المبحث الأول: وقت نزولها والجو الذي نزلت فيه السورة .
المبحث الثاني: مقصد سورة النساء .
المطلب الأول: مقصود السورة باختصار.
المطلب الثاني: شرح مقصود السورة وتلخيص مواضيعها.
المبحث الثالث: بداية السورة وخاتمتها واسمها تدل على موضوعها.
المطلب الأول: دلالة بداية السورة (براعة الاستهلال).
المطلب الثاني: خاتمة السورة تدل على مقصودها.
المطلب الثالث: مناسبة اسم السورة "النساء" لموضوعها.
المبحث الرابع: أقوال العلماء في مقصد وأغراض السورة، وهي ستة أقسام.
المبحث الخامس: مناقشة الأقوال والترجيح بينها.
**
مقصود (محور) سورة النساء
1)المبحث الأول: وقت نزولها والجو الذي نزلت فيه السورة:

نزل جزء من سورة النساء بعد وقعة الأحزاب، وبعد صلح الحديبية، وذلك في حدود السنة السادسة والسابعة والثامنة للهجرة وطالت مدة نزولها، وذلك في وقت كان للإسلام دولة تنظم علاقاتها بغيرها، ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية[1]، وقد صور سيد قطب الجوَّ الذي نزلتْ فيه السورةُ وفعلَ القرآن العجيبِ في تحويلِ المجتمعِ والأمةِ التي نزل فيها إلى خير أمة، وإليك أهم الأمور التي ذكرها في ذلك:
" هذه السورة تمثل جانبًا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة، وإنشاء المجتمع الإسلامي وفي حماية تلك الجماعة، وصيانة هذا المجتمع، وتعرض نموذجًا من فعل القرآن في المجتمع الجديد، تصور بهذا وذلك طبيعةَ هذا المنهجِ في تعامله مع الكائن الإنساني كما تصور طبيعةَ هذا الكائنِ وتفاعلِه مع المنهج الرباني.. تفاعله معه وهو يقود خطاه في المرتقى الصاعد، من السفح الهابط، إلى القمة السامقة.. خطوة خطوة، ومرحلة مرحلة.. بين تيارات المطامع والشهوات والمخاوف والرغائب وبين أشواك الطريق التي لا تخلو منها خطوة واحدة، وبين الأعداء المتربصين على طول الطريق الشائك!، إنَّ السورةَ تعمل بجد وجهد في محوِ ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذِ رواسبِه ،وفي تكييفِ ملامحِ المجتمع المسلم ، وتطهيِره من رواسب الجاهلية فيه ، وجلاءِ شخصيتِه الخاصة، كما تعمل بجدٍّ وجهدٍ في استجاشته للدفاع عن كينونته المميزة ، وذلك ببيان طبيعةِ المنهجِ الذي منه انبثقت هذه الكينونة المميزة ، والتعريفِ بأعدائه الراصدين له من حوله - من المشركين وأهل الكتاب وبخاصة اليهود - وأعدائه المتميعين فيه - من ضعاف الإيمان والمنافقين - وكشفِ وسائلهم وحبلهم ومكايدهم ، وبيانِ فساد تصوراتهم ومناهجهم وطرائقهم، مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده ، وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط.
وفي الوقت ذاته نلمح رواسب الجاهلية، وهي تتصارع مع المنهج الجديد، والقيم الجديدة ، والاعتبارات الجديدة ،ونرى ملامح الجاهلية وهي تحاول طمس الملامح الجديدة الوضيئة الجميلة، ونشهد المعركة التي يخوضها المنهج الرباني بهذا القرآن في هذا الميدان، وهي معركة لا تقل شدة ولا عمقًا ولا سعةً ، عن المعركة التي يخوضها في الميدان الآخر ، مع الأعداء الراصدين له والأعداء المتميعين فيه! ، وحين ندقق النظر في الرواسبِ التي حملها المجتمع المسلم من المجتمع الجاهلي الذي منه جاء، والتي تعالج هذه السورة جوانب منها ..قد ينالنا الدهش لعمق هذه الرواسب ، حتى لتظل تغالب طوال هذه الفترة التي رجحنا أن آيات السورة كانت تتنزل فيها .. ومن العجب أن تظل لهذه الرواسب صلابتها حتى ذلك الوقت المتأخر..، ومن ثم فنحن حين نقرأ القرآن نستطيع أن نتبين منه ملامح المجتمع الجاهلي، من خلال أوامره ونواهيه وتوجيهاته كما نستطيع أن نتبين الملامح الجديدة التي يريد أن ينشئها، وأن يثبتها في المجتمع الجديد.. فماذا نحن واجدون - في هذه السورة - من ملامح المجتمع الجاهلي التي ظلت راسبة في الجماعة المسلمة، منذ أن التقطها المنهج الرباني من سفح الجاهلية؟ وماذا نحن واجدون من الملامح الجديدة التي يراد إنشاؤها في المجتمع الإسلامي الجديد وتثبيتها!
إننا نجد مجتمعًا تؤكل فيه حقوق الأيتام - وبخاصة اليتيمات - في حجور الأهل والأولياء والأوصياء، ويستبدل الخبيث منها بالطيب، ويعمل فيها بالإسراف والطمع، خيفة أن يكبر اليتامى فيستردوها! وتحبس فيه الصغيرات من ذوات المال، ليتخذَهنَّ الأولياءُ زوجاتٍ، طمعًا في مالهن لا رغبة فيهن! أو يعطين لأطفال الأولياء للغرض ذاته!، ونجد مجتمعًا يجار فيه على الصغار والضعاف والنساء فلا يسلم لهم فيه بنصيبهم الحقيقي من الميراث، إنما يستأثر فيه بمعظم التركة الرجال الأقوياء، القادرون على حمل السلاح ولا ينال الضعاف فيه إلا الفتات.
وهذا الفتات الذي تناله اليتيمات الصغيرات والنسوة الكبيرات، هو الذي يحتجزن من أجله، ويحبسن على الأطفال من الذكور أو على الشيوخ من الأولياء كي لا يخرج المال بعيدًا ولا يذهب في الغرباء! ونجد مجتمعًا يضع المرأة موضعًا غيرَ كريمٍ، ويعاملها بالعَسْف[2] والجور، في كل أدوار حياتها: يحرمها الميراث.. أو يحبسها لما ينالها منع، ويورّثها للرجل كما يورثه المتاع! فإذا مات زوجها جاء وليه، فألقي عليها ثوبه، فيعرف أنها محجوزة له، إن شاء نكحها بغير مهر، وإن شاء زوجها وأخذ مهرها! ويعضلها زوجها إذا طلقها، فيدعها لا هي زوجة ولا هي مطلقة، حتى تفتدي نفسها منه وتفك أسرها!
ونجد مجتمعًا تضطرب فيه قواعد الأسرة بسبب هبوط مركز المرأة فيه، علاوة على اضطراب قواعد التبني والولاء، واصطدامها مع قواعد القرابة والنسب، فوق ما فيه من فوضى في العلاقات الجنسية والعائلية حيث تروج اتصالات السفاح والمخادنة، ونجد مجتمعًا تؤكل فيه الأموال بالباطل في المعاملات الربوية، وتغتصب فيه الحقوق، وتجحد فيه الأمانات ،وتكثر فيه الغارات على الأموال والأرواح، ويقل فيه العدل فلا يناله إلا الأقوياء، كما لا تنفق فيه الأموال إلا رئاء الناس، اجتلابًا للمفاخر، ولا ينال الضعاف المحاويج فيه من هذا الإنفاق ما ينال الأقوياء الأغنياء! وليست هذه سوى بعض ملامح الجاهلية - وهي التي تصدت لها هذه السورة - ووراءها ما صورته السور الأخرى، وما تحفل به أخبار هذه الجاهلية في العرب، وفيمن حولهم من الأمم».[3]
"وقد اشتملت سورة النساء على بيان حال أهل الكتاب والمنافقين في الزمن الذي نزلت فيه، وكانوا قد غلوا في أمرهم مع المسلمين، وزادوا في إيذائهم عما كانوا عليه في الزمن الذي نزلت فيه سورتا البقرة وآل عمران، فقوبلوا في هذه السورة، بما يليق بذلك من الشدة في الخطاب، وأمر المسلمون فيها باستعمال الشدة معهم، وكانوا يؤمرون في سورتي البقرة وآل عمران باللين معهم والصبر على أذاهم".[4]
2)المبحث الثاني: مقصد سورة النساء

أ-المطلب الأول: مقصود السورة باختصار:

مقصودُها الحثُّ على تقوى اللهِ تعالى وتوحيدِه[5]، والإيمانِ بجميعِ الحق الذي أرسله، المنتجِ للقيام بالعدل في جميعِ المعاملاتِ والعلاقاتِ التي تربط بين الخلقِ، والرحمةِ بينهم أفرادًا وأسرًا وأرحامًا ومجتمعاتٍ، لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء، وتهدم ظلم المجتمعات الجاهلية في ذلك، مع بناءِ شخصية المجتمع المسلم واستقرارِه وتحصينه وانتظامِه داخليًا[6] وخارجيًا وَفْق تقوى الله تعالى.
ويمكن اختصاره أكثر بأن نقول:"مقصودها الحثُّ على تقوى اللهِ تعالى المنتجِ للقيام بحق الله وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء، وبناءُ شخصية المجتمع المسلم واستقرارِه وتحصينه وانتظامِه على هذا الأساس داخليًا وخارجيًا".
ولك أن تقول: هي سورة تنظيم المجتمع داخليًا وخارجيًا على أساس تقوى الله والرحمة والعدل.
وملخص ذلك الآية الأولى من السورة كما سيأتي.
ب-المطلب الثاني: شرح مقصود السورة وتلخيص مواضيعها:

  1. مقصودها الحثُّ على تقوى الله الخالقِ[7] لهم من نفسٍ واحدةٍ[8]، وتحديدُ معالم التقوى،

والأمرُ بتوحيدِ الله سبحانه، والإيمانِ بجميع الحق الذي جاءهم، والتوبةِ من الكفر والشرك والنفاق والمعاصي.

  1. فالإيمان بالله وتقواه ينتج قيامَهم بالعدلِ والرحمةِ بينهم في جميع المعاملاتِ والعلاقاتِ التي تربط بين الخلقِ: أفرادًا ،وأُسرًا من الأرحامِ والأقرباءِ والجيرانِ، ومجتمعاتٍ، لا سيما مع الضعفاء: كالنساءِ، واليتامى[9]، والمساكينِ، وابنِ السبيلِ، والسفهاءِ الذين لا يحسنون التصرف بمالِهِم، وأهلِ الذمة، ومن يعمل عندهم كالعبيدِ والإماءِ، وينتج حفظَ حقوقِهم، خاصة النساء يتيماتٍ صغيراتٍ، ونساءً مستضعفاتٍ، وحفظَ حقهِنَّ جميعًا: في الميراثِ، والمهرِ، وفي الكسبِ ، وفي حقهِنَّ في أنفسهِنَّ ، وحقوقهِن الزوجيةِ ما لهن وما عليهن ، وتهدمُ ظلمَ المجتمعاتِ الجاهليةَ في ذلك، مع تحصين المجتمع داخليًا وخارجيًا.
  2. فهذه السورة سورةُ العدلِ والإنسانيةِ تنظم العلاقاتِ الإنسانيةَ التي تربط الناسَ بعضَهم ببعضٍ: الأسرةَ المسلمةَ، والمجتمعَ المسلمَ ، وما ينبغي أن ينهجَه المجتمعُ الفاضلُ في جعل العلاقاتِ تسير في مجراها العادلِ المجردِ عن الأهواء والشهواتِ الذي رسمه رب العالمين ، هادمةً ومزيلةً للظلم الفاشي في المجتمعات الجاهلية، وواضعةً الأسسَ للاستقرارِ الداخلِّي الذي أساسُه الأسرةُ، وصلاحُ التعاملِ بين أفرادِ المجتمعِ لا سيما فيما يتعلق بالمال في ظل تشريعٍ عادلٍ ، والاستقرارِ الخارجيِّ الذي أساسه احتفاظ الأمةِ بشخصيتِها وقدرتِها على مقاومةِ الشر الذي يطرأ عليها من الكفار ، العدوِّ الذي يطمع فيها ، ذلك أن احتفاظ الأمم بكيانها يرتبط بهذين الأمرين العظيمين.

فهذه الأحكام فيها هدايتهم وصلاحهم؛ لأن الذي وضعها هو الحكيم العليم بكل شيء وهو سبحانه الخبير الرقيب يرى عملهم وسيحاسبهم على الذرة والنقير والقطمير، وهو غفور لمن تاب ورجع وجميع دين الأنبياء هو التوحيد، فما أوحاه الله تعالى لنبيه هو الذي أوحاه لجميع الرسل.
3)المبحث الثالث: بداية السورة وخاتمتها واسمها تدل على موضوعها:

أ-المطلب الأول: دلالة بداية السورة (براعة الاستهلال):

مقصود السورة (محور السورة) لخصته أول آية في سورة النساء: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [النساء: 1] وإليك بيان معاني الآية ليظهر ذلك ظهورًا تامًا:

  1. افتتح سبحانه السورة بنداء عام يعم جميع الناس وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سبباً للتقوى تذكارَه تعالى إياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفسٍ واحدةٍ ، ردَّهم إلى أصلٍ واحدٍ، وأسرةٍ واحدةٍ، وجعل وحدة الإنسانية راجعة إلى نفس واحدة، فالإنسانية تتصل برحِمٍ واحدةٍ، وتلتقي في وشيجةٍ واحدةٍ، وتنتسب إلى نسبٍ واحدٍ، منبهًا بذلك على أن جميعَهم بنو رجل واحد وأمّ واحدة ، وأن بعضهم من بعض ، وأنَّ حقَّ بعضِهم على بعضٍ واجبٌ وجوبَ حقِّ الأخِ على أخيه ، لاجتماعهم في النسب إلى أب واحد وأم واحدة، وأنَّ بعضَهم من بعضٍ في أصلِ التوالدِ؛ ليدلَّ ويحث على:


  • شكره وإفراده بالتوحيد والتقوى والطاعة، ولينبههم على قدرة تامة لخالقهم حيث خلق هذه الأعدادَ المختلفةَ الطباعِ والألوانِ والأشكالِ من نفس واحدة، فعليهم أنْ يشكروا الله المنعم سبحانه المربي لهم، وأن يطيعوه فلا يقطعوا ما يجب عليهم وصله، حيث جعلهم صنوانًا مفرعة من أَرُومةٍ واحدةٍ فيما يجب على بعضهم لبعض.
  • وعلى التوافقِ، والتوادِّ، والتعاطفِ، و الاجتماعِ، و التواصلِ، والتراحمِ، والعدلِ، والرحمةِ بالضعافِ في الأسرةِ، وفي الإنسانية الصادرةِ من أصلٍ واحدٍ: منَ النساءِ، والزوجاتِ، واليتامى وغيرِهم، وإعطائِهم حقوقَهم من غيرِ تفريقٍ ؛فيتناصفوا ، ولا يتظالموا ، وليبذل القويُّ من نفسه للضعيف حقَّه بالمعروف ، على ما ألزمه الله تعالى له ،وليزيلَ الفروقاتِ المفرِّقةَ بينهم: مِنْ أبيضَ وأسودَ، وعربيٍّ وعجميٍّ ، وموطنٍ وموطنٍ، وطبقةٍ وطبقةٍ التي ذاق الناس ويلاتِها ويذوقون، هذه الصلة توجب أنْ يشعرَ الجميعُ بأنه لا فضلَ لجنسٍ على جنسٍ ، ولا للونٍ على لونٍ إلا بمقدارِ الاتصال الروحيِّ بخالقِ الخلقِ ، وذلك بالتقوى ، والمعنى على هذا الكلام يتطابق مع قول النبي ـ :"كُلُّكُم لآدمَ، وآدمُ من ترابٍ" .

وكيف يتظالم عبيده مع أنهم إخوة بخلقهم من أب وأم ثم تفرقوا في هذه الوجود رجالًا وإناثًا، وانشعبوا قبائلَ متفرقةً في أقصى الأرض وأدناها، كلُّهم ينتمون إلى هذه النفسِ الواحدةِ بلا فرقٍ بينهم في أصل الانتماء، فالذي يلزمهم من رعاية بعضهم حقّ بعض ـ وإن بعُدَ التلاقي في النسب إلى الأب الجامع بينهم ـ مثلُ الذي يلزمهم من ذلك في النسب الأدنى، وذلك لأنَّ الأقاربَ لا بد أن يكون بينهم نوع من مواصلة ومخالطة توجب مزيد المحبة .
فكان هذا تمهيدًا وبراعةَ مطلعٍ لما في السورة من الحثِّ على اتقاء الله تعالى، وأحكامِ القرابةِ بالنسَبِ، والمصاهرةِ وما يتعلق بذلك من أحكام الأنكحة، والمواريث، والعدلِ والرحمةِ، فبيَّنَ القرابةَ العامةَ بالإجمال ثم ذكر الأرحامَ، وشرع بعد ذلك في تفصيل الأحكام المتعلقة بها.

