1)المبحث الرابع: دلالة الانفرادات اللفظية في السورة، والألفاظ التي كثر دورها في السورة على مقصودها:

هناك كلمات انفردت بها هذه السورة، وهناك كلمات كثرت في هذه السورة، وكلها تدل على مقصود السورة وإليك بيانَها، في مطلبين:
أ-المطلب الأول: الكلمات التي انفردت بها هذه السورة:

  1. مما انفردت به هذه السورة كلمات وردت فيها ولم ترد في غيرها، وقد قسمتها إلى مجموعات:


  1. المجموعة الأولى:"حيران(الآية:71)، النوى (الآية :95)، قنوان(الآية:99)، ينعه(الآية:99)"[1]،و" هي الوحيدة التي فيها وصف الله تعالى بأنه فالق الحب: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى [آية: 95]، وأنه فَالِقُ الْإِصْبَاحِ [آية: 96]؛ إذ لم تذكر صيغة اسم الفاعل "فالق" في موضع آخر".[2]

وهذه الانفرادات لها مدلول وإشارة قوية لمقصد السورة، وإليك توضيَح ذلك:

  1. إذا تأملنا كلمة "حيران" والآية التي وردت فيها: قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [آية:71] نجد أن هذه الكلمة وهذه الآية تُنَفِّر عن الارتدادِ على الأعقاب عن دينِ الله الإسلامِ ، والرجوعِ إلى عبادةِ أصنامٍ لا تضر ولا تنفع بعد أن أنقذهم الله سبحانه من طريقِ الهلكةِ والمفازةِ المقفرةِ طريقِ الكفرِ والضلالِ ، وتبين أنه لا يمكن أن يصدر من المؤمن الرشيد الذي عرف الحق واتضحت له السبيل المنجية، أن يعود إلى طريقٍ مهلكةٍ تستهويه فيها الشياطين و تضله داعية له إلى المضي فيما فيه هلاكه .

وهذا السائر الحائر له أصحاب يدعونه إلى الهدى وطريقِ النجاةِ ائتنا لكي تنجو من الهلاك، لكنه يبقى متحيرًا لا يعرف السبيلَ ضائعًا تائهًا لا يدري كيف يسلك؟ وأيَّ الداعِيَينِ يجيب؟، ولكنه لحيرته وضلاله لا يجيبهم ولا يأتيهم، قل يا محمد لهؤلاء المشركين إنَّ هدى الله الذي أُرسِلتُ به هو الهدى وحده وما وراءه ضلال وخِذلان، وأمرنا لنسلم وجوهنا لله رب العالمين: فلقنهم الله تعالى هذه الحجة المؤثرة بما فيها من المَثَل الجلي الواضح لحالَي ِالشرك وضلاله، والتوحيد وهدايته ، في سياق حجج الحق الكثيرة في هذه السورة، ونحن إذا تأملنا دلالة هذه الكلمة التي هي صفة مشبهة على وزن (فعلان) تدل على الامتلاء حيرة ، والآية التي وردت فيها وقارنا هذا مع مقصود السورة:" الاعتناءُ بالاحتجاجِ لأصولِ الدين و تقريرِ عقائدِ الإسلامِ : من التوحيدِ الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم و التشريعِ والعبادة ، والنبوةِ ، واليومِ الآخر، و نقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا"،" نجدها ملخصة لهذا المقصود، ومبينة لحال من أعرض عن هذا الهدى الذي تدعوه هذه السورة والقرآن والرسول إليه ، فمن عرف الحق بعد أن أثبتت له هذه السورة التوحيد وجاءه الحق عن طريق القرآنِ الكريم وسيدنا محمدٍ ـ ـ وأتباعِه ، ثم عاد للشرك الذي نقضته هذه السورة فهو جاهل غير عاقل، هالك لا محالة ، وفيها الترهيب من الاستمرار على الكفر والدعوة للإيمان الذي هو جزء من مقصد السورة.

  1. وكذلك: كلمتا "فالق" و"النوى" مما انفردت به هذه السورة الكريمة: فقد وردت كلمة "النوى"، و"فالق" في قوله تعالى: إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [آية:95].

النوى: جمع نَواة، كنوى التمرة، والخوخ وغيرهما، وهو عامّ في كل نواة، والنوى: هو العَجَم الموجودُ داخلَ الثمرةِ.
الفَلْق: شَقُّ وصدعُ بعضِ أجزاء الشّيء عن بعض، والمقصود الفلق الّذي تنبثق منه وشائج الشّجر وأصولها، أي: شاقُّه فمخرجٌ منه الشجر، وهو محلّ العبرة من علم الله تعالى وقدرته وحكمته.
وهذه الآيةُ بدايةُ مَفْصِلٍ جديدٍ ومَوجةٍ جديدةٍ من بيان دلائل التوحيد، فهي استئناف ابتدائي فبعد الانتهاء من تقرير وإثبات التّوحيد، والبعث، والرّسالة، وأفانين المواعظ والبراهين الّتي تخلّلت ذلك، وانكشفت للسامع ، فتهيأ السامع لتأمل الخلق وتدبره ؛ انتقل إلى الاستدلال والاعتبار بخلق الله تعالى وعجائب مصنوعاته المشاهدة وآياتِ التكوينِ و الدلائلِ الدالةِ على وجودِ الصانعِ ووحدانيتِه و انفرادِه تعالى بالإلهيّة ، وكمالِ علمِه وحكمتِه وقدرتِه ، ولطفِه ورحمتِه، المستلزمِ لانتفاء الإلهيّة عمّا لا يقدر على مثل هذا الصّنع العجيب ، فلا يحقّ لها أن تُعْبَد، ولا أن تشرك مع الله تعالى في العبادة ؛إذ لا حقّ لها في الإلهيّة .
فيكون ذلك إبطالاً لشرك المشركين، وهو مع ذلك إبطال لمعتقَد المعطّلين من الدهريين بطريق الأوْلى، وفي ذلك امتنان على المقصودين من الخطاب ، وفيه إعلامٌ بأن دلائل الجلال تفوق عدد الرمال ، وتنبيهاً على أن القصد بالذات معرفةُ اللهِ تعالى بذاتِه وصفاتِه.
وهذه الآية فيها دلائل كثيرة على قدرة الله سبحانه وعلمه ووحدانيته ورحمته وإنعامه وفضله، ومن ذلك:

  • "أنه إذا وقعت الحبة أو النَّواة في الأرضِ الرَّطْبةِ، ثم مرَّ به قدْرٌ من المدة أظهر الله تعالى في تلك الحبة والنواة من أعلاها شَقًا ومن أسفلها شَقًا آخر[3] ، أما الشَّق الذي يظهر في أعلى الحبة والنواة فإنه يخرج منه الشجرة الصاعدة إلى الهواء، وأما الشَّق الذي يظهر في أسفل تلك الحبة فإنه يخرج منه الشجرة الهابطة في الأرض وهي المسماة بعروق الشجرة، وتصير تلك الحبة والنواة سببًا لاتصال الشجرة الصاعدة في الهواء بالشجرة الهابطة في الأرض، فمن الذي دبر هذا التدبير العجيب؟!
  • باطن الأرض جِرمٌ كثيف صُلْب لا تنفذ المِسَلَّة[4] القوية فيه، ولا يغوص السكين الحاد القوي فيه، ثم إنا نشاهد أطراف تلك العروق في غاية الدقة واللطافة بحيث لو دلكها الإنسان بأصبعه بأدنى قوة لصارت كالماء، ثم إنها مع غاية اللطافة تقوى على النفوذ في تلك الأرض الصلبة والغوص في بواطن تلك الأجرام الكثيفة، فحصول هذه القوى الشديدة لهذه الأجرام الضعيفة التي هي في غاية اللطافة لا بد وأن يكون بتقدير العزيز الحكيم.
  • أنه يتولد من تلك النواة شجرة ،ويحصل في تلك الشجرة طبائع مختلفة ، فإنَّ قشرَ الخشبة له طبيعة مخصوصة ، وفي داخل ذلك القشر جِرْم الخشبة، وفي وسط تلك الخشبة جسم رخو ضعيف يشبه العهن المنفوش ، ثم إنه يتولد من ساق الشجرة أغصانها، ويتولد على الأغصان الأوراق أولًا ، ثم الأزهار والأنوار ثانيًا ، ثم الفاكهة ثالثًا ، ثم قد يحصل للفاكهة أربعة أنواع من القشر : مثل الجوز ، فإن قشره الأعلى هو ذلك الأخضر ، وتحت ذلك القشر الذي يشبه الخشب ، وتحته ذلك القشر الذي هو كالغشاء الرقيق المحيط باللُّب ، وتحته ذلك اللب ، وذلك اللب مشتمل على جِرم كثيف هو أيضا كالقشر ، وعلى جِرم لطيف وهو الدهن ، وهو المقصود الأصلي ، فتَوَلُّد هذه الأجسامِ المختلفةِ في طبائعِها وصفاتها وألوانها وأشكالها وطعومها مع تساوي تأثيرات الطبائع ..والفصول الأربعة والطبائع الأربع ، يدل على أنها إنما حدثت بتدبير الحكيم الرحيم المختار القادر لا بتدبير الطبائع والعناصر .
  • أنك قد تجد الطبائع الأربع حاصلة في الفاكهة الواحدة، فتولد هذه الطبائع المضادة والخواص المتنافرة عن الحبة الواحدة لا بد وأن يكون بإيجاد الفاعل المختار.
  • هذه الحبوب مختلفة في الأشكال والصور، وهذا دليل على القدرة التامة والعلم التام.
  • ثم إذا عرفت أنه تعالى إنما خلق جملة النبات لمصلحة الحيوان علمت أن عنايته بتخليق الحيوان أكمل، ولما علمت أن المقصود من تخليق جملة الحيوانات هو الإنسان علمت أن عنايته في تخليق الإنسان أكمل".[5]

والمعنى أنَّ اللهَ تعالى وحدَه هو فالقُ ما تزرعون من نَوى الثمراتِ الصُّلْبة وشاقُّه بقدرته وتقديره الذي ربط به أسبابَ الإنباتِ بمُسَبَّباتِها، فيُخرِج منها النخلةَ والشَّجرةَ الناميةَ، فينتفع الخلق من الآدميين، والأنعام، والدواب ويرتعون فيما فلق الله تعالى من الحب والنوى، ويقتاتون، وينتفعون بجميع أنواع المنافع التي جعلها الله في ذلك، وعندئذ يبدو الشِّركُ بالله غريباً على فطرة هذا الوجود وطبيعته، وفي ذلك أكبرُ دلالةٍ على قدرة الله التي لا تُحَدُّ، وعلى أنه هو المستحق للعبادة لا غيره.
وإذا تأملنا هذا مع مقصود السورة وهو:"الاعتناءُ بالاحتجاجِ لأصولِ الدين وتقريرِ عقائدِ الإسلامِ: من التوحيدِ الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والعبادة، والنبوةِ، واليومِ الآخر، ونقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا".
"، نجد هذه الكلمة في سياقها ملخصة تمامًا لهذا المقصود، بما فيها من الأدلة الكثيرة على الوحدانية ونفي الشرك، وأنه سبحانه المستحق للتشريع[6] .

  1. ومثل ذلك يقال في دلالةقنوان، و ينعهالواردتين في قوله تعالى: وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَخْرَجْنَا بِهِ نَبَاتَ كُلِّ شَيْءٍ فَأَخْرَجْنَا مِنْهُ خَضِرًا نُخْرِجُ مِنْهُ حَبًّا مُتَرَاكِبًا وَمِنَ النَّخْلِ مِنْ طَلْعِهَا قِنْوَانٌ دَانِيَةٌ وَجَنَّاتٍ مِنْ أَعْنَابٍ وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُشْتَبِهًا وَغَيْرَ مُتَشَابِهٍ انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [آية:99].


  1. المجموعة الثانية من الانفرادات:


  1. هي السورة الوحيد التي ذكر فيها الاسم الجليل "القاهر "بصيغة اسم الفاعل: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) [الأنعام:18]، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً[آية: 61].
  2. وهي الوحيدة التي ذكر فيها: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162].
  3. وهي الوحيدة التي ذكر فيها المصدر "افتراء":


  1. وَأَنْعَامٌ لَا يَذْكُرُونَ اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهَا افْتِرَاءً [آية: (138)].
  2. وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ [آية: 140].

ومما يلحق بهذا وإن كان في الكثرة لا الانفراد: أنها أكثر سورة تكرر فيها الفعل الماضي "افترى":

  • وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ [آية: 21].
  • وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ [آية: 93].
  • فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ [آية: 144].

وأكثر سورة تكرر فيها الفعل المضارع "يفترون":

  • وَضَلَّ عَنْهُمْ مَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آية:224].
  • فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ [الآيتان:137،112].
  • سَيَجْزِيهِمْ بِمَا كَانُوا يَفْتَرُونَ [آية:138].


  1. هي الوحيدة التي وصفت الكفار بأنهم "يصدفون" عن آياته: انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُونَ[آية:46]، سَنَجْزِي الَّذِينَ يَصْدِفُونَ عَنْ آيَاتِنَا سُوءَ الْعَذَابِ بِمَا كَانُوا يَصْدِفُونَ [آية:157]".[7] .

وكل هذا إذا تأملته مع مقصود السورة المذكور يشير لمقصود السورة ويتناسب معه:

  1. "القاهر " في قوله تعالى: وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ [الأنعام:18]، وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَيُرْسِلُ عَلَيْكُمْ حَفَظَةً[آية: 61]،معناه: الغالب المُكرِه الذي لا ينفلت من قدرته من عُدّي إليه فعل القهر، وهذا الوصف جامع لكل سلطان الله على عباده في السماء والأرض ، فهو الغالب على كل شيء لا إرادة لأحد مع إرادته ،وإرادته فوق كل إرادة ، فهو المسيطر سيطرة كاملة على عباده فلا يتصرف منهم متصرف ، ولا يتحرك متحرك ، ولا يسكن ساكن ، إلا بمشيئته ، وليس للملوك وغيرِهم الخروجُ عن ملكه وسلطانه ، بل هم مدبرون مقهورون، هو الذي خضعت له الرقاب ، وذلت له الجبابرة ، وعنت له الوجوه ، وقهر كل شيء ودانت له الخلائق ، وتواضعت لعظمة جلاله وكبريائه وقدرته الأشياء ، واستكانت وتضاءلت بين يديه وتحت حكمه وقهره ، وهذا تصويرٌ لقهره وعلوِّه بالغَلَبة والقُدرة ، فإذا كان هو القاهر وغيره مقهورًا ، كان هو المستحق للعبادة .
    وهذا يبطل استحقاق الأصنام وغيرها من المعبودات للعبادة؛ لأنها أبطلت أن يكون غير الله قاهراً على أحد أو خبيراً أو عالماً، ولا جرم أنّ الإله تجب له القدرة والعلم، وهما جماع صفات الكمال ؛ليرشدنا إلى أن من اتخذ منهم معبودًا من دونه ، فقد ضل ضلالًا بعيدًا لإشراكه ومقارنته بين الرب القاهر العلي الكبير الحكيم الخبير ، وبين العبد المربوب المقهور المذلل المسخر الذي لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم [8].

وفي الآية الثانية التي ورد فيها القاهر بنفس المعنى لكنه أتبعها ذكر الحفظة وملائكة الموت والمعنى: هو المتصرِّفُ في أمورهم لا غيرُه يفعل بهم ما يشاء إيجاداً وإعداماً وإحياءً وإماتة وتعذيباً وإثابةً إلى غير ذلك ، ويرسل عليكم حَفَظَةً من الملائكة وهم الكرام الكاتبون أي يُرسلُ عليكم حفظة يحفَظون أعمالَكم مدةَ حياتكم حتى إذا انتهت مدةُ أحدِكم كائناً مَنْ كان وجاءه أسبابُ الموت ومباديه تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا الآخرون المفوَّضُ إليهم ذلك ، وهم ملكُ الموتِ وأعوانُه وانتهى هناك حِفظُ الحفظة ، وهذه لمسة أخرى من حقيقة الألوهية . . لمسة القوة القاهرة فوق العباد، والرقابة الدائمة التي لا تغفل، والقدر الجاري الذي لا يتقدم ولا يتأخر، والمصير المحتوم الذي لا مفر منه ولا مهرب، والحساب الأخير الذي لا يني ولا يمهل، فهو صاحب السلطان القاهر ؛ وهم تحت سيطرته وقهره ،هم ضعاف في قبضة هذا السلطان ؛ لا قوة لهم ولا ناصر ، هم عباد ، والقهر فوقهم ، وهم خاضعون له مقهورون[9] .
وهذا كما ترى يتناسب مع مقصود السورة وهو الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ لأصولِ الدين و تقريرِ عقائدِ الإسلامِ ، من أن مالك الأمر الذي يخضع له كل شيء هو الله سبحانه لا غير ، وفيه إثبات الكمالاتِ لله تعالى والتوحيدِ: الاعتقاديِّ الخالصِ ،والعملي : باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمدِ؛ لأنه الخالق المتفضل القاهر، والقاهر هو المستحق لذلك لا غير ، وفيه إثبات البعثِ والجزاءِ يوم القيامة ،وإقامةُ الحججِ الدامغةِ لعقائدِ جميعِ المشركين وشبهاتِهم ،ونبذِ الشركِ به اعتقادًا وعملًا ، ودعوتهم ودعوة الناس بالترغيب والترهيب أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان؛ لأن الحفظة يحفظون أعمالهم وسيحاسبون عليها، فإذا جاءت ملائكة الموت انتهى الأمر ولا فرصة.

