الأعراف: 206]

لما ذكر في هذه السورة حال المتكبرين الذين لا يوحدون ولا يعبدون الله تعالى ولا يخضعون له ، ورغب بالتوحيد وعبادته سبحانه وشكره ،وبالمواظبة على الذكر ـ ذَكَر عقيبه ما يقوي دواعيه و يبعث إلى الذكر و الطاعة والاستكانة والخضوع له، ويدعو إلى عدم الاستكبار، وهو أن الملائكة مع فضلها وارتفاع منزلتها ودرجتها وعظمتها وقربها من رحمة الله وفضله لتوفرهم على طاعته ـ لا يستكبرون عن عبادته سبحانه بل هم مواظبون على العبودية والسجود والخضوع والخشوع لله سبحانه، ويختصونه بالعبادة لا يشركون به غيره، مستديمين لعبادته ، ملازمين لخدمته ، فلتعلموا أن اللّه لا يريد أن يتكثر بعبادتكم من قلة ، ولا ليتعزز بها من ذلة ، وإنما يريد نفع أنفسكم ، وأن تربحوا عليه أضعافَ أضعافِ ما عملتم،
وفيه تعريض بمن سواهم، فالإنسان المبتلى بظلمات عالم الجسمانيات والمستعد للذات البشرية والبواعث الإنسانية أولى ألا يستكبر عن عبادته، وأولى بالمواظبة على الطاعة، فَلَا تَكُنْ من الْغَافِلِينَ فِيمَا أُمِرْت بِهِ وَكُلِّفْته.
ولما كانت العبادة ناشئة عن انتفاء الاستكبار بدأ بها فقال سبحانه: لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ كما يفعل المشركون المعاندون، وَيُسَبِّحُونَهُأي يدومون على تسبيحه بدون فتور، والتسبيح هو تنزيه الرب وتبرئته من جميع النقائص وما لا يليق به سبحانه وعن معاني الخلق، وله أي وحده يسجدون يخضعون له في الغاية ويتلبسون بالانحناء له سبحانه لا لغيره، وتقديم المجرور، يؤذن بالاختصاص، واختيار صيغة المضارع لدلالتها على التجديد والاستمرار.
وقد تضمنت الآية الإخبار عن الملائكة الأبرار بثلاثة أخبار:

  1. عدم الاستكبار الذي هو أجلُّ أنواعِ العبادةِ؛ إذ هو الحامل على الطاعة كما أن ضده حامل على المعصية.
  2. والتسبيح الذي هو التنزيه عن كل مالا يليق.
  3. وتخصيصه بالسجود.

ولما كانت العبادة على قسمين: قلبيةٍ وجسميةٍ، أشار إلى القلبية بتنزيه الله تعالى عن كل سوء، وإلى الجسمية بالسجود، وهذه أول سجدة في القرآن، مما يشرع لتاليها ومستمعها السجود.
وهذه الآية الكريمة مشيرة لموضوع السورة وهو:

  1. "وجوبُ اتباعِ هذا الكتابِ المعجزِ في التوحيدِ الذي هو دين الله لجميع البشرية والشكرِ لله الخالِق واتباعِ الرسول الذي جاء به بِجِدٍّ "، وأعظم ذلك ومظهره عدم الاستكبار والتسبيح والسجود لله تعالى.
  2. "وإنذارُ من لم يتبعه واستكبر واتبع أولياء من دون الله بمثل جزاء الأمم المكذبة المستأصلة دنيا وأخرى"، فالآية مقررة أنَّ الله سبحانه غني عنهم، له من يعبده ويوحده ويخضع له سواء عبدوا أم لا.
  3. "الذكرى والبشرى والتثبيت لمن اتبعه من المؤمنين"، فهم يعبدون الله تعالى ومعهم في ذلك الملائكة يسبحونه ويسجدون له.