  1. افتتاحية السورة ترد الناس إلى ربٍّ واحدٍ ، وخالقٍ واحدٍ هو الذي خلقهم وأنشأهم في هذه الأرض ، ومنحهم وجودهم، ومنحهم خصائصَ وجودِهم ، ومنحَهم استعداداتِهم ومواهبَهم، وهو الأعلم بما يصلحهم، وهو الذي له حقُّ التشريعِ لهم ما فيه سعادتهم ،وتستجيش في النفس تقوى الرب[10]، ورعايةَ الرحمِ مع التذكير بهذا الأصل في مطالعِ بعضِ الآيات أو في ثناياها ، أو في خواتيمها ، توثيقًا للارتباط بين هذه التنظيمات والتشريعات ، وبين الأصل الذي تنبثق منه ، وهو الربوبية التي لها حق التشريع والتنظيم ، هذا الحق الذي منه وحْدَه ينبثق كلُّ تشريعٍ وكلُّ تنظيمٍ ؛ لتقيمَ على هذا الأصلِ الكبيرِ كلَّ تكاليفِ التكافلِ والتراحمِ في الأسرةِ الواحدةِ ، ثم في الإنسانيةِ الواحدةِ ،وترد إليه سائر التنظيمات والتشريعات التي تتضمنها السورة.

و التعرضُ لعنوان الربوبيةِ المنبئةِ عن المالكيةِ والتربيةِ مع الإضافةِ إلى ضمير المخاطبين لتأييد الأمرِ وتأكيدِ إيجابِ الامتثالِ به على طريقة الترغيبِ والترهيبِ، أي: اتقوا سيِّدَكم ومولاكم المحسنَ إليكم بالتربية بعد الإيجاد، وربوا اليتيمَ وصِلُوا الرحِمَ كما ربَّاكم خالقُكم بنعمه وحاطكم بجوده؛ لئلا يعاقبَكم بترك إحسانه إليكم فينزلَ بكم كلُّ بؤسٍ، ومن كان قادراً على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع، وإعدامِ هذه الأشكال، وعلى النفعِ والضرِّ فهو جدير بأنْ يُتَّقى.

  1. والمأمورُ به مطلقُ التقوى التي هي التجنبُ عن كل ما يؤثِمُ من فعلٍ أو تركٍ، بأن يجعلوا بينهم وبين سخطه وقاية، ولا سيما فيما يتعلق بحقوق أبناءِ الجنسِ، فكأنه قيل: اتقوه في مخالفة أوامره ونواهيه على الإطلاق ولا سيما في مخالفةِ تكاليفِه الواردةِ هاهنا، والإخلالِ بما يجب حفظه من الحقوق فيما بين العباد، وهذا المعنى مطابق لما في السورة من رعاية حال الأيتام، وصلة الأرحام، والعدل في النكاح، والإرث ونحو ذلك.

وكان الأمر والحث على التقوى في افتتاح السورة؛ لِما اشتملت هذه السورة على أنواع كثيرة من التكاليف، منها التعطف على الضعاف بأمور كانوا قد مرَنوا على خلافها، فكانت في غاية المشقة على النفوس.

  1. وفي قوله سبحانه: وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا مع ذكر أنهم خلقوا من أصل واحد دعوةٌ إلى إعطاء المرأة حقوقها ، فلا يجحف الرجل منهم بالمرأة ، فهي تهدم الاعتقاداتِ والأخطاءَ الأليمةَ، التي تردَّتْ فيها البشريةُ، وهي تتصور في المرأة شتى التصورات السخيفة ، وتراها منبع الرجس والنجاسة ، وأصل الشر والبلاء ،وجردت المرأة من كل خصائص الإنسانية وحقوقها فترةً من الزمان تحت تأثير تصور سخيف لا أصل له مع أنها من النفس الأولى فطرة وطبعًا ، خلقها الله لتكون لها زوجًا ، وليبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً ، فلا فارق في الأصل والفطرة ، إنما الفارق في الاستعداد والوظيفة ،وكل رجل يكون كنصف دائرة يسبح في الوجود حتى يلتقي بنصف الدائرة الأخرى فيكون الالتئام وتتكون الحياة الزوجية الهنيئة، واختير عنوان الزوجية تمهيداً لما بعده من التناسل ،وما كان يمكن أن يقوم للأسرة بناء قوي ، والمرأة تلقى تلك المعاملة الجائرة ، وتلك النظرة الهابطة التي تلقاها في الجاهلية ، ومن ثم كانت عناية الإسلام بدفع تلك المعاملة الجائرة ورفع هذه النظرة الهابطة .

وهي أيضًا ترد على جاهلية هذا القرن الذي نحن فيه حيث أطلقت للمرأة العِنان، ونسيت أنها إنسانٌ خلقتْ لإنسان، ونفسٌ خلقتْ لنفس، وشطرٌ مكملٌ لشطر، وأنهما ليسا فردين متماثلين، إنما هما زوجان متكاملان، والمنهج الرباني القويم يرد البشرية إلى هذه الحقيقة البسيطة بعد ذلك الضلال البعيد.

  1. كذلك توحي الآية بأن قاعدة الحياة البشرية هي الأسرة ، فقد شاء الله أن تبدأ هذه النبتة في الأرض بأسرة واحدة ، فخلق ابتداءً نفسًا واحدةً ، وخلق منها زوجها ، فكانت أسرة من زوجين ، فبث منهما رجالًا كثيرًا ونساءً ، ومن ثم هذه الرعاية للأسرة في النظام الإسلامي ، وهذه العناية بتوثيق عراها ، وتثبيت بنيانها ، وحمايتها من جميع المؤثرات التي توهن هذا البناء وفي أول هذه المؤثرات مجانبة الفطرة ، وتجاهل استعدادات الرجل واستعدادات المرأة وتناسق هذه الاستعدادات مع بعضها البعض ، وتكاملها لإقامة الأسرة من ذكر وأنثى.
  2. إنها سورة المجتمع الإنساني ، وتنظيم العلاقات بين الآحاد والجماعات والدول ، فهي تنظم الأسرة ، والمجتمع الصغير ، والمجتمع في الأمة الإسلامية ، وحالها في الدفاع عن نفسها ، ودفع عناصر الفساد فيها ، وتنقيتها من كل بواعث السوء ، وعلاقتها بغيرها ممن القوا السلم ، وممن نابذوها العداوة ،ولذلك كان ابتداؤها بهذا النص السامي الشامل في معناه ، فقال سبحانه : يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ ، فمضمون النداء عام شامل لجميع الناس، يعمُّ حكمُه جميعَ المكلفين إلى يوم القيامةِ،و ينتظمُ الذكورَ والإناثَ حقيقةً ، فكلمة "الناس" تشمل كل بني الإنسان ،نادى الله به الإنسانيةَ ذلك النداءَ الخالدَ
    ،وذلك لأن لفظ الناس لا يختص بقبيل دون قبيل ، ولا بقوم دون قوم ، وقد دخلته الألف واللام المفيدة للاستغراق ؛ومن هنا ـ حيث كانت سورة الإنسانية ـ تظهر نكتة توجيه الخطاب إلى الناس دون المؤمنين خاصة .
  3. وفي ختام آية الافتتاح ، يرد " الناس " إلى تقوى الله ، الذي يسأل بعضهم بعضًا به وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ، أي: اتقوا الله الذي تتعاهدون باسمه، وتتعاقدون باسمه، ويسأل بعضكم بعضًا الوفاء باسمه، ويحلف بعضُكم لبعضٍ باسمه ، فإن سؤالَ بعضِهم بعضًا بالله تعالى بأن يقولوا أسألُك بالله وأَنشُدك اللَّهَ على سبيل الاستعطافِ يقتضي الاتقاءَ من مخالفة أوامرِه ونواهيه ، فكما تعظّمون أيها الناس ربَّكم بألسنتكم ، حتى تروا أن من أعطاكم عهده فأخفركموه ، فقد أتى عظيمًا ، فكذلك فعظموه بطاعتكم إياه فيما أمركم ، واجتنابكم ما نهاكم عنه ، واحذروا عقابه من مخالفتكم إياه فيما أمركم به أو نهاكم عنه .

ويرد الناس إلى تقوى الأرحام التي يرجعون إليها جميعًا أن يقطعوها[11] ،بأن يجعلوا لها وقاية من المودة الواصلة، و فيما بينهم من الوشائج والصلات والمعاملات، أي: أرهفوا مشاعركم للإحساس بوشائجها والإحساس بحقها، وتوقي هضمها وظلمها ، والتحرج من خدشها ومسها ، توقوا أن تؤذوها ، وأن تجرحوها ، وأن تغضبوها ، أرهفوا حساسيتكم بها ، وتوقيركم لها ، وحنينكم إلى نداها وظلها، فصلة الأرحام[12] من الله بمكان عظيم ، حيث قرنها باسمه.

  1. ومقام التقوى في الأول: اتَّقُوا رَبَّكُمُ هو مقام التقوى التي تتجلى في شكر الرب على ما أنعم ، والقيام بالواجب نحو الخلق للصلة الجامعة الوثيقة ، فهي تقوى الربوبية والإنعام ، تقوى الشاكر المحس بجلائل الإنعام، و مقام التقوى في الثاني : وَاتَّقُوا اللَّهَ تقوى الألوهية ، ولذلك ذكر لفظ الجلالة الدالة على كل معاني الألوهية ، مشيراً إلى أنه يستحق ذلك لذاته لكونه الحاوي لجميع الكمال المنزه عن كل شائبة نقص ، فهي تقوى العابد الخائف الراجي رحمته ،والإله لفظ يدل على القهر والهيبة ، أي :احذروه وراقبوه في أن تقطعوا أرحامكم تعظيماً لها وتأكيداً ؛للتنبيه على أنهم قد نسوا الله في الوفاء بحقوقها، ووضع الاسم الجليل الله موضع الضمير للإشارة إلى جميع صفات الكمال ترقياً بعد صفة الربوبية، فكأنه قيل : اتقوه لربوبيته وخلقه إياكم خلقاً بديعاً ، فأمرهم بالتقوى بناء على الترغيب ، ثم أعاد الأمر به بناء على الترهيب ،ولكونه مستحقاً لصفاتِ الكمالِ كلِّها.
  2. ثم ختم برقابة الله تعالى: إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا، وما أهولها رقابة! والله هو الرقيب! وهو الرب الخالق الذي يعلم من خلق، وهو العليم الخبير الذي لا تخفى عليه خافية، لا في ظواهر الأفعال ولا في خفايا القلوب، وهذا الختام للآية الكريمة فيه حث على المبالغة في التقوى ورعاية الرحم، والصلات الإنسانية التي تربط بين الناس بعضهم للوحدة الإنسانية الشاملة، وكان الحث على التقوى لإشعارهم جميعًا بقوة رقابة الله ، وقد ذكر سبحانه رقابته مؤكدة بأوثق توكيد:


  • فأكدها بـ "إن".
  • وبتكرار لفظ الجلالة الذي يربي في نفس المؤمن كل معاني العبودية.
  • وبالتعبير بـ "كان" الدالة على الدوام والاستمرار.
  • وبذكر الاستعلاء في قوله تعالى: عليكم وهي دالة على معنى الاطلاع الدائم مع السيطرة والقهر، وفيها ضرب من التهديد.
  • وتقديم الجار والمجرور عليكم زيادة في الاهتمام والترهيب.
  • وأخيرًا بصفة المبالغة إذ قال: رقيبًا وهي صيغةٌ من رقَب يرقُب رَقْباً ورُقوباً ورُقباناً: إذا أحدّ النظرَ لأمر يريد تحقيقَه، أي: حافظاً مطلعاً على جميع ما يصدُر عنكم من الأفعال والأقوالِ وعلى ما في ضمائركم من النيات مُريداً لمجازاتكم بذلك، وهذا التأكيد؛ لأن أفعال الناس في ترك التقوى وقطيعة الأرحام أفعال من يشك في أنه بعين الله سبحانه ، وهو تعليلٌ للأمر ووجوبِ الامتثالِ به ، وإظهارُ الاسمِ الجليلِ لتأكيده .


  1. وحاصل معنى الآية :يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي أنشأكم وأوجدكم ورباكم بنعمه، اتقوه في أنفسكم ولا تعتدوا حدوده فيما شرعه من الحقوق والأحكام والآداب والعدل والرحمة لإصلاح شأنكم ، فإنه خلقكم من نفس واحدة فكنتم جنسًا واحدًا من أصل واحد وأب واحد تقوم مصلحته بتعاون أفراده واتحادهم وحفظ بعضهم حقوق بعض ،فتقواه فيها شكر لربوبيته وفيها ترقية لوحدتكم الإنسانية وعروج للكمال فيها، واتقوا الله في أمره ونهيه في حقوق الرحم التي هي أخص من حقوق الإنسانية بأن تصلوا الأرحام التي أمركم بوصلها ، وتحذروا ما نهاكم عنه من قطعها، اتقوه في ذلك لما في تقواه من الخير لكم الذي تتعاهدون باسمه، وتتعاقدون باسمه، ويسأل بعضكم بعضًا الوفاء باسمه، ويحلف بعضكم لبعض باسمه فكما تعظّمون أيها الناس ربكم بألسنتكم ، فكذلك فعظموه بطاعتكم، ، واتقوا الأرحام أن تقطعوها ،فلا تفرطوا في هاتين الرابطتين بينكم : رابطة الإيمان بالله وتعظيم اسمه، ورابطة وشيجة الرحم فإنكم إذا فرطتم في ذلك أفسدتم فطرتكم فتفسد البيوت والعشائر ، والشعوب والقبائل . إن الله كان عليكم رقيبًا، أي: مشرفًا على أعمالكم، وفيه تذكير بمراقبته لنا؛ لتنبيهنا إلى الإخلاص؛ لأن من تذكر أن الله تعالى مشرف عليه مراقب لأعماله كان جديرًا بأن يتقيه ويلتزم حدوده.ونحن إذا تأملنا هذه المعاني نجدها قد حوت محور السورة من الحثِّ على تقوى اللهِ تعالى المنتجِ للقيام بحق الله، وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء، وبناءُ شخصية المجتمع المسلم واستقرارِه وتحصينه وانتظامِه على هذا الأساس ،لأن الأفراد والمجتمعات إذا اتقوا الله سبحانه واستشعروا رقابته، والتزموا أحكامه انتظمت حالهم.[13]

قال الإمام السيوطي في الإتقان:" وأما سورة النساء فتضمنت أحكام الأسباب التي بين الناس وهي نوعان: مخلوقةٌ لله، ومقدورةٌ لهم :كالنسب، والصهر ،ولهذا افتتحت بقوله يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا ثم قال وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا فانظر هذه المناسبة العجيبة في الافتتاح وبراعة الاستهلال حيث تضمنت الآية المفتتح بها ما أكثرُ السورةِ في أحكامه: من نكاح النساء، ومحرماته، والمواريث المتعلقة بالأرحام، وأن ابتداء هذا الأمر كان بخلق آدم ثم خلق زوجه منه ثم بث منهما رجالًا ونساء في غاية الكثرة".[14]
و قال ابن عاشور:" وقد اشتملت على أغراض وأحكام كثيرة أكثرها تشريع معاملات الأقرباء وحقوقهم، فكانت فاتحتها مناسبة لذلك بالتذكير بنعمة خلق الله، وأنهم محقوقون بأن يشكروا ربهم على ذلك، وأن يراعوا حقوق النوع الذي خلقوا منه، بأن يصلوا أرحامهم القريبة والبعيدة، وبالرفق بضعفاء النوع من اليتامى، ويراعوا حقوق صنف النساء من نوعهم بإقامة العدل في معاملاتهن، والإشارة إلى عقود النكاح والصداق، وشرع قوانين المعاملة مع النساء في حالتي الاستقامة والانحراف من كلا الزوجين، ومعاشرتهن والمصالحة معهن، وبيان ما يحل للتزوج منهن، والمحرمات بالقرابة أو الصهر، وأحكام الجواري بملك اليمين. وكذلك حقوق مصير المال إلى القرابة، وتقسيم ذلك، وحقوق حفظ اليتامى في أموالهم وحفظها لهم والوصاية عليهم" [15].
ب.المطلب الثاني: خاتمة السورة تدل على مقصودها:

يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ فَلَهَا نِصْفُ مَا تَرَكَ وَهُوَ يَرِثُهَا إِنْ لَمْ يَكُنْ لَهَا وَلَدٌ فَإِنْ كَانَتَا اثْنَتَيْنِ فَلَهُمَا الثُّلُثَانِ مِمَّا تَرَكَ وَإِنْ كَانُوا إِخْوَةً رِجَالًا وَنِسَاءً فَلِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الْأُنْثَيَيْنِ يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [آية: 176].