  1. وهي الوحيدة التي ذكر فيها: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ [الأنعام:162]، وهذا يتناسب مع مقصود السورة " من إثباتِ الكمالات لله تعالى والتوحيدِ العملي : باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمد ؛لأنه الخالق القاهر المتفضل "، فالآية تقرر أن العبادة ومنها الصلاة والنسك ،و النسك كما مر إما الذبيحة أو مطلق العبادة ومنها الذبيحة، لله وحده لا شريك له ، وكذلك المحيا والممات، وقد تقدم تفصيل هذا في المبحث السابق.



  1. وأما "يصدفون"، و"افترى"، و"يفترون"، و"افتراء"


  • هذه الكلمات مناسبة لمقصود السورة حيث تثبت الكمالات لله سبحانه من الخلق والقهر والإنعام والإيجاد والإعدام وأنه المستحق للتوحيد الاعتقادي والعملي بالحكم والتشريع والتحليل والتحريم ثم هؤلاء الكفار، يصدفون عن الحق، ويفترون على الله تعالى أحكامًا يشرعونها بأهوائهم.


  1. المجموعة الثالثة من الانفرادات: من الكلمات التي وردت في هذه السورة الكريمة ولم ترد في سورة أخرى: الضأن(143)،المعْز(143)،شحومها(146)".[10]


  • هذه السورة انفردت بأنه ورد فيها الضأن، والمعز ولم ترد في سورة أخرى، وردت في قوله تعالى : ثَمَانِيَةَ أَزْوَاجٍ مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ نَبِّئُونِي بِعِلْمٍ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ [آية:143]، فقد جاءتا في سياق إقامة الحجة على الذين اخترعوا وافتروا من عند أنفسهم أحكامًا لا يرتضيها الله سبحانه ، وأشركوا بالله في هذه الأنعام أصنامهم ـ كما تقدم ـ وهذا مناسب لاسم السورة ومقصود السورة التي تركز على إبطال الشرك العملي من الحكم والتشريع والتحليل والتحريم حيث كان مقصودها:" إثبات الكمالات لله تعالى والتوحيدِ :الاعتقاديِّ الخالصِ ،والعملي : باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمدِ ،؛لأنه الخالق القاهر المتفضل، وإقامة الحججِ الدامغةِ لعقائدِ جميعِ المشركين وشبهاتِهم ،ونبذِ الشركِ به اعتقادًا وعملًا"، ويدل على ذلك الحديث الذي في «صحيح البخاري» أنَّ ابن عباس ـ ـ قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [آية:140].[11]
  • وكذلك كلمة شحومهما لم ترد في سورة أخرى، وهذه الكلمة جاءت في قوله تعالى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ إِلَيَّ مُحَرَّمًا عَلَى طَاعِمٍ يَطْعَمُهُ إِلَّا أَنْ يَكُونَ مَيْتَةً أَوْ دَمًا مَسْفُوحًا أَوْ لَحْمَ خِنْزِيرٍ فَإِنَّهُ رِجْسٌ أَوْ فِسْقًا أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ فَمَنِ اضْطُرَّ غَيْرَ بَاغٍ وَلَا عَادٍ فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (145) وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ [الآيتان:146،145].

فلما حصر سبحانه المحرمات في الآية الأولى: قُلْ لَا أَجِدُ فِي مَا أُوحِيَ الآيةَ؛ لبيان أن ما يحرمه الكفار مفترى من قبلهم باطل ، وقال: طَاعِمٍ وهي نكرة في سياق النفي ، تعم كل طاعم من أهل شرعنا وغيرهم ،فنفي تحريمَ أيِّ طعامٍ على أيِّ طاعمٍ ،واستثنى فيها من هذا العام ما حرمه تحريمًا عامًا مؤبدًا على غير المضطر ، وهو أربعة أمور، جاءت الآية الثانية: وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ الآيةَ ،فاستثنت ما حرمه تحريمًا خاصًا ـ سوى هذه الأربعة ـ على قوم معينين وهم اليهود ، لسببٍ خاصٍ وحكمةٍ خاصّة بأحوالهم عقوبةً لهم مؤقَّتةً إلى أن يجيء رسول آخر ـ وهو خاتم المرسلين ـ يبيحه لهم باتباعهم إياه ،لا على أنه من أصول شرعه على ألسنة رسله قبلهم أو بعدهم، فكان من الملحق بالمستثنى في الآية الأولى .
فالآية الثانية جاءت لأمرين:

  1. لتحقيقِ ما حُصِرَ من المحرَّماتِ فيما فُصِّل في الآية الأولى، والمقصود من ذلك أن يظهر للمشركين أنّ ما حرّموه ليس من تشريع الله في الحال ولا فيما مضى، فهو ضلال بحت .


  1. فيها إبطال وتكذيب ما يخالِفُه من فريةِ اليهودِ وتكذيبِهم في ذلك، فإنهم كانوا يقولون : لم يحرِّم الله علينا شيئاً ، إنما حرمنا على أنفسنا ما حرم إسرائيل على نفسه ، فكذبهم بقوله: وَعَلَى الذين هَادُوا أي :خاصة لا على مَنْ عداهم من الأولين والآخِرين، وهذا الذي ذكر يدل على المذكور في دلالة اسم السورة ، ويدل ويتناسب مع محور السورة :" من إثباتِ الكمالات لله تعالى والتوحيدِ :الاعتقاديِّ الخالصِ ،والعملي : باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمدِ ؛لأنه الخالق القاهر المتفضل، وصدقِ القرآنِ و النبيِّ ـ ـ، وإقامةُ الحججِ الدامغةِ لعقائدِ جميعِ المشركين وشبهاتِهم ،ونبذِ الشركِ به اعتقادًا وعملًا"، وأن قضية التحليل والتحريم تكون بالإيحاء لا بالافتراء .[12]

ب ـالمطلب الثاني: الكلمات التي كثرت في هذه السورة:

  1. "جاءت تصاريف الجذر(ق،و،ل): في السورة سبعًا وسبعين مرة منها أربع وأربعون مرة بلفظ(قل) ، وهذا أكبر عدد في سور القرآن الكريم، يليها سورة يونس ورد فيها (قل) أربعًا وعشرين مرة (24)" [13].

وهذا يتناسب مع مقصد السورة وهو " الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ لأصولِ الدين وتقريرِ عقائدِ الإسلامِ" فقد لقنت النبي ـ ـ أصول العقائد، حتى سماها محمد سيد طنطاوي:" بسورة البلاغ والإعلان، والمبادئ العليا لدعوة الإيمان"، وقال الدكتور إبراهيم زيد الكيلاني:" مما يدل على نزول هذه السورة في مرحلة الجهر بالدعوة واشتداد المعركة بين المسلمين والكافرين؛ لتعطي المسلمين الزاد وتمدهم بالحجج الدامغة التي تكشف زيف الشرك تزهق باطله"[14]، وهذا أحد أسلوبين امتازت بهما السورة ـ كما ذكرنا:

  • أما الأسلوب الأول فهو أسلوب التقرير: هو الذي، وهو القاهر، وهو الله ونحوها، فهو يعرض أدلة وجود الله وتوحيده في صورة المسلّمات البديهية، بالاعتماد على التصريح بالخلق لله تعالى، وهذا مناسب لمقصود السورة أنه المستحق للتوحيد الاعتقادي والعملي لأنه الخالق القاهر المتفضل".
  • الثاني: أسلوب التلقين الحجة، والأمر بقذفها في وجه الخصم حتى تأخذ عليه سمعه، وتملك عليه قلبه، وتحيط به من جميع جوانبه فلا تستطيع التفلت منها، ولا يجد بدًا من الاستسلام لها، كما أن هذا الأسلوب مناسب تمام المناسبة لسورة أصول الدين أن تكون متلقاة من الله تعالى، فهي وحي وعلم من عند الله لا بمجرد الأهواء كما يفعل المشركون ، وهما بعد ذلك : أسلوبان من أساليب الحجة القوية التي تدل على قوة المعارضين وإسرافهم في المعارضة ، وأنهم بحالة تستوجب تلك الشدة التي تستخرج الحق من نفوسهم[15] .



  1. قد امتازت هذه السورة بكثرة استعمال مادة الجذر (ح، ج، ج) فقد استعملت فيها في أربعة مواضع وهي:


  • وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ [آية:80].
  • وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ [آية:83].
  • قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [آية:149]، وكانت أكثر سورة وردت فيها مادة (ح،ج،ج) هي سورة آل عمران ست مرات ،ثم سورة البقرة والأنعام كل منها أربع مرات[16] ،ولكن إذا نظرنا إلى لفظة (حجة)"فأكثر سورة تكرر فيها لفظ "حجة" هي سورة الأنعام وردت في موضعين: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ[آية:83]، قُلْ فَلِلَّهِ الْحُجَّةُ الْبَالِغَةُ فَلَوْ شَاءَ لَهَدَاكُمْ أَجْمَعِينَ [آية:149].[17]

وهذا مناسب تمامًا لمقصود السورة وهو:" الاعتناءُ بالاحتجاجِ لأصولِ الدين وتقريرُ عقائدِ الإسلامِ: من التوحيدِ الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والعبادة، والنبوةِ، واليومِ الآخر، و نقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا"، فالاحتجاج لا بد له من حجة بليغة تامة مؤثرة، والله سبحانه له وحده الحجة البالغة، التي يلقناها لأوليائه.

  1. "مما امتازت به السورة الكريمة كثرة استخدام جذر (ر أ ي، ن ظ ر) الدالة على الرؤية والنظر المؤديان إلى الاعتبار:

فقد وردت مادة (ر ،أ ،ي) في السورة خمس عشرة مرة ، وهي السورة الثالثة من حيث كثرة ورود هذه المادة : الأولى الأعراف ويوسف ست عشرة مرة ، ، ثم الأنعام خمس عشرة مرة .وكذلك الجذر (ن،ظ،ر) [كثر استعماله في هذه السورة][18]، وهذه الكثرة في استعمال المواد الثلاث يتسق مع محور السورة" [19]، وهو الاعتناء بالاحتجاج لأصول الدين وتقرير العقائد، قال الدكتور أحمد ذو النورين: "تكرر مادة النظر والإبصار والرؤية فيها مرات عديدة [20]....، فهذه الكم الهائل من الكلمات المكررة ....ينبئ عن رمي حثيث إلى إثبات مصطلحات عقدية ، وترسيخ مفاهيم إيمانية ، وإعداد بيئة منهجية لا يكاد قارئ السورة أن ينهيها حتى تترسخ لديه مفاهيم جديدة ويتكون عنده معجم مصطلحات ، ويتضح له سبيل المحجة".[21]

  1. كثر في هذه السورة استعمال الجذر (ش، هـ، د) الدال على الشهادة التي هي من أعظم الأدلة حيث استعملت اثنتا عشرة مرة:


  • قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هَذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ أَئِنَّكُمْ لَتَشْهَدُونَ أَنَّ مَعَ اللَّهِ آلِهَةً أُخْرَى قُلْ لَا أَشْهَدُ قُلْ إِنَّمَا هُوَ إِلَهٌ وَاحِدٌ وَإِنَّنِي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ [آية:19].
  • يَامَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ [آية:130].
  • وَمِنَ الْإِبِلِ اثْنَيْنِ وَمِنَ الْبَقَرِ اثْنَيْنِ قُلْ آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ أَمِ الْأُنْثَيَيْنِ أَمَّا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحَامُ الْأُنْثَيَيْنِ أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا لِيُضِلَّ النَّاسَ بِغَيْرِ عِلْمٍ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ [آية:144].


  • قُلْ هَلُمَّ شُهَدَاءَكُمُ الَّذِينَ يَشْهَدُونَ أَنَّ اللَّهَ حَرَّمَ هَذَا فَإِنْ شَهِدُوا فَلَا تَشْهَدْ مَعَهُمْ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَالَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآخِرَةِ وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [آية:150].[22]

وكل هذا يتسق مع مقصود السورة ويشير له " الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ لأصولِ الدينِ وتقريرِ عقائدِ الإسلامِ"، فالعقائد لا بد لها من علم ثابت صحيح متلقى عن الله سبحانه، وهؤلاء المشركون المشرعون لأنفسهم بأهوائهم ليس عندهم شهداء يشهدون بتحريم ما حرم أو أن الله تعالى وصاهم بذلك أو أن مع الله آلهة أخرى بل يتبعون أهواءهم، وسيشهدون على أنفسهم يوم القيامة بالضلال.

  1. هذه السورة الكريمة وسورة النساء أكثر سورتين تكرر فيهما الفعل "وصى" المنسوب إلى الله تعالى فقد ورد في:


  • أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ وَصَّاكُمُ اللَّهُ بِهَذَا [آية: 144].
  • قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ [آية:151].
  • وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ [آية:152]
  • وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153) [آية:153].

وهذا يتناسب تمامًا مع أخطر موضوع، وهو موضوع أصول الدين وتقرير عقائد الإسلام لا سيما التوحيد واتباع شرع الله وترك الشرك، فنلاحظ أنَّ معظم آيات الوصية جاءت في نهاية السورة بعد أن فندت عقائد المشركين وبينت ضلالاتهم جاءت الوصية من الله تعالى بترك الضلالات الشركية والعملية والإيصاء بالفضائل، واتباع صراط الله تعالى وعدم اتباع السبل المفرقة.

  1. "تكررت مسألة التوحيد فيها تسعًا وأربعين مرة"[23]، وهذا ظاهر جدًا لأن أهم قضية بحثتها السورة هي قضية التوحيد الاعتقادي والعملي.
  2. "كثرةُ ذكر ِالشرك، والمشركين - فقد ورد ذلك فيها في عشرين موضعًا"[24]، وهذا يشير لأهم موضوع عالجته السورة وهو الشرك الاعتقادي والعملي.
  3. "وردت كلمة الرب في هذه السورة ثلاثةً وخمسين مرةً، في حين أنه ورد في سورة البقرة وهي أطول من الأنعام سبعةً وأربعين مرةً ، وورد لفظ الجلالة في سورة البقرة مائتين واثنتين وثمانين مرة ، والتعقيب في كثير من الآيات بصيغة الرب إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[128،83]، فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[آية:145]، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [آية:165]في حين يكون التعقيب في سورة البقرة في الآيات المشابهة : إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [25].

وهذا يشير لمقصود السورة "إقامة الأدلةِ الكثيرةِ القاطعةِ على إثباتِ الكمالات لله تعالى و التوحيدِ الخالصِ لله تعالى ملةِ إبراهيمَ الاعتقادي ، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ لا سيما في الذبائحِ والمطاعمِ؛ لأنه الخالق القاهر المتفضل، وأنه سبحانه هو المستحق وحده للعبادةِ والخضوعِ والحمدِ"، فالسورة بينت أنه سبحانه الخالق للسماوات والأرض المتفضل المنعم بالنعم التي لا تعد ولا تحصى، فهو المستحق لأن يحمد وأن يعبد وحده ، وأن يكون بيده التشريع ؛ لذلك بدئت السورة بقوله تعالى الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [آية:1].
" سورة الأنعام أكثر سورة تكرر فيها ذكر "الأجل" مع الفعل "قضى"، وذلك مرتين (آية:60،2)"[26] هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضَى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ [آية:2].
وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [آية:60].
الآية الكريمة الأولى معناها كما تقدم: ثُمَّ قَضَى أي كتب لموتِ كلِّ واحد منكم، أَجَلاً خاصاً به أي: حداً معيناً من الزمان يفنى عند حلولِه لا محالة. وَأَجَلٌ مُّسَمًّى أي حدٌّ معينٌ لبعثكم جميعاً.
ثُمَّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ استبعادٌ واستنكارٌ لامترائهم في البعث بعد معاينتهم لما ذُكر من الحُجج الباهرة الدالةِ عليه، أي تمترون في وقوعه وتحقّقِه في نفسه مع مشاهدتكم في أنفسِكم من الشواهدِ ما يقطع مادةَ الامتراءِ بالكلية.
وهذا يشير لمقصود السورة أن من إثباتِ البعثِ والجزاءِ يومَ القيامةِ، وصدقِ القرآنِ والنبيِّ ـ ـ فيما بلغهم لا سيما بعثُهُم وجزاؤُهم، ودعوتهم ودعوة الناس بالترغيب والترهيب أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان لكنهم مع ذلك يتشككون مع ظهور الدليل ويحاولون أن يجدوا شبهات لا أصل لها لإنكار ذلك.
وأما الآية الثانية: وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لِيُقْضَى أَجَلٌ مُسَمًّى ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ ثُمَّ يُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ [آية:60].
فمعناها: ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ أي يوقظكم في النهار.
ليقضى أَجَلٌ مّسَمًّى معينٌ لكل فردٍ بحيث لا يتخطى أحدٌ ما عُيِّن له طرفةَ عينٍ.
ثُمَّ إِلَيْهِ مَرْجِعُكُمْ أي رجوعُكم بالموت لا إلى غيره أصلاً.
ثُمَّ يُنَبّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ بالمجازاة بأعمالكم التي كنتم تعملونها في تلكَ الليالِي والأيامِ".
ووسط وَيَعْلَمُ مَا جَرَحْتُمْ بِالنَّهَارِ بين يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ و ثُمَّ يَبْعَثُكُمْ فِيهِ لبيان ما في بعثهم من عظيمِ الإحسانِ إليهم بالتنبيه على أن ما يكتسبونه من السيئات مع كونها موجبةً لإبقائهم على التوفّي بل لإهلاكهم بالمرة ومع ذلك يُفيض عليهم الحياة ،ويُمهلُهم كما ينبئ عنه كلمةُ التراخي (ثم)، كأنه قيل هو الذي يتوفاكم في جنس الليالي ثم يبعثكم في جنس النهر مع علمه بما ستجرَحون فيها.[27] وهذا كسابقه في الدلالة على مقصود السورة.