وقد رجع آخر السورة في الأمر باتباع القرآن إلى أولها أحسن رجوع.
وفي وصف المقربين بعدم الاستكبار والمواظبة على وظائف الخضوع رجوع إلى ما يقابل وصف إبليس بعصيان أمر الله في السجود لآدم على طريق الاستكبار.
وقد شرع الله تعالى لنا السجود عند تلاوة هذه الآية أو سماعها إرغاما للمشركين ، واقتداء بالملائكة العالين .
جاء في التناسق الموضوعي في سورة الأعراف:" ثم في ذكر الملائكة وسجودهم وخضوعهم وتنزيههم له سبحانه وحده ، نقيض ما تحدثت به الآيات السابقة عن الكفار المشركين ، وعن أول المستكبرين إبليس اللعين، وبيان أنَّ هذا الاستكبار هو الداء اللعين الصارف عن التبصر بآيات الله الكونية والإنسانية ، وأن هذه السجدة هي سجدة اتصال الخالق بالمخلوق، فالله تعالى يقوي عزيمة عباده ويشحذ همتهم ويوجههم إليه فيزودهم بما يغنيهم عمن سواه؛ لذلك يضرب الله تعالى لعباده المثل بالملائكة الأخيار الدائبين على عبادته وتنزيهه ويسجدون لجلاله ، فالآيات فيها حث على أن يكون المخلوق العابد بين مقامي الخوف والرجاء، وإذا حصل هذا في قلب العابد قوي الإيمان ونور القلب وحصل ملاك الخير.
فقد ختمت السورة بأمر عظيم، أمر ذكر في البداية وهو أن من تمسك بمنهج القرآن واهتدى بهديه نجا واختتمت السورة بوصية وهي: أن نذكره ولا نغفل عنه ، وألا يغفل القلب عن مراقبته، فالإنسان أحوج إلى أن يظل على اتصال بربه ؛ ليقوى ويَصْلُب أمام المؤثرات والصدمات والجاهليات ، فالطريق شاقٌّ، والطبيعة قابلة للغفلة والنزغ والجهد قليل، فهذه توجيهات رسمت المنهج الإنساني في معاملة الله الناس في سياستهم الاجتماعية والدينية والخلقية ،وجمعت كل مكارم الأخلاق في وضوح كالنور سطوعًا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها "[39]، قال محمود شلتوت:" سجود التلاوة نوع من التربية العملية الروحية في إعلان التمسك بالحق والإعراض عن الباطل ومراغمة المبلطين ، والسير في طريق المثل العليا للذين حملهم الله أمانة الحق والدعوة إليه ، وبذلك كانت سجدة التلاوة شعارًا عامًا للمؤمنين في إعلان تقديسهم لمبادئهم ، وتقديس كتابهم ، وشدتهم في مخالفة الباطل والمبطلين كلما قرؤوا القرآن وكلما سمعوه".[40]

وهناك علاقة وثيقة بين مقدمة السورة وخاتمتها وهو الذي يسمى رد العجز على الصدر، والمقطع على المطلع[41] ، وفيها إشارة واضحة لمقصود السورة، وإليك جدولًا يوضح ذلك:

المص (1) [أي أن القرآن معجز فأتوا بمثله]
وَإِذَا لَمْ تَأْتِهِمْ بِآيَةٍ قَالُوا لَوْلَا اجْتَبَيْتَهَا
كِتَابٌ أُنْزِلَ إِلَيْكَ
إِنَّ وَلِيِّيَ اللَّهُ الَّذِي نَزَّلَ الْكِتَابَ وَهُوَ يَتَوَلَّى الصَّالِحِينَ (196)
لِتُنْذِرَ بِهِ
إِنْ أَنَا إِلَّا نَذِيرٌ
وَذِكْرَى لِلْمُؤْمِنِينَ
الاحتباك يدل على أنه بشرى للمؤمنين
وَبَشِيرٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (188)، هَذَا بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (203)
اتَّبِعُوا مَا أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ

قُلْ إِنَّمَا أَتَّبِعُ مَا يُوحَى إِلَيَّ مِنْ رَبِّي، وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ (204)
وَلَا تَتَّبِعُوا مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءَ قَلِيلًا مَا تَذَكَّرُونَ (3)
فَلَمَّا آتَاهُمَا صَالِحًا جَعَلَا لَهُ شُرَكَاءَ فِيمَا آتَاهُمَا فَتَعَالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ (190) أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئًا وَهُمْ يُخْلَقُونَ (191)، وَإِخْوَانُهُمْ يَمُدُّونَهُمْ فِي الْغَيِّ ثُمَّ لَا يُقْصِرُونَ (202)
وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْنَاهَا فَجَاءَهَا بَأْسُنَا بَيَاتًا أَوْ هُمْ قَائِلُونَ (4) وهذه الآية في مركز المقدمة، والمركز يكون في الوسط وهو كذلك في شرح السورة
يقابلها بعد انتهاء القصص في وسط السورة
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (96)
أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ (97) أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ (98) أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ[الآيات:99،98،97].

والاحتباك يدل على أنهم أهلكوا لكفرهم وعصيانهم ولعدم اتباعهم
وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ (205) إِنَّ الَّذِينَ عِنْدَ رَبِّكَ لَا يَسْتَكْبِرُونَ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيُسَبِّحُونَهُ وَلَهُ يَسْجُدُونَ (206)

وَلَقَدْ خَلَقْنَاكُمْ ثُمَّ صَوَّرْنَاكُمْ ثُمَّ قُلْنَا لِلْمَلَائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ فَسَجَدُوا إِلَّا إِبْلِيسَ لَمْ يَكُنْ مِنَ السَّاجِدِينَ
هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَجَعَلَ مِنْهَا زَوْجَهَا لِيَسْكُنَ إِلَيْهَا فَلَمَّا تَغَشَّاهَا حَمَلَتْ حَمْلًا خَفِيفًا فَمَرَّتْ بِهِ فَلَمَّا أَثْقَلَتْ دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُمَا لَئِنْ آتَيْتَنَا صَالِحًا لَنَكُونَنَّ مِنَ الشَّاكِرِينَ (189) .
فَمَا كَانَ دَعْوَاهُمْ إِذْ جَاءَهُمْ بَأْسُنَا إِلَّا أَنْ قَالُوا إِنَّا كُنَّا ظَالِمِينَ .
وَلَا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْرًا وَلَا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (192)، إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ عِبَادٌ أَمْثَالُكُمْ فَادْعُوهُمْ فَلْيَسْتَجِيبُوا لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (194) أَلَهُمْ أَرْجُلٌ يَمْشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَيْدٍ يَبْطِشُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ أَعْيُنٌ يُبْصِرُونَ بِهَا أَمْ لَهُمْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا.
فَلَا يَكُنْ فِي صَدْرِكَ حَرَجٌ مِنْهُ.
خُذِ الْعَفْوَ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ وَأَعْرِضْ عَنِ الْجَاهِلِينَ (199) وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201)
فَلَنَسْأَلَنَّ الَّذِينَ أُرْسِلَ إِلَيْهِمْ وَلَنَسْأَلَنَّ الْمُرْسَلِينَ (6) فَلَنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ وَمَا كُنَّا غَائِبِينَ (7) وَالْوَزْنُ يَوْمَئِذٍ الْحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (8) وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازِينُهُ فَأُولَئِكَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ بِمَا كَانُوا بِآيَاتِنَا يَظْلِمُونَ
أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ وَأَنْ عَسَى أَنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أَجَلُهُمْ فَبِأَيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ (185) مَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَا هَادِيَ لَهُ وَيَذَرُهُمْ فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (186) يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إِلَّا هُوَ ثَقُلَتْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا تَأْتِيكُمْ إِلَّا بَغْتَةً يَسْأَلُونَكَ كَأَنَّكَ حَفِيٌّ عَنْهَا قُلْ إِنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ (187)