  1. هكذا تختم السورة التي بدأت بعلاقات الأسرة، وتكافلها الاجتماعي؛ وتضمنت الكثير من التنظيمات الاجتماعية في ثناياها، تختم بتكملة أحكام الكلالة وتختم بآية الميراث، وهو بعض أحكام الأسرة؛ لبيان أن الأسرة هي حمى المجتمع وموضع صيانته، وأنها الخلية الأولى التي يتربى فيها المجتمع بكل شعبه، وأنه لا يوجد مجتمع صالح إلا بأُسَر صالحة، وفساد الأسرة فيه فساد المجتمع، معتنية بشأن الميراث لكثرة ما يقع فيه من الظلم، وهذا يدلنا على محور السورة وموضوعها الذي ذكرناه.
  2. "يلاحَظ أنهم سألوا النبي - - ولكن الله تولى الإجابة هو، فقال قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ، ونجد في مثل هذا المقام يقول الله تعالى: وَيَسْألُونَكَ عَنِ الْيَتَامى قُلْ إِصْلاحٌ لهُمْ خَيْرٌ [البقرة:220]، ولم يسند الأمر إلى ذاته العلية كما أسنده هنا فما السر؟ السر في ذلك هو تأكيد أنَّ شرعَ الميراثِ منسوبٌ للذاتِ العلية، وهو الذي يتولى الشرح، وإذا كان النبي - - يتولى الشرح عنه في كثير، فهنا قد تولى هو سبحانه توثيقًا للحكم وتأكيدًا له وتربية للمهابة، ويلاحظ أن أحكام الميراث كلها أسندها العلي الحكيم العليم الخبير لنفسه، فابتدأ آياتها في أول السورة بقوله تعالى يُوصِيكُمُ اللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ لِلذَّكَرِ مثْلُ حَظّ الأنثَيَيْنِ، وختمها بأن الميراث كله وصية الله تعالى، َ فقال تعَالت كلماته: وَصِيَّةً مِنَ اللَّهِ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَلِيمٌ [النساء:12]، تِلْكَ حُدُودُ اللَّهِ وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13) وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ يُدْخِلْهُ نَارًا خَالِدًا فِيهَا وَلَهُ عَذَابٌ مُهِينٌ [الآيتان:13،14]، هذا النص الكريم يبين أن الله هو الذي تولى شرح بيان أحكام الميراث، وحسب الميراث فضلًا أن يكون تأكيده وتوثيقه ببيان الله تعالى".[16]
  3. وفي الختام تؤكد الآية أنّ الله يبيّن للناس هذه الحقائق لكي يصونهم من الانحراف والضلالة يُبَيِّنُ اللَّهُ لَكُمْ أَنْ تَضِلُّوا ، أي : يفرض لكم فرائضه ، ويحدّ لكم حدوده ، ، ويوضح لكم شرائعه و أحكامه التي من جملتها ومن أهمها حكم الميراث، ويدلكم على طريق الصواب والسعادة وحقيق أن يكون الطريق الذي يرسمه الله للناس ويهديهم إِليه هو الطريق الصحيح ؛ لئلا يضلوا عن الطريق السوي فيما شرع ، ومن جملة ذلك أن تمنعوا مستحقًا من إرثه، وتعطوا غير مستحق ،والآية صريحة في أن من تعدى حدود الله في أحكامه ، فقد ضل طريق الحق ، وأخطأ سبيل الرشاد ،فإما اتباع بيان الله في كل شيء ، وإما الضلال ،طريقان اثنان لحياة الناس لا ثالث لهما : طريق بيان الله فهو الهدى ، وطريق من عداه فهو الضلال ،وصدق الله : فماذا بعد الحق إلا الضلال ؟.
  4. وقد ذيل الله تعالى الآية بقوله :وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌأي: والله الذي يبين تلك الفرائضَ لعبادة وشرعها لهم، من الميراث ومن علاقات الأُسَر وعلاقاتِ الجماعاتِ ، من الأحكام والتشريعات مبالِغٌ في العلم قد أحاط بكل شيء علمًا ، فعلمُه تامٌّ بما يُصْلِحُ المجتمع الإسلامي من الشرائع والأحكام، وفي هذا إشارة إلى أن شرعه أحكم شرع؛ لأنه شرع من يعلم كل شيء، يعلم الماضيَ والقابلَ والعدلَ على أتمِّ وجوهِه، والمصلحةَ المستقرةَ الثابتةَ التي لا تعبث بها الأهواء، ثم هو عليم بمن يخالفه ويعصيه ومن يطيعه ويرضَى حكمَه فيبيِّنُ لكم ما فيه مصلحتُكم ومنفعتُكم ، وختم أول آية في السورة بقوله تعالى : إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[ النساء : 1 ] وختم آخر آية بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ وهذا فيه ترغيب في إقامة ما فيها من أحكام وترهيب من الإخلال[17].

وفي هذه النقاط السابقة إشارة واضحة لمقصود السورة: وهو الحثُّ على تقوى اللهِ تعالى وتوحيدِه المنتجِ للقيام بالعدلِ في جميعِ المعاملاتِ والعلاقاتِ التي تربط بين الخلقِ والرحمةِ بينهم أفرادًا وأسرًا وأرحامًا ومجتمعاتٍ، لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء وتهدم ظلم المجتمعات الجاهلية في ذلك، وهذا واضح جدًا في هذا الآية التي الكريمة التي أعطت كل ذي حق حقه ومن جملة ذلك الأخوات ، واعتنت أن تصل الحقوق لأصحابها ، واهتمت بالأسرة ، وبرقابة الله سبحانه ، وهدمت الجاهلية وبينت أن الخروج عن أحكام الله تعالى ضلال، وفي هذا تحصين للمجتمع المسلم .
وإليك بعض أقوال العلماء في بيان دلالة خاتمة السورة على موضوعها وبيان مناسبة الخاتمة لأول السورة:

  1. قال البقاعي عند تفسيره لهذه الآية الكريمة بعد أن ذكر حِكَمًا كثيرة لتأخير آية المواريث:

" ومن هنا ظهرت مناسبة آخر هذه السورة لأولها؛ لأن أولها مشير إلى أن الناس كلهم كشيء واحد ،وذلك يقتضي عدم الفرق بينهم إلا فيما شرعه الله، وآخرها مشير إلى ذلك بالتسوية بين النساء والرجال في مطلق التوريث بقرب الأرحام، وإن اختلفت الأنصباء فكأنه قيل : يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ،وخلق منها زوجها ،وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء ،وسوى بينهم فيما أراد من الأحكام فإنه من استكبر - ولو عن حكم من أحكامه - فسيجازيه يوم الحشر ،ولا يجد له من دون الله ناصراً ؛ ولا يخفى عليه شيء من حاله "[18].

  1. قال الفخر الرازي:"اعلم أن هذه السورة مشتملة على أنواع كثيرة من التكاليف ، وذلك لأنه تعالى أمر الناس في أول هذه السورة بالتعطف على الأولاد والنساء والأيتام ، والرأفة بهم وإيصال حقوقهم إليهم وحفظ أموالهم عليهم ، وبهذا المعنى ختمت السورة ، وهو قوله : يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللَّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلَالَةِ وذكر في أثناء هذه السورة أنواعًا أخر من التكاليف ، وهي الأمر بالطهارة والصلاة وقتال المشركين، ولما كانت هذه التكاليف شاقة على النفوس لثقلها على الطباع ، لا جرم افتتح السورة بالعلة التي لأجلها يجب حمل هذه التكاليف الشاقة ، وهي تقوى الرب الذي خلقنا والإله الذي أوجدنا ، فلهذا قال : يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ .[19]
  2. قال الطيبي في بداية سورة المائدة: قال الطيبي في بداية سورة المائدة: "وفي الكواشي: لما ختم سورة النساء آمراً بالتوحيد والعدل بين العباد، أكَّد ذلك بقوله: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ [المائدة: 1].[20]

ت.المطلب الثالث: مناسبة اسم السورة "النساء"[21] لموضوعها[22]:

  1. قلنا إن مقصود السورة الحث على تقوى الله الخالق، المنتجِ للقيام بالعدل في جميع المعاملات والعلاقات التي تربط بين الخلقِ والرحمةِ بينهم، لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء، وتهدم ظلم المجتمعات الجاهلية في ذلك، وبناءُ شخصية المجتمع المسلم واستقرارِه وتحصينه وانتظامِه على هذا الأساس داخليًا وخارجيًا وَفْق تقوى الله تعالى ، فاختار الله سبحانه من أنواع المستضعفين النساء[23]؛ ليكون اسمًا للسورة اهتمامًا بتقوى الله بالعدلِ مع النساءِ والرحمةِ بهنَّ ،وأداءِ حقوقِهنَّ: مِنْ مهرٍ، وميراثٍ، ومعاشرةٍ وغيرِ ذلك[24]،وإكرامًا لهنَّ ورمزًا لإنصاف بقية المستضعفين، فإن دليل صدق التقوى الإحسان إليهن، خيركم خيركم لأهله، ودليل التزام أوامره سبحانه ومراعاة رقابته وعلمه سبحانه ، فكأن السورةَ تقول: اتقوا الله تعالى واعدلوا مع الكل لا سيما المستضعفون خاصة النساء، فجعل اسم السورة عنوانًا لهم و لهن؛ تنبيهًا على حقوقهم وحقوقهن[25]، فسُميت "سورةَ النساءِ" [26]و" سورةَ النَّساءِ الكبرى " مقابلة لسورة النساء الصغرى التي عرفت في القرآن بسورة الطلاق ؛لكثرة ما ورد فيها من الأحكام التي تتعلق بهن بدرجة لم توجد في غيرها من السور.
  2. وكذلك لما كانت السورة لتحصين المجتمع داخليًا وخارجيًا، وكانت المرأة أهم أركان هذا الحصن الداخلي الذي يقصده الأعداء الخارجيون سميت بهذا الاسم إشارة لخطير دور المرأة في المجتمع.

والعجيب أن هذه السورة التي سميت بالنساء وبحث فيها أحكام كثيرة متعلقة بالنساء تتكلم عن المنافقين الذين يوالون أعداء الله لجعل الفاحشة تشيع في الذين آمنوا وتتكلم عن عداوة اليهود والنصارى الذين يريدون أن يميل المسلمون ميلًا عظيمًا، فيستعملون المرأة سلاحًا فتاكًا للمجتمع بدل أن يكون بانيًا معمرًا للمجتمع[27].
4)المبحث الرابع: أقوال العلماء في مقصد وأغراض السورة:

يمكن تقسيم الأقوال في مقصود سورة النساء إلى ستة أقسام:
1)القسم الأول: قالوا: " محور السورة التنظيم والحماية والاستقرار الداخلي والخارجي للمسلمين، وما ينبغي أن تنهجه المجتمعات الفاضلة في العلاقات الإنسانية، فهي سورة الإنسانية ":

  • فالاستقرار الداخلي: أساسه صلاح الأسرة والمجتمع، من خلال حفظ الحقوق الاجتماعية والمالية، وإزالة رواسب الجاهلية مع التركيز على حقوق النساء والضعفاء، فبدأت بالأسرة من حيث إنها هي الخلية الأولى للمجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع كله ثم تتعرض السورة الكريمة بعد ذلك للمجتمع ونظامه المتكامل.
  • والاستقرار الخارجي: أساسه احتفاظ الأمة بشخصيتها، بوضع قواعد العلاقات والمعاملات الدولية بين المسلمين وغيرهم من المسالمين والمعادين والمحاربين، ومن ثَمَّ إلى الاستعداد للأمن الخارجي الذي يحفظ على الأمة استقرارها.


  1. جاء في المختصر في تفسير القرآن الكريم: "تنظيم المجتمع المسلم من داخله من خلال حفظ الحقوق الاجتماعية والمالية، إزالة لرواسب الجاهلية وتركيزًا على حقوق النساء والضعفاء."[28].
  2. جاء في التفسير الكاشف:" سورة النساء سورة النظام العائلي والمجتمع".[29]
  3. جاء في صفوة التفاسير[30] ونقله كتاب "التعريف بسور القرآن الكريم":

" محور مواضيع السورة: سورة النساء إحدى السور المدنية الطويلة، وهي سورة مليئة بالأحكام التشريعية التي تنظم الشئون الداخلية والخارجية للمسلمين، وهي تعني بجانب التشريع كما هو الحال في السور المدنية، وقد تحدثت السورة الكريمة عن أمور هامة تتعلق بالمرأة والبيت والأسرة والدولة والمجتمع، ولكن معظم الأحكام التي وردت فيها كانت تبحث حول موضوع النساء ولهذا سميت " سورة النساء "[31] .

  1. جاء في كتاب محتويات سور القرآن: "محور سورة النساء، هو تنظيم العلاقات الاجتماعية في المجتمع الصغير، وهو محيط الأسرة والمجتمع الكبير وهو: شؤون الأمة، فتنتقل السورة من القضايا الداخلية للمجتمع إلى وضع قواعد العلاقات والمعاملات الدولية بين المسلمين وغيرهم من المسالمين والمعادين والمحاربين، ومن ثَمَّ إلى الاستعداد للأمن الخارجي الذي يحفظ على الأمة استقرارها وهدوءها، ويبدأ التنبيه على هذه العلاقات الداخلية والخارجية في السورة بتذكير الناس جميعًا أنهم أقارب من أب واحد ، ومن أم واحدة، وأن بينهما رحمًا قريبة أو بعيدة ، كما جاء ذلك في الآية الأولى من السورة".[32]
  2. قال أبو زهرة في زهرة التفاسير:"وسورة النساء هي سورة الإنسانية ، ففيها عيَّنَ القرآنُ الكريمُ العلاقاتِ الإنسانيةَ التي تربط الناس بعضهم ببعض ، وما ينبغي ان تنهجه المجتمعات الفاضلة في جعل العلاقة الإنسانية الأصيلة تسير في مجراها الطبيعي الذي رسمه رب العالمين بمقتضى الفطرة ، وفيها ما حده الله – تعالى – لعلاج الانحراف الذي ينحرف به ذوو الأهواء من الآحاد والجماعات "[33].
  3. قال الأستاذ محمود شلتوت ونقله إبراهيم القطان مع تغيير طفيف، وكذلك محمد سيد طنطاوي[34]:
    "سورة النساء تعالج الاستقرار الداخلي والاستقرار الخارجي: إن احتفاظ الأمم بكيانها يرتبط بهذين الأمرين العظيمين: الاستقرار الداخلي، والاستقرار الخارجي.

فالاستقرار الداخلي: أساسه صلاح الأسرة، وصلاح المال في ظل تشريعٍ قويٍ عادلٍ مبنيٍّ على مراعاةِ مقتضياتِ الطبيعةِ الإنسانيةِ، مجردٍ من تحكيمِ الأهواء والشهوات ظن ذلك إنما يكون إذا كان صادرًا عن حكيم خبير بنزعات النفوس واتجاهاتها، تمتلئ النفس بعظمته وقوته، وغيرته على تشريعه ومحارمه[35].
والاستقرار الخارجي: أساسه احتفاظ الأمة بشخصيتها، والاستعداد لمقاومة الشر الذي قد يطرأ عليها، والعدو الذي يطمع فيها[36].
وسورة النساء تكفلت بوضع أسس الأحكام التي تصلح بها هذه النواحي، ونستطيع أن نرد ما عرضت له السورة إلى الموضوعات الآتية:
الأسرة، المال، أسس الجماعة الإسلامية، مصادر التشريع، ألوان التمرد على التشريع، أسس الاستقرار الخارجي مكافحة الآراء والشبه الضارة، تتويج هذا كله بالدعوة إلى الإيمان بسيدنا محمد ـ ، وما جاء به من هداية ونور"[37] .

  1. قال الأستاذ محمد الغزالي:" الثلث الأول من سورة النساء حديث عن الأسرة وقضاياها، والأسرة هي المجتمع الصغير، والثلثان الباقيان حديث عن الأمة وشئونها، والأمة هي المجتمع الكبير، فمحور السورة كلها العلاقات الاجتماعية وضرورة إحكامها وتسديدها. وبدأ التنبيه إلى ذلك من مطلع السورة يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [آية:1] "[38] .
  2. قال ابن عاشور:" فمعظم ما في سورة النساء شرائع تفصيلية في معظم نواحي حياة المسلمين الاجتماعية من نظم الأموال والمعاشرة والحكم وغير ذلك".[39]
  3. جاء في التفسير المنتخب:" تتناول هذه السورة على نحو خاص موضوعات الأسرة والمجتمع، والعلاقات بين الناس، وتضع الأحكام المنظمة لها، وتبدأ بالأسرة من حيث إنها: هي الخلية الأولى للمجتمع، إذا صلحت صلح المجتمع كله ثم تتعرض السورة الكريمة بعد ذلك للمجتمع ونظامه المتكامل، وتحدد السورة منذ البداية في الآية الأولى المبدأ الذي تقوم عليه العلاقات بين الناس ألا وهو المساواة بينهم، فقد خلقهم الله من نفس واحدة، وخلق منها زوجها. فالبشر جميعا أبناء أب واحد هو آدم، وأم واحدة هي حواء، هؤلاء البشر يربطهم رباط الأخوة والمساواة، فالإسلام يبين أن البشر وتنظيمهم وحدة واحدة تبدأ بالأسرة، وتتسع فتشمل القبائل والشعوب التي ينبغي عليها أن تتعارف وتتآلف على خير ما يكون التعارف والتآلف.[40]
  4. قال عبد الكريم مطيع الحمداوي: محورها حماية الفرد والمجتمع والدولة من تغول الفرد والمجتمع والدولة، فلا تطغى جهة على جهة، ولا يستضعف أحد أحدًا من أجل قيام أمة للعدل والإحسان والإنصاف، غير قابلة للظلم غير قابلة للظلم، عصية على الانظلام والاستضعاف".[41]
  5. قال الدكتور زغلول النجار:" ويدور المحور الرئيسي للسورة حول قضايا التشريع لكل من المرأة، والأسرة والبيت، والمجتمع، والدولة بعلاقاتها الداخلية والخارجية".[42]
  6. جاء في تفهيم القرآن العظيم (محاور السور وتكاملها وخلاصة معانيها):" بيان أحكام تنظيم الأسرة الإسلامية والعلاقات العائلية، ومواضيع الحكومة الإسلامية، وعلاقات المؤمنين بالكفار، وأمور السلامة العامة، ووحدة الرسالات السماوية إلى البشرية جمعاء".[43]

2)القسم الثاني: قالوا: مقصود السورة: بإيجاز:" بناء شخصية المجتمع المسلم والأسرة وَفْق خط التقوى، وتطهيره من رواسب الجاهلية، والتعريف بأعدائه الراصدين له".