  1. "أكثر سورة تكرر فيها وصف الكفار بأنهم بربهم يعدلون: بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [آية:1]

وَهُمْ بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [آية:150]". [28]
هذه الجملة الكريمة ـ كما تقدم في المبحث الثالث ـ مشيرة لمقصود السورة حيث تثبت الكمالات لله سبحانه من الخلق والقهر والإنعام والإيجاد والإعدام وأنه المستحق للتوحيد الاعتقادي والعملي بالحكم والتشريع والتحليل والتحريم ثم هؤلاء الكفار يعدلون بربهم غيره.
2)المبحث الخامس: العلاقة بين سورة الأنعام والمائدة يشير لمقصود السورة:


لا شك أن بين كل سورتين في القرآن الكريم مناسبات علاقات كثيرة تدل على غاية إحكام القرآن الكريم، وسأقتصر هنا على ما يتعلق بموضوع السورة من المناسبات والعلاقات:

  1. المناسبة الأولى :أنه لما كان ختامُ السورةِ السابقةِ المائدة إثباتَ سلطانِ الله تعالى الكاملِ، وقدرتِه الشاملةِ، وأنه لَا يعجزه شيء ؛إذ قال سبحانه في ختام سورة المائدة: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة:120]، ناسب ذلك بيانَ وتقريرَ تفردِه تعالى بهذا الملكِ ،وتفرده باستحقاق الحمد ؛ لأنه تعالى خالق السماوات والأرض وما فيهن، فبين سبحانه السبب في تفرده بكمال السلطان، والمظهر الأعظم لكمال قدرته فقال سبحانه: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ [الأنعام:1]، وهذه المناسبة مشيرة لجزء من مقصود السورة وهو:" الاعتناءُ بالاحتجاجِ لأصولِ الدين و تقريرُ عقائدِ الإسلامِ : من التوحيدِ الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم و التشريعِ والعبادة" ؛لأن الخالق المالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته إباحة ومنعًا وتحريمًا وتحليلً، فيجب ألا يعترض عليه سبحانه بالتصرف في ملكه، ويدل أيضًا على أنَّ مقصودَها " نقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا".
  2. المناسبة الثانية: أنه تعالى لما ذكر في آخر المائدة: لِلَّهِ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا فِيهِنَّ وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [المائدة: 120] على سبيل الإجمال افتتح جل شأنه هذه السورة بشرح ذلك وتفصيله:


  1. فبدأ سبحانه بذكر خلق السماوات والأرض، وضم تعالى إليه أنه جعل الظلمات والنور، وهو بعض ما تضمنه ما فيهن.
  2. ثم ذكر عز اسمه أنه خلق النوع الإنساني، وقضى له أجلًا وجعل له أجلًا آخر للبعث.
  3. وأنه منشئ القرون قرنًا بعد قرن.
  4. ثم قال تعالى: قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ [الأنعام: 12] إلخ فأثبت له ملك جميع المظروفات لظرف المكان، ثم قال عز من قائل: وَلَهُ ما سَكَنَ فِي اللَّيْلِ وَالنَّهارِ [الأنعام: 13] فأثبت أنه ملك جميع المظروفات لظرف الزمان.
  5. ثم ذكر سبحانه خلق سائر الحيوان من الدواب والطير.
  6. ثم خلق النوم واليقظة والموت.
  7. ثم أكثر في أثناء السورة من الإنشاء والخلق لما فيهن من النيرين، والنجوم، وفلق الإصباح، وفلق الحب والنوى، وإنزال الماء، وإخراج النبات والثمار بأنواعها، وإنشاء جنات معروشات وغير معروشات إلى غير ذلك مما فيه تفصيل ما فيهن، [29]وهذا مناسب لمقصود السورة وهو: "الاعتناء بتلقين الاحتجاج لأصول الدين وتقرير عقائد الإسلام بالآيات القرآنية والكونية"، فخاتمة سورة المائدة تشير لموضوع السورة اللاحقة لها الأنعام إشارة واضحة جدًا.


  1. المناسبة الثالثة: وهي أنه سبحانه لما ذكر في سورة المائدة: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُحَرِّمُوا طَيِّبَاتِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [المائدة : 87] ، وذكر جل شأنه بعده مَا جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلَا سَائِبَةٍ وَلَا وَصِيلَةٍ وَلَا حَامٍ وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأَكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ[المائدة : 103] فأخبر عن الكفار أنهم حرَّموا أشياءَ مما رزقهم الله تعالى افتراءً على الله عز شأنه ، وكان القصد بذلك تحذير المؤمنين أن يحرموا شيئًا من ذلك فيشابهوا الكفار في صنعهم، وكان ذكر ذلك على سبيل الإيجاز ساق هذه السورة ؛لبيان حال الكفار في صنعهم فأتى به على الوجه الأبين والنمط الأكمل، ثم جادلهم فيه، وأقام الدلائل على بطلانه، وعارضهم وناقضهم إلى غير ذلك مما اشتملت عليه القصة، فكانت هذه السورة شرحًا لما تضمنته تلك السورة من ذلك على سبيل الإجمال وتفصيلًا وبسطًا وإتمامًا وإطنابًا .

وافتتحت بذكر الخلق والملك لأن الخالق المالك هو الذي له التصرف في ملكه ومخلوقاته إباحة ومنعًا وتحريمًا وتحليلً، فيجب ألا يعترض عليه سبحانه بالتصرف في ملكه، وهذا مشير لمقصود السورة وهو " التوحيد الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم و التشريعِ والعبادة ، والنبوةِ ، واليومِ الآخر، و نقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا" وهذا جلي جدًا، وهذا شأن جميع سور القرآن ـ كما بينه الجلال في أسرار ترتيب القرآن ـ تأتي الثانية مفصلةً لما أجملته الأولى التي قبلها، فكأنَّ سورة المائدة تشير لنا أن السورة اللاحقة الأنعام ستفصل هذا الأمر وإنما أختصره وأمهد لما سيأتي.

  1. المناسبة الرابعة أنه لما اعتنت سورة المائدة وختمت بإبطال ألوهية عيسى ـ عليه الصلاة والسلام ـ وتوبيخ الكفرة على اعتقادهم الفاسد وافترائهم الباطل، وكان مقصودها ":" بيانُ العقودِ والمواثيقِ التي يراد من خلالها تأسيسُ المجتمعِ الإسلاميِّ الفاضلِ المستَمِدِّ تشريعَه من اللهِ تعالى وحدَه، وأعظمها التوحيد، والترغيبُ البليغُ للمؤمنين على الوفاء بها، والترهيبُ البليغ من نقضها"، ناسب هذا سورة الأنعام التي قطبها دائرٌ على " الاعتناءِ بالاحتجاجِ لأصولِ الدين و تقريرُ عقائدِ الإسلامِ : من التوحيدِ الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم و التشريعِ والعبادة ، والنبوةِ ، واليومِ الآخر، و نقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا" .
  2. المناسبة الخامسة: التشابه في المضمون، حيث الرد على كثير من الانحرافات العَقَدِيَّة التي ضل بها الكافرون ودحض شبهاتهم، وتفنيد مزاعمهم:


  • ففي سورة المائدة يأتي الحديث موجهًا إلى أهل الكتاب مع بيان بعض ضلالات المشركين، ففيها حِجَاجٌ لأهل الكتاب، وردٌّ على اقتراحهم الآيات، وتقريرٌ لرسالة سيدنا محمد ـ ـ ونبوته، وللقرآن ودعوته.
  • وفي سورة الأنعام تقريرٌ لعقيدة التوحيد وتبيين ما عليه أهل الشرك من أباطيل وأوهام، وحجاج لهم وردٌّ عليهم، ولدعوة محمدٍ ـ ـ ورسالته، مع بضع إشارات إلى ضلال أهل الكتاب[30].


6)المبحث السادس: دلالة القصة التي في السورة على مقصودها:

لما كان مضمونُ الآياتِ المتقدمةِ كلُّه في ببيانِ أصولِ الدينِ ومحاجةِ المشركين: فبيَّنَ استحقاقَه سبحانه للعبادة وحدَه، وذكَرَ الدلائلَ على اختصاصِ الله تعالى بالخلق، وتمامِ القدرةِ وذكرَ إشراكَهم به ، وتكذيبَهم بالآيات التي أيد بها رسولَه ،وردَّ ما لهم من الشبهة على الرسالة، ثم لقَّنَ رسولَه طوائفَ من الآياتِ البيناتِ في إثباتِ التوحيدِ، والرسالةِ، والبعثِ مبدوءة بقوله : قل، قل ،وهدَمَ مذاهبَ المشركين عبدةِ الأوثانِ، والنصارى، والمجوسِ الذين ألّهوا النور والظلمة ،والصابئةِ قومِ إبراهيم بفرقهم: فمنهم من أثبت آلهة من الكواكب السماوية ، ومنهم من هم قائلون بالأوثان السماوية والأصنام الأرضية متوسطين إلى رب الأرباب ، وينكرون الرسالة في الصورة البشرية ، فكان هؤلاء الطوائف يعدلون به سبحانه: الأصنام، والبشر ، والنور، والظلمة ،والنجوم.
ولما كان سيدُنا إبراهيمُ يُعْرَفُ بفضله في جميع الطوائف والملل؛ فالمشركون كانوا معترفين بفضله، وهو عندهم أعلى البشر مقامًا ، وكانوا مقرين بأنهم من أولاده يزعمون أنهم على دينه ، ويفتخرون به، ومقامُه الأعلى في الرسل عند أهل الكتاب من اليهود والنصارى . والمسلمون معظمون له معترفون بجلالة قدره ـ جاءت قصة إبراهيم مع أبيه وقومِه التي تحتوي على الاحتجاجِ على المشركين لأهمِّ أصلٍ من أصولِ الدين ِوهو التوحيدُ الاعتقاديُّ والعمليُّ بالأدلةِ الكونيةِ والعقليةِ الدامغةِ والمناظرةِ الساطعةِ ، فبينت استحقاقه سبحانه وحده للتوحيد والتوجه والعبادة والحمد ؛لأنه الفاطر للسماوات والأرض إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ [الآية:79]، وأن هذه المعبودات من دون الله لا تنفع ولا تضر وليس لها من الأمر شيء، سواء المعبودات الأرضية كالأصنام أو السماوية كالشمس والقمر والكواكب ، فالآيات بما تشتمل عليه من تلقين الحجة والهداية إلى دين الفطرة تكملة لما تقدمها من الحجج التي لقنها الله سبحانه نبيه ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ في هذه السورة بقوله : قل كذا، وقل كذا فقد كررت لفظة قل في هذه السورة الكريمة أكثر من أربعين مرة ، والمعنى واذكر فيما تقوله لقومك وتحاجهم به من أدلة التوحيد ونفي الشريك بتلقيننا إياك ما قاله إبراهيم لأبيه وقومه مما آتيناه من حجتنا.
وفيها إثبات يوم القيامة، وبيان خوف المشركين في ذلك اليوم، وأمن المؤمنين البعيدين عن الشرك:
وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ [آية:81] ، ثم أتبعها الله سبحانه بذكر معظم الأنبياء، فذكر ثمانية عشر نبيًا ورسولًا بأسمائهم الصريحة ، يعرض موكب الإيمان الموصول منذ سيدنا نوح - ، إلى سيدنا محمد .
"يمضي السياق مع موكب الإيمان الموصول؛ يقوده الرهط الكريم من رسل الله على توالي العصور؛ حيث يبدو شرك المشركين وتكذيب المكذبين لغوًا لا وزن له ، يتناثر على جانبي الموكب الجليل ، الماضي في طريقه الموصول ، وحيث يلتحم آخره مع أوله ؛ فيؤلف الأمة الواحدة ، يقتدي آخرُها بالهدى الذي اهتدى به أولها ، دون اعتبار لزمان أو مكان ؛ ودون اعتبار لجنس أو قوم ، ودون اعتبار لنسب أو لون ، فالحبل الموصول بين الجميع هو هذا الدين الواحد الذي يحمله ذلك الرهط الكريم" .[31]
وهو أكبر عدد يذكر في سورة واحدة، وهذا الذكر إنما جاء في معرض إثبات الرسالة التي ينكرها المشركون ، وختمت أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ قُلْ لَا أَسْأَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْرًا إِنْ هُوَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْعَالَمِينَ [آية:90] .
و ذِكْرُ محاجةِ إبراهيمَ لأبيه في شركِه مناسبةٌ للفترةِ المكيةِ العصيبةِ التي نزلت فيها السورة، حيث يعارضُ الآباءُ والأهلُ أبناءهم في إيمانهم، فكانت مثبتة للذين آمنوا منهم في وجهِ مخالفةِ أقربائهم وآبائهم، وفيها الدلالة على وجوب النصيحة في الدين، لا سيما للأقارب ، ولهذا قال تعالى : وَأَنْذِرْ عَشِيرَتَكَ الْأَقْرَبِينَ [الشعراء:214] بحيث يصدع بها المؤمن ولا يخشى فيها لومة لائم مع الحكمة .
وهذه الأمور التي في القصة هي عين موضوع السورة ومطابقة تمامًا لموضوع السورة، الاحتجاج للتوحيد والبعث والنبوة، والدعوة لإدراك أنفسهم، وأنت لو تأملت مقصود السورة والقصة لا تجد شيئًا ذكر في مقصود السورة إلا تحدثت عنه القصة وطابقته ومقصود السورة" الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ لأصولِ الدينِ وتقريرِ عقائدِ الإسلامِ من إثباتِ الكمالات لله تعالى والتوحيدِ: الاعتقاديِّ الخالصِ، والعمليِّ: باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمدِ، لأنه الخالق القاهر المتفضل.
ومن البعثِ والجزاءِ يومَ القيامةِ، وصدقِ القرآنِ والنبيِّ ـ ـ وتسليتِه فيما يلاقيه.
وإقامةُ الحججِ الدامغةِ لعقائدِ جميعِ المشركين وشبهاتِهم فيما ذكر، ونبذِ الشركِ به اعتقادًا وعملًا، ودعوتهم ودعوة الناس بالترغيب والترهيب أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان".
و القصة أكبر حجّة على المشركين بأنّ أباهم ومن ينتسبون إليه ويفتخرون به لم يكن مشركاً ولا مُقِرّاً للشرك، وأعظم حجَّة للرسول إذ جاءهم بالإقلاع عن الشرك، فلا يمكن أن تسُدَّ قصة أخرى مسدَّها، والسورة لا يناسبها إلا هذه القصة ، فسبحان من أنزل هذا الكتاب العظيم بغاية الدقة ،سبحان من له تحت كل سورةٍ من كتابه الكريم، بل كل آيةٍ وكلمةٍ، أسرارٌ ينفد دون نفاد بيانها الأبحر! كِتَابٌ فُصِّلَتْ آيَاتُهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ[هود:3].[32]
7)المبحث السابع: أقوال المفسرين في مقصود السورة:

يمكن تقسيم أقوال العلماء في مقصود سورة الأنعام إلى أربعة أقسام:
1)القسم الأول: قالوا: مقصود إثباتُ الخالقِ وسائرِ الصفاتِ المستتبعةِ: كالعلم، والقدرة، وإثباتُ التوحيدِ وتقريرُ دلائلِه بالبراهين والحجج وبسطِ الدلالاتِ في الموجوداتِ، و مجادلةُ المشركينَ بجميع أنواعهم: من عبدةِ أوثانٍ، وَصابئةٍ، و سُمْنيةٍ ، ونصارى، ومجوسٍ :مانويةٍ و ثنويةٍ ـ وإقامةُ الحجةِ عليهم ، ونقضُ عقائدِهم، وتفنيدُ شبهاتهم.