[1] سورة الأعراف هي السورة السابعة في الترتيب المصحفي، وهي أطول سورة مكية في القرآن الكريم، وعدد آياتها ست ومائتا آية. ( التفسير الوسيط للقرآن الكريم/مجموعة من العلماء (5 / 237)، و"أول سورة عرضت لتفصيل قصص الأنبياء مع أممهم"( تيسير التفسير/ إبراهيم القطان(2/33)، "وهي أطول السور المكية بل هي ثالثة السور القرآنية طولًا والسلسلة القصصية فيها أطول السلاسل القصصية في السور الأخرى.( التفسير الحديث/ دروزة محمد عزت(2/ 361)، و" سورة الأعراف من السور التي ابتدأت ببعض حروف التهجي " ألمص " ولم يسبقها من حيث ترتيب النزول من هذا النوع من السور سوى ثلاثة وهى سور : ( ن ، ق ، ص ) " (الوسيط/ محمد طنطاوي (5/ 241)، و"تعتبر سورة الأعراف كالمتممة لسورة الأنعام في موضوعها حتى غلب وصفهما بوصف واحد حيث وردت روايات عن بعض الصحابة ـ رضوان الله عليهم ـ يصفون فيها السورتين بالطولَيَينِ ، وتسمى سورة الأعراف طُولَى الطوليين فقد ورد في البخاري:" عَنْ عُرْوَةَ بْنِ الزُّبَيْرِ، عَنْ مَرْوَانَ بْنِ الحَكَمِ، قَالَ: قَالَ لِي زَيْدُ بْنُ ثَابِتٍ: «مَا لَكَ تَقْرَأُ فِي المَغْرِبِ بِقِصَارٍ، وَقَدْ سَمِعْتُ النَّبِيَّ ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ يَقْرَأُ بِطُولَى الطُّولَيَيْنِ» (صحيح البخاري (بَابُ القِرَاءَةِ فِي المَغْرِبِ رقم: 764).

[2] قال محمد سيد طنطاوي:" والرأي الراجح عند العلماء أنها جميعها مكية"(التفسير الوسيط للقرآن الكريم (5/ 237)، يقول علي هاني: ومن تأمل أدلة من استثنى بعض الآيات يرى أن عدم الاستثناء هو الحق.

[3] واختار محمد رشيد رضا وتبعه المراغي: أن سورة الأعراف نزلت جملة واحدة كسورة الأنعام فقال:" والظاهر أنها نزلت دفعة واحدة مثلها". (تفسير المنار/ محمد رشيد رضا (8/ 260)، واختار دروزة أنها نزلت متلاحقة حيث قال: "وفصول السورة متساوقة منسجمة تلهم أنها نزلت فصولًا متلاحقة".(التفسير الحديث/ دروزة محمد عزت (2/ 361)، يقول علي هاني : وهذا هو الظاهر من كلام المفسرين.

[4] جاء في "الأقوال الحسان في حسن نظم القرآن" :"يقصد من سورة الأعراف ما يقصد بسورة الأنعام من دعوة المشركين إلى الإيمان إلا أن سورة الأنعام عني فيها غالبًا بأخذهم بالحجة والبرهان، وهذه عني فيها غالبًا بأخذهم بالترغيب والترهيب، فلهذا جاء معظمها في ذكر يوم القيامة وما أعد فيه للطائعين والعاصين ، وفي حكاية أخبار الأولين مع أنبيائهم وما ابتلاهم الله تعالى من آيات العذاب جزاء عصيانهم ، ولما كان الإقناع بالبرهان مقدمًا على الإقناع بالترغيب والترهيب أخرت السورة التي عني فيها بالأمر الثاني عن التي عني فيها بالأمر الأول، وأيضًا فهذه السورة قد فصل فيها ما أجمل في أول سورة الأنعام من أخبار القرون الأولى التي أهلكها الله على تكذيبها برسلها ومرتبة التفصيل بعد الإجمال.(الأقوال الحسان في حسن نظم القرآن/ عبد المتعال الصعيدي((1/103).

[5] انظر تفسير المنار / محمد رشيد رضا (8/ 260) مع زيادة كثيرة وتصرف.

[6] انظر التناسق الموضوعي في سورة الأعراف (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة في التفسير) / معتوقة بنت محمد الحساني/ إشراف الأستاذ الدكتور زياد بن خليل الدغامين (ص 77).

[7] أول مرة أتدبر القرآن/ عادل محمد خليل (60).

[8] التحقيق في كلمات القرآن الكريم / المصطفوي (8/117).