و مقصدها بشيء من البسط:" بناء شخصية المجتمع المسلم والأسرة وَفْق خط التقوى وعدمُ الاستسلامِ للأهواء في ذلك، وإِيجاد البيئة الاجتماعية الصالحة النقية، وتطهيره من رواسب الجاهلية ببيان طبيعة المنهج والقوانين والتشريعات التي فيها صلاحه، وحماية المجتمع المسلم واستجاشة أفراده للدفاع عن كينونته المميزة، والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله، وكشف فساد تصوراتهم ووسائلهم وحبائلهم ومكايدهم ".

  1. يرى سيد قطب[44] أن محور السورة:" محو ملامح المجتمع الجاهلي، ونبذ رواسبه، وبناء الجماعة المسلمة وتكييف ملامحها وجلاء شخصيتها، وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه، وحماية تلك الجماعة، واستجاشة المجتمع المسلم للدفاع عن كينونته المميزة ".[45]
  2. جاء في موقع إسلاميات (سور القرآن دروس ومحاور):" محور السورة إسقاط المجتمع الجاهلي بكل صوره وملامحه الفاسدة، وهو الدرس الكبير في السورة العظيمة بل هو عنوان هذه السورة الذي يربط مواضيعها الكثيرة بعضها ببعض".
  3. قال محمد حسين فضل الله:" قد تعرضت السورة لمواضيع متعددة يجمعها غرض واحد يتمثل في: تنظيم واقع الإنسان، وفق خط التقوى، والبعد عن الانحراف عن طريق الإيمان، والارتكاز على القواعد الأصيلة في مصادر العقيدة والشريعة، وعدم الاستسلام للأهواء في ذلك، وتنظيم الأسرة في علاقاتها الإنسانية المحلّلة والمحرّمة، والمال في حدود الحلال والحرام، ونظام الإرث كوسيلة عملية من وسائل توزيع الثروة وعدم تجميعها في يد شخص واحد،

وتخطيط الأسس التي تقوم عليها الجماعة الإسلامية، وتوجيه المؤمنين الى أن يتحملوا مسؤوليتهم في الدعوة الى الله ومواجهة أعداء الله، والوقوف أمام كل التحديات الفكرية العملية، فيما تثيره القوى المضادة في وجه الإسلام والمسلمين من أكاذيب وافتراءات وشبهات، من أجل أن يعيش الإسلام في الحدود الآمنة التي يرعاها المؤمنون بكل قوتهم وامتداداتهم في الحياة.[46]

  1. قال ناصر مكارم الشيرازي:" هذه السّورة كما قلنا نزلت في المدينة، بمعنى أنّ النّبي الأكرم ـ صلى الله عليه وآله وسلم ـ عندما كان مقبلًا على تأسيس حكومة إسلامية وتكوين مجتمع إِنساني قويم ، نزلت هذه السورة وهي تحمل جملة من القوانين التي لها أثر كبير في إصلاح المجتمع ، وإِيجاد البيئة الاجتماعية الصالحة النقية ، ومن ناحية أخرى فإنّ أكثر أفراد هذا المجتمع الجديد كانوا قبل ذلك من الوثنيين بما فيهم من لوثات الجاهلية وانحرافاتها ورواسبها، لذلك يتعين قبل أي شيء تطهير عقولهم ، وتزكية أرواحهم ونفوسهم من تلك الرّواسب ، وإِحلال القوانين والبرامج اللازمة لإِعادة بناء المجتمع محل تلك العادات والتقاليد الجاهلية الفاسدة".[47]

3)القسم الثالث: قالوا: " مقصودها العدل والرحمة مع الضعفاء في المجتمع المسلم، وإعطاؤهم حقوقهم ورعايتهم لا سيما النساء"[48]:

  1. قال البقاعي في مقدمة سورة الطلاق (سورة النساء الصغرى):" سميت سورة النساء القصرى؛ لأن العدل في الفراق بعض مطلق العدل الذي هو محط مقصود سورة النساء".[49]
  2. قال الدكتور فاضل السامرائي:" هدف السورة: العدل والرحمة بالضعفاء".[50]
  3. جاء في خواطر قرآنية: "مقصود السورة: العدل والرحمة خاصة مع الضعفاء"[51].
  4. جاء في الخرائط الذهنية:" سورة العدل والرحمة بالضعفاء".[52]
  5. جاء في كتاب "أول مرة أتدبر القرآن":" المحور الأساسي للسورة: العدل والرحمة".[53]
  6. جاء في كتاب" من دلالات أسماء السور في القرآن الكريم": "المرأة ركن أساسي في المجتمع، وهي رمز للمستضعفين ومحضن لكثير منهم، أولئك الذين يسهل الاعتداء عليهم ولا يؤبه لخطورة دورهم، فجعلت السورة عنوانًا لهم تنبيهًا على حقوقهم".[54]
  7. قال الفراهي:" وَسورَة النِّسَاء كالرِّدْء لصورة الْإِسْلَام، بِمَا تبين من كَون الشَّرِيعَة رَحْمَة على النَّاس كَافَّة".[55]
  8. قال الدكتور مصطفى مسلم:" محور سورة النساء رعاية المستضعفين في المجتمع الإسلامي".[56]

4)القسم الرابع: الجمع بين القول الأول والثالث: "قالوا مقصود السورة: العدل والإحسان للمستضعفين، والاستقرار الداخلي والخارجي للمسلمين".

  1. جاء في "دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها":" قال تميزت هذه السورة الكريمة بأنها سورة الدعوة إلى إقامة الإحسان والعدل داخل المجتمع المؤمن لا سيما المستضعفين، مع التحذير من حقد الأعداء في الداخل والخارج".

وقال قبل ذلك ملخصًا لكلام العلماء: " ومن الممكن أن تلخَّص الأقوال السابقة بالقول: بأن محور السورة هو: الدعوة إلى الالتزام بما جاء في شرع الله تعالى من الإحسان والعدل داخل المجتمع المؤمن لا سيما الفئات المستضعفة، مع التحذير من العدو الداخلي المتمثل بالمنافقين، والخارجي المتمثل بأهل الكتاب والمشركين، لحقدهم على الهدى الرباني الذي حظي به المؤمنون ، ولما كانت النساء هي الفئة الأكثر استضعافًا، سميت السورة بهنَّ للدعوة إلى الإحسان والعدل إليهنَّ"[57].

  1. قال الشيخ صالح بن عبد العزيز آل الشيخ:" سورة النساء في بيان أحكام النساء والمواريث، وخُصّص ذلك في النساء لأجل هضم الجاهلية لحقوق النساء ونحو ذلك، ثم بيان أحكام العدو الثالث وهم المنافقون.[58]

5)القسم الخامس: قالوا" محور السورة الأمر بالتقوى وتوضيح ما يدخل فيها والطريق للوصول إليها بالإيمان والعمل الصالح.[59]

اختار هذا الشيخ سعيد حوى، وجلال الدين السيوطي وقد استقى الشيخ سعيد حوى هذا من الإمام جلال الدين السيوطي ـ في كتابه «أسرار ترتيب القرآن» حيث قال:" وأقول: هذه السورة أيضا شارحة لبقية مجملات سورة البقرة.
فمنها: أنه أجمل في البقرة قوله: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ [البقرة 21]، وزاد هنا: خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْها زَوْجَها وَبَثَّ مِنْهُما رِجالًا كَثِيراً وَنِساءً [الآية 1].
وانظر كيف كانت آية التقوى في سورة البقرة غاية[60]، فجعلها في أول هذه السورة التالية لها مبدأ".[61]
6)القسم السادس: قالوا مقصود السورة:" الاجتماع على الدين[62] والتوحيد الذي هو الأساس بالاقتداء بالكتاب المبين الجامع الذي هو الطريق، المثمر للتواصل والتعاطف والتراحم والعدل وإصلاح الشأن بالإحسان للاجتماع على طاعة الله تعالى، داعية لأمهات الفضائل: العفة والعدل والعلم والشجاعة ".

هذا خلاصة اختيار البقاعي[63]،وقريب منه جاسم آل إسحاق، وحاصلُ كلامِ ابنِ عجيبة يؤول إليه، واختصر أولَ كلام البقاعي أصحابُ التفسيرِ الموضوعي لسور القرآن، والدكتور محمد عبد المنعم القيعي، وإليك عباراتهم:

  1. قال جاسم آل إسحاق:" المعنى العام الذي تدور عليه سورة النساء: جاءت سورة النساء لبيان العدل بجميع أنواعه ومع جميع أصناف الناس، وذكرت أصناف أهل الظلم وصفاتهم، فالتقوى التي أمر بها في أولها هي أساس العدل وأهم شيء فيه، ومن لم يحقق التقوى فقد ظلم نفسه، وجاء ختم أول آية باسم الله الرقيب مناسبًا لهذا المعنى، فاستشعار مراقبة الله للعبد سبب لعدم ظلمه لنفسه ولغيره ثم ذكر الله تعالى التعامل مع أصناف متعددة من الناس في هذه السورة، ولا بد من أن يكون التعامل معهم قائما بالعدل".[64]
  2. قال ابن عجيبة:" ومَضْمونها: الأمر بحفظ ستة أمور: حفظ الأموال، وحفظ الأنساب، وحفظ الأبدان، وحفظ الأديان، وحفظ اللسان، وحفظ الأيمان. بعد أن قدم الأمر بالتقوى، التي هي ملاك ذلك كله".[65]
  3. جاء في التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم: محور السورة التوحيد الصحيح ومقوماته[66].
  4. قال أ. د. محمد عبد المنعم القيعي:" مقصود سورة النساء: الاجتماع على التوحيد"[67].

5)المبحث الخامس: مناقشة الأقوال والترجيح بينها:

الأقوال الستة السابقة قد وفقت لتحديد المحور أو جزء من محورة السورة، والاختلاف بينهم في استيفاء ذكر المحور، أو الاقتصار على بعض هذا المحور، وإليك بيانَ ذلك:

  1. أما القسم الأول: الذين قالوا: "محور السورة التنظيم والحماية والاستقرار الداخلي والخارجي للمسلمين، وما ينبغي أن تنهجه المجتمعات الفاضلة في العلاقات الإنسانية، فهي سورة الإنسانية" فقد أصابوا فيما ذكروا لكن فاتهم أن يذكروا أن من مقصودها " الحثَّ على تقوى اللهِ تعالى المنتجِ للقيام بحق الله وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء"، وهذا مقصود ظاهر جدًا في السورة كما قد بيناه في النفول السابقة.
  2. أما القسم الثاني الذين قالوا: "مقصودها بناء شخصية المجتمع المسلم والأسرة وَفْق خط التقوى، وتطهيره من رواسب الجاهلية، والتعريف بأعدائه الراصدين له" فقد فاتهم أن يزيدوا بعد قولهم:"على وفق خط التقوى" "المنتجِ للقيام بحق الله وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء"، وإن كانت التقوى تستلزم العدل والرحمة لكن لا بد من التصريح به في هذا المقام، كما أن قول غيرهم:" وتحصينه وانتظامِه على هذا الأساس داخليًا وخارجيًا" أشمل وأدق من قولهم:" والتعريف بأعدائه الراصدين له".



  1. أما القسم الثالث الذين قالوا: " مقصودها العدل والرحمة مع الضعفاء في المجتمع المسلم، وإعطاؤهم حقوقهم ورعايتهم لا سيما النساء". فقد فاتهم ذكر "الحثّ على تقوى اللهِ تعالى المنتجِ للقيام بالعدل والرحمة " فالعدل والرحمة لا بد لها من باعث هو التقوى وهو الذي بدأت به السورة، كما فاتهم ما حثت عليه السورة "من القيام بحق الله سبحانه وحق رسله من الإيمان ،والتوحيد، وعدم الشرك ، وعدم التفريق بين رسله ونحوها" ، كما فاتهم جزء كبير من السورة ذكر فيه جهاد المنافقين والكافرين من أهل الكتاب والمشركين ، وحماية المجتمع المسلم واستجاشة أفراده للدفاع عن كينونته المميزة، والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله، وكشف فساد تصوراتهم ووسائلهم وحبائلهم ومكايدهم، وهو ما عبر عنه غيرهم :بـ"تحصين المجتمع المسلم داخليًا من المنافقين وخارجيًا من أعدائه الخارجيين سواء في ميدان المعركة أو برد الشبهات".
  2. أما القسم الرابع: الذين قالوا " مقصود السورة: العدل والإحسان للمستضعفين، والاستقرار الداخلي والخارجي للمسلمين". فقد فاتهم أن يذكروا " الحثّ على تقوى اللهِ تعالى المنتجِ للقيام بحق الله " فهذا أمر بارز واضح من مقصود السورة، وأيضًا الحث على ما ينتج عن التقوى من أداء حق الله سبحانه من الإيمان، والتوحيد، وعدم الشرك ،والإيمان برسله، وعدم التفريق بينهم ونحو ذلك،وفاتهم " بناءُ شخصية المجتمع المسلم بما هدم من عادات الجاهلية ، لكن يمكن أن يؤخذ ويستفاد هذا من كلامهم باللزوم ، والحق أن هذا القول، والقول السادس أقرب الأقوال في تحديد محور السورة.
  3. أما القول الخامس: الذي يقول:" محور السورة الأمر بالتقوى وتوضيح ما يدخل فيها والطريق للوصول إليها بالإيمان والعمل الصالح" فينقصه أن يزيد" المنتجِ للقيام بحق الله وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء، وبناءُ شخصية المجتمع المسلم واستقرارِه وتحصينه وانتظامِه على هذا الأساس داخليًا وخارجيًا"، فجزء كبير من السورة يتحدث عن هذا ، إلا أن يقال: التقوى تستلزم كل هذا بدليل أنه قال:" وتوضيح ما يدخل فيها والطريق للوصول إليها بالإيمان والعمل الصالح "، وهذا له حظ من الصحة لكن يحتاج للتصريح والتوضيح في هذا المقام ، والاقتصار على ذكر التقوى فقط فيه نوع قصور.
  4. أما القول السادس: الذي يقول: ":" الاجتماع على الدين والتوحيد الذي هو الأساس بالاقتداء بالكتاب المبين الجامع الذي هو الطريق، المثمر للتواصل والتعاطف والتراحم والعدل وإصلاح الشأن بالإحسان للاجتماع على طاعة الله تعالى، داعية لأمهات الفضائل: العفة والعدل والعلم والشجاعة".

فهذا القول وهو الذي اختاره البقاعي أقرب الأقوال لمحور السورة ، كيف لا ، البقاعي هو الإمام الذي اقتدى به من بعده في هذا الفن، لكن الاختلاف فقط في العبارة:

  • فهو قد عبر عن :" الحثّ على تقوى اللهِ تعالى" بـ" الاجتماع على الدين والتوحيد الذي هو الأساس بالاقتداء بالكتاب المبين الجامع الذي هو الطريق".
  • وعبر عن"القيام بحق الله وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء" بقوله " المثمر للتواصل والتعاطف والتراحم والعدل ".
  • وعبر عن "بناء شخصية المجتمع المسلم وانتظامِه على هذا الأساس داخليًا" بقوله:" وإصلاح الشأن بالإحسان للاجتماع على طاعة الله تعالى" لكن تعبير غيره أدق وأوضح.
  • وعبر عن "تحصين المجتمع داخليًا وخارجيًا" بـقوله"الشجاعة" لكن تعبير غيره أشمل وأوضح.