  1. جاء في المختصر في تفسير القرآن الكريم: "تقرير عقيدة التوحيد بالبراهين العقلية ونقض عقيدة الاعتقادات الشركية"[33].
  2. قال الطيبي ـ ووافقه الشهاب الخفاجي، والآلوسي، والسيوطي ـ: "واعلم أن قطب هذه السورة الكريمة يدور مع إثبات الصانع، ودلائل التوحيد وما يتصل بها[34]، انظر كيف جعل احتجاج الخليل على قومه، ومآله إلى قوله: إنِّي بَرِيءٌ مِّمَّا تُشْرِكُونَ (78) إنِّي وجَّهْتُ وجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَوَاتِ والأَرْضَ حَنِيفًا [الآيتان: 78 - 79]. وكيف أوقع أمر حبيبه صلوات الله عليه بقوله تعالى: فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهْ [آية: 90] بعد ذكر معظم الأنبياء واسطة العقد، ولجة بحر التوحيد! ثم تفكر في قوله: قُلْ إنَّ صَلاتِي ونُسُكِي ومَحْيَايَ ومَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ العَالَمِينَ (162) لا شَرِيكَ لَهُ وبِذَلِكَ أُمِرْتُ وأَنَا أَوَّلُ المُسْلِمِينَ [الأنعام: 162 - 163] كيف جاءت خاتمة لها! فسبحان من له تحت كل سورةٍ من كتابه الكريم، بل كل آيةٍ وكلمةٍ، أسرار ينفد دون نفاد بيانها الأبحر!" [35].
  3. قال د. محمد بن عبد العزيز الخضيري:" سورة المجادلة مع المشركين، قررت التوحيد بالأدلة، وأقامت الحجة على المشركين، وفندت شبهاتهم[36].
  4. قال الشيخ مصطفى البحياوي: محور السورة إبطال صور الشرك المنافية للتوحيد المنتشرة في العرب: سواء صور الوثنيةِ الصنميةِ، أو الثنويةِ المجوسيةِ عند هجر، أو وثنيةِ النصارى كنصارى نجران، أو صابئةِ العرب الحرانيين الذين يؤلهون الكواكب؛ لذلك جاءت قصة إبراهيم [37].
  5. جاء في خواطر قرآنية: " تبدأ السورة بقوله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَجَعَلَ الظُّلُمَاتِ وَالنُّورَ ثُمَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ يَعْدِلُونَ[آية:1]،فتشعر من بداية السورة بهدفها ومحورها الأساسي، ألا وهو توحيد الله وعدم الشرك به أبدًا، وألا يكون في قلبك غير الله ، وتتكرر مسألة التوحيد الله تعالى وعدم الشرك به تسعًا وأربعين مرة في السورة في تسع وأربعين آية، أي: حوالي ثلاثين بالمائة من مجموع السورة، ولهذا نعلم سبب نزولها بهذه الهيبة [ يحفها سبعون ألف ملك لهم زجل ـ أي صوت رفيع عالٍ ]كما يمكننا أن نستشعر الحكمة من نزولها ليلًا؛ فإن جوَّ الليل يناسب هذه الروحانيات"[38].
  6. قال الدكتور رياض قاسم: "المحور الأساسي الذي تدور حوله سورة الأنعام: هو إقرار عقيدة الإيمان والتوحيد، ومحاجة المشركين والمبتدعين والمنكرين بالحجج والبراهين، والاستدلال بقدرة الله تعالى على خلقهم وخلق السماوات والأرض".[39]
  7. قال أبو جعفر بن الزبير:" ثم مرت السورة من أولها إلى آخرها منبهة على بسط الدلالات في الموجودات مع التنبيه على أن ذلك لا يصل إلى استثمار فائدته إلا من هُيء بحسب السابقة، فقال إِنَّمَا يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ثم قال تعالى وَالْمَوْتَى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ [آية: 36]".[40]

2)القسم الثاني: كالقسم الأول إلا أنهم زادوا اختصاصه سبحانه بالحكم والتشريع والتحليل والتحريم، وذكر التوحيد الاعتقادي والعملي، و الشرك الاعتقادي والعملي فقالوا:

مقصودها الدعوةُ إلى التوحيدِ الخالصِ لله تعالى وعدمِ الإشراكِ به اعتقادًا وعملًا، واختصاصِ الله تعالى بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ لا سيما في الذبائح والمطاعم، والاستدلال على ذلك بالآيات الكثيرة: الكونيةِ والقرآنيةِ بإثبات اتصافه سبحانه بصفات الكمال: من خلق وإنعام، وإيجاد وإعدام، وعلم شامل، وقدرة تامة مطلقة، ومن جملة ذلك القدرة على البعث، وتقرير العقيدة الصحيحة.

وإقامة الحجة على المشركين وإبطال عقائدهم مما ينافي ذلك: من الشرك الاعتقادي، والعملي بالتحليل والتحريم ما لم يأذن به الله مما يخالف ملة إبراهيم ، وإبطال شبهاتهم، فهي أصل في محاجة جميع الكفار، وتثبيت فؤاد النبي ـ والمؤمنين.

  1. قال الدكتور جابر العلواني في تفسير سورة الأنعام:" فعمود السورة ومحورها هو التوحيد الخالص بكل أنواعه ومنها التشريع، والاستدلال عليه بالكون بتفاصيله وجزئياته كلها، والسنن والقوانين التي تحكمه، ومناقشة ما عليه المشركون من تهافت وانحراف، وإدانتهم بأفواههم بذلك كله مع سرعة عقابه للمشركين وأنه غفور رحيم[41].
  2. قال الدكتور عمر عرفات في دلالة أسماء السورة القرآنية على محاورها وموضوعاتها:

"سورة اختصاص الله تعالى بالحكم والتشريع؛ لأنه الرب الإله الخالق ذو القدرة المطلقة والعلم الشامل"
وكان قد قال الدكتور عمر قبل ذلك ـ يمكن تلخيص أقوال المفسرين والكاتبين: بأن محور السورة هو:
" الدعوة إلى التوحيد من خلال بيان دلالة الآيات الكونية والآيات القرآنية على شمول علم الله تعالى وكمال قدرته، فله وحده الحكم والتشريع، ولما كان افتراء المشركين فيما يتعلق بأحكام الأنعام بأهوائهم وضلالهم أدل ما في السورة على إعراضهم عن آيات الله بنوعيها، سميت السورة بالأنعام للتأكيد على أن الحكم والتشريع من حق الخالق فقط ، فاسم السورة يعبر عن المحور المذكور".[42] .

  1. قال البقاعي: " مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتابُ في السورة الماضية من التوحيد بأنه الحاوي لجميع الكمالات: من الإيجاد، والإعدام، والقدرة عل البعث وغيره، وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد الأنعام؛ لأن الإذن فيها مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق، وتضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها ديناً؛ لأنه لم يأذن فيه ولا أذن لأحد معه ؛لأنه المتوحد بالإلهية ،لا شريك له ،وحصر المحرمات من المطاعم التي هي جُلُّها في هذا الدين وغيره فدل ذلك على إحاطة علمه "[43].

وقال البقاعي بعد ذلك رابطًا هذه السورة بجميع السور السابقة[44]:" فقد لاح أن مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب الذي تبين أنه الهدى[البقرة] من توحيد الله [آل عمران] والاجتماع عليه [النساء] والوفاء بعهوده [المائدة] بأنه سبحانه وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره، وما أنسب ذلك بختم المائدة بذكر يوم الجمع وأن لِمَلِكِه جميع الملك، وهو على كل شيء قدير".[45]

  1. قال أ. د. محمد عبد المنعم القيعي ـ ملخصًا لما ذكره البقاعي:" مقصود سورة الأنعام: الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب".[46]
  2. قال الفراهي في دلائل النظام: "وَأما سُورَة الْأَنْعَام، فعمودها بيانُ موقع الْأَحْكَام من عهد التَّوْحِيد، لسدِّ أَبْوَاب الشّرك.[47]
  3. قال سيد قطب:" إن موضوعها الذي تعالجه من مبدئها إلى منتهاها هو موضوع العقيدة، بكل مقوماتها وبكل مكوناتها[48].... هذه السورة تعالج قضية العقيدة الأساسية.. قضية الألوهية والعبودية.. تعالجها بتعريف العباد برب العباد من هو؟ ما مصدر هذا الوجود؟ ماذا وراءه من أسرار؟ من هم العباد؟ من ذا الذي جاء بهم إلى هذا الوجود؟ من أنشأهم؟ من يطعمهم؟ من يكفلهم؟ من يدبر أمرهم؟ من يقلب أفئدتهم وأبصارهم؟ من يقلب ليلهم ونهارهم؟ من يبدئهم ثم يعيدهم؟ لأي شيء خلقهم؟ ولأي أجل أجلهم؟ ولأي مصير يسلمهم؟ ـ كذا تطوّف السورة بالقلب البشري في هذه الآماد والآفاق إنما تهدف إلى تعريف الناس بربهم الحق، لتصل من هذا التعريف إلى تعبيد الناس لربهم الحق.. تعبيد ضمائرهم وأرواحهم، وتعبيد سعيهم وحركتهم، وتعبيد تقاليدهم وشعائرهم، وتعبيد واقعهم كله لهذا السلطان المتفرد.. والقضية الكبيرة التي تعالجها السورة هي قضية الألوهية والعبودية في السماوات والأرض. في محيطها الواسع، وفي مجالها الشامل.. ولكن المناسبة الحاضرة في حياة الجماعة المسلمة حينذاك، المناسبة التطبيقية لهذه القاعدة الكبيرة الشاملة، هي ما تزاوله الجاهلية من حق التحليل والتحريم في الذبائح والمطاعم، ومن حق تقرير بعض الشعائر في النذور من الذبائح والثمار والأولاد.. هذه هي المناسبة الحاضرة في حياة الأمة المسلمة - والجاهلية حولها - التي تتمثل فيها تلك القضية الكبيرة..

قضية التشريع.. ومن ورائها القضية الكبرى.. قضية الألوهية والعبودية التي تعالجها السورة كلها، ويعالجها القرآن المكي كله، كما يعالجها القرآن المدني أيضا كلما جاء ذكر النظام فيه وذكر التشريع... والحشد الذي يتدفق به سياق السورة من التقريرات والمؤثرات، وهو يواجه الجاهلية وأهلها في أمر هذه الأنعام والذبائح والنذور - وهي المناسبة التي تتمثل فيها قضية حق التشريع - وربطها بقضية العقيدة كلها - قضية الألوهية والعبودية - وجعلها مسألة إيمان أو كفر، ومسألة إسلام أو جاهلية
ولعلنا قد سبقنا سياق السورة ونحن نبين منهجها الموضوعي وهي تتناول قضية العقيدة بجملتها، في مواجهة مناسبة جزئية تتعلق بأمر التشريع والحاكمية. وهي المناسبة التي لا نقول: إنها اقتضت ذلك الحشد المجتمع المتدفق من التقريرات والتأثيرات في سياق السورة كله، وهذا البيان الرائع الباهر لحقيقة الألوهية في مجالها الواسع الشامل. ولكننا نقول: إنها المناسبة التي ربطت في سياق السورة بهذا كله فدل هذا الربط على طبيعة هذا الدين ونظرته لقضية التشريع والحاكمية في الكبير والصغير، وفي الجليل والحقير من شؤون هذه الحياة الدنيا.. كما أسلفنا.[49]
وقال سيد قطب في موضع آخر: " فسورة الأنعام تتناول حقيقة العقيدة ذاتها، وتواجه الجاهلية بها، وتفند هذه الجاهلية عقيدة وشعورًا، وعبادة وعملًا.[50]

  1. قال عبد المتعالي الصعيدي: مقصودها إثبات التوحيد والنبوة ومحاجة المشركين فيهما، وفي إبطال أحكام فرعية ابتدعوها حين تركوا التوحيد ونسوا ملة إبراهيم، وإثبات أحكام سواها تلتئم معها.[51]
  2. جاء في كتاب "أول مرة أتدبر القرآن": " محور السورة توحيد الله وعدم الإشراك به، اعتقادًا وعملًا".[52]

9.جاء في كتاب "من دلالات أسماء السور في القرآن الكريم":" النعم تستوجب الشكر، ومن مقتضيات الشكر التسليم لله وحده بحق التحليل والتحريم، ومن لم يقبل فهو من أعظم المشركين"[53].

  1. جاء في التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم:

"المحور الأساسي الذي تدور حوله السورة الكريمة هو إقامة الحجة على الكفار بنقض عقائدهم الباطلة وتقرر العقيدة الصحيحة بالأدلة القاطعة ، والبراهين الساطعة والحجج المتنوعة ،فهي أصل في محاجة جميع الكفار ، وكشف ما هم عليه من ضلال وتفنيد شبهاتهم وبيان العقيدة الصحيحة وإثباتها بالأدلة والبراهين[54]، والسورة الكريمة زاد للدعاة ومنهج للمحاورين ،يقول صاحب الأساس في التفسير:" إن السورة حوار شامل مع الكافرين في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر سواء كانت نظرية ، أو كانت عملية ، ولذلك فإن على الداعية إلى الله أن يتملى حججها ويعرف كيف يقرع بها .
فقد نزلت هذه السورة لتقويض وتدحض عقائد أهل الشرك وتقرر وترسخ العقيدة الصحيحة التي من أجلها أرسل الله الرسل وأنزل الكتب ...وخلاصة القول في محور السورة:
أنها نزلت بالحج القاطعة والآيات الساطعة التي تقوض دعائم الشرك وتدحض شبهه، وتقرر عقيدة التوحيد وأصول التشريع ، وتثبت فؤاد النبي ومن اتبعه من المؤمنين ، وتفصح عن أسباب صدود المشركين وإعراضهم عن الحق مع ظهور حججه وجلاء براهينه"[55].
3)القسم الثالث: قالوا: مقصودها الاعتناء بالاحتجاج لأصول الدين، وإقامة الحجة على المشركين، وتقرير العقيدة الصحيحة والأخلاق والآداب الفاضلة، وعرض القضايا العالمية الكبرى الثلاثة التي شغلت البشرية، فكانت معظم آياتها في:

1) إقامة الأدلة القاطعة المقنعة بالآيات المتلوة والكونية على وحدانيةِ الله ربِّ كل شيء وقدرته وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة والخضوع، والحكمِ والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ، بلفت النظر إلى آثار الربوبية وإلى صفات الله الخالق المتصرف، ونبذِ الشركِ، اعتقادًا وعملًا، ومن جملة ذلك ما شرعه المشركون من تحليل وتحريم لم يأذن به الله، وهذه القضية شغلت معظم السورة.
2) إقامة الأدلة على أن يوم القيامة والبعث وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء ـ حقُّ، وأنه سبحانه إليه ينتهي ويعود كل شيء، والاحتجاج على من كذب بذلك.
3) إقامة الأدلة على صدق النبي ـ ـ في دعوته وصحة كتابه، مع بيان وظيفته وتسليته عما يلاقيه من أعدائه، والإيمان بجميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى مبشرين ومنذرين.
ورد شبهات المشركين حول هذه الأمور الثلاثة وغيرها، فهي سورة عقائد الإسلام والحجاج والبراهين ومحاورة المعرضين، فلم تترك أصحاب عقيدة فاسدة إلا حاورتهم وبينت فساد عقيدتهم.
1.قال الإمام الرازي:" مشتملة على دلائل التوحيد، والعدل والنبوة، والمعاد وإبطال مذاهب المبطلين والملحدين".[56]

  1. جاء في تفسير القرآن الكريم:" سورة الأنعام عرضت للعناصر الدينية الأولى، وهي القضايا العالمية الكبرى التي شغلت العقل البشري منذ أن نظر..:وهذه القضايا هي: 1) قضية الألوهية وعبادة الله وحده،2) قضية الوحي والرسالة ،3) قضية البعث والجزاء[57].
  2. قال الدكتور عبد الله شحاته، ونقله عنه جعفر شرف الدين في "الموسوعة القرآنية، خصائص السور" ووافقه صاحب كتاب محتويات سور القرآن[58] ، وكذلك الدكتور عبد البديع[59]، وكذلك صاحبة التناسق الموضوعي في سورة الأنعام[60].

"إن الأغراض الرئيسة التي استهدفتها هذه السورة الكريمة هي تركيز العقائد الأساسية الثلاث التي كان المشركون يومئذ يتنازعون فيها، وهذه العقائد الأساسية هي:
أولا: توحيد الله، ويتصل بهذا إقامة الدليل على وحدة الألوهيّة، بلفت النظر إلى آثار الربوبية، وإلى صفات الله الخالق المتصرف، كما يتصل بها إبطال عقيدة الشرك، وشبهات المشركين، وتقرير أن العبادة والتوجّه والتحريم والتحليل، إنما ترجع إلى الله.
ثانيا: الإيمان برسوله الذي أرسل، وكتابه الذي أنزل، وبيان وظيفة هذا الرسول، ورد الشبهات التي تثار حول الوحي والرسالة.
ثالثا: الايمان باليوم الآخر وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء"[61].

