روى البخاري عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا - قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: " نِعْمَتَانِ مَغْبُونٌ فِيهِمَا كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ: الصِّحَّةُ وَالفَرَاغُ " .
الفراغ إذا لم يملأ بعملٍ نافع ؛ يكون من أسباب الغفلة ، والغفلة باب واسع لكثير من الشرور ؛ فمن أغلق باب الفراغ بملئه بالأعمال النافعة ، فقد أغلق باب الغفلة ، وبذلك يُغلق على نفسه أبوابًا عظيمة من الشرور ، إذ الفراغ من الوقت لابد أن ينشغل بشيء ، فإن لم يشغله المرء بالنافع ، فلا بد أن يُشغل بغير نافع ، بل وبالضارِّ .
إن أوقات الفراغ إذا لم يُخطط لها بشكل صحيح ، بحيث يكون عطاؤها إيجابيًا ، يضمن سلامة الفرد والمجتمع ، فسوف تنتهي بكثيرين إلى مسالك الانحراف التي يدمر الإنسان فيها ذاته ومجتمعه ، لذلك فالعلاقة قد تكون تلازمية بين أوقات الفراغ وما قد تنتهي إليه من الضياع الذي يؤدي إلى الانحراف .
وقد أكدت بعض الأبحاث التي تناولت انحراف الأحداث أن انحرافهم إنما يعود بدرجة كبيرة إلى ( وقت الفراغ ) الذي يعيشه الحدث ، باعتبار أن ذلك الوقت يهيئ المناخ المناسب للانحراف من خلال ما يمارس فيه من أنشطة قد تكون سلبية ، أو انحرافية . وقديما قال أبو العتاهية :
إن الشباب والفراغ والجدة ... مفسدة للمرء أي مفسدة
وذكر بعض الباحثين أن مكان قضاء وقت الفراغ ، ونوعية المشاركين للحدث في قضاء ذلك الوقت ، يعدَّان عاملين من عوامل الانحراف ؛ فقد أشارت بعض الدراسات التي أجريت في بعض الدول العربية عن متعاطي المخدرات ، إلى أن أغلبهم كانوا يشغلون وقت فراغهم ، إما في الطرقات العامة ، أو في الجلوس في المقاهي الشعبية عندما كانوا في مرحلة المراهقة والشباب من عمرهم .
وخلصت دراسات أخرى أجريت حول علاقة وقت الفراغ بالانحراف إلى أن أغلبية الأفعال الانحرافية يرتكبها الفرد أثناء وقت الفراغ ؛ وأن نسبة كبيرة من الانحرافات ترتكب بقصد الاستمتاع بوقت الفراغ ، أو الحصول على وسائل تهيئ الاستمتاع بهذا الوقت . وأن كثيرًا من المشكلات السلوكية يرتبط بوقت الفراغ ، وأن نسبة كبيرة من انحراف الأحداث تحدث خلال ذلك الوقت .
أرأيت - أيها القارئ - كيف يكون للفراغ مساوئ ؟