وبهذا يتبين لنا أن البقاعي ـ ـ كان أدق من تكلم عن المحور ، مع أصحاب القول الرابع الذي اختاره الدكتور عمر عرفات، والكل قد أصاب وأجاد لكن فاتهم بعض المحور كما سبق ،والذي أختاره في محور السورة ومقصودها هو ما قدمته وهو:
" الحثُّ على تقوى اللهِ تعالى المنتجِ للقيام بحق الله وبالعدل والرحمة لا سيما مع الضعفاء خاصة النساء، وبناءُ شخصية المجتمع المسلم واستقرارِه وتحصينِه وانتظامِه على هذا الأساس داخليًا وخارجيًا".
ولك أن تقول: هي سورة تنظيم المجتمع داخليًا وخارجيًا على أساس تقوى الله في حقه وحق عبيده، والرحمة، والعدل.
وملخص ذلك الآية الأولى من السورة.
واخترت هذا لأنه يشمل جميع السورة، ويدل عليه بداية السورة وخاتمتها واسمها، وسير خط السورة، والله أعلم بأسرار كتابه.
علي هاني العقرباوي ـ عمان الأردن ـ 10/شعبان/1440هـ، 15/4/2019م.












[1] قال ابن عاشور: "وكان ابتداء نزولها بالمدينة، لما صح عن عائشة أنها قالت: ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده، وقد علم أن النبي ـ ـ بنى بعائشة في المدينة في شوال، لثمان أشهر خلت من الهجرة، واتفق العلماء على أن سورة النساء نزلت بعد البقرة، فتعين أن يكون نزولها متأخرًا عن الهجرة بمدة طويلة، والجمهور قالوا: نزلت بعد آل عمران، ومعلوم أن آل عمران نزلت في خلال سنة ثلاث أي بعد وقعة أحد، فيتعين أن تكون سورة النساء نزلت بعدها، وعن ابن عباس: أن أول ما نزل بالمدينة سورة البقرة، ثم الأنفال ثم آل عمران، ثم سورة الأحزاب، ثم الممتحنة، ثم النساء، فإذا كان كذلك تكون سورة النساء نازلة بعد وقعة الأحزاب التي هي في أواخر سنة أربع أو أول سنة خمس من الهجرة، وبعد صلح الحديبية الذي هو في سنة ست حيث تضمنت سورة الممتحنة شرط إرجاع من يأتي المشركين هاربًا إلى المسلمين عدا النساء، وهي آية: يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَاتُ مُهَاجِرَاتٍ [الممتحنة: 10] الآية، وقد قيل: إن آية: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ [النساء: 2] نزلت في رجل من غطفان له ابن أخ له يتيم، وغطفان أسلموا بعد وقعة الأحزاب؛إذ هم من جملة الأحزاب، أي: بعد سنةِ خمسٍ، ومن العلماء من قال: نزلت سورة النساء عند الهجرة وهو بعيد، وأغرب منه من قال: إنها نزلت بمكة ؛ لأنها افتتحت بـيا أيها الناس، وما كان فيه يا أيها الناس فهو مكي، ولعله يعني أنها نزلت بمكة أيام الفتح لا قبل الهجرة لأنهم يطلقون المكي بإطلاقين، وقال بعضهم: نزل صدرها بمكة وسائرها بالمدينة، والحق أن الخطاب بـيا أيها الناس لا يدل إلا على إرادة دخول أهل مكة في الخطاب، ولا يلزم أن يكون ذلك بمكة، ولا قبل الهجرة، فإن كثيرًا مما فيه يا أيها الناس مدني بالاتفاق، ولا شك في أنها نزلت بعد آل عمران ؛لأن في سورة النساء من تفاصيل الأحكام ما شأنه أن يكون بعد استقرار المسلمين بالمدينة، وانتظام أحوالهم وأمنهم من أعدائهم، وفيها آية التيمم، والتيمم شرع يوم غزاة المريسيع سنة خمس، وقيل: سنة ست.
فالذي يظهر أن نزول سورة النساء كان في حدود سنة سبع وطالت مدة نزولها، ويؤيد ذلك أن كثيرًا من الأحكام التي جاءت فيها مفصلة تقدمت مجملة في سورة البقرة من أحكام الأيتام والنساء والمواريث، فمعظم ما في سورة النساء شرائع تفصيلية في معظم نواحي حياة المسلمين الاجتماعية من نظم الأموال والمعاشرة والحكم وغير ذلك، على أنه قد قيل: إن آخر آية منها، وهي آية الكلالة، هي آخر آية نزلت من القرآن، على أنه يجوز أن يكون بين نزول سائر سورة النساء وبين نزول آية الكلالة، التي في آخرها مدة طويلة، وأنه لما نزلت آية الكلالة الأخيرة أمروا بإلحاقها بسورة النساء التي فيها الآية الأولى، ووردت في السنة تسمية آية الكلالة الأولى آية الشتاء، وآية الكلالة الأخيرة آية الصيف، ويتعين ابتداء نزولها قبل فتح مكة لقوله تعالى: وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا [النساء: 75] يعني مكة".التحرير والتنوير/ابن عاشور التحرير والتنوير (4/ 212). ويوافق ابن عاشور البقاعي حيث قال:" هذه السورة من أواخر ما نزل"(نظم الدرر/ البقاعي (2/204) لكن قال سيد قطب ووافقه دروزة:" منها ما نزل بعد سورة الممتحنة في السنة السادسة وفي السنة الثامنة كذلك ولكن منها الكثير نزل في أوائل العهد بالهجرة، والمنتظر - على كل حال - أن يكون نزول آيات هذه السورة قد امتد من بعد غزوة أحد في السنة الثالثة الهجرية، إلى ما بعد السنة الثامنة، حين نزلت مقدمة سورة الممتحنة (في ظلال القرآن/ سيد قطب (1/ 554).


[2] (الْعَسْفُ) الْأَخْذُ عَلَى غَيْرِ الطَّرِيقِ وَبَابُهُ ضَرَبَ وَكَذَا (التَّعَسُّفُ) وَ (الِاعْتِسَافُ)، وَ (الْعَسُوفُ) الظَّلُومُ (مختار الصحاح/ زين الدين أبو عبد الله محمد الرازي (208).

[3] في ظلال القرآن/سيد قطب (1/555ـ 557).

[4] مقاصد السور: لموسوعة القرآنية، خصائص السور/ جعفر شرف الدين (2/ 119).

[5] من لطائف الربط بين سورة آل عمران والنساء أن آل عمران ختمت بالأمر بالتقوى : يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [آية:200] وافتتحت هذه السورة بذلك: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا[آية:1]، قال أبو حيان في بداية السورة عند قوله تعالى: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [آية:1]:" نبه تعالى في أول هذه السورة على إيجاد الأصل، وتفرع العالم الإنساني منه ليحث على التوافق والتواد والتعاطف وعدم الاختلاف، ولينبه بذلك على أن أصل الجنس الإنساني كان عابدًا لله مفرده بالتوحيد والتقوى، طائعًا له، فكذلك ينبغي أن تكون فروعه التي نشأت منه، فنادى تعالى دعاء عامًا للناس، وأمرهم بالتقوى التي هي ملاك الأمر، وجعل سببًا للتقوى تذكاره تعالى إياهم بأنه أوجدهم وأنشأهم من نفس واحدة ومن كان قادرًا على مثل هذا الإيجاد الغريب الصنع وإعدام هذه الأشكال والنفع والضر فهو جدير بأن يتقى، ونبه بقوله: من نفس واحدة، على ما هو مركوز في الطباع من ميل بعض الأجناس إلى بعض، وإلفه له دون غيره؛ ليتألف بذلك عباده على تقواه، والظاهر في الناس: العموم، لأن الألف واللام فيه تفيده، وللأمر بالتقوى وللعلة، إذ ليسا مخصوصين بل هما عامان.( البحر المحيط في التفسير/ أبو حيان(3/ 492).

[6] لسيد قطب في مقدمة سورة المائدة كلام مهم ينفعنا في فهم هذا المقصد حيث قال: «ومن ثَمَّ نجد في هذه السورة- كما وجدنا في السور الثلاث الطوال قبلها- موضوعات شتى، الرابط بينها جميعًا هو هذا الهدف الذي جاء القرآن كله لتحقيقه: "إنشاء أمة وإقامة دولة، وتنظيم مجتمع، على أساس من عقيدة خاصة، وتصور معين، وبناء جديد.. الأصل فيه إفراد الله- سبحانه- بالألوهية والربوبية والقوامة والسلطان؛ وتلقي منهج الحياة وشريعتها ونظامها وموازينها وقيمها منه بلا شريك..». (في ظلال القرآن/ سيد قطب (2/ 825).

[7] قد ذكرت التقوى في عدة آيات في السورة: يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [آية:1]، و ولِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا [آية:131]،وو لْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُوا مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُوا عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا[آية:9]،و وَإِنِ امْرَأَةٌ خَافَتْ مِنْ بَعْلِهَا نُشُوزًا أَوْ إِعْرَاضًا فَلَا جُنَاحَ عَلَيْهِمَا أَنْ يُصْلِحَا بَيْنَهُمَا صُلْحًا وَالصُّلْحُ خَيْرٌ وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا (128) وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ وَلَوْ حَرَصْتُمْ فَلَا تَمِيلُوا كُلَّ الْمَيْلِ فَتَذَرُوهَا كَالْمُعَلَّقَةِ وَإِنْ تُصْلِحُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا (129)[النساء:129،128]،و أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ قِيلَ لَهُمْ كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ فَلَمَّا كُتِبَ عَلَيْهِمُ الْقِتَالُ إِذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ يَخْشَوْنَ النَّاسَ كَخَشْيَةِ اللَّهِ أَوْ أَشَدَّ خَشْيَةً وَقَالُوا رَبَّنَا لِمَ كَتَبْتَ عَلَيْنَا الْقِتَالَ لَوْلَا أَخَّرْتَنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا [آية:77]، ونلاحظ أنها في الآية الأولى وصية لكل الناس بتقوى الله في تعاملهم مع كل الناس لا سيما الأرحام وخاصة الأزواج ، وفي الثانية بيان أنها وصية لهذه الأمة وللذين أوتوا الكتاب من قبلنا ، وفي الآية الثالثة ارتبطت بتقوى الله في اليتامى ، وفي الرابعة بتقوى الله في المعاملة مع النساء، وفي الآية الأخيرة تقوى الله في تنفيذ أمره في الجهاد ، وبهذا أحاط الأمر بالتقوى الناس عامة والمؤمنين خاصة من هذه الأمة وممن قبلها ، واعتنى بالضعفاء النساء واليتامى، وبحفظ المسلمين من عدوهم الخارجي، وهذا كله مشير لمقصود السورة.
قال الشيخ سعيد حوى:" فإننا نفهم أن هذا المقطع قد ربى الإنسان على التقوى لله تعالى في مجموعة أمور: معرفة الله، وصلة الأرحام، وحفظ أموال اليتامى، وعدم الاعتداء عليها، وعدم أكل أموالهم ظلمًا وإعطائهم إياها كاملة، وإعطاء المرأة حقها المالي، وتوزيع تركة الميت على حسب ما أوصى الله، ووأد الفاحشة بعقوبة فاعليها، والحض على التوبة، وكل ذلك معانٍ داخلةٌ في المفهوم القرآني للتقوى، وهو مفهوم أوسع من مفهوم التقوى في موازين العامة من الناس، ونقصد بالعامة: كل من لم يتفقه في دين الله حق التفقه، فإذا تأكدت هذه المعاني من التقوى في المقطع الأول، ينتقل السياق إلى المقطع الثاني ليبين لنا معاني جديدة في قضية التقوى، ونحب أن نذكر هنا- ولو كررنا-: أن سورة النساء تفصل في محورها، من سورة البقرة، ومحورها يبدأ بالدعوة إلى العبادة كطريق للتقوي، وهنا نضيف، أن مقاطع سورة النساء التي تبدأ في الغالب بقوله تعالي: يا أَيُّهَا، إنما هي تفصيل للعبادة والتقوى بمعناهما الواسعين.
فطاعة أمر الله وترك نهيه، عبادة، والتزام شرعه تقوى، فما من مقطع في سورة النساء إلا وهو تعميق لمفهوم العبادة، كطريق للتقوى، أو هو تعميق لمفهوم التقوى نفسه، وما ينبثق عنها، أو هو تبيان لما يدخل في التقوى من أجزاء... وعلى هذا الأساس نفهم أن من التقوى في الإسلام عدم العضل للمرأة، وحسن العشرة لها، واجتناب نكاح المحارم، وإيتاء الزوجة حقوقها. وتحليل ما أحل الله، وتحريم ما حرم. وقبول بيان الله، وهداه في كل شأن من شئون الحياة.
إن هذا المقطع من سورة النساء، يشبه المقطع الذي تم فيه الكلام عن كثير من الأحوال الشخصية للإنسان في سورة البقرة، وكل ذلك مكانه في التقوى الاهتداء بكتاب الله: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2] (الأساس في التفسير/ سعيد حوى (2/ 1020، 1040).

[8] من لطائف السورة أنها أكثر سورة ذكر فيها عبارة وكفى بالله، فقد وردت في ثمان مرات: كَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (6)، وَكَفَى بِاللَّهِ وَلِيًّا وَكَفَى بِاللَّهِ نَصِيرًا (45)، وَكَفَى بِاللَّهِ عَلِيمًا (70)، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (79)، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (81)، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (132)، وَكَفَى بِاللَّهِ شَهِيدًا (166)، وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا (171).دلالة أسماء السور القرآنية/د عمر عرفات ص64.
وهي أكثر سورة ذكر فيها عبارة وكان الله فقد جاءت في واحد وعشرين موضعًا : وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (17)، وَكَانَ اللَّهُ بِهِمْ عَلِيمًا (39)، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ مُقِيتًا (85)، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (92)، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا،وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا (99)، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (100)، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (104)، وَكَانَ اللَّهُ بِمَا يَعْمَلُونَ مُحِيطًا (108)، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (111)، وَكَانَ اللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ مُحِيطًا (126)، وَكَانَ اللَّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا (130)، وَكَانَ اللَّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا (131)، وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا (133)، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا بَصِيرًا (134)، وَكَانَ اللَّهُ شَاكِرًا عَلِيمًا (147)، وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا (148)، وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا (152)، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (158)، وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (165)، وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا (170)،وبتأمل مقصود السورة وكذلك ما سأذكره في مقصود سورة الأحزاب والفتح يظهر السر جليًا.

[9] أكثر سورة ذكر فيها اليتامى سورة النساء وردت فيها ست مرات، ثم سورة البقرة وردت أربع مرات: وَآتُوا الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ(2)، وَإِنْ خِفْتُمْ أَلَّا تُقْسِطُوا فِي الْيَتَامَى(3)، وَابْتَلُوا الْيَتَامَى حَتَّى إِذَا بَلَغُوا النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُمْ مِنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُوا إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ (6)، وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُولُو الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُمْ مِنْهُ وَقُولُوا لَهُمْ قَوْلًا مَعْرُوفًا (8)، إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)، وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ مَنْ كَانَ مُخْتَالًا فَخُورًا (36).دلالة أسماء السور القرآنية /د عمر عرفات . ص64، وأكثر سورة ذكر فيها "المستضعفين":وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا وَاجْعَلْ لَنَا مِنْ لَدُنْكَ نَصِيرًا (75)، إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا (98)، وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الْوِلْدَانِ وَأَنْ تَقُومُوا لِلْيَتَامَى بِالْقِسْطِ وَمَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِهِ عَلِيمًا (127).

[10] قال البقاعي:" وقد جعل سبحانه الأمر بالتقوى مطلعاً لسورتين : هذه وهي رابعة النصف الأول ،والحج وهي رابعة النصف الثاني ، وعلل الأمر بالتقوى في هذه بما دل على كمال قدرته وشمول علمه وتمام حمته من أمر المبدأ ، وعلل ذلك في الحج بما صور المعاد تصويراً لا مزيد عليه ، فدل فيها على المبدأ والمعاد تنبيهاً على أنه محط الحكمة ، ما خلق الوجود إلا لأجله ؛لتظهر الأسماء الحسنى والصفات العلى أتم ظهور يمكن البشر الاطلاع عليه ، ورتب ذلك على الترتيب الأحكم، فقدم سورة المبدأ على سورة المعاد ؛لتكون الآيات المتلوة طبق الآيات المرئية". (نظم الدرر في تناسب الآي والسور/ البقاعي (2/ 325).


[11] قال أبو السعود:" والأرحام بالنصب عطفاً على محل الجارِّ والمجرور كقولك مررتُ بزيد وعمراً، وينصره قراءةُ تساءلون به وبالأرحامِ، فإنهم كانوا يقرُنونها في السؤال والمناشدةِ بالله ، ويقولون أسألك بالله وبالرَّحمِ، أو عطفاً على الاسم الجليلِ(الله) أي :اتقوا اللَّهَ والأرحامَ وصِلوها ولا تقطعوها ؛فإن قطعيتها مما يجب أن يُتقّى، وهو قولُ: مجاهدٍ، وقتادة، والسدي، والضحاك، والفراءِ، والزجاج.(ارشاد العقل السليم /أبو السعود (2/ 139).