  1. قال محمد سيد طنطاوي:" فقد جمعت كل العقائد الصحيحة، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين، وتفنيد شبه الملحدين، وإبطال العقائد الفاسدة، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاصلة ... هذه هي أهم المقاصد التي اشتملت عليها سورة الأنعام، ومنها نستخلص أن الأغراض الرئيسية التي استهدفتها السورة الكريمة تتركز فيما يلي:

(أ) إقامة الأدلة على وحدانية الله وقدرته، وأنه سبحانه- هو المستحق للعبادة والخضوع، وأن شريعته وحدها هي التي يجب أن تكون مرجعنا في كل ما يتعلق بعبادتنا ومعاملاتنا وسائر شئوننا.
(ب) إقامة الأدلة على صدق النبي في دعوته، مع بيان وظيفته وتسليته عما يلاقيه من أعدائه.
(ج) إقامة الأدلة على أن يوم القيامة حق، وعلى أن الناس سيحاسبون فيه على أعمالهم، إن خيرا فخير وإن شرا فشر.
(د) تفنيد الشبهات التي أثارها المشركون حول هذه الأمور الثلاثة السابقة بأسلوب يقنع العقول، ويهدى القلوب، ويرضى العواطف، ويحمل العقلاء على المسارعة إلى الدخول في هذا الدين عن طواعية واختيار".[62]

  1. قال الطباطبائي:" غرض السورة هو توحيده تعالى بمعناه الأعم أعني: أنَّ للإنسان ربًا هو رب العالمين جميعًا، منه يبدأ كل شيء، وإليه ينتهي ويعود كل شيء، أرسل رسلًا مبشرين ومنذرين يهدي بهم عباده المربوبين إلى دينه الحق، ولذلك نزلت معظم آياتها في صورة الحجاج على المشركين في التوحيد والمعاد والنبوة، واشتملت على إجمال الوظائف الشرعية و المحرمات الدينية"[63].
  2. جاء في صفوة التفاسير وأخذه صاحب " التعريف بسور القرآن الكريم" وصاحب التفسير المنير: " والدكتور أحمد عطا عمر في تفسير سورة الأنعام [64]، وأخذه موقع المصحف الإلكتروني:

" محور مواضيع السورة سورة الأنعام إحدى السور المكية الطويلة التي يدور محورها حول " العقيدة وأصول الإيمان " ...تناولت القضايا الكبرى الاساسية لأصول العقيدة والإيمان وهي:" قضية الألوهية، وقضية الرسالة والوحي، وقضية البعث والجزاء"، ونجد سلاحها في ذلك الحجة الدامغة، والدلائل القاطعة، والبراهين الساطعة على صدق القرآن وصدق من نزل عليه القرآن[65].

  1. قال الدكتور فاضل السامرائي:" هدف السورة: التوحيد الخالص لله في الاعتقاد والسلوك، تناولت سورة الأنعام القضايا الأساسية الكبرى لأصول العقيدة والإيمان وهذه القضايا يمكن تلخيصها فيما يلي:

قضية الألوهية، قضية الوحي والرسالة، وقضية البعث والجزاء.
والحديث في هذه السورة يدور بشدة حول هذه الأصول الأساسية للدعوة ونجد سلاحها في ذلك الحجة والبرهان والدلائل القاطعة للإقناع".[66]

  1. قال الدكتور محمد بن عبد الله العبيدي القحطاني: مقصد سورة الأنعام الأساسي:

تعني بقضايا العقيدة وأصول الإيمان والتوحيد حتى إن قواعد التوحيد كلها ذكرت فيها وأصول الإيمان على وجه التفصيل والبيان بحيث لم يرد بالتفصيل في سورة أخرى مثل هذه السورة".[67]

  1. جاء في الخرائط الذهنية لسورة القرآن الكريم:" إقامة الحجة على الكفار، وتقرير العقيدة".[68]
  2. قال الدكتور عمر حماد: " محور السورة: الاستدلال بالحجة والبرهان ولفت النظر إلى آيات الله تعالى في الكون، على مسائل العقيدة: من التوحيد، وبعثة النبي ـ ـ والبعث والنشور.[69]
  3. قال ناصر مكارم الشيرازي في "الأمثل": "هدف هذه السورة الرئيسي مثل أهداف السور المكية توكيد الأُصول الثلاثة : «التوحيد » و«النبوة » و«المعاد » ، ولكنها تؤكّد أكثر ما تؤكّد قضية عبادة الله الواحد ومحاربة الشرك والوثنية ، بحيث أنّ معظم آيات هذه السورة يخاطب المشركين وعبدة الأصنام ، وبهذا يتناول البحث في أكثر المواضع أعمال المشركين وبدعهم.
    على كل حال ، فإن تدبر آيات هذه السورة والتفكير في استدلالاتها الحية الجلية ، يحيي روح التوحيد وعبادة الله في الإِنسان ، ويحطم قواعد الشرك ويقتلع جذوره ، ولعل السبب في نزول هذه السورة في مكان واحد هو هذا التماسك المعنوي وإِعطاء الأولوية لمسألة التوحيد " [70].
  4. جاء في معاني القرآن للزجاج:" قال أبو إِسحاق: بلغني مِنْ حَيث أثق بِه[71] أن سورةَ الأنعام نزلتْ كلها جملة واحدة، نزل بها سبعون ألف ملك لهم زَجَل بالتسبيح، وأن أكثرها احتجاج على مشركي العرب. على من كذَب بالبعث والنشور".[72]
  5. قال الإمام القرطبي:" قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجة المشركين[73] وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور، وهذا يقتضي إنزالها جملة واحدة؛ لأنها في معنى واحد من الحجة، وإن تصرف ذلك بوجوه كثيرة، وعليها بنى المتكلمون أصول الدين؛ لأن فيها آيات بينات ترد على القدرية دون السور التي تذكر والمذكورات".[74]
  6. جاء في التفسير الكاشف: سورة الأنعام: محورها بيان أصول العقيدة [75].
  7. جاء في موقع إسلاميات:" هي سورة الحجاج والبراهين، تخصصت في محاورة جميع المعرضين عن الإسلام والمعاندين لدعوته من أصحاب الملل والنحل المختلفة فلم تترك أصحاب عقيدة فاسدة إلا حاورتهم وبينت فساد عقيدتهم.[76]
  8. جاء في كتاب "سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام": قد جمعت كل العقائد الصحيحة، وعنيت بالاحتجاج لأصول الدين، وتفنيد شبه الملحدين، وإبطال العقائد الفاسدة، وتركيز مبادئ الأخلاق الفاضلة".[77]
  9. قال محمد رشيد رضا:" لو سميت سور القرآن بما يدل على جل ما تشتمل عليه كل سورة أو على أهمه لسميت هذه السورة سورة عقائد الإسلام، أو سورة التوحيد، على ما جرى عليه العلماء من التعبير عن علم العقائد بالتوحيد ؛لأنه أساسها وأعظم أركانها، فهي مفصلة لعقيدة التوحيد مع دلائلها، وما تجب معرفته من صفات الله تعالى وآياته، ولرد شبهات الكفار على التوحيد وما يتبع ذلك من هدم هياكل الشرك وتقويض أركانه، ولإثبات الرسالة والوحي وتفنيد شبهاتهم على الرسول ، وإلزامهم الحجة بآية الله الكبرى وهي القرآن المشتمل على الآيات الكثيرة من عقلية وعلمية، ومبينة لوظائف الرسول ودعوته وهديه في الناس على اختلاف طبقاتهم وأحوالهم، وللبعث والجزاء والوعد والوعيد، ولأحوال المؤمنين والكافرين وأعمالهم، ولأصول الدين ووصاياه الجامعة في الفضائل والآداب".[78]
  10. حاصل كلام الشيخ عبد الرحمن حبنكة:

أن موضوع السورة:

  1. كشف حقائق عقدية وسلوكية، وجدليات ترغيب وترهيب ومواعظ للكافرين.
  2. وصايا من الله تعالى لرسوله ـ ـ لتثبيته في الدعوة ولأتباعه المؤمنين. [79]



4)القسم الرابع: "موضوعها حوار ونقاش شامل للكافرين بالله في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر، سواء كانت نظرية، أو عملية ،والتعجيب من حالهم، وإقامة الحجة عليهم من خلال ربوبية الخالق لخلقه وتعريفهم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، والتدليل على عناية الله وتقرير قدرته سبحانه، لاستخراج الشكر وإكمال المعرفة بالله في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده ، وسورة الأنعام شارحة ومفصلة لآيتين من سورة البقرة هما محور سورة الأنعام وهما هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29،28]".

  1. خلاصة كلام الشيخ سعيد حوى:" موضوعها حوار ونقاش الكافرين بالله بكفرهم حوار شامل معهم في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر، سواء كانت نظرية، أو كانت عملية والتعجيب من حالهم، وإقامة الحجة عليهم من خلال ظاهرتي الحياة والعناية بتقرير قدرة الله، والتدليل على عنايته لاستخراج الشكر وإكمال المعرفة بالله في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده ، وسورة الأنعام شارحة ومفصلة لآيتين من سورة البقرة هما محور سورة الأنعام وهما هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29،28].[80].
  2. وهذا الذي ذكره الشيخ سعيد حوى مأخوذ من كلام السيوطي في كتابه أسرار ترتيب القرآن حيث قال:" وكانت هذه السورة [الأنعام] بأسرها متعلقة بالفاتحة من وجه كونها شارحة لإجمال قوله تعالى رب العالمين وللبقرة من حيث شرحها لإجمال قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ[البقرة:21] وقوله : هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29].



  1. جاء في مقاصد قرآنية:" مقصد السورة ربوبية الخالق لخلقه وتعريفهم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا".[81]

5)المبحث الثامن: مناقشة الأقوال والترجيح بينها:

إذا تأملنا الأقوال الأربعة السابقة نجدها قد وفقت لتحديد محورِ السورةِ أو جزءٍ من محور السورة، والاختلاف بينها في استيفاءِ ذكرِ المحور، أو الاقتصارِ على بعض هذا المحور، وإليك بيانَ ذلك:
أ-أما القسم الأول الذين قالوا: " قالوا: مقصود إثباتُ الخالقِ وسائرِ الصفاتِ المستتبعةِ: كالعلم، والقدرة، وإثباتُ التوحيدِ وتقريرُ دلائلِه بالبراهين والحجج وبسطِ الدلالاتِ في الموجوداتِ، و مجادلةُ المشركينَ بجميع أنواعهم :من عبدةِ أوثانٍ، وَصابئةٍ ،وسُمْنيةٍ ، ونصارى، ومجوسٍ :مانويةٍ و ثنويةٍ ـ وإقامةُ الحجةِ عليهم ، ونقضُ عقائدِهم، وتفنيدُ شبهاتهم.

  1. فقولهم هذا صحيح لا شك فيه أنَّ مِن مقاصدِ السورة بل أهم مقاصد السورة هذا الذي ذكر من إثبات التوحيد وتقرير دلائله بالبراهين والحجج، وهو الذي أخذ معظم آيات السورة، لكن يبقى أمور هي من مقصود السورة :


  • إقامة الأدلة على أنَّ البعثَ ويومَ القيامةِ وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء ـ حقُّ، وأنه سبحانه إليه ينتهي ويعود كل شيء، والاحتجاج على من كذب بذلك، كما في قوله تعالى:


  1. وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [آية:22].
  2. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [آية:27].
  3. وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آية:30].
  4. حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [آية:31].
  5. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [آية:93].
  6. وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [آية:94].
  7. وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. [آية:128].


  • ومن مقاصدها إقامة الأدلة على صدق النبيِّ ـ ـ والأنبياءِ في دعوتهم، أرسله رسولًا مبشرًا ومنذرًا يهدي إلى دينه الحق، وإرشاده ـ ـ وتسليته وتصبيره فيما يلاقيه من أعدائه في طريق الدعوة إلى ملة إبراهيم التوحيد، وإثبات أن القرآنَ من عند الله، وأنه آية تكفي وتغني لا يحتاجون معه إلى آية أخرى، وذلك في آيات كثيرة قوله تعالى:


  1. وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ [الآيتان:8،7].
  2. وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الآيتان: 26،25].
  3. قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الآيتان:34،33].
  4. قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [آية:50].

فالسورة تتكلم على القضايا الثلاثة المهمة: التوحيد، والبعث، والوحي، وتحتج لها بالأدلة الكثيرة ، فهي تعتني بجميعِ أصولِ الدين و تقريرِ عقائدِ الإسلامِ ،وليست فقط في قضية التوحيد،كما هو واضح في الآيات السابقة.
وواضح من الآيات الأربع الأولى في السورة التي لخصت مقصود السورة كما هو موضح في المبحث الثالث، في المطلب الأول، وواضح من خاتمة السورة كما هو مبين في المبحث الثالث المطلب الثاني، وواضح من قصة إبراهيم كما تقدم.

  1. وبقي عليهم أن ينصوا على قضية مهمة هي من جزء من مقصود السورة وهو:" التوحيد العملي باختصاصه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمدِ، لأنه الخالق القاهر المتفضل".

وهذه القضية أخذت كثيرًا من آيات السورة لا سيما من قوله تعالى وَجَعَلُوا لِلَّهِ مِمَّا ذَرَأَ مِنَ الْحَرْثِ وَالْأَنْعَامِ نَصِيبًا فَقَالُوا هَذَا لِلَّهِ بِزَعْمِهِمْ وَهَذَا لِشُرَكَائِنَا فَمَا كَانَ لِشُرَكَائِهِمْ فَلَا يَصِلُ إِلَى اللَّهِ وَمَا كَانَ لِلَّهِ فَهُوَ يَصِلُ إِلَى شُرَكَائِهِمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [آية:136] إلى قريب من نهاية السورة،و كما يدل عليه حديث «صحيح البخاري» أن ابن عباس قال: إذا سرك أن تعلم جهل العرب فاقرأ ما فوق الثلاثين ومائة من سورة الأنعام قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللَّهُ افْتِرَاءً عَلَى اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا وَمَا كَانُوا مُهْتَدِينَ [آية:140]،[82] ، ويدل عليه اسم السورة " الأنعام" بوضوح كما تبين في المبحث الثالث المطلب الثالث، مع ما ورد من الانفرادات اللفظية المؤيدة لهذا ، من الكلمات التي وردت في هذه السورة الكريمة ولم ترد في سورة أخرى: كـالضأن(143)،والمعز(143)،وشحومها(146) حيث لم ترد في سورة أخرى، و هي الوحيدة التي ذكر فيها المصدر "افتراء" ،وهي الوحيدة التي ذكر فيها: قُلْ إِنَّ صَلَاتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ[الأنعام:162]، ، وكذلك دلالة الكلمات التي كثرت في السورة: فهي أكثر سورة تكرر فيها الفعل الماضي "افترى" و أكثر سورة تكرر فيها الفعل المضارع "يفترون" كما تقدم بيانه في المبحث الثالث، وكلها مشيرة بغاية الوضوح لشدة عناية السورة بهذه القضية المهمة .

  1. وأيضًا لا بد من النص على الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ، وهذا واضح جدًا من عدة أمور:


  • من كثرة تكرار لفظة (قل) في السورة، فقد وردت أكثر من أربعين مرة كما تقدم.
  • ويدل عليه محاجة سيدنا إبراهيم لقومه، ولا سيما ما جاء فيها من قوله تعالى: وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ [آية:83]أي:علّمناه إياها، وأرشدناه إليها على قومه مستعلية عليهم ، قاطعة لألسنتهم[83]، و كذلك هذه السورة هي حجة الله تعالى على المشركين غالبةً عليهم ملقِّنةً للمؤمنين حُجَّتَهم حتى سماها محمد سيد طنطاوي بـسورة البلاغ والإعلان فقال: " هذه السورة التي هي سورة البلاغ والإعلان، والمبادئ العليا لدعوة الإيمان"[84].
  • وهو المناسب للجو الذي نزلت فيه السورة كما تقدم في المبحث الأول.
  • ويؤيده كلام كثير من العلماء من ذلك قول البقاعي:" وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة "[85]، وقول الإمام القرطبي:" قال العلماء: هذه السورة أصل في محاجة المشركين وغيرهم من المبتدعين ومن كذب بالبعث والنشور "[86]، وما جاء في موقع إسلاميات من قولهم:" هي سورة الحجاج والبراهين".[87]



  1. ولا بد من أن يزيدوا أنَّ السورةَ لقنت وعلمت "الأخلاق الفاضلة" كما هو بارز في الوصايا العشر، فبعد أن أبطلت شرك الكفار وعاداتهم السيئة علمت المؤمنين ما يجب أن يكونوا عليه:

قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (151) وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (152) وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ (153)[الآيات:(151ـ 153).

  1. ولا بد أن يزيدوا أنَّ من مقاصدِ السورةِ "دعوة المشركين ودعوة الناس بالترغيب والترهيب أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان" ويدل عليه عدة أمور:


  • وهذا ذكر في آيات كثيرة، لا سيما مطلع السورة وخاتمتها،منها:


  1. فَقَدْ كَذَّبُوا بِالْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ فَسَوْفَ يَأْتِيهِمْ أَنْبَاءُ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (5) أَلَمْ يَرَوْا كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ مَا لَمْ نُمَكِّنْ لَكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاءَ عَلَيْهِمْ مِدْرَارًا وَجَعَلْنَا الْأَنْهَارَ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمْ فَأَهْلَكْنَاهُمْ بِذُنُوبِهِمْ وَأَنْشَأْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ قَرْنًا آخَرِينَ [الآيتان:6،5].
  2. وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَحَاقَ بِالَّذِينَ سَخِرُوا مِنْهُمْ مَا كَانُوا بِهِ يَسْتَهْزِئُونَ (10) قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ (11) قُلْ لِمَنْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ قُلْ لِلَّهِ كَتَبَ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ [الآيات:12،11،10].
  3. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ [الآية:21].
  4. وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ (26) وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [الآيتان:27،26].
  5. وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أَفَلَا تَعْقِلُونَ [الآية:32].
  6. وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ (93) وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [الآيتان:94،93].
  7. مَنْ جَاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثَالِهَا وَمَنْ جَاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلَا يُجْزَى إِلَّا مِثْلَهَا وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ [الآية:160].
  8. إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [الآية:165].