[9] (المعجم الاشتقاقي / محمد حسن حسن جبل (3/ 1449).

[10] جامع البيان في تأويل القرآن/ الطبري (12/ 453).

[11] التحرير والتنوير/محمد الطاهر بن عاشور (8/141).

[12] قال سيد قطب: "وبينما يمضي السياق في الأنعام في موجات متدافعة؛ وبينما تبلغ المشاهد دائمًا درجة اللألاء والتوهج والالتماع، وتبلغ الإيقاعات درجة الرنين والسرعة القاصفة والاندفاع.. إذا السياق في الأعراف يمضي هادئ الخطو، سهل الإيقاع، تقريري الأسلوب، وكأنما هو الوصف المصاحب للقافلة في سيرها المديد، خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة، حتى تؤوب! وقد يشتد الإيقاع أحياناً في مواقف التعقيب؛ ولكنه سرعان ما يعود إلى الخطو الوئيد الرتيب! (في ظلال القرآن/ سيد قطب إبراهيم (3/ 1245).

[13] ويدل على ذلك افتتاح السورة بمدح القرآن والختم بمدحه والحث على الاستماع له والإنصات، وكثرة ورود آياتنا في السورة فهي أكثر سورة ورد فيها آياتنا ورسالات عائدة إلى الله تعالى كما سيأتي.

[14]نظم الدرر في تناسب الآي والسور /البقاعي (3/9).

[15] (مَصَاعِدُ النَّظَرِ للإشْرَافِ عَلَى مَقَاصِدِ السِّوَرِ/برهان الدين البقاعي (2/130)، ومثله في نظم الدرر (نظم الدرر / (3/3).

[16] (الدلالة السياقية للقصص القرآني (رسالة مقدمة لنيل درجة الماجستير في جامعة فرحات عباس في الجزائر/ بوزيد رحمون / (44).

[17] (البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ بن عجيبة) (2/ 195).

[18] دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها / د. عمر عرفات، ص 103.

[19] (الأساس في التفسير/ سعيد حوّى (4 /1997).

[20]. تفسير الميزان/ محمد حسين الطباطبائي (8/6،5).

[21] التفسير الوسيط للقرآن الكريم/ محمد سيد طنطاوي (5/ 243).

[22] وهذا قد بينه علماؤنا كالبقاعي وسعيد حوى ، ووضحه من المستشرقين مع ذكر قوانين لذلك ميشيل كويبرس.

[23] كان ينبغي وضع هذا في مبحث مستقل هو دلالة القصص على موضوع السورة، لكن خوف التكرار أدخلته في هذا المبحث.

[24] اختار هذا التوجيه: الرازي وابن عاشور وابن مالك والسامرائي والرضي.

[25] انظر من أسرار حروف العطف في الذكر الحكيم / الدكتور محمد الأمين الخضري (52) / مكتبة وهبة.

[26] اختار هذا البقاعي والبغوي وابن الجوزي والخازن والسمعاني.

[27] (نحو تفسير موضوعي/ محمد الغزالي (1/ 106).

[28] (مفاتيح الغيب/ الرازي (14/ 203).

[29] وظاهر النظم الكريم أن الوزن ليس مختصاً بالمسلمين بل الكفار أيضاً توزن أعمالهم التي لا توقف لها على الإسلام. (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني/ الآلوسي (4/ 326).

[30] قال البقاعي:" فبدأ الاستجابة بنبيه ـ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ـ بذكر ما أنعم عليه وعلى من استجاب له، فقال تعالى: المص كتاب أنزل إليك [الأعراف: 1-2] فأشار إلى نعمته بإنزال الكتاب الذي جعله هدى للمتقين، وأشار هنا إلى ما يحمله عليه من التسلية وشرح الصدور بما جرى من العجائب والقصص مع كونه هدى ونوراً، فقال فلا يكن في صدرك حرج منه [الأعراف: 2] أي: أنه قد تضمن مما أحلناك عليه ما يرفع الحرج ويسلي النفوس لتنذر به كما أنذر من قبلك ممن نقص خبره من الرسل، ولتستن في إنذارك ودعائك وصبرك سننهم، وليتذكر المؤمنون؛ ثم أمر عباده بالاتباع لما أنزله فقال: اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم [الأعراف: 3] فإنه هلاك من نقص عليكم خبره من الأمم إنما كان لعدم الاتباع والركون إلى أوليائهم من شياطين الجن والإنس، ثم أتبع ذلك بقصة آدم ليبين لعباده ما جرت سنته فيهم من تسلط الشياطين وكيده وأنه عدو لهم يا بني آدم لا يفتننكم الشيطان كما أخرج أبويكم من الجنة [الأعراف: 27]. (نظم الدرر /البقاعي/ دار الكتب العلمية (3/4،3).