[12] والرحم في الأصل رحم المرأة وهي العضو الداخلي منها المعد لتربية النطفة وليدًا، ثم استعير للقرابة بعلاقة الظرف والمظروف لكون الأقرباء مشترك.

[13] انظر (الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل/ الزمخشري(1/ 461)،( إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم/ أبو السعود (2/ 139)،( روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني/ الآلوسي (2/ 396)،( في ظلال القرآن/ سيد قطب (1/ 572)، (تفسير المنار/ محمد رشيد(4/ 264)،( نظم الدرر في تناسب الآيات والسور/ البقاعي(5/ 176)،_( زهرة التفاسير/أبو زهرة(3/ 1573)،( التفسير الكبير/ الرازي(9/ 475).

[14] (الإتقان في علوم القرآن/ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي/ دار الفكر (2/ 298).

[15] (التحرير والتنوير/ابن عاشور (4/ 213).

[16] زهرة التفاسير/ أبو زهرة (4/ 2002).

[17] قال الإمام الرازي:" واعلم أن في هذه السورة لطيفة عجيبة، وهي أن أولها مشتمل على بيان كمال قدرة الله تعالى فإنه قال:
يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة [النساء: 1] وهذا دال على سعة القدرة، وآخرها مشتمل على بيان كمال العلم وهو قوله والله بكل شيء عليم وهذان الوصفان هما اللذان بهما تثبت الربوبية والإلهية والجلالة والعزة، وبهما يجب على العبد أن يكون مطيعا للأوامر والنواهي منقادا لكل التكاليف. (التفسير الكبير/ الرازي (11/ 275).

[18] نظم الدرر /البقاعي (2/383).

[19] التفسير الكبير/الرازي (9/ 475).

[20] فتوح الغيب: (16/ 153).

[21] قال ابن عاشور:" سميت هذه السورة في كلام السلف سورة النساء ففي «صحيح البخاري» عن عائشة قالت: «ما نزلت سورة البقرة وسورة النساء إلا وأنا عنده»، وكذلك سميت في المصاحف وفي كتب السنة وكتب التفسير، ولا يعرف لها اسم آخر، لكن يؤخذ مما روي في «صحيح البخاري» عن ابن مسعود من قوله: «لنزلت سورة النساء القصرى» يعني سورة الطلاق- أنها شاركت هذه السورة في التسمية بسورة النساء، وأن هذه السورة تميز عن سورة الطلاق باسم سورة النساء الطولى، ولم أقف عليه صريحا. ووقع في كتاب «بصائر ذوي التمييز» للفيروزآبادي أن هذه السورة تسمى سورة النساء الكبرى، واسم سورة الطلاق سورة النساء الصغرى. ولم أره لغيره. (التحرير والتنوير/ابن عاشور (4/ 211).

[22] قال محمود شلتوت: وكم تنبض قلوب النساء فرحًا لتكريم الله لهن وعنايته بهن حينما يسمعن أو يعلمن أنَّ القرآن الكريم عرض لهن في هذه السور كلها، وأن من بين السور سورتين سميتا باسمهن وعالجتا كثيرًا من شؤونهن من أطوار حياتهن كلها، من عهد الطفولة إلى عهد الزوجية والأمومة، وأن إحدى السورتين تبدأ بخطاب الناس جميعًا وتردهم بذكورهم وإناثهم إلى أصل واحد، تنتظمهم جميعًا رحم واحدة، وأن الأخرى وهي الصغرى تبدأ بخطاب الرسول ـ ـ بوصف النبوة فيما تعرض له من أحكام، وفي هذا وذاك حث شديد ، واستنهاض قوي على مراعاة ما يفرض بعد الخطاب في شأن النساء من أحكام وإرشادات، ولا ريب أن منزلة النساء من العاطفة والمركز الاجتماعي في الأسرة جديرة أن تستثار في أمرهن وشيجة الرحم التي تجمع بين الناس ذكورًا إناثًا، والتي يقوم الرجال بحقوقها والهيمنة عليها: وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ ، وعاطفة الرحمة التي يحملها وصف النبوة: النَّبِيُّ أَوْلَى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
وهذا الوضع كما يبعث في قلوب النساء الفرح بتكريم الله لهنَّ، جدير بأن يلفت هؤلاء الذين يرمون الإسلام بأنه يحط من قدر النساء ليتعرفوا هذه المكانة التي وضع الإسلام النساء فيها ، فيكفوا عن زعمهم أن الإسلام لم يمنع المرأة من العناية والاهتمام ما منحتها المدنية الحديثة ، والواقع أن الإسلام منح النساء كل خير، وصانهن عن كل شر، ولم يأب عليهن سوى ما دفعتهن إليه هذه المدنية الكاذبة من " حرية" جعلت المرأة الغربية إذا ما خلت إلى ضميرها الإنساني تبكي دمًا على الكرامة المفقودة، والعرض المبتذل ، والسعادة الضائعة، وسيعلم النساء متى ثُبْن إلى رشدهنَّ أن لا منقذ لهن، ولا حافظ لكرامتهن سوى هذه التعاليم الإلهية التي يحاول ذوو الغرض والمخادعون أن يصوروها في أينهن بصورة الأغلال التي تطوق الأعناق وتحول بينهن وبين ما لهن من حق في الحياة ، ونرجو أن يجد النساء فيما تضمنته هذه السورة من أحكام ترفع قدرهن وتعلي شأنهن الحجة القوي في الإيمان بأن هؤلاء لم يقصدوا بتشويه وضعن في الإسلام إلا الكيد لهن،والحيلولة بينهن وبين التمتع النفسي والاجتماعي بهذه المكانة التي رسمها لهن القرآن الكريم". تفسير القرآن الكريم، محمود شلتوت (،136135).

[23] قال د. عمر عرفات: " ذكر عدد من المفسرين والكاتبين أوجهًا لربط اسم هذه السورة بمحورها وموضوعاتها، فذكروا أن السورة تعرض لموضوع النساء كرمز للمستضعفين، وتدعو إلى نصرة المستضعفين كاليتامى وحفظ حقوقهنَّ، فالسورة تركز على القضايا ذات الأثر الهام في البناء المجتمعي، ولذلك أمرت بالاستقرار الداخلي القائم على الأسرة ، والاستقرار الخارجي بحفظ شخصية الأمة ، فهي تمحو من المجتمع الإسلامي ملامح المجتمع الجاهلي، تعرِّفه بأعدائه الراصدين حوله والمتميعين فيه، فحرمت أكل حقوق الأيتام، والجور على الضعاف والنساء، وأبدلت هذه الملامح بمعالم المنهج الرباني الداعي إلى الإنصاف والإصلاح لهذه الفئات المستضعفة ، وأكثر هذه الفئات افتقارًا لهذا النساء؛ ولذلك سميت السورة بهنَّ. ((دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (63،62).

[24] قال د. عمر عرفات:"تعود الدلالة السياقية لاسم السورة إلى بيانها لكثير من الأحكام الخاصة بالنساء ، وهي أحكام شاملة للناحية الاجتماعية كأحكام اليتامى من النساء ، وأحكام الزواج والطلاق، وبيان اللواتي يحل للرجل الزواج منهنَّ واللواتي يحرمن، كما وأن هذه الأحكام شملت الناحية المالية أيضًا، فقد فصلت في أحكام الميراث، وجعلت للنساء نصيبًا مفروضًا منه ، وبينت بعض أحكام المهر، في تسمية السورة بهنَّ حثٌّ على إيتائهن حقوقهن التي كتب الله لهنَّ، وهي حقوق كان يلحقها الجور في الجاهلية إن لم تكن معدومة أصلًا، فقد كانت النساء أكثر الفئات استضعافًا في الجاهلية، فجاء الإسلام وجعل لهنَّ سورة خاصة باسمهنَّ، لإنصافهنَّ.(دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د. عمر عرفات (ص62).

[25] جاء في خواطر قرآنية:" سبب تسمية السورة بهذا الاسم هو أن المرء لو عدل مع زوجته ورحمها فإنه سيعرف كيف يعدل مع بقية الضعفاء، فهي سورة المستضعفين وقد اختار الله تعالى نوعًا من أنواع المستضعفين وهم النساء؛ ليكونوا اسمًا لهذه السورة، وكأن الله تعالى يقول لك: قبل أن استأمنك على الأرض، أرني عدلك في بيتك، فلو عدلت وحمت في بيتك فستكون مستأمنًا للعدل في المجتمع، إن العدل مع النساء في البيوت نموذج يقاس به عدل المسلمين في امتحان الاستخلاف على الأرض. (خواطر قرآنية (ص 66،65).

[26] قال المهايمي: سميت بها لأن ما نزل منها في أحكامهن أكثر مما نزل في غيرها. (تبصرة الرحمن وتيسير المنان/ علي بن أحمد المهايمي (1/138)، وقال ابن عاشور:" ووجه تسميتها بإضافة إلى النساء أنها افتتحت بأحكام صلة الرحم، ثم بأحكام تخص النساء، وأن فيها أحكاما كثيرة من أحكام النساء: الأزواج، والبنات، وختمت بأحكام تخص النساء". (التحرير والتنوير/ابن عاشور (4/ 211).

[27] وأما من قال مقصود السورة الاجتماع على التوحيد والكتاب جعل السرَّ في تسميتها "سورة النساء" أن النساء هنَّ السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل، ولأن بالاتقاء فيهن يتحقق العفة والعدل، قال البقاعي" ولما كان مقصودها الاجتماع على ما دعت إليه السورتان قبلها من التوحيد، وكان السبب الأعظم في الاجتماع والتواصل عادةً الأرحام العاطفة التي مدارها النساء سميت " النساء " لذلك، ولأن بالاتقاء فيهم تتحقق العفة والعدل الذي لبابه التوحيد" نظم الدرر / البقاعي (2/204).

[28] المختصر في تفسير القرآن الكريم/مركز نفسير للدراسات القرآنية ص77.

[29] "المنهج الترابطي ونظرية التأويل دراسة في تجربة التفسير الكاشف/جواد علي كسَّا/دار الصادقين (ص92). وتفسير الكاشف تأليف: محمد باقر حجتي، عبد الكريم شيرازي.

[30] صفوة التفاسير / محمد علي الصابوني (1/234).

[31] التعريف بسور القرآن الكريم/ موقع أم الكتاب (7).

[32] محتويات سور القرآن الكريم/أحمد الطويل / دار الوطن للنشر (ص54).

[33] زهرة التفاسير/ محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة (3/ 1563).

[34] وعبارة محمد سيد طنطاوي:" ومن هذا العرض نرى أن سورة النساء- كما يقول بعض العلماء-: «قد عالجت أحوال المسلمين فيما يتعلق بتنظيم شئونهم الداخلية، عن طريق إصلاح الأسرة وإصلاح المال في ظل تشريع قوى عادل، مبنى على مراعاة مقتضيات الطبيعة الإنسانية، مجرد من تحكيم الأهواء والشهوات ،وذلك إنما يكون إذا كان صادرُا عن حكيم خبير بنزعات النفوس واتجاهاتها وميولها.
كما عالجت أحوالهم فيما يختص بحفظ كيانهم الخارجي، عن طريق التشريعات والتوجيهات التي اشتملت عليها السورة الكريمة، والتي من شأنها أن تحفظ للأمة كيانها وشخصيتها متى تمسكت بها، وأن تجعلها قادرة على دفع الشر الذي يطرأ عليها من أعدائها.
بل إن السورة الكريمة لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية، وإنما نبهت على ما يجب أن تحفظ به عقيدة الأمة ومبادئها من التأثر بما يلقى في شأنها من الشكوك والشبه، وفي هذا إيحاء يجب على المسلمين أن يلتفتوا إليه، وهو أن يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم وأن يحصنوا أنفسهم من شر حرب أشد خطرًا، وأبعد في النفوس أثرًا من حرب السلاح المادي: تلك هي حرب التحويل من مبدأ إلى مبدأ، ومن دين إلى دين، مع البقاء في الأوطان والإقامة في الديار والأموال ألا وإن شخصية الأمة ليتطلب بقاؤها الاحتفاظ بالجانبين: جانب الوطن والسلطان ،وجانب العقيدة والإيمان. وعلى هذا درج سلفنا الصالح فعاشوا في أوطانهم آمنين. وبمبادئهم وعقائدهم متمسكين» تفسير القرآن الكريم ص 177، ص 266- بتصرف وتلخيص- لفضيلة الأستاذ الشيخ محمود شلتوت- -. (التفسير الوسيط للقرآن الكريم/ محمد سيد طنطاوي (3/ 17).

[35] قال شلتوت:" (نداءات إلهية باعتبارات مختلفة): وقد اشتملت سورة النساء على جملة من النداءات الإلهية نودي الناس جميعًا بثلاثة منها، ونودي أهل الكتاب باثنين منها، ونودي المؤمنون بتسعة منها ، ونحب أن نضع هذه النداءات جميعها أمام المسلم " الدارس للقرآن" مع تعليق وجيز على كل نداء منها ؛ لتكون بيده أشبه بقوانين كلية ، له أن يستنبط منها ما تحتاج إليه الأمة من وسائل تنظيمها في أهم شؤونها (تفسير القرآن الكريم / محمود شلتوت ( 187) [يقول علي هاني: وقد وجدت في السورة أربعة نداءات ، ووجدت تسعة نداءات للمؤمنين ، ونودي أهل الكتاب بواحد، والذين أوتوا الكتاب بواحد ، وإليك هذه النداءات، ففيها مساعدة لنا لتحديد مقصود السورة]:
نداءات الناس:

  1. يَاأَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالًا كَثِيرًا وَنِسَاءً وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [آية:1].
  2. إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا [آية:133].
  3. يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْرًا لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا [آية:170]..
  4. يَاأَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا (174) فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (175) [آية:175].

نداءات المؤمنين:

  1. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَحِلُّ لَكُمْ أَنْ تَرِثُوا النِّسَاءَ كَرْهًا وَلَا تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُوا بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلَّا أَنْ يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِنْ كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللَّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا (19) [آية:19].
  2. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلَّا أَنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ وَلَا تَقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا (29) [آية:29].
  3. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَى حَتَّى تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ وَلَا جُنُبًا إِلَّا عَابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ عَفُوًّا غَفُورًا [آية:43].
  4. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَالرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا (59) [آية:59].
  5. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا خُذُوا حِذْرَكُمْ فَانْفِرُوا ثُبَاتٍ أَوِ انْفِرُوا جَمِيعًا [آية:71].
  6. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [آية:94].
  7. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاءَ لِلَّهِ وَلَوْ عَلَى أَنْفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالْأَقْرَبِينَ إِنْ يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقِيرًا فَاللَّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلَا تَتَّبِعُوا الْهَوَى أَنْ تَعْدِلُوا وَإِنْ تَلْوُوا أَوْ تُعْرِضُوا فَإِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [آية:135].
  8. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي نَزَّلَ عَلَى رَسُولِهِ وَالْكِتَابِ الَّذِي أَنْزَلَ مِنْ قَبْلُ وَمَنْ يَكْفُرْ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا بَعِيدًا [آية:136].
  9. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَتُرِيدُونَ أَنْ تَجْعَلُوا لِلَّهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا مُبِينًا [آية:144]

نداءات أهل الكتاب، أوتوا الكتاب:

  1. يَاأَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ انْتَهُوا خَيْرًا لَكُمْ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَهٌ وَاحِدٌ سُبْحَانَهُ أَنْ يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلًا [آية:171].
  2. يَاأَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقًا لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهًا فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَكَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا [آية:47].

قال الشيخ سعيد حوى:" إن مقاطع سورة النساء التي تبدأ في الغالب بقوله تعالي: يا أَيُّهَا. إنما هي تفصيل للعبادة والتقوى بمعناهما الواسعين.
فطاعة أمر الله وترك نهيه، عبادة، والتزام شرعه تقوى. فما من مقطع في سورة النساء إلا وهو تعميق لمفهوم العبادة، كطريق للتقوى، أو هو تعميق لمفهوم التقوى نفسه، وما ينبثق عنها، أو هو تبيان لما يدخل في التقوى من أجزاء". (الأساس في التفسير/ سعيد حوى (2/ 1020).

[36] قال شلتوت في نهاية تفسيره للسورة :" من هذه الفصول التي كتبناها عن سورة النساء يتبين أنها عالجت أحوال المسلمين فيما يختص بتنظيم شؤونهم الداخلية ، وحفظ كيانهم الخارجي، وأنها لم تقف عند حد التنبيه على عناصر المقاومة المادية ، بل نبهت على ما يجب أن نحفظ به عقيدة الأمة ومبادئها من التأثر بما يلقى في شأنها من الشكوك والشبه ، وفي هذا إيحاء يجب على المسلمين أن يلتفتوا إليه ، وهو أن يحتفظوا بمبادئهم كما يحتفظون بأوطانهم، وأن يحصنوا أنفسهم من شر حرب أشد خطرًا وأبعد في النفوس أثرًا من حرب السلاح المادي: تلك هي حرب التحويل من مبدأ إلى مبدأ ، ومن دين إلى دين ، مع البقاء في الأوطان والإقامة في الديار والأموال.(تفسير القرآن الكريم / الإمام الأستاذ محمود شلتوت (204).

