هل يمكن أن يكون في حياة المسلم فراغ لا يُملأ بعمل ؟ هذا سؤال لابد من الإجابة عليه ، لأنه كما قيل : الأعمال أكثر من الأوقات ؛ فهل يمكن أن يكون عند المسلم فراغ ضائع ؟ أو بعبارة أخرى : هل يتسع الليل والنهار لأعمال المسلم في اليوم والليلة ؟ صلوات خمس ورواتبها ، وقيام الليل وصلاة الضحى ، وأذكار الصباح والمساء ، وأذكار في الليل والنهار ، وبر والدين ، وصلة أرحام ، وسعي على الرزق ، وعيادة مريض ، والسعي في حاجات إخوانه ممن يحتاج إليه في ذلك ، وحق زوجة ، وتربية أولاد ، وأمر بمعروف ، ونهي عن منكر ، والتطوع في أعمال الخير الاجتماعية ... إلى غير ذلك مما يمكن أن يقوم به المسلم في اليوم والليلة ... فهل يبقى لمسلم بعد ذلك فراغ ضائع ؟!!

إن الذي يعي التزامات الأعمال يفهم أنها أكثر من الأوقات ؛ وربما يحدث للبعض شيء من الفراغ لسقوط بعض الالتزامات عنه ، أو لتقصيره فيها ؛ فإن المتأمل في أحوال الناس سيجد أنهم تجاه العمل والفراغ على طبقات : أعلاها : من علم أن الأعمال النافعة أكثر من الأوقات ، فهو في شغل دائم يملأ الوقت بنافع الأعمال . وأدناها : من لا يدرون ماذا يفعلون في أوقاتهم ؛ فهم يخبطون في ذلك يضيعون الوقت فيما لا يفيد .

وبين هاتين الطبقتين طبقات يقترب بعضها من الأولى ، وبعضها من الثانية .

ولله در ابن الجوزي - - قال في ( صيد الخاطر ) : رأيت عموم الخلائق يدفعون الزمانَ دفعًا عجيبًا : إن طال الليل فبحديث لا ينفع ، أو بقراءة كتاب فيه غزل وسمر ؛ وإن طال النهار فبالنوم ، وهم في أطراف النهار على دجلة ، أو في الأسواق ؛ فشبهتهم بالمتحدثين في سفينة ، وهي تجري بهم وما عندهم خبر .

ورأيت النادرين قد فهموا معنى الوجود ، فهم في تعبئة الزاهد والتأهب للرحيل ؛ إلا أنهم يتفاوتون ، وسبب تفاوتهم قلة العلم وكثرته بما ينفق في بلد الإقامة .

فالمتيقظون منهم يتطلعون إلى الأخبار بالنافق هناك [ أي في الآخرة ] ، فيستكثرون منه فيزيد ربحهم .

والغافلون منهم يحملون ما اتفق ، وربما خرجوا لا مع خفير [ أي يحرسهم ] ؛ فكم ممن قد قُطعت عليه الطريق فبقي مفلسًا... فالله الله في مواسم العمر ؛ و البدار قبل الفوات .

واستشهدوا العلم ، واستدلوا الحكمة ، ونافسوا الزمان ، و ناقشوا النفوس ، واستظهروا بالزاد . فكأن قد حدا الحادي فلم يُفهم صوته من وَقْعِ دمعِ الندم .