أحد أساطين العلم الشرعي و أعمدته بالمغرب ، فقيه كبير و محدث جليل ، قاض قدير و أديب لغوي متفنن .
ولد العلامة محمد بن بوشعيب الرافعي سنة 1951م ، 1369ه . دكالي الأصل من دوار أولاد رافع ، من أسرة علمية متدينة .
عمل بسلك القضاء بالمغرب و خارجه ، بحيث ترأس غرفة بمحكمة التمييز ، و في سنة 1996 انتقل الى دولة قطر فعمل قاضيا شرعيا ثم قاضيا بمحكمة الاستئناف ، و ساهم في وضع قانون الأسرة القطري .
عرف بالجهر بالأمر بالمعروف و النهي عن المنكر ، و الصدع بالحق لا يخاف لومة لائم ،داعيا الى التمسك بالكتاب والسنة ، في خطبه بمسجد الهدى بالدارالبيضاء ، و في دروسه التي كان يلقيها في مسجد الأندلس بحي المعاريف ، حتى صدر القرار بتوقيفه بناءا على وشايات و تقارير مكذوبة سنة 1991 من لدن وزير الأوقاف والشؤون الإسلامية عبد الكبير العلوي المدغري (ي)، عن الخطابة في مسجد الهدى بشارع 2 مارس بالدار البيضاء، ضمن عدد كبير من الدعاة من بينهم الشيخ محمد زحل (ي).
و بعد مدة من توقيفه تبين للوزير المدغري كذب التقارير ، فاتصل بالشيخ طالبا منه العودة الى الخطابة و القاء الدروس ، و في مقابل إلحاح الوزير أصر على عدم الرجوع إلى المنبر، فطلب منه الوزير أن يلقي الدروس في المسجد، فرفضها، ثم بعد مدة وقع الاتصال به ليقدم محاضرات لطلبة مسجد الحسن الثاني ويرأس كرسي البلاغة فيه، فقال للوزير: أما هذه فنعم.
و يعد من الحفاظ المتقنين للمذهب المالكي و أصوله و قواعده ، متضلعا في علوم العربية و البلاغة . محدثا مسندا له دراية كبيرة بتخريج الأحاديث والحكم عليها ، وكل من راجع كتابه " صحيح الدعاء المستجاب " يجد نفسه امام محدث متقن .
و للشيخ إهتمام بالغ و حب كبير بالقواعد الفقهية عند المالكية ، و كان مشروع عمره الذي وافته المنية قبل اتمامه ، هو تحقيقه لكتاب " الدليل الماهر الناصح في شرح المجاز الواضح في قواعد المذهب الراجح " للفقيه المالكي محمد بن يحيى لولاتي ( ت 1330ه) . وكان يعتبره من أهم و أجود المنظومات في القواعد الفقهية المالكية .
توفي عن عمر ناهز السابعة و الستين يوم الخميس 21 يونيو 2018 بالدار البيضاء ، و دفن بمقبرة سيديم مسعود في جنازة مهيبة .
ترجم له الدكتور محمد زين العابدين رستم ضمن تدوينة " أنوار العشر الأوائل من ذي الحجة" ، بالقول :
" تعرَّفتُ على القاضي العلامة المحدث محمد الرافعي المغربي مصليا في جامع حيِّنا المعروف بمسجد الأندلس، وكان الرجل يومئذٍ لا يكاد يعرفه أحدٌ وكأني قدَّرتُ وأنا شابٌّ يافعٌ أنه لم تكن له شهرة معروفة، ولا صوتٌ مسموع عند الناس...وما نشِبتُ بعدُ حتى رأيتُ العلامةَ جالسا على كرسيِّ الدَّرس والتعليم شارحا الجامع الصحيح للإمام البخاري، أو مُدرِّسا لرياض الصَّالحين للإمام النَّووي...لقد كانتْ مجالسُ درْس العلاَّمة الرَّافعي مجالسَ عِلْم عالٍ ومسارحَ أدبٍ رفيع، يُذكر فيها الحافظُ ابن حجر الشارح الكبير للبخاري النِّحرير، والعينيُّ الحنفي الناقل منه فوائده، الزائدُ عليه نكاتٍ وُفِّق إليها، كما كان يُذكر فيها العلمُ الذي قد يكون غريبا عن أفهام العامة الذين لا يد لهم في مُباحثة ولا مدارسة ومع ذلك تقع لهم الفائدةُ بعد الفائدة، والمعلومةُ بعد المعلومة...بيْد أنَّ ذلك كان يُثلج صدورنا نحن معاشر طلاب الكلمة النبوية ممن يبحث في الشريعة الإسلامية..وكانت عبارة الشيخ العلامة علميَّة المنحى، ذاتَ فصاحة وبلاغة، وبيان ونصاعة وإشراقة...ولقد اشتهر العلامة المحدث بمحبته للكتب وتهمُّمه بها، وولعه بجمعها، حتى كان ساريا بيننا أنه قلَّ كتابٌ مطبوعٌ إلا وللعلامة منه نسخةٌ ..وكان الشيخ ربما فاته كتابٌ قدْ حُدِّث أنه موجودٌ عند فلان من أهل العلم..فما يزال الشيخ بعدُ مجتهدا في طلبه حتى يُمكَّن منه، فيقرُّ به عينا، ويسكن قلبا وقالبا ويُسرُّ غاية السرور عندما يقول لبعض منْ كان يحضره من أهل العلم:" الكتاب عندي، ولي منه نسخة، وحصَّلته بأخَرة والحمد لله"...وكان يقال لنا ونحن يومئذ شَببةٌ أغْرارٌ إن الرافعي كان له رجالٌ من تجار الكتب يعرِّفونه بجديد المطبوعات...فلا يكاد يغيب عنه منها شيءٌ...ولقد سعدت يوما كان من غُرر أيَّام حياتي إذْ لقيتُ الشيخَ العلامةَ في بيته العامر بالخيْرات في مجلس خاصٍّ ومحْفَل لا يحضره إلا خاصة الخاصة..فكان الشيخُ ذا زهادة وتواضع، وإنابة وورع، كثيرَ الفوائد، غزيرَ العوائد، واسعَ الاطلاع، ريانَ من الأدب، بحرا ثجاجا إليه المنتهى في حفظ المتون والنصوص و الحِكم والأمثال والأشعار..قد ضربَ في كلِّ فنٍّ بسهم وافر، وأعيى في ذلك مِن أقرانه وأترابه كلَّ سابق ولاحق...وأذكر أني حدثته في ذلك اليوم السَّعيد أنني عاكف على تحقيق اليواقيت والدرر للزين المُناوي في رسالتي العلميَّة لنيل الماجستير، فشَدَّ على يدي مشجِّعا ومُثنيا وأطْراني بما شاء الله ...والرجلُ بعدُ واضحُ الأثَر والتأثير في شباب أيامي وفي طلبة العلم أمثالي...لا يكاد يجهله منهم أحدٌ قد كُتب له القبول بينهم فما مِن واحد منهم إلا له للشيخ زَورةٌ، أوْ قد حظي منه بلقاء....وانقطع عني خبر الشيخ العلامة مذْ علمت أنه اختار الهجرة والظعن إلى خارج بلده.."