[37] تفسير القرآن الكريم (الأجزاء العشرة الأولى/ الإمام الأستاذ محمود شلتوت (137). تيسير التفسير/ إبراهيم القطان (1/263).

[38] نحو تفسير موضوعي/ محمد الغزالي/ دار نهضة مصر(ص42).

[39] التحرير والتنوير/ابن عاشور (4/ 212).

[40] المنتخب في تفسير القرآن الكريم/ لجنة من علماء الأزهر/ المجلس الأعلى للشئون الإسلامية - مصر، طبع مؤسسة الأهرام (105).

[41] تفسير سورة النساء/ عبد الكريم مطيع الحمداوي/ مكتبة الألوكة (ص2).

[42] زغلول النجار/ من أسرار القرآن (الإشارات الكونية في القرآن الكريم ومغزي دلالتها العلمية) وهي مقالات نشرت سنة 2004م/ ص 35.

[43][43] انظر تفهيم القرآن العظيم (محاور السور وتكاملها وخلاصة معانيها/ محمد فاروق الزبن/ دار الفكر ـ دمشق (ص37).

[44] ونقل كلامه ووافقه الباحث أحمد إسماعيل عياد/ في رسالته لنيل درجة الماجستير (الدراسة التحليلية لمقاصد وأهداف سورة النساء/بإشراف الدكتور زهدي محمد أو نعمة /الجامعة الإسلامية / غزة ً(ص14).

[45] وعبارة سيد قطب:" إلا أن لكل سورة من سور القرآن شخصيتها الخاصة، وملامحها المميزة، ومحورها الذي تشد إليه موضوعاتها جميعًا، ومن مقتضيات الشخصية الخاصة أن تتجمع الموضوعات في كل سورة وتتناسق حول محورها في نظام خاص بها، تبرز فيه ملامحها، وتتميز به شخصيتها. كالكائن الحي المميز السمات والملامح، وهو - مع هذا - واحد من جنسه على العموم! ونحن نرى في هذه السورة - ونكاد نحس - أنها كائن حي، يستهدف غرضًا معينًا، ويجهد له، ويتوخى تحقيقه بشتى الوسائل، والفقرات والآيات والكلمات في السورة، هي الوسائل التي تبلغ بها ما تريد! ومن ثم نستشعر تجاهها - كما نستشعر تجاه كل سورة من سور هذا القرآن - إحساس التعاطف والتجاوب مع الكائن الحي، المعروف السمات، المميز الملامح، صاحب القصد والوجهة، وصاحب الحياة والحركة، وصاحب الحس والشعور! إن السورة تعمل بجد وجهد في محو ملامح المجتمع الجاهلي - الذي منه التقطت المجموعة المسلمة - ونبذ رواسبه وفي تكييف ملامح المجتمع المسلم، وتطهيره من رواسب الجاهلية فيه، وجلاء شخصيته الخاصة.
كما تعمل بجد وجهد في استجاشته للدفاع عن كينونته المميزة، وذلك ببيان طبيعة المنهج الذي منه انبثقت هذه الكينونة المميزة، والتعريف بأعدائه الراصدين له من حوله - من المشركين وأهل الكتاب وبخاصة اليهود - وأعدائه المتميعين فيه - من ضعاف الإيمان والمنافقين - وكشف وسائلهم وحبلهم ومكايدهم، وبيان فساد تصوراتهم ومناهجهم وطرائقهم. مع وضع الأنظمة والتشريعات التي تنظم هذا كله وتحدده، وتصبه في القالب التنفيذي المضبوط".
وقال أيضًا:" هذه السورة تمثل جانبًا من الجهد الذي أنفقه الإسلام في بناء الجماعة المسلمة، وإنشاء المجتمع الإسلامي وفي حماية تلك الجماعة، وصيانة هذا المجتمع، وتعرض نموذجًا من فعل القرآن في المجتمع الجديد". في ظلال القرآن/ سيد قطب (1/ 555).

[46] تفسير من وحي القرآن/ محمد حسين فضل الله /دار الملاك (ج17/ص18،17).

[47] الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل/ ناصر مكارم الشيرازي/ مؤسسة الأعلمي للمطبوعات (5/ ص6،5).

[48] ومن جملة الرحمة رحمة الله بعباده ما أخرجه البيهقي في الشعب:" عن قتادة، قال: قال ابن عباس: " ثمان آيات في سورة النساء هي خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت، أولهن: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [الآيات:28،27،26] ثلاثا متتابعات، والرابعة: إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَنُدْخِلْكُمْ مُدْخَلًا كَرِيمًا [النساء: 31]، والخامسة: إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [النساء: 40] ، والسادسة: وَمَنْ يَعْمَلْ سُوءًا أَوْ يَظْلِمْ نَفْسَهُ ثُمَّ يَسْتَغْفِرِ اللَّهَ يَجِدِ اللَّهَ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 110]، والسابعة: إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ [النساء: 48، 116] ، والثامنة: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ وَلَمْ يُفَرِّقُوا بَيْنَ أَحَدٍ مِنْهُمْ أُولَئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ وَكَانَ اللَّهُ غَفُورًا رَحِيمًا [النساء: 152] " ، فأخبرهم ثم أقبل يفسرها ابن عباس في آخر الآية: " وكان الله للذين عملوا من الذنوب غفورا رحيما " (شعب الإيمان/أبو بكر البيهقي/تحقيق: الدكتور عبد العلي عبد الحميد حامد/مكتبة الرشد للنشر والتوزيع بالرياض(رقم الحديث: 6744)( 9/346).قال أبو زهرة:" فإنها تدل على أنه اتجه إلى عدل الله ورحمته بعباده ، وفتحه باب التوبة والمغفرة . وإلا فإن القران كله بكل سورة وآياته خير لهذه الأمة مما طلعت عليه الشمس وغربت". (زهرة التفاسير/أبو زهرة (3/ 1563).

[49] نظم الدرر في تناسب الآي والسور/ البقاعي (8 / 23).

[50] وقال: "سورة البقرة حددت المنهج الذي يجب أن يتبعه الذين استخلفهم الله تعالى في الأرض، وسورة آل عمران ركزت على الثبات على هذا المنهج، وتأتي سورة النساء حتى تدلنا على أن العدل والرحمة بالضعفاء من أهم ما يحتاجه الناس لاتباع المنهج، وآيات سورة النساء تتحدث عن أنواع عديدة من المستضعفين والضعفاء منهم: اليتامى، والنساء ،والعبيد، والإماء، والأقليات غير المسلمة التي تعيش بين المسلمين الذين قد يظلمهم الناس، فالعدل إذن والرحمة بالضعفاء هي أساس المسؤولية في الأرض، وأول العدل يكون في البيت مع النساء فلو عدل الانسان مع زوجته ورحمها لاستطاع أن يعدل في مجتمعه مع باقي الناس مهما اختلفت طبقاتهم، والله تعالى يريد أن يرى عدل الناس خاصة بالنساء قبل أن يستأمنّا على الأرض.
ونستعرض آيات سورة النساء ومعانيها وكل آيات هذه السورة فيها عدل ورحمة:

  1. تبدأ من أول آية التي يذكرنا الله تعالى فيها أنه خلقنا من نفس واحدة وأصل واحد فكيف يظلم بعضنا بعضًا: يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُواْ رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن نَّفْسٍ وَاحِدَةٍ وَخَلَقَ مِنْهَا زَوْجَهَا وَبَثَّ مِنْهُمَا رِجَالاً كَثِيرًا وَنِسَاء وَاتَّقُواْ اللّهَ الَّذِي تَسَاءلُونَ بِهِ وَالأَرْحَامَ إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا [آية:1].
  2. ذكر انواع الضعفاء: من اليتامى، والنساء، والسفهاء وغيرهم، والحث على العدل والرحمة بهم:


  1. وَآتُواْ الْيَتَامَى أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَتَبَدَّلُواْ الْخَبِيثَ بِالطَّيِّبِ وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَهُمْ إِلَى أَمْوَالِكُمْ إِنَّهُ كَانَ حُوبًا كَبِيرًا [آية:2].
  2. وَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تُقْسِطُواْ فِي الْيَتَامَى فَانكِحُواْ مَا طَابَ لَكُم مِّنَ النِّسَاء مَثْنَى وَثُلاَثَ وَرُبَاعَ فَإِنْ خِفْتُمْ أَلاَّ تَعْدِلُواْ فَوَاحِدَةً أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ ذَلِكَ أَدْنَى أَلاَّ تَعُولُواْ [آية:3].
  3. وَآتُواْ النَّسَاء صَدُقَاتِهِنَّ نِحْلَةً فَإِن طِبْنَ لَكُمْ عَن شَيْءٍ مِّنْهُ نَفْسًا فَكُلُوهُ هَنِيئًا مَّرِيئًا [آية:4].
  4. وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا [آية:5].
  5. وَابْتَلُواْ الْيَتَامَى حَتَّىَ إِذَا بَلَغُواْ النِّكَاحَ فَإِنْ آنَسْتُم مِّنْهُمْ رُشْدًا فَادْفَعُواْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ وَلاَ تَأْكُلُوهَا إِسْرَافًا وَبِدَارًا أَن يَكْبَرُواْ وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ فَإِذَا دَفَعْتُمْ إِلَيْهِمْ أَمْوَالَهُمْ فَأَشْهِدُواْ عَلَيْهِمْ وَكَفَى بِاللّهِ حَسِيبًا [آية:6].
  6. وَإِذَا حَضَرَ الْقِسْمَةَ أُوْلُواْ الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينُ فَارْزُقُوهُم مِّنْهُ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفًا [آية:8].
  7. وَلْيَخْشَ الَّذِينَ لَوْ تَرَكُواْ مِنْ خَلْفِهِمْ ذُرِّيَّةً ضِعَافًا خَافُواْ عَلَيْهِمْ فَلْيَتَّقُوا اللّهَ وَلْيَقُولُواْ قَوْلاً سَدِيدًا [آية:9]. تحذير الذين يظلمون بعاقبة الظلم: (إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا (10)). آيات الميراث وما تضمنته من نصيب الأولاد والأبوين والازواج والزوجات في حالة وفاة أحدهم. بيان خطورة عدم العدل: (تِلْكَ حُدُودُ اللّهِ وَمَن يُطِعِ اللّهَ وَرَسُولَهُ يُدْخِلْهُ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا وَذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (13)).


  1. أوامر للتوجيه لحسن التعامل مع النساء، والحث على عشرتهن بالمعروف بعدم ظلمهن، وتحمل الأذى منهن والصبر عليهن وترقق قلبهن لتنسين الظلم والاساء.


  1. يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ يَحِلُّ لَكُمْ أَن تَرِثُواْ النِّسَاء كَرْهًا وَلاَ تَعْضُلُوهُنَّ لِتَذْهَبُواْ بِبَعْضِ مَا آتَيْتُمُوهُنَّ إِلاَّ أَن يَأْتِينَ بِفَاحِشَةٍ مُّبَيِّنَةٍ وَعَاشِرُوهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ فَإِن كَرِهْتُمُوهُنَّ فَعَسَى أَن تَكْرَهُواْ شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللّهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا [آية:19]. [آية:
  2. وَإِنْ أَرَدتُّمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَّكَانَ زَوْجٍ وَآتَيْتُمْ إِحْدَاهُنَّ قِنطَارًا فَلاَ تَأْخُذُواْ مِنْهُ شَيْئًا أَتَأْخُذُونَهُ بُهْتَاناً وَإِثْماً مُّبِينا [آية:20].
  3. وَكَيْفَ تَأْخُذُونَهُ وَقَدْ أَفْضَى بَعْضُكُمْ إِلَى بَعْضٍ وَأَخَذْنَ مِنكُم مِّيثَاقًا غَلِيظًا [آية:21].


  1. وكذلك توجيه بالعدل مع الإماء، ومن رحمة الله تعالى أن جاء بكلمة أهلهن بدل أسيادهن، وأمرهن بأن لا يتخذن أخذانًا، أي: أصحابًا :وَمَن لَّمْ يَسْتَطِعْ مِنكُمْ طَوْلاً أَن يَنكِحَ الْمُحْصَنَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ فَمِن مِّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُم مِّن فَتَيَاتِكُمُ الْمُؤْمِنَاتِ وَاللّهُ أَعْلَمُ بِإِيمَانِكُمْ بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ فَانكِحُوهُنَّ بِإِذْنِ أَهْلِهِنَّ وَآتُوهُنَّ أُجُورَهُنَّ بِالْمَعْرُوفِ مِنَ الْعَذَابِ ذَلِكَ مُحْصَنَاتٍ غَيْرَ مُسَافِحَاتٍ وَلاَ مُتَّخِذَاتِ أَخْدَانٍ فَإِذَا أُحْصِنَّ فَإِنْ أَتَيْنَ بِفَاحِشَةٍ فَعَلَيْهِنَّ نِصْفُ مَا عَلَى الْمُحْصَنَاتِ لِمَنْ خَشِيَ الْعَنَتَ مِنْكُمْ وَأَن تَصْبِرُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ وَاللّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ [آية:25].
  2. ذكر رحمة الله تعالى التي هي أوسع من كل شيء: يُرِيدُ اللَّهُ لِيُبَيِّنَ لَكُمْ وَيَهْدِيَكُمْ سُنَنَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَيَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ (26) وَاللَّهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا (27) يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا [آية:26ـ28].
  3. العدل في الأنفس والأموال يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا [آية:29].
  4. ضوابط ليستقيم العدل داخل الأسرة فمع الأمر بالعدل يأتي التشديد على وجود ضوابط حتى تستقيم الأمور ولا تتجاوز الحدود المسموح بها. كما في قوله تعالى الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاء بِمَا فَضَّلَ اللّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُواْ مِنْ أَمْوَالِهِمْ فَالصَّالِحَاتُ قَانِتَاتٌ حَافِظَاتٌ لِّلْغَيْبِ بِمَا حَفِظَ اللّهُ وَاللاَّتِي تَخَافُونَ نُشُوزَهُنَّ فَعِظُوهُنَّ وَاهْجُرُوهُنَّ فِي الْمَضَاجِعِ وَاضْرِبُوهُنَّ فَإِنْ أَطَعْنَكُمْ فَلاَ تَبْغُواْ عَلَيْهِنَّ سَبِيلاً إِنَّ اللّهَ كَانَ عَلِيًّا كَبِيرًا[آية:34]، فالتسلسل واضح فيها فالأول يبدأ الوعظ ثم الهجر في المضاجع، وأخيراً الضرب والضرب جاء في النشوز، وجاء متأخراً في الترتيب فجاء بعد الوعظ والهجر .
  5. العدل في المجتمع كله: وَاعْبُدُواْ اللّهَ وَلاَ تُشْرِكُواْ بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ وَمَا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ إِنَّ اللّهَ لاَ يُحِبُّ مَن كَانَ مُخْتَالاً فَخُورًا [آية:36] ونلاحظ في الآية الكريمة تعداد أنواع من الضعفاء.
  6. مشاكل تؤثر على القدرة على العدل والرحمة بالضعفاء: منها البخل الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاهُمُ اللّهُ مِن فَضْلِهِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [آية:37]، والرياء وَالَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَالَهُمْ رِئَاء النَّاسِ وَلاَ يُؤْمِنُونَ بِاللّهِ وَلاَ بِالْيَوْمِ الآخِرِ وَمَن يَكُنِ الشَّيْطَانُ لَهُ قَرِينًا فَسَاء قِرِينًا [آية:38].
  7. الله تعالى يعاملنا بالفضل قبل العدل: إِنَّ اللّهَ لاَ يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا [آية:40].
  8. الرسول ـ عليه الصلاة والسلام ـ يشهد على عدلنا فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِن كُلِّ أمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاء شَهِيدًا [آية:41].
  9. آية محورية هي قلب السورة في أهمية أداء الأمانات: إِنَّ اللّهَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ إِنَّ اللّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا [آية:58] ·
  10. تنتقل السورة إلى محور جديد هو القتال لضمان حقوق المستضعفين:فَلْيُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ الَّذِينَ يَشْرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا بِالآخِرَةِ وَمَن يُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَيُقْتَلْ أَو يَغْلِبْ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا(74) وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيًّا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيرًا[الآيتان:75،74]. وقد يستغرب البعض من ورود آيات القتال في سورة النساء، والحقيقة أن مكان الآيات في هذه السورة؛ لأن النساء هن مصنع المقاتلين والمرأة مقاتلة في بيتها بصبرها وطاعتها لزوجها.
  11. الحث على العدل أثناء الجهاد ومعاملة الناس برحمة حتى في القتال، وهذا من أخلاق الحرب: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ فَتَبَيَّنُواْ وَلاَ تَقُولُواْ لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلاَمَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِندَ اللّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنتُم مِّن قَبْلُ فَمَنَّ اللّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُواْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [آية:94].
  12. خطورة المنافقين: تنتقل الآيات في ربع كامل للتنبيه إلى خطورة المنافقين؛ لأن أكثر ما يعيق إتمام العدل هو انتشار المنافقين·
  13. توصيات للأقليات المستضعفة: إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلآئِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُواْ فِيمَ كُنتُمْ قَالُواْ كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الأَرْضِ قَالْوَاْ أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُواْ فِيهَا فَأُوْلَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءتْ مَصِيرًا (97) إِلاَّ الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ لاَ يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلاَ يَهْتَدُونَ سَبِيلاً [الآيتان:98،97].
  14. رحمة الله تعالى بعباده: ومنها رحمته بنا حتى في الصلاة فشرّع قصر الصلاة وَإِذَا ضَرَبْتُمْ فِي الأَرْضِ فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَن تَقْصُرُواْ مِنَ الصَّلاَةِ إِنْ خِفْتُمْ أَن يَفْتِنَكُمُ الَّذِينَ كَفَرُواْ إِنَّ الْكَافِرِينَ كَانُواْ لَكُمْ عَدُوًّا مُّبِينًا [آية:101]، وصلاة الخوف وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلاَةَ فَلْتَقُمْ طَآئِفَةٌ مِّنْهُم مَّعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ أَسْلِحَتَهُمْ فَإِذَا سَجَدُواْ فَلْيَكُونُواْ مِن وَرَآئِكُمْ وَلْتَأْتِ طَآئِفَةٌ أُخْرَى لَمْ يُصَلُّواْ فَلْيُصَلُّواْ مَعَكَ وَلْيَأْخُذُواْ حِذْرَهُمْ وَأَسْلِحَتَهُمْ وَدَّ الَّذِينَ كَفَرُواْ لَوْ تَغْفُلُونَ عَنْ أَسْلِحَتِكُمْ وَأَمْتِعَتِكُمْ فَيَمِيلُونَ عَلَيْكُم مَّيْلَةً وَاحِدَةً وَلاَ جُنَاحَ عَلَيْكُمْ إِن كَانَ بِكُمْ أَذًى مِّن مَّطَرٍ أَوْ كُنتُم مَّرْضَى أَن تَضَعُواْ أَسْلِحَتَكُمْ وَخُذُواْ حِذْرَكُمْ إِنَّ اللّهَ أَعَدَّ لِلْكَافِرِينَ عَذَابًا مُّهِينًا [آية:102].
  15. تذكرة بالعدل: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُونُواْ قَوَّامِينَ بِالْقِسْطِ شُهَدَاء لِلّهِ وَلَوْ عَلَى أَنفُسِكُمْ أَوِ الْوَالِدَيْنِ وَالأَقْرَبِينَ إِن يَكُنْ غَنِيًّا أَوْ فَقَيرًا فَاللّهُ أَوْلَى بِهِمَا فَلاَ تَتَّبِعُواْ الْهَوَى أَن تَعْدِلُواْ وَإِن تَلْوُواْ أَوْ تُعْرِضُواْ فَإِنَّ اللّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا [آية:135].


