أعلام في حياة الشيخ محمد زين العابدين رستم : عبد الباري الزمزمي الفقيه المحدث و الخطيب المفوه .

عبد الباري الزمزمي بن محمد بن الصديق الغماري ، الفقيه و الخطيب الشهير ، رئيس الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل. عضو مؤسس في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين . وهو أيضا عضو مشارك في الحملة العالمية ضد العدوان. كما شغل منصب عضو في مجلس النواب المغربي .
ولد عبد الباري سنة 1943م في مدينة طنجة ، في أسرة علمية مشهورة ، أسرة أل الصديق الغماريين ، وهو أكبرُ ثلاثة إخوة أبناءٍ للشيخ العلامة محمد بن الصديق الزمزمي، يأتي بعده أخوه صهيب، ثم أبيّ بن الصديق.
و كما هي النشأة في بيت العلم فقد أتقن حفظ القرآن الكريم و تلقى على والده و أعمامه العلوم الشرعية في اللغة و الفقه والحديث والتفسير . ووالده يعد من الفقهاء المحدثين الكبار المبرزين ، و هو أحد العلماء الذين ناظروا الشيخ العلامة لمحدث الكبير محمد ناصر الدين الألباني في الخمسينات ببيته بمدينة طنجة، وقد تلقى العلم على يد والده ثم رحل الى مصر و أخد عن علمائها بجامع الأزهر بالقاهرة .
. تصدر الشيخ عبد الباري للدعوة من خلال إلقاء الخطب الوعظية والدروس االعلمية بمساجد مدينة طنجة والمدن المجاورة. و في سنة 1976م إنتقل الشيخ الزمزمي إلى الدار البيضاء ليلقي خطبة الجمعة بعدد من المساجد، قبل أن يستقر إماماً وخطيباً لمسجد الحمراء بالمدينة القديمة.
و غلب على الشيخ التصدي للإفتاء في القضايا المستجدة ، حتى أطلق عليه الفقيه النوازلي . و عمل على تأسيس "الجمعية المغربية للدراسات والبحوث في فقه النوازل" ، و ظل سنوات يفتي الناس على صفحات جريدة "الراية" وجريدة "التجديد" في "ركن الفتوى" حتى توقف عن الفتوى بها في شتنبر 2001 . و له فتاوى منشورة في العديد من المواقع الإسلامية من أهمها موقع "إسلام أون لاين ".
كان يمتاز بالجراة و الشجاعة في طرح و مناقشة بعض القضايا الفقهية و الإفتاء بالأقوال الشاذة ، مما جلب عليه الكثير من الردود و الإنتقادات .
له كتاب آفاق الصحوة الإسلامية بالمغرب"، وله فتاوى مطبوعة قديما .
وفي 10 فبراير 2016 توفي ، في بيته بطنجة بعد أوبته اليها أيام قليلة من مغادرته إحدى المصحات المختصة بمرض السرطان بالدار البيضاء ، وشيّع جثمانه في جنازة مشهودة .
كانت مدينة الدار البيضاء في الثمانينيات من القرن المنصرم ذات نشاط دعوي و علمي لافت ، إذ كانت قبلة للعلماء و الدعاة ، و كانت مساجدها عامرة و سوق العلم نافقة . و بعد استقرار الشيخ عبد الباري بالمدينة ذاع صيته لما كان لخطبه الرنانة القوية من وقع و انتشار ، فأقبل عليه الطلبة من كل حدب و صوب . و ممن لازم مجالسه و تتلمذ عليه أستاذنا محمد زين العابدين رستم في ريعان شبابه ، فسمع عليه صحيح البخاري إلا فوتا يسيرا ، و لازم حضور خطبه و دروسه خاصة بمسجد الحمراء بالمدينة القديمة . و قد خصه بكلمات تحمل في طيها معنى الوفاء و الشكر و الإمتنان لهذا العالم الذي هضمت مكانته عند البعض نتيجة بعض الفتاوى التي خالف فيها الشيخ جمهور العلماء .
