روى الجماعة عن عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ قَالَ: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ يَقُولُ: " إِنَّمَا الْأَعْمَالُ بِالنِّيَّاتِ، وَإِنَّمَا لِكُلِّ امْرِئٍ مَا نَوَى، فَمَنْ كَانَتْ هِجْرَتُهُ إِلَى دُنْيَا يُصِيبُهَا أَوْ إِلَى امْرَأَةٍ يَنْكِحُهَا فَهِجْرَتُهُ إِلَى مَا هَاجَرَ إِلَيْهِ " لفظ البخاري، وروى الشيخان عَنْ عَائِشَةَ - - قَالَتْ: سُئِلَ رَسُولُ اللَّهِ عَنْ الْهِجْرَةِ فَقَالَ: " لَا هِجْرَةَ بَعْدَ الْفَتْحِ وَلَكِنْ جِهَادٌ وَنِيَّةٌ وَإِذَا اسْتُنْفِرْتُمْ فَانْفِرُوا ". والحديثان يبينان أهمية النية في الأعمال؛ ومن فضل الله علينا أن يعطي العاجز عن العمل مثل أجر العامل إن حسنت نية العاجز، فالله تعالى لا يحتاج إلى عمل عامل ولا إلى جهاد مجاهد ولا إلى هجرة مهاجر، بل المسلم هو الفقير إلى ربه المحتاج إلى كرمه وعنايته..فإن عجز المرء وعلم الله تعالى منه صدق النية فإنه يكرمه بالأجر فضلا منه وكرما..فما أرحم ربك بعباده وما أكرمه..وهذا ما نبه إليه الرسول في أمر الهجرة؛ فقد أخرج مسلم من حديث جابر قال: كنا مع رسول الله في غزاة فقال: "إن بالمدينة لرجالا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديا إلا كانوا معكم حبسهم المرض ". فأخبر أن للمعذور من الأجر مثل ما للقوي العامل؛ والظاهر من الآية و الأحاديث المساواة في الأجر؛ فمن الأحاديث قوله : " من دل على خير فله مثل أجر فاعله"، وقوله: " مَنْ تَوَضَّأَ فَأَحْسَنَ وُضُوءَهُ ثُمَّ رَاحَ فَوَجَدَ النَّاسَ قَدْ صَلَّوْا أَعْطَاهُ اللَّهُ جَلَّ وَعَزَّ مِثْلَ أَجْرِ مَنْ صَلَّاهَا وَحَضَرَهَا لَا يَنْقُصُ ذَلِكَ مِنْ أَجْرِهِمْ شَيْئًا "رواه أبو داود والنسائي. وهو ظاهر قوله تعالى: وَمَنْ يَخْرُجْ مِنْ بَيْتِهِ مُهَاجِراً إِلَى اللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ يُدْرِكْهُ الْمَوْتُ فَقَدْ وَقَعَ أَجْرُهُ [النساء:100]، وبدليل أن النية الصادقة هي أصل الأعمال، فإذا صحت في فعل طاعة فعجز عنها صاحبها لمانع منع منها فلا نستبعد في مساواة أجر ذلك العاجز لأجر القادر الفاعل؛ وروى أحمد والترمذي عن أبي كبشة الأنماري أنه سمع رسول الله يقول: " ثلاثة أقسم عليهن وأحدثكم حديثا فاحفظوه " قال: " ما نقص مال عبد من صدقة، ولا ظلم عبد مظلمة فصبر عليها إلا زاده الله عزا، ولا فتح عبد باب مسألة إلا فتح الله عليه باب فقر ( أو كلمة نحوها ) ؛ وأحدثكم حديثا فاحفظوه " قال: " إنما الدنيا لأربعة نفر: عبد رزقه الله مالا وعلما، فهو يتقي فيه ربه ويصل فيه رحمه ويعلم لله فيه حقا، فهذا بأفضل المنازل ؛ وعبد رزقه الله علما ولم يرزقه مالا، فهو صادق النية، يقول: لو أن لي مالا لعملت بعمل فلان، فهو بنيته، فأجرهما سواء ؛ وعبد رزقه الله مالا ولم يرزقه علما، فهو يخبط في ماله بغير علم، لا يتقي فيه ربه، ولا يصل فيه رحمه، ولا يعلم لله فيه حقا، فهذا بأخبث المنازل ؛ وعبد لم يرزقه الله مالا ولا علما، فهو يقول: لو أن لي مالا لعملت فيه بعمل فلان، فهو بنيته فوزرهما سواء ".

فإن كان هذا الفضل يعطاه العبد بالنية، فهلا هيأ المسلمون قلوبهم لهذه الأجور، حتى يلقى الله تعالى صاحب النية بأجر أعمالها وإن لم يعملها ؟ وفي صحيح مسلم عَنْ سَهْلِ بْنِ حُنَيْفٍ أَنَّ النَّبِيَّ قَالَ: " مَنْ سَأَلَ اللَّهَ الشَّهَادَةَ بِصِدْقٍ بَلَّغَهُ اللَّهُ مَنَازِلَ الشُّهَدَاءِ وَإِنْ مَاتَ عَلَى فِرَاشِهِ ".