  1. ومن لطائف هذه السورة الكريمة أن أكثر آياتها ختمت بأسماء الله الحسنى (عليم، حكيم أو من صفات القدرة والرحمة والمغفرة) وقد ورد اثنان وأربعون اسماً من هذه الأسماء في آيات السورة، مما يشدد على أهمية العدل والرحمة في سورة النساء؛ لأن العلم والقدرة والحكمة والمغفرة والرحمة هي من دلائل العدل. فسبحان الله العدل الحكيم الرحيم الغفور. لمسات بيانية لسور القرآن الكريم. (محاضرات مفرغة للدكتور فاضل السامرائي مع محاوره، د. حسام النعيمي) (5ـ 14).


[51] وقال " بعد أن حددت سورة البقرة مسؤولية المسلمين عن الأرض وعرضت منهج الاستخلاف ، جاءت سورة آل عمران لتدعو إلى الثبات على المنهج القويم ، وعلى المسؤولية الملقاة على عاتق المؤمنين ، ثم جاءت سورة النساء لتعلمنا أن المستأمن على الأرض لا بد أن يكون على قدر من العدل والرحمة تجاه الضعفاء الذي استؤمن عليهم، وكأن الصفة الأولى التي تميز المسؤولين عن الأرض هي العدل ، ولهذا فإن سورة النساء تتحدث عن حقوق الضعفاء في المجتمع، إنها تتحدث عن اليتامى والعبيد والخدم والورثة ، كما تركز بشكل أساسي على النساء ..يضاف إلى كل هذا الحديث عن ابن السبيل وعن الوالدين، وكيف يجب أن يُعَاملوا، فهي سورة الرحمة وسورة العدل، يتكرر في كل آية من آياتها ذكر الضعفاء والعدل والرحمة بشكل رائع يدل على عظمة الإعجاز القرآني في التكرار دون أن يمل القارئ .(خواطر قرآنية (نظرات في أهداف سور القرآن /عمرو خالد/ الدار العربية للعلوم ناشرون(65).

[52] الخرائط الذهنية /صفية عبد الرحمن السحيباني (ص3).

[53] أول مرة أتدبر القرآن/عادل محمد خليل(ص44).

[54] من دلالات أسماء السور في القرآن الكريم/ عيسى وادي، محمود مهنا (ص55).

[55] دَلَائِل النظام/ الفراهي ص94.

[56] قال:" ولنا على ذلك أدلة واضحة جداً تدل على هذا المحور: "رعاية المستضعفين في المجتمع الإسلامي": أولاً اسم السورة:
النساء طبقة فيها نوع من الضعف (اسْتَوْصُوا بالنِّسَاءِ خَيْراً فَإنَّهُنَّ عِنْدَكُمْ عَوَانٍ)"[أَي: أسراء؛ لأنَّهُنَّ يُظْلَمْنَ فلا يَنْتَصِرْنَ]، كما يقول الرسول ـ ـ وخاصة في الجاهلية، كانت حقوقها مهضومة جداً، ليس لها رأي لا في مستقبلها ولا في ملكه ولا حظ له بالإرث، فتسمية السورة بسورة النساء هي دليل على أن القضايا الواردة في السورة تتعلق بالمستضعفين عامة وبالنساء خاصة كنموذج للضعفاء في المجتمع، ولذلك نجد أن افتتاحية السورة انصب الاهتمام فيها على طبقة النساء. الفئة الثانية التي تأتي بعد النساء في قضية الحقوق وعدم الالتفات لها قضية اليتامى؛ لذا جاء التركيز في افتتاحية السورة على قضية اليتامى، هنالك قضايا في مقاطع السورة تهتم بحقوق النساء وحقوق اليتامى بشكل كبير جداً، وبشكل مركز. من جملة ما نستدل عليه من محاور السورة المناسبة بين الافتتاحية وخاتمة السورة، افتتاحية السورة تحدثت عن النساء واليتامى وخاتمة السورة تحدثت عن الكلالة، والكلالة أضعف أنواع الورثة في الميراث، ليس بينهم فرع وارث ولا أصل وارث وإنما هم من الحواشي: يَسْتَفْتُونَكَ قُلِ اللّهُ يُفْتِيكُمْ فِي الْكَلاَلَةِ إِنِ امْرُؤٌ هَلَكَ لَيْسَ لَهُ وَلَدٌ وَلَهُ أُخْتٌ [آية:176] الأخت حواشي ليست من الفروع ولا من الأصول، أقوى نوع من الورثة الفروع: الابن، والبنت، وابن الابن، وبنت الابن. والأصول: الأب والجد وما أعلى، فافتتحت السورة برعاية حقوق النساء واليتامى واختتمت السورة بقضية الكلالة والميراث وهم أضعف أنواع الورثة. إذن الافتتاحية والخاتمة تدلنا على قضية رعاية ؛ لأن محور السورة يدل على هذا الشيء، هنالك مقاطع بارزة وكلها تصب في محور السورة في قضية رعاية المستضعفين في المجتمع الإسلامي ومن أبرز هذه المقاطع قضية الميراث:لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا [آية:7]، معلوم أن الجاهلية كانوا لا يورثون النساء ويقولون لا يأخذ الميراث إلا من قاتل على ظهر الخيل ودافع عن القبيلة، أما الصغار والنساء لا يورثون، فوقعت حادثة وفاة أحد صحابة رسول الله ـ ـ فجاءت زوجته بعد وفاة الرجل إلى رسول الله ـ ، وهي أم كجّة كما يذكرها المفسرون، وبعضهم يقول أم كحّة ،وهي زوجة ثابت بنت أوس الأنصاري جاء أولاد عم الزوج واستولوا على المال وتركوها هي وثلاث بنات من غير ميراث فجاءت تشتكي لرسول الله ـ ـ فقال يقضي الله في ذلك ينتظر الوحي فنزل قوله تعالى لِّلرِّجَالِ نَصيِبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاء نَصِيبٌ مِّمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا[آية:7] رعاية لحقوق النساء فسبب النزول يدل على أنها في صلب قضية رعاية مصلحة المرأة وبناتها وتشريع رباني في ذلك الأمر.
حادثة أخرى عندما توفي سعد بن الربيع في غزوة أحد، وجاء أخوه واستولى على ميراثه فجاءت زوجة سعد تشكو إلى رسول الله ـ ـ أنه ترك بنتين، وأنهن لا يتزوجن إلا بمال، وعمهم قد أخذ كل المال، فنزل قول الله تعالى يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ..الآية[آية:11]، إذن هذه الآيات في سورة النساء هي عمدة الفن، وهي تتعلق بقضية كل أسباب النزول تدل على أن قضية النساء ورعاية حقوقهن كان هو سبب نزول هذه الآيات.(مصطفى مسلم / محاضرة تلفزيونية مفرغة في أرشيف ملتقى أهل الحديث(21379).

[57] "دلالة أسماء السور القرآنية على محاورها وموضوعاتها/ د عمر عرفات. ص62.

[58] مقاصد السور وأثر ذلك في فهم التفسير /صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (17).

[59] وعبارة الشيخ سعيد حوى:" أما سورة النساء ..، فهي تفصل في محور رئيسي له ارتباطاته المباشرة بآيات وله امتداداته في سورة البقرة، إن محورها الرئيسي من مقطع الطريقين هو:" يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ* الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِراشاً وَالسَّماءَ بِناءً وَأَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَراتِ رِزْقاً لَكُمْ فَلا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْداداً وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ* وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنا عَلى عَبْدِنا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَداءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ* فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكافِرِينَ* وَبَشِّرِ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ أَنَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ كُلَّما رُزِقُوا مِنْها مِنْ ثَمَرَةٍ رِزْقاً قالُوا: هذَا الَّذِي رُزِقْنا مِنْ قَبْلُ وَأُتُوا بِهِ مُتَشابِهاً وَلَهُمْ فِيها أَزْواجٌ مُطَهَّرَةٌ وَهُمْ فِيها خالِدُونَ[سورة البقرة: 21ـ 25] إن سورة النساء تفصل في هذا المحور كما سنرى إن شاء الله، فهي توضح ما يدخل في التقوى، وتوضح الطريق إليها، وتوضح قضية الإيمان والعمل الصالح، وتوضح قضية الموقف من القرآن، ومن الرسول ....وقد بدأ بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ[البقرة: 21] .. وانتهى بقوله تعالى: وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:29]، ونلاحظ أن سورة النساء بدأت بقوله تعالى: يا أَيُّهَا النَّاسُ [النساء:1].. وانتهت بقوله تعالى: وَاللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [البقرة:176] الأساس في التفسير/ سعيد حوّى (2/ 979) [وقد بين الشيخ ما يعنيه بمقطع الطريقين بقوله:" إنه بعد مقدمة سورة البقرة، يأتي المقطع الأول، من القسم الأول من سورة البقرة، وقد أسميناه: مقطع الطريقين.، وهو يبدأ منيَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ[البقرة:21] .

  • وقال:" في محور سورة النساء من البقرة أمر بالعبادة ونهي عن الشرك، والهدف هو الوصول إلى التقوى". الأساس في التفسير/ (2/ 1079).
  • وقال:" وقلنا هناك إن المقطع الأول الآتي بعد مقدمة سورة البقرة يدلنا على الطريق لنكون من المتقين، والطريق هو العبادة، وإذا كانت سورة النساء تفصيلًا لقضيتي العبادة والتقوى، وإذا كان من التقوى الاهتداء بالكتاب". الأساس في التفسير/سعيد حوى (2/ 1099).
  • وقال:" وسورة النساء محورها الأمر بالعبادة والتقوى". [المصدر السابق (2/ 1177).
  • وقال " ضمن محور التقوى الذي هو محور سورة النساء. ومن ثم تكرر ذكر التقوى في هذه الآيات". (المصدر السابق (2/ 1196).


[60] آية التقوى في البقرة هي: ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ [البقرة:2]، وهي غاية؛ لأن الهداية بالكتاب وبآياته لا تكون إلا للمتقين، فالتقوى غاية الهداية، أما في سورة النساء فقد بدأ الله الأمر بها في قوله: اتَّقُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ [الآية :1] .،وبيّن وسائل تحقيقها في الآية نفسها.

[61] أسرار ترتيب القرآن/جلال الدين السيوطي /دار الفضيلة /تحقيق عبد القادر أحمد عطا ومرزوق علي، (ص69).

[62] وزاد ابن عجيبة وجاسم آل إسحاق:" والتقوى التي هي ملاك الأمر ".

[63] وعبارة البقاعي: مقصودها الاجتماع على التوحيدِ الذي هدت إليه آل عمران والكتابِ الذي حَدَتْ عليه البقرة ؛لأجل الدين الذي جمعته الفاتحة تحذيرًا مما أراده شأس بن قيس[رجل من يهود بني قينقاع] وأنظاره من الفرقة"، ثم قال:" لما تقرر أمر الكتاب الجامع الذي هو الطريق، وثبت الأساس الحامل الذي هو التوحيد احتيج إلى الاجتماع على ذلك، فجاءت هذه السورة داعية إلى الاجتماع والتواصل والتعاطف والتراحم فابتدأت بالنداء العام لكل الناس، وذلك أنه لما كانت أمهات الفضائل - كما تبين في علم الأخلاق - أربعاً: العلم والشجاعة والعدل والعفة، كما يأتي شرح ذلك في سورة لقمان ، وكانت آل عمران داعية مع ما ذكر من مقاصدها إلى اثنين منها، وهما العلم والشجاعة - كما أشير إلى ذلك في غير آية نزل عليك الكتاب بالحق [آل عمران: 3] ، وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم [آل عمران: 7] ، شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم [آل عمران: 18] ولا تهنوا ولا تحزنوا وأنتم الأعلون إن كنتم مؤمنين [آل عمران: 139] فما وهنوا لما أصابهم في سبيل الله [آل عمران: 146] فإذا عزمت فتوكل على الله [آل عمران: 159] ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً [آل عمران: 169] ، الذين استجابوا لله والرسول من بعد ما أصابهم القرح [آل عمران: 172] ، يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا [آل عمران: 200] ، وكانت قصة أحد قد أسفرت عن أيتام استشهد مورثوهم في حب الله، وكان من أمرهم في الجاهلية منع أمثالهم من الإرث جوراً عن سواء السبيل وضلالاً عن أقوم الدليل؛ جاءت هذه السورة داعية إلى الفضيلتين الباقيتين، وهما العفة والعدل مع تأكيد الخصلتين الأخريين حسبما تدعو إليه المناسبة، وذلك مثمر للتواصل بالإحسان والتعاطف بإصلاح الشأن للاجتماع على طاعة الديان، فمقصودها الأعظم الاجتماع على الدين بالاقتداء بالكتاب المبين، وما أحسن ابتداءها بعموم: يا أيها الناس بعد اختتام تلك بخصوص «يا أيها الذين آمنوا اصبروا وصابروا» الآية.(نظم الدرر/البقاعي(2/205،204) . جاء في كتاب "العزفُ على أنوار الذِّكر" معلقًا على كلام البقاعي:" وأنت إذ تنظر في الأحكام والآداب التي قامت بها سورة "النساء" ترى أنها أحكامٌ وآدابٌ تحقق للمجتمعِ الآخذِ بها اجتماعُه على أساس الدين:" التوحيد "
هذا الأساس إذا ما أقيمت عليه علائق أي مجتمع، فإنِّك لن ترى في هذا المجتمع ما تراه في غيره من المجتمعات التي لا تُؤسِّس دينها على التوحيد الخالص". (العزفُ على أنوار الذِّكر/محمود توفيق محمد سعد(ص49).

[64] جاسم آل إسحاق/ ملتقى أهل التفسير (10313).

[65] البحر المديد في تفسير القرآن المجيد/ابن عجيبة (1/ 459).

[66] التفسير الموضوعي (2/2).

[67] الأصلان في علوم القرآن/ أ. د. محمد عبد المنعم القيعي (238).