ومما ترجم به الدكتور محمد لشيخه – – ما يلي :
" كان شيخُنا العلامةُ عبد الباري بن الصّديق الغُماري الطنجيُّ المغربيُّ نسيجَ وحْدِه في حفظ الحديث، يجلس يُمليه كأنه يقرؤه من كتابٍ بين يديه، لا يتحبَّس ولا يضطربُ، فيسوقُ راويه ثم ينصُّه نصاًّ، ثمَّ يرجعُ إليه شارحا ولمعانيه مُقرِّبا، وبهذه الطريقة سَمعنا عليه الجامع َالصحيح للإمام البخاري إلا فوتا يسيرا منه...وكان الشيخُ تعالى دائمَ اللَّهَجِ بالحديث كأنَّ السُّنةَ على طرَف لسانه يختارُ منها ما يشاءُ في معرض الاستدلال والاحتجاج...وكان من محبته للسنة وعلومها، وللحديثِ وفُنونه، قد أخرج قديما – وكنتُ يومئذ شابا يافعا- جريدةً في صفحات يسيرات سمَّاها:" السنة" ما نَشِبت أنِ اختفتْ وطواها النِّسيانُ بعد صُدور أعداد قليلة منها، بيْد أن التاريخَ الدَّعويَّ في المغرب قد عرفها للشَّيخ فهِيَ مِن مَكرُماته وأياديه البيضاء على النَّهضة الحديثية المُعاصرة في هذا الأُفُق الغربيِّ من العالم الإسلامي، ولقد وُهبَ الشَّيخ ُنضْرة َأهل الحديث وسِيمَاهُم، فكان بهيَّ الطَّلعة ذا جمالٍ ظاهر، و إشراقٍ باهر، وكانَ ُ مُتواصلَ الدُّروس في مساجد الدار البيضاء ومنها مسجد الحمْراء الذي كان عامرا بأنوار علمه..وكانَ الشيخُ – نوَّر الله قبره- قليلَ الانقطاعِ عن مجلْس الدَّرْس لا يغيبُ إلا لِماما..ومنْ حرصه على الإفادة أنَّه كان رُبَّما جاء إلى الدَّرس وبِه علَّةٌ...فلقد سمعتُه مرةً يقولُ إنه حضَر إلى الدَّرْس مع أنه يجدُ ألمًا في أنْفه وفِيه، وأنَّ ذلك يحولُ بينه وبين الكلام والحديث...إلا أنه آثر أن يحضر محبةً في إفادة الناس، وأُنسًا بما في صحيح البُخاري من حديثٍ وأثر...وكان ذلك بعدُ تَقدمةً لعلَّته المعروفة التِّي ألْجأته إلى الجِراحة...رحمَ اللهُ الشَّيخَ المُحدِّثَ الكبيرَ عبد الباري بن الصّديق وأسْكنه جنات النعيم ...وجعلَ ما حدَّث به وأفاد، وروى وعلَّم بينَ يديْه يوم القيامة شفيعا .."
" كان شيْخُنا المُحدِّث الدَّاعية الكبيرُ عبد الباري بن الصّديق الغُماري الطَّنجي المغربي قبل أكثر من ثلاثين سنة خطيباً مِصْقعا..يعتلي المنبرَ بلا ورقةٍ يخطب في الناس بتُؤدة ورويَّة كأنَّه يقرأ من كتابٍ بين يديه.. يُقبل على موضوع الخُطبة مُحلِّلا دارسًا مُستشهدا له بالآي والحديث، مُستوفيا له مِن ْكلِّ جوانبه..وكنَّا نتحدثُ يومئذ أنَّ فينا مَنْ كان يخرجُ من عند الشَّيخ حافظا للخُطبة، وما كان سمِعها إلا منْ مرَّة ٍواحدةٍ...وكان الشيخُ إلى ذلك لا يُشقُّ له غُبارٌ في الصَّدع بالحقِّ، والتَّعليقِ على أحْداث الأسْبوع..حتَّى سَرى بيننا نحنُ المُستفيدين أنَّ الشيخَ كان يُلازم مطالعةَ الصُّحف والمَجلاَّت، فيأخذُ منها أخبارَ ما كان يعرضُه يومَ الجُمعة في الخُطبة...ومنْ كمالِ مِنهج الشَّيخ في خُطبة الجمعة قِصَرُها ووجازتها على تمَامها واسْتيفائها للغَرض المَنْشود..ومنْ خصائصها التي لم أجد لها نظيرا عند غيرِه تخصيصُه الخُطبةَ الثانيةَ للنِّساء، فيعظهُنَّ ويتوجَّه إليهنَّ بالحديث في نفْس موضوعِ الخُطبة الأولى، وهذا من أعْجبِ ما وُفِّقَ إليه الشيخُ سقى الله مضجعه وأنارَ قبره .."
