تدبر جميل يحتاج لتأمل - في قوله تعالى:

حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَكَأَنَّمَا خَرَّ مِنَ السَّمَاءِفَتَخْطَفُهُ الطَّيْرُ أَوْ تَهْوِي بِهِ الرِّيحُ فِي مَكَانٍ سَحِيقٍ (31) (سورة الحج 31)

الحنيف: الذي يميل إلى الخير ويثبت عليه
حنيفاً على الحق: أي ما ئلاً إلى الحق ثابتاً عليه مستمراً فيه

"حنفاء لله غير مشركين": أي جعلوا حياتهم لله (قل إنَّ صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين)

--------------------------------------------
وصف الله لنا حال من يشرك به في مثالين:

الأول: (خرَّ من السماء فتخطفه الطير) ، والثاني: (تهوي به الريح في مكان سحيق)

وهذا والله تشبيه بليغ جدا لحال المشرك بالله، وسيكون موضوعي هو دارسة هذا التشبيه

نبدأ بالوصف الأول:
وسأقسمه لقسمين (خرَّ من السماء) ، (فتخطفه الطير)

ومن يشرك بالله فكأنما خر من السماء:

هناك مثال جميل يمكن للجميع أن يجربه:
ابحث عن نملة في أرض بيتك او في الحمام ثم حاصرها بدائرة كبيرة من الماء
وانظر إلى فعل هذه النملة وكلما ذهبت النملة في جهة حاول أن تضيق خلفها دائرة الماء حتى تنتهي إلى دائرة صغيرة واجعل هذا الأمر بطيئا وليس سريعا – إن النتيجة ستكون أن هذه النملة بعد أن تحاصر بدائرة صغيرة من الماء سوف ترمي بنفسها محاولة النجاة – لو كانت هذه النملة تعلم أنك أنت من يفعل ذلك وأنك لا تنوي ولا تريد إيذائها ولن تسمح بإغراقها لم تكن لترمي بنفسها للماء بل كانت لتقف في منتصف الدائرة تنتظر إنقاذك لها !!
هذه الصورة مهمة جدا للإنسان – فكم من أبواب تغلق في وجوهنا وكم تضيق علينا في الحياة السبل ولو علمنا أن الله معنا لم نرمي بأنفسنا إلى التهلكة – رأووا أن في ألمانيا نجاتهم فرموا بأنفسهم فغرقت العائلة كلها في البحر - هربوا من قضاء الله إلى قضاء الله
( يقولون لو كان لنا من الأمر شيء ما قتلنا هاهنا قل لو كنتم في بيوتكم لبرز الذين كتب عليهم القتل إلى مضاجعهم وليبتلي الله ما في صدوركم وليمحص ما قلوبكم والله عليم بذات الصدور ) سورة آل عمران
-----------------------------------------------

لماذا وصف الله المشرك فكأنما خر من السماء ؟؟

حين تركب في سيارة وهذه السيارة تصعد مرتفع عالي ثم تنزل فإنك بهذه اللحظة تشعر أن قلبك قد هبط للأسفل – حين تقفز من
ارتفاع على مسبح تشعر أن قلبك قد سقط
هذا الشعور الذي يشعره الإنسان إذا خر من السماء – وهذا هو الشعور الذي يشعره المشرك بالله
فهو في حالة خوف وقلق لا يؤمن بأن الله هو الفعال وبيده كل شيء
أنت من خوف الفقر في فقر ، ومن خوف المرض في مرض ، وتوقع المصيبة مصيبة أكبر منها
إن الإنسان خلق هلوعا
ما معنى هلوع ؟ فسرها القرآن نفسه :
﴿ إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا * وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا *﴾
يعني أي خبر سيء ، أي شبح مصيبة ، أي تقرير طبي مخيف ، أي تقرير طبي متعلق بالقلب أو بنمو الخلايا أو بسيولة الدم ، أي شبح مصيبة في دخله وعمله ، ألغيت وكالته لهذه الشركة ، توقف دخله ، نقل من عمله إلى عمل آخر ، أي شبح مصيبة يخلق فيه جزعاً شديداً ( هذا الشعور فكأنما خر من السماء )

يعني عذاب النفس صعب، عذاب الخوف، عذاب القلق، عذاب اليأس، عذاب السوداوية، عذاب الخوف من المجهول، عذاب توقع الفقر، عذاب توقع المرض، عذاب توقع الشلل، أكثر الناس يخافون المستقبل هذا الخوف وحده يؤذي صحتهم صار شيء ثابت أن معظم الأمراض الذي يسببها الشدة النفسية، والشدة النفسية أساسها الشرك