  • ويدل عليه انفراد هذه السورة بإيراد كلمة "حيران" كما تقدم في المبحث الرابع.
  • وكما يدل عليه كون سورة الأنعام وسورة النساء أكثر سورتين تكرر فيهما الفعل "وصى" المنسوب إلى الله تعالى، وكون سورة الأنعام أكثر سورة تكرر فيها ذكر "الأجل" مع الفعل "قضى"، وذلك مرتين (آية:60،2) كما تقدم في المبحث الرابع.


ب ـ أما القسم الثاني: الذين قالوا: مقصودها الدعوةُ إلى التوحيدِ الخالصِ لله تعالى وعدمِ الإشراكِ به اعتقادًا وعملًا، واختصاصِ الله تعالى بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ لا سيما في الذبائح والمطاعم، والاستدلال على ذلك بالآيات الكثيرة: الكونيةِ والقرآنيةِ بإثبات اتصافه سبحانه بصفات الكمال: من خلق وإنعام، وإيجاد وإعدام، وعلم شامل، وقدرة تامة مطلقة، ومن جملة ذلك القدرة على البعث، وتقرير العقيدة الصحيحة.

وإقامة الحجة على المشركين وإبطال عقائدهم مما ينافي ذلك: من الشرك الاعتقادي، والعملي بالتحليل والتحريم ما لم يأذن به الله مما يخالف ملة إبراهيم ، وإبطال شبهاتهم، فهي أصل في محاجة جميع الكفار، وتثبيت فؤاد النبي ـ والمؤمنين.
فقد تميزوا على القسم الأول بإيراد قضية مهمة ركزت عليها السورة وبنيت عليها وهي:" ذكر التوحيد الاعتقادي والعملي، والنهي عن الإشراك الاعتقادي والعملي" فقالوا: مقصودها عدم الإشراكِ به اعتقادًا وعملًا، واختصاصِ الله تعالى بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ لا سيما في الذبائح والمطاعم"، لكن يستدرك عليهم الأمور التي استدركت على القول الأول.
ت ـ أما القسم الثالث الذين قالوا: "مقصودها الاعتناء بالاحتجاج لأصول الدين، وإقامة الحجة على المشركين، وتقرير العقيدة الصحيحة والأخلاق والآداب الفاضلة، وعرض القضايا العالمية الكبرى الثلاثة التي شغلت البشرية، فكانت معظم آياتها في:

1) إقامة الأدلة القاطعة المقنعة بالآيات المتلوة والكونية على وحدانيةِ الله ربِّ كل شيء وقدرته وأنه سبحانه هو المستحق للعبادة والخضوع، والحكمِ والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ، بلفت النظر إلى آثار الربوبية وإلى صفات الله الخالق المتصرف، ونبذِ الشركِ، اعتقادًا وعملًا، ومن جملة ذلك ما شرعه المشركون من تحليل وتحريم لم يأذن به الله، وهذه القضية شغلت معظم السورة.
2) إقامة الأدلة على أن يوم القيامة والبعث وما يكون فيه من ثواب وعقاب وجزاء ـ حقُّ، وأنه سبحانه إليه ينتهي ويعود كل شيء، والاحتجاج على من كذب بذلك.
3) إقامة الأدلة على صدق النبي ـ ـ في دعوته وصحة كتابه، مع بيان وظيفته وتسليته عما يلاقيه من أعدائه، والإيمان بجميع الأنبياء الذين أرسلهم الله تعالى مبشرين ومنذرين.
ورد شبهات المشركين حول هذه الأمور الثلاثة وغيرها، فهي سورة عقائد الإسلام والحجاج والبراهين ومحاورة المعرضين، فلم تترك أصحاب عقيدة فاسدة إلا حاورتهم وبينت فساد عقيدتهم".

  1. فمذهبهم أشمل المذاهب وأحواها للمقصود فكلهم نصوا على السورة تتناول قضية التوحيد والنبوة والبعث، ورد الشبهات عن هذه القضايا الثلاثة، لكن جزء منهم لم ينص مع هذا على " التوحيد العملي باختصاصِ الله تعالى بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ لا سيما في الذبائح والمطاعم" فيستدرك عليهم هذا وهو شيء مهم أساسي في السورة، لكن الجزء الآخر نص على هذه القضية.
  2. وبقي على كثير منهم أنَّ ينصوا على أنَّ من مقصود السورة "دعوة المشركين ودعوة الناس بالترغيب والترهيب أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان" وهذا ذكر في آيات كثيرة كما تقدم.

3.وبقي على كثير منهم أن ينصوا على أنّ من مقصود السورة "الاعتناء بتلقين الاحتجاجِ".

  • وأما القسم الرابع: الذين قالوا: مقصودها حوار ونقاش شامل للكافرين بالله في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر، سواء كانت نظرية، أو عملية ،والتعجيب من حالهم، وإقامة الحجة عليهم من خلال ربوبية الخالق لخلقه وتعريفهم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، والتدليل على عناية الله وتقرير قدرته سبحانه، لاستخراج الشكر وإكمال المعرفة بالله في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده ، وسورة الأنعام شارحة ومفصلة لآيتين من سورة البقرة هما محور سورة الأنعام وهما هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29،28]".

فقد امتازوا ببيان علاقة سورة الأنعام بسورة البقرة، وقد نصوا على أن مقصود السورة جميع قضايا العقيدة ، ونصوا على الأمور الاعتقادية والعملية ، و بينوا أن طريقة السورة في الاقناع إظهار ربوبية الخالق لخلقه وتعريفهم بأسمائه الحسنى وصفاته العليا ، والتدليل على عناية الله وتقرير قدرته سبحانه، لاستخراج الشكر وإكمال المعرفة بالله، لكن عبارات القسم الثالث أشمل وأكثر تنصيًا على المقصود و وأوضح ، ثم يستدرك عليهم ما استدرك على القسم الثالث من بقية الأمور.
وبهذا نقرر مطمئنين أن مقصود السورة ومحورها:

  1. الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ لأصولِ الدين وتقريرُ عقائدِ الإسلامِ والأخلاقِ الفاضلةِ:


  • من إثباتِ الكمالات لله تعالى والتوحيدِ: الاعتقاديِّ الخالصِ، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والتحليلِ والتحريمِ، واستحقاقه وحده للعبادةِ والحمدِ، لأنه الخالق القاهر المتفضل.
  • ومن البعثِ والجزاءِ يوم القيامة، وصدقِ القرآنِ والنبيِّ ـ ـ وتسليتِه فيما يلاقيه.


  1. وإقامةُ الحججِ الدامغةِ لعقائدِ جميعِ المشركين وشبهاتِهم، ونبذِ الشركِ به اعتقادًا وعملًا، ودعوتهم ودعوة الناس بالترغيب والترهيب أن يدركوا أنفسهم قبل فوات الأوان.

ويمكن اختصاره أكثر بأن يقال:
"مقصودها: الاعتناءُ بتلقين الاحتجاجِ لأصولِ الدين وتقريرِ عقائدِ الإسلامِ: من التوحيدِ الاعتقادي، والعملي: باختصاصِه سبحانه بالحكم والتشريعِ والعبادة؛ لأنه الخالق القاهر المتفضل، والنبوةِ، واليومِ الآخر، ونقضِ الاعتقادات الشركية وشبهاتهم، ودعوة الكل للإيمان الحق ترغيبًا وترهيبًا".
ودليله الجو الذي نزلت فيه السورة، وبداية السورة وخاتمتها، واسم السورة، والقصة التي فيها، والانفرادات اللفظية والألفاظ التي كثر دورها في السورة، واسم السورة ، وعلاقتها بما قبلها ، مع تتبع موضوعات وخط سير السورة ، وقد تبين لنا من خلال ما سبق دقة القرآن وإحكامه ووضعه كل شيء في موضعه الدقيق ، "." فسبحان الله ما أبلغ كتابه، ولله درُ شأن التنزيل ما أعظمه.
يقول علي هاني: ونحن إذا نظرنا إلى شيخ هذا الفن برهان الدين البقاعي وجمعنا كلامه نجده قد حوى ما قلنا في مقصود السورة مع اختلاف العبارة حيث قال: " مقصودها الاستدلال على ما دعا إليه الكتابُ في السورة الماضية من التوحيد بأنه[سبحانه] الحاوي لجميع الكمالات: من الإيجاد، والإعدام، والقدرة عل البعث وغيره، وأنسب الأشياء المذكورة فيها لهذا المقصد الأنعام؛ لأن الإذن فيها مسبب عما ثبت له من الفلق والتفرد بالخلق، وتضمن باقي ذكرها إبطال ما اتخذوه من أمرها ديناً؛ لأنه لم يأذن فيه ولا أذن لأحد معه ؛لأنه المتوحد بالإلهية ،لا شريك له ،وحصر المحرمات من المطاعم التي هي جُلُّها في هذا الدين وغيره فدل ذلك على إحاطة علمه " ثم قال بعد ذلك بأسطر :" وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة ، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين " [88] ، فما أعظم هذا الإمام وكم له فضل على أهل تفسير القرآن!.
كتبه بتوفيق الله تعالى الفقير لعفو ربه :
علي هاني العقرباوي.
عمان ـ الأردن
16/ رمضان/ 1440هـ ـ 21/ 5/ 2019م






[1] (رسالة دكتوراة بعنوان (الانفرادات اللفظية، دلالاتها وعلاقتها بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية (دراسة تطبيقية من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة يوسف) /عمر محمد أحمد حماد / بإشراف الفاضل الأستاذ الدكتور جهاد محمد النصيرات (ص28).

[2] (دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (86).

[3] الشَّق- بفتح الشين- يعني الخَرْم الواقع في الشيء. أما الشِّق- بكسر الشين- فيعني الجزء والنصف والجانب.

[4] المسلة: إبرة كبيرة.

[5] (التفسير الكبير/ الرازي (13/ 71).

[6] هذا المبحث ملخص من :( التحرير والتنوير/ ابن عاشور (7/ 387)، (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (2/ 1075)، (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ أبو السعود العمادي(3/ 164)،( في ظلال القرآن/ سيد قطب(2/ 1153)،( تفسير البحر المحيط/ أبو حيان (4/591 ) بتصرف.


[7] (دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (86).

[8] (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/أبو السعود العمادي (3/117، (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور / البقاعي (2 /936)، (التحرير والتنوير / ابن عاشور (7/164)، (التفسير الوسيط للقرآن الكريم/محمد سيد طنطاوي (5/51)، (زهرة التفاسير/ أبو زهرة (2/1085)، (تفسير القرآن العظيم/ ابن كثير(3/244)، (تيسير الكريم الرحمن في تفسير كلام المنان/السعدي (251). )، ( تفسير المنار/محمد رشيد رضا (7/281).

[9] (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ أبو السعود (3/ 144)، (في ظلال القرآن/ سيد قطب (2/ 1122).

[10] (الانفرادات اللفظية، دلالاتها وعلاقتها بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية / عمر محمد أحمد حماد (ص28).

[11] التحرير والتنوير/ ابن عاشور (7/ 125).

[12] انظر (إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ أبو السعود العمادي (3/ 195)،( التحرير والتنوير/ابن عاشور(8/141)،( تفسير المنار/ محمد رشيد (8/ 129)،( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي(2/ 1153) بتصرف.

[13] (رسالة دكتوراة بعنوان (الانفرادات اللفظية، دلالاتها وعلاقتها بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية (دراسة تطبيقية من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة يوسف) /عمر محمد أحمد حماد (ص20،19).

[14] قضية الرسالة كما تعرضها سورة الأنعام ويبينها القرآن الكريم/ د. إبراهيم زيد الكيلاني / مكتبة الأقصى ـ عمان (ص6).


[15] قال ناصر مكارم الشيرازي في الأمثل:" والجدير بالذكر أنّ هذه الآية وطائفة كبيرة من الآيات السابقة واللاحقة لها تبدأ بجملة : «قُلْ » ولعلّه لا توجد في القرآن الكريم سورة كررت فيها هذه الجملة بهذا القدر مثل هذه السورة ، وهذا يعكس في الواقع مدى شدّة المواجهة بين رسول الله( صلى الله عليه وآله وسلم ) وبين منطق المشركين ،كما أنّه يسُدُّ كل أبواب العذر في وجوههم ، لأنّ تكرار كلمة «قل » علامة على أنّ كل ما يقوله لهم رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ إِنّما هو بأمر الله ، بل هو عين كلام الله ، لا أنّها آراء رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ وأفكاره وقناعاته الشخصية ، ومن الواضح أن ذكر كلمة «قل » في هذه الآيات وأمثالها في نص القرآن ، إِنّما هو لحفظ أصالة القرآن ، وللدلالة على أن ما يأتي بعدها هو عين الكلمات التي أُوحيت إِلى رسول الله ،وبعبارة أُخرى : الهدف منها هو الدلالة على أن رسول الله ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ لم يحدث فيها أيّ تغيير في الألفاظ التي أُوحيت إِليه ، وحتى كلمة «قل » التي هي خطاب إِليه قد ذكرها عيناً . الأمثل/ناصر مكارم الشيرازي/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات (4/231).

[16] (الانفرادات اللفظية، دلالاتها وعلاقتها بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية/ عمر محمد أحمد حماد (28).

[17] (دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (86).

[18] وهي: ثُمَّ انْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ [آية:11]، انْظُرْ كَيْفَ كَذَبُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ[آية: 24]، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ ثُمَّ هُمْ يَصْدِفُون[آية:46]، انْظُرْ كَيْفَ نُصَرِّفُ الْآيَاتِ لَعَلَّهُمْ يَفْقَهُونَ [آية:65] ،انْظُرُوا إِلَى ثَمَرِهِ إِذَا أَثْمَرَ وَيَنْعِهِ إِنَّ فِي ذَلِكُمْ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ [آية:99] ولم أثبت الرقم الذي ذكره الدكتور عمر وهو تسعة مواضع ؛لأنه أدخل فيه نحو: ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) [آية:8]، بمعنى لا يمهلون ولا يؤخرون ، هَلْ يَنْظُرُونَ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمُ الْمَلَائِكَةُالتي معناها ينتظرون ، لكن تدل على أن المنتظر قريب كأنه ينظر لقربه، وكان عليه ألا يدخلها.

[19] (الانفرادات اللفظية، دلالاتها وعلاقتها بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية/ عمر محمد أحمد حماد (22،21).

[20] تتبعت المرات التي وردت فيها الجذر (ر،أ، ي)، (ن، ظ، ر) فكانت كثيرة كما قال لكن لم تصل إلى العدد الذي كذره الدكتور أحمد ذو النورين وهو أربع وأربعون مرة .

[21] (هدايات سورة الأنعام /د. أحمد ولد محمد ذو النورين/ مجلة البيان/الصادرة 13/6/2011م).

[22] المرجع السابق (28).

[23] المرجع السابق (38).

[24] (التفسير الوسيط للقرآن الكريم/مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (3/ 1192).

[25] (مقاصد قرآنية / ذياب محمد شادرما (ص38).

[26] (دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (86).

[27] انظر إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ أبو السعود (3/ 144) بتصرف.

[28] (دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (86).

[29] قال جلال الدين السيوطي:"ولهذه السورة أيضًا اعتلاق من وجه بالفاتحة لشرحها إجمال قوله تعالى: رَبِّ الْعالَمِينَ [الفاتحة: 2] وبالبقرة لشرحها إجمال قوله سبحانه: الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ [البقرة: 21] وقوله عز اسمه: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ[البقرة : 29] ،وبآل عمران من جهة تفصيلها لقوله : زُيِّنَ لِلنَّاسِ حُبُّ الشَّهَوَاتِ مِنَ .. وَالْأَنْعامِ وَالْحَرْثِ [آل عمران: 14] وقوله تعالى: كُلُّ نَفْسٍ ذائِقَةُ الْمَوْتِ [آل عمران: 185]، وبالنساء من جهة ما فيها من بدء الخلق والتقبيح لما حرموه على أزواجهم ،وقتل البنات، وبالمائدة من حيث اشتمالها على الأطعمة بأنواعها. أسرار ترتيب القرآن/ جلال الدين السيوطي (99).

[30] هذه المناسبات ملخصة من (زهرة التفاسير/ أبو زهرة (5/2431). أسرار ترتيب القرآن/ جلال الدين السيوطي (97،99). (روح المعاني/ الآلوسي (4/ 73). "(تفسير القرآن الحكيم/ محمد عبد المنعم خفاجي (7/203). (التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم / نخبة من علماء التفسير (2/402،401،400). (التفسير الوسيط للقرآن الكريم/مجموعة من العلماء بإشراف مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر (3/ 1192) بتصرف.



[31] في ظلال القرآن / سيد قطب (2/ 1137).