" كان شيخنا العلامة المحدث عبد الباري الزمزمي خطيبا مفوها قد لزم هدي النبي في الخطبة إذ كان يسرع فيها مع جمال عرض، وحسن رصف، وكان من عادته الغالبة الجارية أنه يخصص الخطبة الثانية للنساء وقضايا المرأة...فإذا تحدث عن وجوب بذل المعروف في الخطبة الأولى...خصص الخطبة الثانية فيما يجب أن تبذله المرأة للمرأة جارتها...مع قصر كلام ووجازة توجيه...ودربة منقطعة النظير في انتزاع الشاهد من القرآن والحديث - لما يعلم من ضيق وقت الخطبة والصلاة والتزام الناس بمواعيد دخولهم إلى المدارس والشركات والمصانع...فرحم الله تلك المهجة ولقاها نضرة ونعيما وحبورا وسرورا..
كان شيخنا العلامة عبد الباري الزمزمي شجاعا في الصدع بالحق فوق منبر الجمعة، لا يخاف في ذلك لومة لائم ...ومما أذكره له من مواقف مشرفة خطبته في حداثي لاديني كتب يوما من الأيام في جريدة مشهورة تحت عنوان صارخ:" قصة موتي"...يقول الشيخ وفسح له في قبره:" إن مقال الكاتب كله طنز وسخرية من سؤال الملكين وعذاب القبر، إذ فيه أن صاحب المقال مات وأقبر ...ورأى في قبره ما قد رأى وأنه رجع إلى الدنيا فأخذ يقص على معارفه ما قد رأى على خلاف المأثور المنقول من سؤال الملكين و النعيم أو العذاب..و من ذيول هذا الموقف أن الشيخ كان يُسأل بَعده عن عذاب القبر وكيفيته فيجيب بحسب ما قد ورد صحيحا ثابتا...فبعض الناس سأله وكيف يقع سؤال الميت وقد مات...فيجيبه الشيخ بحسب الثابت المنقول...لكن يظهر أن بعضهم قد ألحف في المسألة حتى إن الشيخ ضاق ذرعا فقال له بطريقته المعهودة التي فيها نكتة ومزاح وخفة روح وسلامة نية:" إذا أنا متُّ إن شاء الله فسأخبرك الخبر اليقين". ثم ضحك الشيخ وضحك الناس..."
" كان شيخنا العلامة المحدث عبد الباري الزمزمي الغماري الطنجي مولدا ومدفنا البيضاوي دارا ومستقرا شديد العناية بمظهره، فكان مع ما هو عليه من جمال الصورة، ذا اهتبال بتحسين مخبره ومظهره ، يلبس من الثياب أجملها ويرتدي من الحُلل أنفسها، و يتزيا من الجلابيب أفخمها، وكان يلازم - في مجالس درْسه وما عدا ذلك فلربما حَسَر عن رأسه -تغطية الرأس بطربوش أبيض مُميز قد عُرف به، فهو لا يعْدوه إلى غيره من أنواع الحُلل المغربية التي تجعل فوق الرأس...ولم يكن يُلازم لبس البرانس في الجُمَع كشأن خطباء المغرب ممن ليس يخطب إلا مرتديا البُرنس الأبيض سواء أدخل فيه رأسه وهو القليل، أو لم يُدخله وهو الكثير، إلا أني قد رأيته فيما سُجِّل عنه من فيديوهات مرة قد لبس العمامة وقد أرخى عذَبتها لابسا البرنس ولعل ذلك كان لمناسبة لم أقف على حقيقتها إلى الآن...والمتأمل في هدْي شيخنا في اللباس يجده متأنقا فيه مُلازما فيه ما قد ورد عن المصطفى ..كما يظهر له بخصوصه أنَّ شيخنا كان إنما يتجمَّل فيه ويتأنق احتفالا بحديث رسول الله وتعظيما لشأنه...ولقد شهدتُه مرة وقد دعانا - زمانا - إلى داره في الدار البيضاء لسماع الجامع الصحيح لإمام الصنعة البخاري- لابسا من أجمل الحُلل، وأبهى الزينة ما يُشعر أنَّ الرجل كان معظما للآثار، محتفلا بها، متجمِّلا من أجل عرْضها وبيانها...فرحم اللهُ تلك الأرواح ما أشرق أنوارها، وأبهى أجسامها التِّي كانت تغشاها...ولقَّاها روْحا وريْحانا وجنة وحريرا متكئين عند ربهم لا يَحزنهم الفزعُ الأكبر وهم في الغُرفات آمنون.."