السرُّ في تفاوت أحوال الناس مع الفراغ يرجع إلى أربعة أسباب رئيسة :

الأول : الهدف من الحياة ، فمن علم أن الله إنما خلقه لعبادته ، وعلم أن الحياة الدنيا دار عمل وزرع ، وأن الآخرة دار حصاد وأجر ؛ حدد هدفه في الحياة وسعى لملء فراغه بما ينفعه في الدنيا والآخرة .

ومن غاب عنه ذلك ، أو غفل هو عنه ، تخبط في استغلال فراغه .

السبب الثاني : الجهل بقيمة الوقت وأهميته ، فمن جهل قيمة الوقت أنى يستفيد منه ؟

السبب الثالث : ضعف الإرادة والعزيمة , فمن الناس من هو مدرك لأهمية الوقت وقيمته , واقف على ما ينبغي أن يملأ به الفراغ من الأعمال المفيدة , ولكن لوهن عزيمته وضعف إرادته لا يقوم بشيء من ذلك , أو لا يداوم على فعله .

وعلاج هذا إنما يكون بكثرة ذكر الله تعالى ، ودعائه ، والاستعانة به سبحانه ، ثم المسابقة والمبادرة إلى الأعمال الصالحة ، مع الاستعانة بالرفقة الصالحة .

وإذا كانت النفوس كبارًا ... تعبت في مرادها الأجسام

السبب الرابع : طول الأمل ؛ وهو متعلق بالاغترار بالدنيا ؛ إذ الشيطان يدخل للإنسان من هذا الباب ليثبطه عن العمل ، ويجعله يسوِّفه ويؤخره ، ويغرُّه بأنه لا يزال له عمر يعمل فيه ؛ وما أحسن ما قال ابن الجوزي - - في هذا المقام : كم قد خطر على قلب يهودي ونصراني حبُّ الإسلام ، فلا يزال إبليس يثبطه ، ويقول : لا تعجل وتمهل النظر ، فيسوِّفه حتى يموت على كفره ؛ وكذلك يسوِّف العاصي بالتوبة ، فيعجل له غرضه من الشهوات ، ويمنيه الإنابة ؛ وكم من عازم على الجدِّ سوَّفه ! وكم ساع إلى مقام فضيلة ثَبَّطه ! فلربما عزم الفقيه على إعادة درسه ، فقال : استرح ساعة ؛ أو انتبه العابد في الليل يصلي ، فقال له : عليك وقت ، ولا يزال يحبب الكسل ، ويسوِّف العمل ، ويسند الأمر إلى طول الأمل .

فينبغي للحازم أن يعمل على الحزم ، والحزم تدارك الوقت ، وترك التسويف ، والإعراض عن الأمل ، فإنَّ المخوف لا يُؤمن ، والفوات لا يُبعث ، وسبب كل تقصير ، أو ميل إلى شرٍّ : طول الأمل ؛ فإن الإنسان لا يزال يحدِّث نفسه بالنزوع عن الشر ، والإقبال على الخير ، إلا أنه يَعِدُ نفسه بذلك ، ولا ريب أنه من أمَّل أن يمشي بالنهار سار سيرًا فاترًا ؛ ومن أمَّل أن يصبح عمِل في الليل عملاً ضعيفًا ، ومن صوَّر الموت عاجلاً جدَّ .