[32] هذا المبحث ملخص من (التفسير الكبير/ الرازي (13/ 29)، (تفسير البحر المحيط / أبو حيان (4 /561)، (التحرير والتنوير/ ابن عاشور (7/ 310)،( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (2/ 1026)، (في ظلال القرآن/ سيد قطب(2/ 1138)،( محاسن التأويل/ القاسمي (4/ 399)،( تفسير المنار/ محمد رشيد رضا (7/ 445)، (تفسير الميزان/ الطباطبائي (7/84).

[33] المختصر في تفسير القرآن الكريم/جماعة من علماء التفسير(ص128).

[34] وقد ذكر الطيبي أيضًا في خلال تفسير السورة:" وأما قضية النظم على هذا، فهي أنه تعالى لما افتتح السورة بدلائل الآفاق والأنفس، وقرن معهما حججاً شتى، نبه بهذه الآية على أن كل ذلك شهادة من الله على إثبات توحيده، وعلمه، وقدرته، وسائر الصفات المستتبعة، لأن نصب الأدلة، وإقامة البراهين والحجج، هو الأصل فيها". (فتوح الغيب/ الطيبي (6/ 45).

[35] فتوح الغيب في الكشف عن قناع الريب (حاشية الطيبي على الكشاف) / شرف الدين الحسين بن عبد الله الطيبي (6/ 16). ونقله السيوطي في حاشيته على البيضاوي نواهد الأبكار (3/ 330)، والشهاب في حَاشِيته عَلَى تفْسيرِ البَيضَاوِي، الْمُسَمَّاة: عِنَايةُ القاضي وكِفَايةُ الراضي عَلَى تفْسيرِ (3/ 307). والآلوسي في روح المعاني (4/ 73).

[36] محاضرة مصورة باسم سورة تفسير سورة الأنعام/ موقع الأترجة.

[37] محاضرات مصورة في الانترنت بعنوان مقاصد سورة الانعام / من روائع الشيخ مصطفى البحياوي.

[38] خواطر قرآنية/ عمرو خالد / الدار العربية للعلوم ـ ناشرون (ص98).

[39][39] أهداف ومقاصد سورة الأنعام/ د. رياض قاسم / كلية أصول الدين قسم القرآن الكريم / الجامعة الإسلامية ـ غزة، محاضرات في الانترنت.

[40] البرهان في تناسب سور القرآن/ أحمد بن إبراهيم بن الزبير الثقفي الغرناطي، أبو جعفر (205).

[41] تفسير سورة الأنعام /الأستاذ الدكتور جابر العلواني(ص47).

[42] دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د عمر عرفات(ص85).

[43] وزاد بعد ذلك:" وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة ، وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل والنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين ، وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح ولنزولها ليلاً دليلٌ على غاية البركة ؛لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا ،وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات أولو الألباب أهل الخلوات والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل. نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (2/579،578).

[44] كان البقاعي يبين علاقة كل سورة بالسور التي تقدمتها ، جاء في كتاب "العزفُ على أنوار الذِّكر"(معالم الطريق إلى فقه المعنى القرآنيّ في سياق السورة): والبقاعي كما سمعته لم يكتف ببيان تعالق مقصود سورة (آل عمران) بمقصود سورة (البقرة) بل إنَّه ليمد النظر إلى علاقة مقصود سورة (النساء) بما قبلها،ففي مفتتح تأويله سورة " النساء " يبيّنُ لنا ما به يتقرر العلم ويتأكّدُ أنَّ مقصودها مبنيٌّ على مقصود " آل عمران" المبنيّ على مقصود سورة "البقرة" قائلًا:" مقصودها: الاجتماع على التوحيد الذي هدت إليه " آل عمران "، والكتاب الذي حدَت عليه "البقرة "؛ لأجل الدين الذي جمعته " الفاتحة " تحذيرًا مما أراده شاس بن قيس ِوأنظاره من الفرقة " ،وأنت إذ تنظر في الأحكام والآداب التي قامت بها سورة "النساء" ترى أنها أحكامٌ وآدابٌ تحقق للمجتمعِ الآخذِ بها اجتماعُه على أساس الدين:" التوحيد "
هذا الأساس إذا ما أقيمت عليه علائق أي مجتمع، فإنِّك لن ترى في هذا المجتمع ما تراه في غيره من المجتمعات التي لا تُؤسِّس دينها على التوحيد الخالص.
ويأتي تأويل " البقاعي " وتبيانه المقصود الأعظم لسورة " المائدة " فلا يخرج عن ذلك المنهاج، فيقول:
" مقصودها الوفاء بما هدى إليه الكتاب، ودلَّ عليه ميثاق العقل من توحيد الخالق ورحمة الخلائق شكرًا لنِعَمِه واستدفاعًا لنقمه ".
ويقول في سورة "الأنعام ": «مقصودها: الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب في السورة الماضية من التوحيد بأنّه الحاوي لجميع الكمالات من الإيجاد والإعدام والقدرة على البعث وغيره» ويقول أيضًا من بعد تأويله مطلع السورة: «فقد لاح أنّ مقصد السورة الاستدلال على ما دعا إليه الكتاب [البقرة] الذي تبين أنه الهدى من توحيد الله [آل عمران] والاجتماع عليه [النساء] والوفاء بعهوده [المائدة] بأنه - - وحده الخالق الحائز لجميع الكمالات من القدرة على البعث وغيره ".
هو بهذا يريك قيام مقصود " النساء " و" آل عمران " و" البقرة " في مقصود " المائدة " وقيام مقصود تلك السورة كلها في مقصود سورة " الأنعام ". (العزفُ على أنوار الذِّكر/ محمود توفيق محمد سعد (50،49).

[45] نظم الدرر في تناسب الآي والسور (2/ 907).

[46] الأصلان في علوم القرآن/ أ. د. محمد عبد المنعم القيعي (238).

[47] دَلَائِل النظام، / الفراهي/ 93.

[48] في ظلال القرآن / سيد قطب (2/1016).

[49] في ظلال القرآن/ سيد قطب (2/ 1018،1017).

[50] في ظلال القرآن/ سيد قطب إبراهيم (3/ 1745).

[51] انظر الأقوال الحسان في حسن نظم القرآن / عبد المتعالي الصعيدي (ص89).

[52] أول مرة أتدبر القرآن /عادل محمد خليل (ص53). يقول علي هاني: الملاحظ أن معظم كلام المصنف أخذه من الدكتور فاضل السامرائي، وكذلك نقلته إذاعة القرآن الكريم، نابلس وسمته المقاصد النورانية لسورة الأنعام.

[53]وكانا قد قالا:" يدور الحديث فيها بقوة حول المحاور الأولى للدعوة، وذلك بالحجة المتكررة والتنويع في الإقناع، فتركز على توحيد الله تعالى في الخلق والعبادة، وتذكر موقف المكذبين وتقص ما حصل مع الأقوام السابقة، من خلال التنبيه إلى الدلائل في الأنفس والآفاق، وتذكر إبراهيم ـ ـ وجملة من أبنائه، وتعرض لحال المكذبين يوم الحشر. من دلالات أسماء السور في القرآن الكريم/ عيسى وادي، محمود مهنا (78،69). يقول علي هاني: وفي تعبيرهم بـ " أكبر المشركين" إن كانوا يقصدون مشركي العرب ومن هم على شاكلتهم فصحيح وإلا ففيه مبالغة.

[54] يقول علي هاني معظم هذا الكلام مأخوذ من كلام محمد رشيد رضا الآتي.

[55] التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم / نخبة من علماء التفسير / (2/396ـ 398)، والذي قام بكتابة هذا المبحث هو أحمد محمد الشرقاوي الأستاذ المشارك بجامعة الأزهر وكلية التربية جامعة القصيم وقد نشره في كتاب مستقل اسمه " التفسير الموضوعي لسورة الأنعام" وقد بين في مقدمته أن جامعة الشارقة التي بإشرافها عمل التفسير الموضوعي كلفته بكتابة التفسير الموضوعي في سورة الأنعام.

[56] التفسير الكبير/ الفخر الرازي (12/ 471).

[57] تفسير القرآن الكريم / محمود شلتوت (ص293،294).

[58] وزاد يتناول القرآن المكي ثلاث قضايا ، وهذه القضايا: 1) القضية الأولى: تصحيح العقيدة ، وتوحيد الإله المعبود، ونبذ الشرك، والتنديد بالمشركين، وكل ما يعبد من دون الله.2) القضية الثانية: تتناول الوحي والرسالة ...3) القضية الثالثة : قضية البعث والحشر والحساب والجزاء بمعنى أن الوحي المنزل من عند الله تعالى على نوح ، وعلى إبراهيم ، وعلى موسى هو نفسه الذي نزل به جبريل على سيدنا محمد ـ ـ ومن آمن بالوحي الذي نزل على الرسل السابقين، عليه أن يؤمن بالوحي الذي نزل على خاتم الأنبياء والمرسلين محمد ـ .. وهذه القضايا التي سورة الأنعام في الآيات الأربع الأول منها على وجه الإجمال؛ حيث جاءت قضية التوحيد في الآية الأولى منها، وقضية البعث والنشور في الآية الثانية، وقضية الوحي والرسالة في الآية الرابعة منها، وقد اشتملت سورة الأنعام على هذه القضايا الثلاث في مشاهد مختلفة:

  1. فأقامت الأدلة على وحدانية الله تعالى في كثير من الآيات التي تتناول جوانب الكون:

قُلْ أَغَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ يُطْعِمُ وَلَا يُطْعَمُ قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ [آية:14].
وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ وَإِنْ يَمْسَسْكَ بِخَيْرٍ فَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [آية:17].
وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ [آية:59].
قُلْ أَنَدْعُو مِنْ دُونِ اللَّهِ مَا لَا يَنْفَعُنَا وَلَا يَضُرُّنَا وَنُرَدُّ عَلَى أَعْقَابِنَا بَعْدَ إِذْ هَدَانَا اللَّهُ كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّيَاطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرَانَ لَهُ أَصْحَابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنَا قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى وَأُمِرْنَا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ [آية:71].
إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ذَلِكُمُ اللَّهُ فَأَنَّى تُؤْفَكُونَ [آية:95].

  1. وأقامت سورة الأنعام الأدلة على قضية البعث والحساب والجزاء في مثل قوله تعالى:

وَيَوْمَ نَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا ثُمَّ نَقُولُ لِلَّذِينَ أَشْرَكُوا أَيْنَ شُرَكَاؤُكُمُ الَّذِينَ كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [آية:22].
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى النَّارِ فَقَالُوا يَالَيْتَنَا نُرَدُّ وَلَا نُكَذِّبَ بِآيَاتِ رَبِّنَا وَنَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ [آية:27].
وَلَوْ تَرَى إِذْ وُقِفُوا عَلَى رَبِّهِمْ قَالَ أَلَيْسَ هَذَا بِالْحَقِّ قَالُوا بَلَى وَرَبِّنَا قَالَ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنْتُمْ تَكْفُرُونَ [آية:30].
حَتَّى إِذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَاحَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا وَهُمْ يَحْمِلُونَ أَوْزَارَهُمْ عَلَى ظُهُورِهِمْ أَلَا سَاءَ مَا يَزِرُونَ [آية:31].
وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَى عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ قَالَ أُوحِيَ إِلَيَّ وَلَمْ يُوحَ إِلَيْهِ شَيْءٌ وَمَنْ قَالَ سَأُنْزِلُ مِثْلَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ وَلَوْ تَرَى إِذِ الظَّالِمُونَ فِي غَمَرَاتِ الْمَوْتِ وَالْمَلَائِكَةُ بَاسِطُو أَيْدِيهِمْ أَخْرِجُوا أَنْفُسَكُمُ الْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنْتُمْ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ وَكُنْتُمْ عَنْ آيَاتِهِ تَسْتَكْبِرُونَ [آية:93].
وَلَقَدْ جِئْتُمُونَا فُرَادَى كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ وَتَرَكْتُمْ مَا خَوَّلْنَاكُمْ وَرَاءَ ظُهُورِكُمْ وَمَا نَرَى مَعَكُمْ شُفَعَاءَكُمُ الَّذِينَ زَعَمْتُمْ أَنَّهُمْ فِيكُمْ شُرَكَاءُ لَقَدْ تَقَطَّعَ بَيْنَكُمْ وَضَلَّ عَنْكُمْ مَا كُنْتُمْ تَزْعُمُونَ [آية:94].
وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَامَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإِنْسِ وَقَالَ أَوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإِنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أَجَلَنَا الَّذِي أَجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إِلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ. [آية:128].

  1. وأقامت الأدلة على قضية الوحي والرسالة في كثير من آياتها، منها قوله تعالى:

وَلَوْ نَزَّلْنَا عَلَيْكَ كِتَابًا فِي قِرْطَاسٍ فَلَمَسُوهُ بِأَيْدِيهِمْ لَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ (7) وَقَالُوا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنَا مَلَكًا لَقُضِيَ الْأَمْرُ ثُمَّ لَا يُنْظَرُونَ (8) [الآيتان:8،7].
وَمِنْهُمْ مَنْ يَسْتَمِعُ إِلَيْكَ وَجَعَلْنَا عَلَى قُلُوبِهِمْ أَكِنَّةً أَنْ يَفْقَهُوهُ وَفِي آذَانِهِمْ وَقْرًا وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (25) وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ وَإِنْ يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنْفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ [الآيتان: 26،25].
قَدْ نَعْلَمُ إِنَّهُ لَيَحْزُنُكَ الَّذِي يَقُولُونَ فَإِنَّهُمْ لَا يُكَذِّبُونَكَ وَلَكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآيَاتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (33) وَلَقَدْ كُذِّبَتْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِكَ فَصَبَرُوا عَلَى مَا كُذِّبُوا وَأُوذُوا حَتَّى أَتَاهُمْ نَصْرُنَا وَلَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ وَلَقَدْ جَاءَكَ مِنْ نَبَإِ الْمُرْسَلِينَ [الآيتان:34،33].
قُلْ لَا أَقُولُ لَكُمْ عِنْدِي خَزَائِنُ اللَّهِ وَلَا أَعْلَمُ الْغَيْبَ وَلَا أَقُولُ لَكُمْ إِنِّي مَلَكٌ إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ [آية:50]...فسورة الأنعام أقامت الأدلة على وحدانيته تعالى ، وبينت أنه المستحق للعبادة دون سواه ، وأقامت الأدلة على صدق على صدق النبي ـ ـ في دعوته ، وأقامت الأدلة كذلك على أن يوم القيامة حق ، وأن الحساب والجزاء فيه حق وفندت الشبهات التي أثارها المشركون حول هذه الأمور الثلاثة (محتويات سورة القرآن /أحمد بن أحمد الطويل (73ـ 77).

[59] الدكتور عبد البديع أبو هاشم، في نور البيان في مقاصد القرآن وهي دروس ومحاضرات مفرغة في موقع شبكة الألوكة.

[60] التناسق الموضوعي في سورة الأنعام وهي رسالة مقدمة لنيل درجة الدكتوراة/ أعياد منصور جميل دقنة/ إشراف الأستاذ الدكتور عبد الكريم مستور القرني/ جامعة أم القرى (ص10).

[61] أهداف كل سورة ومقاصدها في القرآن الكريم / عبد الله شحاته (ص79،78)، "الموسوعة القرآنية، خصائص السور/ جعفر شرف الدين (3/7)".

[62] التفسير الوسيط للقرآن الكريم/محمد سيد طنطاوي (ج5/23،7).

[63] تفسير الميزان/ الطباطبائي (7/ 2).

[64] تفسير سورة الأنعام/ أحمد عطا عمر (ص11).

[65] "صفوة التفاسير / محمد علي الصابوني (1/348)". "التعريف بسور القرآن الكريم، ص11"،"قبس من نور القرآن الكريم (دراسة موسعة تحليلية لأهداف ومقاصد السور الثلاث/ محمد علي الصابوني (123)"، "التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج/ د وهبة بن مصطفى الزحيلي (7/ 127)، وعبارة التفسير المنير:" هذه السّورة شأنها كشأن السّور المكيّة عنيت بأصول العقيدة والإيمان: وهي إثبات الألوهية، والوحي والرّسالة، والبعث والجزاء، وتعتمد في ترسيخ العقيدة بهذه الأصول على أسلوبي التّقرير والتّلقين.
أما أسلوب التّقرير: فهو يعرض أدلة وجود الله وتوحيده في صورة المسلّمات البديهية، بالاعتماد على التصريح بالخلق لله تعالى: الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ [آية:1]، أو بضمير الغائب: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ [آية:2]، وَهُوَ اللَّهُ فِي السَّماواتِ وَفِي الْأَرْضِ [آية:3]، وَهُوَ الْقاهِرُ فَوْقَ عِبادِهِ[آية:18]، وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ[آية:73]، وَهُوَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ بِاللَّيْلِ [آية:60].
وأما أسلوب التلقين: فهو إيراد الحجج بتعليمها الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ وتلقينها إياه لعرضها على الخصوم، وذلك بطريق السؤال والجواب، مثل: قُلْ: لِمَنْ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ قُلْ: لِلَّهِ، كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ [آية: 12]، قُلْ: أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً؟ قُلِ: اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ [آية:19]، قُلْ: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَخَذَ اللَّهُ سَمْعَكُمْ وَأَبْصارَكُمْ وَخَتَمَ عَلى قُلُوبِكُمْ، مَنْ إِلهٌ غَيْرُ اللَّهِ يَأْتِيكُمْ بِهِ [آية:46].