فالموحد مرتاح نفسياً، الموحد متوازن، الموحد عزيز، الموحد كريم، الموحد لا يخاف، الموحد لا يتضعضع، الموحد لا ينافق، الموحد لا يصاب بأمراض نفسية، الموحد لا يقلق، الموحد لا يحزن الدين كله توحيد وكلمة التوحيد الأولى لا إله إلا الله، لا معبود بحق إلا الله، لا رافع إلا الله، لا خافض إلا الله، لا معطي إلا الله لا رازق إلا الله، لا مقنن إلا الله، لا مانح إلا الله، لا مانع إلا الله هذا التوحيد

يعني أكبر ثمرة يجنيها المؤمن من إيمانه أن الله يلقي في قلبه مكان الخوف الأمن والآية الدقيقة :
﴿ فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَمْنِ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ الَّذِينَ آمَنُواْ وَلَمْ يَلْبِسُواْ إِيمَانَهُم بِظُلْمٍ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ
( سورة الأنعام )
يوجد ملمح بالصياغة لو أن الله قال أولئك الأمن لهم ، أي ولغيرهم ، أما أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ ، وحدهم ، أنا موقن أن المؤمن وحده وليس أي إنسان آخر هو الذي يملأ الله قلبه بالأمن :
﴿ أُوْلَـئِكَ لَهُمُ الأَمْنُ وَهُم مُّهْتَدُونَ ﴾


الآن نأتي للقسم الثاني تخطفه الطير؟؟

حين يشرك الإنسان فهو لا يلجأ إلى الله وينسى ربه، ويلجأ لأي شيء أشركه مع الله ورآه فوق الله
فهذا ينهش فيه وهذا يؤذيه وهذا يضره يقول لك ذهبت إلى فلان وأعطيته 50 ألف فأكلها علي
إذا اعتقدت أن فلانا قويٌّ وبإمكانه أن ينفعك أو يضرك إذًا تطيعه و تعصي الله ، وفي الحقيقة هو ليس قويا والله هو القوي،
إنسان يقول لك: لا إله إلا الله، تدقق في أعماله، أعماله لا تنم عن توحيدٍ لله، تنم عن شركٍ خفي ، يقول لك: فلان يلزمني، فلان إذا خدمته يخدمني، وفلان عند الشدة اتصل به يخلصني، ما دمت متعلقٍ بزيدٍ أو عبيد فهذا نوعٌ من الشرك .
الإنسان غير الموحد يخاف، يتمسح بالآخر، يتذلل له، يرجو رضاه، و ليس هناك أصعب من أن تحتاج إلى لئيم، قيل: ما الذل؟ قال: أن يقف الكريم بباب اللئيم ثم يرده .

أنت إذا أشركتَ باللهِ عزّ وجل , توجهتَ إلى غير الله
إذا اتخذَ الإنسانُ من دونِ اللهِ نِدّاً , لا يمكنُ أن يكونَ هذا المُتخذُ نِداً من دون الله , أن يُوازنَ بشكلٍ أو بآخر معَ خالق الكون , يعني القيم المُطلقة معَ التلاشي المُطلق ، عبدٌ ضعيف تستعين بهِ ، تستهديه ، تجهدُ في إرضائه ، تخافُ من سخطهِ ، تُعلّق الآمال عليه ، تربط حياتكَ كُلها من أجلهِ ، ما من جهةٍ , في الكون تستحقُ أن تُفني حياتكَ من أجلِها ، تستحقُ أن تُمضي شبابكَ من أجلِها ، إلاّ أن يكونَ خالِقَ الكون , هوَ أهلُ التقوى وأهلُ المغفرة
الشرك أن تتجهَ إلى غير الله ، أن تُعلّقَ على غير الله الآمال ، أن ترجو غيرَ الله ، أن تخافَ من غير الله ، أن تظنَ أنَ الرِزقَ بيد فُلان ، أن تظن أنَّ فُلاناً بإمكانهِ أن يرفعك , بإمكانهِ أن يضعكَ ، بإمكانهِ أن يُعطيك ، بإمكانهِ أن يمنعك ,
هذا الشِرك ( هكذا يتخطفك الطير ) , هذا الشِركُ الذي لا يُمكن أن يُغتفر , لأنهُ إذا اتجهتَ إلى الله وكُنتَ مُخطئاً غفرَ لك ، إن كُنتَ جاهلاً علّمك ، إن كُنتَ مستوحشاً آنسك ، إن كُنتَ ضعيفاً قوّاك ، إن كُنت فقيراً أغناك ، إن كُنتَ مُنقبضاً بشّرك ، لكنكَ إذا اتجهتَ إلى غير الله فقد أشركت

------------------------------

الآن نأتي للمثال الثاني: (أو تهوي به الريح في مكان سحيق)

الشرك يودي بالإنسان لأودية سحيقة جدا ( وهذا هو الضلال المبين )

