إن من المهمات في حياة أي إنسان عاقل أن ينظم وقته ، إذ تنظيم الوقت بين الحقوق الواجبة على الإنسان يجعله لا يخل بحق منها ، وقد علمنا الرسول تنظيم أوقاتنا ؛ فقد قال لعَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ : " أَلَمْ أُخْبَرْ أَنَّكَ تَصُومُ الدَّهْرَ وَتَقْرَأُ الْقُرْآنَ كُلَّ لَيْلَةٍ ؟ " ، قُلْتُ : بَلَى يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، وَلَمْ أُرِدْ بِذَلِكَ إِلاَّ الْخَيْرَ ؛ قَالَ : " فَإِنَّ بِحَسْبِكَ أَنْ تَصُومَ مِنْ كُلِّ شَهْرٍ ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ " ، قُلْتُ : يَا نَبِيَّ اللَّهِ ، إِنِّي أُطِيقُ أَفْضَلَ مِنْ ذَلِكَ ؛ قَالَ : " فَلَا تَفْعَلْ ، صُمْ وَأَفْطِرْ ، وَقُمْ وَنَمْ ، فَإِنَّ لِجَسَدِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِعَيْنِكَ عَلَيْكَ حَقًّا ، وَإِنَّ لِزَوْجِكَ عَلَيْكَ حَقًّا " ؛ ففي الحديث مراعاة الحقوق جميعها ، مما يستدعي تنظيم الوقت للوفاء بها جميعًا ؛ والذي يتأمل النظام اليومي الذي صاغه الإسلام في حياة المسلم ، يعلم يقينًا أنه يجب أن يكون المسلم أفضل الناس في تنظيم وقته ؛ فقد كره لنا النبي  النوم قبل العشاء والسمر بعدها ؛ وفي هذا فوائد عظيمة في تنظيم الوقت والأعمال ؛ منها : ألا تضيع صلاة الجماعة باستغراقه في نومه ؛ ومنها : ترتيب الأهم ثم المهم ، إذ الصلاة خير من النوم ؛ ومنها : أن من نام بعد العشاء سهل عليه أن يقوم من الليل ، كما يسهل عليه أيضًا القيام لفريضة الفجر ؛ وكم ممن سهر بعد العشاء ضيع صلاة الفجر في وقتها ، فصلاها بعد طلوع الشمس ؛ ومنها : أن من نام بعد العشاء مباشرة ، فقد ختم أعماله بعمل صالح ، وأما من يسهر بعدها ، فكثير منهم لا يختم عمله بصالح .

ثم يأوي المسلم إلى فراشه ؛ ليستيقظ من الليل ، فيأخذ حظه منه ، ثم يستقبل يومه بصلاة الفجر في جماعة المسجد ، ليجلس بعد ذلك في ذكر الله تعالى ، ثم يذهب إلى عمله ، الذي ربما تخلل وقته صلاة الظهر ، فيصليها في وقتها ، ثم يعود إلى بيته ليتغدى ، وربما قال ( من القيلولة ) إن كان هناك وقت ، أو حانت صلاة العصر فصلاها ، ثم يأخذ في الذكر ما شاء ، وربما إلى صلاة المغرب فيصليها ، أو ينظر فيما يتعلق بأمور بيته كتربية أولاده ، وحق زوجته ، وأمور أخرى قد يحتاجها البيت ، ثم إذا دخل وقت المغرب صلاها ، ثم يتناول عشاءه بعدها ، وينظر فيما بقي من الوقت كيف يقضيه ، فإذا دخل وقت العشاء صلاها ، ثم إن كان بعد العشاء سينشغل بشيء من الواجبات ، وإلا فالأفضل أن ينام .

وينبغي أن ينظم وقت فراغه - بعد ذلك - في حضور دروس علم ، أو بر والدين ، أو صلة رحم ، أو عيادة مريض ، أو قراءة نافعة في كتب العلم أو غير ذلك من الأعمال الصالحة الواجبة والمستحبة ؛ وربما كان لنفسه وقت يقضيه في ترويح نفس : في نزهة مباحة ، أو رياضة مفيدة ، أو مشاهدة نافعة .. ونحو ذلك ، في نظام يقدم فيه الأهم على المهم ، والواجبات على المستحبات ، والمستحبات على المباحات ، ولا مجال في وقت المسلم للمكروهات أو المحرمات .