[66] لمسات بيانية/ محاضرات مفرغة للدكتور فاضل السامرائي حاوره د. حسام النعيمي (ص11،10)، ونقله أيضًا تطبيق الكلم الطيب

[67] محمد بن عبد الله العبيدي القحطاني الأستاذ المساعد بجامعة الملك خالد، محاضرة بعنوان علوم سورة الأنعام مفرغة في أرشيف ملتقى أهل التفسير21425.

[68] الخرائط الذهنية لسورة القرآن الكريم / صفية عبد الرحمن سحيباني (ص5).

[69] رسالة دكتوراة بعنوان (الانفرادات اللفظية، دلالاتها وعلاقتها بالوحدة الموضوعية للسورة القرآنية (دراسة تطبيقية من أول سورة الأنعام إلى آخر سورة يوسف) /عمر محمد أحمد حماد / بإشراف الفاضل الأستاذ الدكتور جهاد محمد النصيرات (ص10).

[70] الأمثل/ناصر مكارم الشيرازي/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات (4/5).

[71] قال محقق معاني القرآن الدكتور عبد الجليل عبده شلبي:" الضمير يعود على المصدر المفهوم من الجملة أي من حيث أثق بهذا البلاغ أو بمن بلغني به.

[72] معاني القرآن وإعرابه / أبو إسحاق الزجاج / تحقيق الدكتور عبد الجليل عبده شلبي / دار الحديث القاهرة (2/183).

[73] قال البقاعي:" وهي كلها في حجاج المشركين وغيرهم من المبتدعة والقدرية وأهل الملل الزائغة , وعليها مبنى أصول الدين لاشتمالها على التوحيد والعدل ولنبوة والمعاد وإبطال مذاهب الملحدين وإنزالها على الصورة المذكورة يدل على أن أصول الدين في غاية الجلالة وأن تعلّمه واجب على الفور لنزولها جملة بخلاف الأحكام فإنها تفرق بحسب المصالح ولنزولها ليلاً دليلٌ على غاية البركة لأنه محل الأنس بنزوله تعالى إلى سماء الدنيا وعلى أن هذا العلم لا يقف على أسراره إلا البصراء الأيقاظ من سنة الغفلات , أولو الألباب أهل الخلوات , والأرواح الغالبة على الأبدان وهم قليل.(نظم الدرر/ البقاعي (2/579،578).

[74] الجامع لأحكام القرآن/ أبو عبد الله القرطبي/ دار الكتب المصرية (6/ 383).

[75] تفسير الكاشف/ محمد باقر حجتي، عبد الكريم شيرازي (باللغة الفارسية)، (المنهج الترابطي ونظرية التأويل (دراسة في التفسير الكاشف/جواد علي كسار (92، 93).

[76] سورة الأنعام دروس ومحاور / موقع إسلاميات.

[77] سورة الأنعام والأهداف الأولى للإسلام/الأستاذ الشيخ محمد المدني (16).

[78] وقال:" وليس فيها على طولها قصة من قصص الرسل المفصلة في السور المكية الطويلة كالأعراف من الطول، ويونس وهود من المئين، والطواسين من المثاني، بل جميع آياتها في الألوهية والربوبية والرسالة والجزاء وأصول البر وأحوال المؤمنين". (تفسير المنار/ محمد رشيد رضا (8/238).

[79] وعبارته: " يدور موضوع شجرة سورة "الأنعام" حول معالجة الذين لم يستجيبوا لدعوة الحق الربانية إبَّان تنزيل السورة، ولهذه الشجرة ساقان ممتدان من جذرها حتى رأسها، وقد التفَّ كل منهما على الآخر، وتفرعت فروعها وأفنانها وأوراقها وثمراتها الظاهرة من منطوق ألفاظها من الملتف الظاهر من هذين الساقين:

  1. الساق الأول: تفرعت منه بيانات دعوية مباشرات من الله ، كاشفات لحقائق عقدية وسلوكية، وجدليات للكافرين ومواعظ ترغيبية وترهيبية موجهات مباشرة لهم، بحسب الطور الذي هم عليه إبان تنزيل السورة، مع توصيات تربوية من الله لرسوله ـ ـ ملائمات للطور الذي كان عليه الذين لم يستجيبوا بعد لدعوته، ومعالجات لما في نفسيه في ذلك الطور، ويلحق بالرسول كل حامل لرسالته من أمته، ثم سائر المؤمنين المسلمين، ولكل منهم ما يلائم أحواله منها .
  2. الساق الثاني: تفرعت منه تعليمات دعويات عقديات وسلوكيات ضمن وظائف رسالته، مع وصايا تربوية يوصي الله ـ ـ بها رسوله محمدًا ـ ـ ويلحق به فيها كل حامل لرسالته من أمته، ثم سائر المؤمنين المسلمين، ولكل منهم يلائم أحواله منها. (معارج التفكر ودقائق التدبر/ عبد الرحمن حبنكة (15/138).


[80] إليك عباراته الشيخ سعيد حوى :
"والآيتان اللتان هما محور سورة الأنعام تناقشان الكافرين بكفرهم، وتقيمان عليهم الحجة من خلال ظاهرتي الحياة والعناية". الأساس في التفسير/ سعيد حوى (3/1295).
"ولو أنك نظرت في السورة نظرة تأمل لوجدتها تفصيلًا لهاتين الآيتين: فالآية الثانية من سورة الأنعام هي قوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ طِينٍ ثُمَّ قَضى أَجَلًا وَأَجَلٌ مُسَمًّى عِنْدَهُ ثُمَّ أَنْتُمْ تَمْتَرُونَ لاحظ صلتها بقوله تعالى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ [الأنعام:2]،والآية الأخيرة في السورة هي: وَهُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلائِفَ الْأَرْضِ وَرَفَعَ بَعْضَكُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجاتٍ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ[آية:165]، لاحظ صلة الآية الأخيرة من سورة الأنعام بقوله تعالى: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً[البقرة:29]، والآية التي بعدها في سورة البقرة: وَإِذْ قالَ رَبُّكَ لِلْمَلائِكَةِ إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً[البقرة:30]،إن الآية الثانية في المحور هي: هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً [البقرة:29]والملاحظ أنَّ كثيرًا من آيات سورة الأنعام مبدوءة بقوله تعالى: (وهو)، وكثير من هذه الآيات تفصيل لكون الأرض بما فيها مخلوقة للإنسان...فالمحور جاء يناقش الكافرين بالله، ويقيم عليهم الحجة في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده، ومن ثمّ فإنّ سورة الأنعام التي هي تفصيل لذلك المحور. المرجع السابق (3/1557،1558).
"إن السّورة حوار شامل مع الكافرين في كل الاتجاهات الرئيسية للكفر، سواء كانت نظرية، أو كانت عملية، ولذلك فإن على الداعية إلى الله أن يتملّى حججها ويعرف كيف يقرع بها. "(المرجع السابق (3 / 1661)".
"وصلة ذلك بمحور السورة الذي ينكر على الكافرين كفرهم، والذي يعجّب من حالهم، والذي يقيم الحجة على الكافرين من خلال ظاهرتي الحياة والعناية. المرجع السابق" (3/1665).
قلنا إن محور سورة الأنعام من سورة البقرة هو قوله تعالى: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ يُحْيِيكُمْ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَ* هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ ما فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَماواتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29،28].
وفي المقطع الأول من سورة الأنعام تأتي الآيات الثلاث الأولى لتقرر هذه المعاني وتبني عليها، فتقرّر أنّ الحمد لله الذي خلق السماوات والأرض، وخلق الظلمات والنّور، وتقرّر أنّ الله عزّ وجل خلق الإنسان من طين، وجعل له أجلا، ثم جعل أجلًا أخيرًا للبشر جميعًا، وأن لله الألوهية في السماوات والأرض، وأنه يعلم السرّ والجهر، ومع ذلك فالنّاس يشركون بربهم، ويشكّون بالله واليوم الآخر.
إن الآيات الثلاث الأولى التي تشكّل مقدمة السورة، تتكلم عن كل معاني المحور، وتقرر ما قرّرته، وتبني على ذلك، وتتحدث عن كفر الإنسان وشكّه وافترائه، فالصلة واضحة جدًا بين مقدّمة السورة في آياتها الثلاث، وبين محور سورة الأنعام من البقرة، وإذ كان محور السورة يعجّب من كفر الكافرين، فإن الآيات السبع التي تأتي بعد المقدمة تحدّثنا عن مواقف الكافرين إذا جاءتهم الآيات، وكيف أنّهم يكذّبون بالحق إن جاءهم، وأنه لو أنزل عليهم كتاب من السماء فلمسوه لزعموا أنه سحر، وكيف أنهم يقترحون أن ينزل على الرسول ملك، وخلال ذلك يلفت الله عزّ وجل نظرهم إلى القرون الماضية ليعتبروا، وأما كون بعثة الرسول ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ من البشر فذلك مقتضى حكمة الله عزّ وجل وابتلائه، وبيّن الله عزّ وجل لرسوله ـ صلّى الله عليه وسلّم ـ أن الاستهزاء بالرّسل ـ صلوات الله وسلامه عليهم ـ سنّة ماضية، وأن عقوبة الله لهؤلاء المستهزئين سنة ماضية، وهكذا نجد أن الفقرة التي تأتي بعد مقدمة سورة الأنعام كلها تصبّ في النقاش المباشر مع الكافرين، وصلة ذلك بمحور السورة من البقرة واضحة: كَيْفَ تَكْفُرُونَ بِاللَّهِ ..[البقرة:29]. المرجع السابق (3/1571).
ولقد جاءت آيات المحور في حيّز قوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً ... فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ [البقرة:22،21]، فالمحور جاء يناقش الكافرين بالله، ويقيم عليهم الحجة في سياق الأمر بعبادة الله وتوحيده، ومن ثمّ فإنّ سورة الأنعام التي هي تفصيل لذلك المحور ... من هذه المقدمة ندرك أن المحور العام للسورة مناقشة الكفر وأهله، وتقرير قدرة الله، والتدليل على عنايته لاستخراج الشكر وإكمال المعرفة بالله، وهذه القضايا هي التي نجدها في آيتي سورة البقرة اللتين قلنا عنهما إنهما محور سورة الأنعام. المرجع السابق (3/1572).

[81] وقال:" فقد وردت كلمة الرب في هذه السورة ثلاثة وخمسين مرة، في حين أنه ورد في سورة البقرة وهي أطول من الأنعام سبعة وأربعين مرة، وورد لفظ الجلالة في سورة البقرة مائتين واثنتين وثمانين مرة، والتعقيب في كثير من الآيات بصيغة الرب إنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ[128،83]
، فَإِنَّ رَبَّكَ غَفُورٌ رَحِيمٌ[آية:145]، إِنَّ رَبَّكَ سَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ [آية:165]في حين يكون التعقيب في سورة البقرة في الآيات المتشابهة إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ، وتكررت مسألة التوحيد فيها تسعًا وأربعين مرة، والتوحيد هنا في التطبيق وليس في المقصد، فالعرب قبل الإسلام كانوا يحللون ويحرمون ما يشاؤون من الأنعام كأنها ثروة بالنسبة لهم فقط ، وهذا خطأ من أخطاء التطبيق في التوحيد أي توحيد الاعتقاد ومخالفته في التطبيق.(مقاصد قرآنية / ذياب محمد شادرما (ص38).يقول علي هاني: وقد أخذ الشيخ ذياب هذا من قول السيوطي في أسرار ترتيب القرآن حيث قال:" ثم لما كان المقصود من هذه السورة بيان الخلق والملك أكثر فيها من ذكر الرب الذي هو بمعنى المالك والخالق والمنشئ ،واقتصر فيها على ما يتعلق بذلك من بدء الخلق الإنساني والملكوتي والملكي والشيطاني والحيواني والنباتي ،وما تضمنته من الوصايا، فكلها متعلق بالقوام والمعاش الدنيوي ثم أشار إلى أشراط الساعة ، فقد جمعت هذه السورة جميع المخلوقات بأسرها وما يتعلق بها وما يرجع إليها، فظهر بذلك مناسبة افتتاح السور المكية بها وتقديمها على ما تقدم نزوله منها ، وهي في جمعها الأصول والعلوم والمصالح الدنيوية نظير سورة البقرة في جمعها العلوم والمصالح الدينية ،وما ذكر فيها من العبادات المحضة فعلى سبيل الإيجاز والإيماء كنظير ما وقع في البقرة من علوم بدء الخلق ونحوه فإنه على سبيل الاختصار والإشارة .
فإن قلت فلم لا افتتح القرآن بهذه السورة مقدمة على سورة البقرة؛ لأن بدء الخلق مقدم على الأحكام والتعبدات؟
قلت: للإشارة إلى أن مصالح الدين والآخرة مقدمة على مصالح المعاش والدنيا ،وأن المقصود إنما هو العبادة ،فقدم ما هو الأهم في نظر الشرع، ولأن علم بدء الخلق كالفضلة، وعلوم الأحكام والتكاليف متعين على كل واحد؛ فلذلك لا ينبغي النظر في علم بدء الخلق وما جرى مجراه من التواريخ إلا بعد النظر في علم الأحكام وإتقانه".( أسرار ترتيب القرآن/ السيوطي(98).ومما له علاقة بهذا ما جاء في هدايات سورة الأنعام : وقد احتضنت جملة من الرموز والإشارات للدلالة على أن العقيدة محورها الشامل من ذلك: 1) تكرار لفظ الجلالة فيها نصف مرات عدد آياتها، يعنى سبعًا وثمانين مرة (87) في حين أن عدد آياتها مائة وخمس وستون آية(165)... تكرر مادة النظر والإبصار والرؤية فيها مرات عديدة ، حيث جاءت متكررة في ثناياها أكثر من أربع وأربعين مرة (44)، فهذه الكم الهائل من الكلمات المكررة بأعداد تجاوزت العشرات ينبئ عن رمي حثيث إلى إثبات مصطلحات عقدية ، وترسيخ مفاهيم إيمانية ، وإعداد بيئة منهجية لا يكاد قارئ السورة أن ينهيها حتى تترسخ لديه مفاهيم جديدة ويتكون عنده معجم مصطلحات ، ويتضح له سبيل المحجة ، وقد تعززت هذه الجوانب في السورة برديف من القصص التي طفقت السورة تسردها كمحاجة إبراهيم لقومه.( هدايات سورة الأنعام /د. أحمد ولد محمد ذو النورين/ مجلة البيان/الصادرة 13/6/2011م).

[82] التحرير والتنوير/ ابن عاشور (7/ 125).

[83] معنى الآية:وَتِلْكَ إشارةٌ إلى ما احتج به إبراهيمُ من قوله تعالى : فَلَمَّا جَنَّ [ الآية: 76 ] أو الإشارة إلى كل ما تقدم في القصة والمراد بالحجة جنسها ، لا فرد من أفرادها ، أي وتلك الحجة التي تضمنها ما تقدم من المقال، واستعمال اسم الإشارة للبعيد لتفخيم شأن المُشار إليه والإشعارِ بعلو طبقته وسموِّ منزلتِه في الفضل، أي: تلك حجتنا البعيدة المرمى في إثبات الحق وتزييف الضلال ، هي حجتنا البالغة ، التي لا تنال إلا بهدايتنا السابغة ، وفي إضافتها إلى نون العظمة من التفخيم ما لا يخفى .
وقوله تعالى : آتَيْنَاهَا إبراهيم أي أرشدناه إليها و علّمناه إياها وحقيقة الإيتاء الإعطاء ، فحقَّه أن يتعدّى إلى الذّوات ، ويكون بمناولة اليد إلى اليد ، قال تعالى : وآتى المال على حبّه ذوي القربى [ البقرة : 177 ] ،ويستعمل مجازاً شائعاً في تعليم العلوم وإفادة الآداب الصالحة وتخويلها وتعيينها لأحد دون مناولة يد سواء كانت الأمور الممنوحة ذواتاً أم معانيَ ، فإيتاء الحجّة إلهامُه إيّاها وإلقاءُ ما يعبِّر عنها في نفسه ،وهو فضل من الله على إبراهيم إذ نصره على مناظريه ،و على للاستعلاء المجازي ، وهو تشبيه الغالب بالمستعلي المتمكّن من المغلوب ،أعطيناها إبراهيم حجة على قومه مستعلية عليهم ، قاطعة لألسنتهم .( إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ أبو السعود (3/157)، (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور / ال(تفسير /1035 )،( التحرير والتنوير/ ابن عاشور(7/334). (تفسير المنار/ محمد رشيد رضا (7/485).

[84] (التفسير الوسيط للقرآن الكريم/ محمد سيد طنطاوي (5/ 229).

[85] (نظم الدرر/ البقاعي (2/579،578).

[86] الجامع لأحكام القرآن/ أبو عبد الله القرطبي/ دار الكتب المصرية (6/ 383).

[87] سورة الأنعام دروس ومحاور / موقع إسلاميات.

[88] نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي (2/579،578).
اليوتيوب والفيس: علي هاني العقرباوي