[31] هذا المطلب وهو دلالة بداية السورة (براعة الاستهلال)، وموضوعاتها وقصصها على مقصودها ملخص من :( الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل/ الزمخشري(2/ 85)،( أنوار التنزيل وأسرار التأويل/ البيضاوي(3/ 5)،( التفسير الكبير / الرازي (14 / 194 )،( المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز /ابن عطية(2/ 372)، (تفسير البحر المحيط /أبو حيان (5 /5)،( تفسير المنار / محمد رشيد (8/ 241 )،( في ظلال القرآن/ سيد قطب(3/ 1246)،( التحرير والتنوير/ابن عاشور(8/ 10)،( التفسير الوسيط للقرآن الكريم/ محمد سيد طنطاوي(5/ 5 241)،( التفسير القرآني للقرآن/ عبد الكريم يونس الخطيب(4/ 362)،( تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/ السعدي(283).



[32] المفردات في غريب القرآن/ الراغب (ص 620).

[33] التحقيق/ المصطفوي (2/62).

[34] [34] الكشاف/ الزمخشري (3/94).

[35] المعجم الاشتقاقي المؤصل لألفاظ القرآن الكريم/ د. محمد حسن حسن جبل (4/ 2207).

[36] اختار هذا أبو حيان، وسيد طنطاوي، ومحمد رشيد رضا، والمراغي، وسيد قطب، والشنقيطي، وأبو زهرة، ودروزة، وحسنين مخلوف، والطباطبائي، والشعراوي، وشحاته، وظاهر البقاعي.


[37] التناسق الموضوعي في سورة الأعراف (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة في التفسير) / معتوقة بنت محمد الحساني (ص71) .

[38] نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم / الغزالي (125).

[39] التناسق الموضوعي في سورة الأعراف (رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة في التفسير) / معتوقة بنت محمد الحساني (ص176).

[40] تفسير القرآن الكريم/محمود شلتوت (394)، جاء في التناسق الموضوعي في سورة الأعراف "وهذه السجدة هي أول سجدة في القرآن الكريم، والسجود يتضمن أعمالًا جليلة: أولها: عدم الاستكبار، وثانيها: تسبيح الله تعالى، وثالثها: السجود لله تعالى الأعمال تشترك في أدائها الأعضاء والجوارح. التناسق الموضوعي في سورة الأعراف معتوقة بنت محمد الحساني/ (ص82).

[41] قال البقاعي:" وتأمل افتتاح سورة الأعراف بقوله فلنقصن عليهم بعلم وما كنا غائبين [الأعراف: 7] وختم القصص فيها بقوله: فاقصص القصص لعلهم يتفكرون [الأعراف: 176] بعد تعقيب قصص بني إسرائيل بقصة بلعام واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا [الأعراف: 175] ، ثم قال: ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا [الأعراف: 176] فتأمل هذا الإيماء بعد ذكر القصص، وكيف ألحق مَنْ كذب رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ من العرب وغيرهم بمن قص ذكره من المكذبين، وتأمل افتتاح ذكر الأشقياء بقصة إبليس وختمها بقصة بلعام وكلاهما ممن كفر على علم، وفي ذلك أعظم موعظة، قال الله تعالى إثر ذلك من يهد الله فهو المهتدي [الأعراف: 178] (نظم الدرر /البقاعي/ دار الكتب العلمية (3/4،3).