الشذوذ الجنسي هو نتيجة لباب شرك دخل فيه وكان نهاية هذا الوادي السحيق هو الشذوذ تدمرت فيه فطرته ونفسه،
تغيرت حياته، اسودت الدنيا كلها في وجهه، كره الحياة والناس
أصبح في نفسه شهوة لا يعرف كيف يتخلص منها، لم يعد يأنس بالقرآن أو الصلاة، أصبح المسجد يجعل في قلبه ضيقاً - يجلس مع الأطفال فيشتهيهم ( أصبح فكره مريضا )
------------
المخدارت من الأودية السحيقة وكان بدايتها باب شرك - كان كالقمر يحبه الجميع ومحسنا للغير فدخل في أبواب الشيطان ثم أصبح يسرق من أمه ويضربها لأجل المخدرات – فتاة استغلت في شرفها من وراء المخدرات كانت ذات خلق وعندها اهل وزوج وأولاد ومن وراء المخدرات ضاع كل شيء خسرت أهلها وزوجها وأولادها
------------
انظر للملحدين أكثر حالات الانتحار من الملحدين هذا القلب الي ابى أن يعترف بوجود ربه فضاقت عليه الدنيا حتى انتحر
------------
العشق من الأودية السحيقة التي تضيع شبابنا وإخواننا - يكون كالحمامة البيضاء في المسجد فإذا بأصحاب السوء يتخطفونه كالطير وينهشونه ويمرض قلبه ويتعلق في عشق الفتيات
وينأسر قلبه في حب غير الله

عشق العاشق عشقاً ** فأنتهى إلى السفل
نزل العشق بقلب ** إذ خلا من الوجل
كان قبل العشق روحاً ** سامياً لما يزل
سبقاً فى كل خير ** أى باب قد دخل
كان قبل العشق بدراً ** مستنيراً إكتمل
جاء فى الظلام نوراً ** فأستنار من نزل
كان قبل العشق طيباً ** كان ورداً وفلل
كان قبل العشق صقراً ** كان حراً ما ذلل
كان عقلاً مستقيماً ** سالماً من العلل
كان فى الجسم صحيحاً ** ليس فى الجسم كسل
كان فى الخير نشيطاً ** لا فتورُُ لا ملل
---
عشق العاشق عشقاً ** فأنتهى إلى السفل
نزل العشق بقلب ** إذ خلا من الوجل
صار بعد العشق قلباً ** هاوياً كل الذلل
صار للعشق أسيراً ** انزلق للعشق وذل
عشق العاشق عشقاً ** فأنتهى إلى السفل
نظر العاشق سهم ** كم شجاع قد قتل
أذن العاشق كأس فيه ** سمُُ فى العسل
سمع العاشق صوتاً ** معه القلب رحل
نحو سقم صَوبَ صِبٍ** هو قد عل جلل
أيها العاشق مهلاً ** إن خيراً فى المهل
ليس بعد العشق يأس ** إن بعد العشق فل
إن بعد العشق طبُُ ** نحوه سرٍ فى عجل
نحو دين وكتاب ** كل خير قد شمل
--------------------------------------
ضعف الإخلاص من ضعف التوحيد و ضعف المحبة لله من ضعف التوحيد، النفاق من ضعف التوحيد و التملق من ضعف التوحيد و التمزق من ضعف التوحيد، و الخوف من ضعف التوحيد، فأمراض النفس الوبيلة واحدة واحدة لو حلّلتها لوجدتها من ضعف التوحيد

كل أمراض النفس هي أعراض لمرض واحد، فالنفاق ليس مرضا بل هو عرض و الخوف ليس مرضا بل هو عرض والاعتماد على الذات عرض وليس بمرض، عدم الإخلاص عرض، هذه الأمراض التي تبدو متفشية في المجتمع الإسلامي إنها أعراض لمرض واحد ألا وهو الشرك

الواحد إذا قال: الله أكبر لكنَّه يطيع زوجته ويعصي ربه، و الحقيقة التي لا مراء فيها أنه رأى إرضاء زوجته أكبر من إرضاء الله، و الواحد يغش الناس في البيع والشراء و يحقق دخلا كبيرا، إذا قال لك: الله أكبر يوم العيد فلا تصدقه، رأى هذا الدخل الكبير أكبر عنده من طاعة الله، هذه هي الحقيقة

لذلك ما من مصيبة على الإطلاق تصيب الإنسان إلا بسبب منه، وهنا أقول هذه الكلمة: لا يخافن العبد إلا ذنبه، ولا يرجون إلا ربه، فإن هاتين الكلمتين جمعتا الدين كله

هذا الموضوع مقتبس في بعضه من الدكتور راتب النابلسي

والله تعالى أجل وأعلم
والحمد لله رب العالمين