التـطيــر

عَنْ أَنَسِ بْنِ مَالِكٍ، عن النبي قَالَ: "
لَا عَدْوَى، وَلَا طِيَرَةَ، وَيُعْجِبُنِي الْفَأْلُ "، قَالَ، قِيلَ: وَمَا الْفَأْلُ؟ قَالَ: " الْكَلِمَةُ الطَّيِّبَةُ "
متفق عليه

التَّطَيُّر: بمعنى التشاؤم, وأطلق عليه التَّطَيُّر؛ لأن أكثره ينشأ من الاستدلال بحركات الطير من سانح, وبارح.

وقد ذكر الله تعالى التطير في سورة يس فقال: قَالُوا إِنَّا تَطَيَّرْنَا بِكُمْ لَئِن لَّمْ تَنتَهُوا لَنَرْجُمَنَّكُمْ وَلَيَمَسَّنَّكُم مِّنَّا عَذَابٌ أَلِيمٌ يس18

وأصل التَّطَيُّر: إثارة الطَّيْرِ أو الظِّباء فإن سَنَحَتْ – أي ذهبت جهة اليمين - تفاءل, وإن بَرَحَتْ – أي ذهبت جهة الشمال – تشاءم. ثم أُطْلِقَ على كل حادث يَتَوَهَّم منه أحدٌ أنّه كان سببًا في لحاق شَرٍّ به, فصار مرادفًا للتَّشَاؤم.

ما سبب هذا المعتقد في التطير:
سبب هذا المعتقد هو اعتقاده بما أن الله خالق كل شيء ومالك كل شيء
إذاً سأعمل استخارة، وسأطلب من الله أن يهديني بهذه الاستخارة
(يارب أن سأترك الطير يطير، فإذا طار لجهة اليمين فأنت تقول لي أنّ هذا الأمر خير، وإن طار لجهة اليسار فأنت تقول لي أنّ هذا الأمر شؤ)
لماذا هذا المعتقد خطأ ؟؟
الجواب:
لأن طيران الطير هو أمر بتقديرات الدنيا التي خلقها الله
فمثلاً حين تسقط ورقة شجر، سبب سقوطها اصطدام عدد كبير من الذرات الموجودة في الهواء بها بسرعة معينة
وأيضا يرجع السبب لمتانة الساق الخشبية للورقة، أي هناك قوانين وأسباب محكمة في سقوط هذه الورقة
وهذه الأمور قد قدرها الله تعالى في علمه
ولا يمكن لإنسان أن ينظر لورقة شجرة أمام بيته ويقول إذا سقطت اليوم فمعناها يومي سيكون سيئاً وإن لم تسقط فيومي سيكون جيداً
تقديرات الله لهذا الورقة لا علاقة لها بحياتك وسعيك

وكذلك طيران الطير وتأولك الخير والشر بطيرانه لا علاقة له بحياتك
فأنت جعلت سعيك مرتبط بطيران طائر، لم يعطك الله عهداً بما تظنه

وللأسف فإن التطير قد تعددت ألوانه في زماننا وأصبح كثير من الناس يفعلونه وهم لا يشعرون
من التطير الملاحظ:
التشاؤم بالألوان، فمثلاً فإذا رأى لوناً أصفر تشائم بذلك
التشاؤم بالأرقام
التشاؤم بالأيام، يقول لك يوم الأربعاء فيه شؤم مثلاً،ولا تحدث فيه أمور جيدة، وبالمناسبة
هل تعلم أن الواقع يتجسد بالأفكار
حيث يجد هذا المتشاؤم صحة ظنه فما هو السبب في ذلك؟
السبب أنه برمج عقله على حفظ الأمور السيئة، فحين حدد لعقله أن يوم الأربعاء هو يوم سيء
فالعقل يأخذ برمجة إحصاء الأمور السيئة التي تحدث في هذا اليوم.
وفي حياة الإنسان أمر طبيعي أن يحدث في كل يوم أشياء جيدة وأشياء سيئة
ولكنه لأنه برمج عقله على إحصاء الأمور السيئة، فيظن حقاً أن يوم الأربعاء هو يوم سيء

وأمر آخر (فبناءاً على هذا الظن، فإن أفعاله أيضا تساعد في تحقق الظن)
فتجده مكتئب متشائم، في هذا اليوم، وإذا حدثه أحد يغضب ويشتم فتحدث مشاكل بسبب هذه الأفعال، التي سببها معتقده
فتنفصل عنه زوجته مثلاً، أو يطرد من عمله، أو يتشاجر مع أحدهم
فيقول نعم لقد حصلت معي هذه المشاكل بسبب هذا اليوم
لهذا هناك مبحث دقيق جدا في علم النفس ( الواقع يتجسد بأفكارك)
-----------------------------------------------
وللتطير صور كثيرة ملاحظة، لكن سأذكر الآن بعض الصور غير الملاحظة

عنْ جَابِرِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، " أَنَّ أَعْرَابِيًّا بَايَعَ رَسُولَ اللَّهِ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَأَصَابَهُ وَعْكٌ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، ثُمَّ جَاءَهُ، فَقَالَ: أَقِلْنِي بَيْعَتِي، فَأَبَى، فَخَرَجَ، فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ : الْمَدِينَةُ كَالْكِيرِ تَنْفِي خَبَثَهَا وَيَنْصَعُ طِيبُهَا
متفق عليه

تلاحظ أن هذا الأعرابي الذي ارتد عن الإسلام، كان سببه نوع من التطير الغير ملاحظ
فحين أسلم، في هذا اليوم، ثم أصابه مرض، ظنّ أن سبب مرضه لأنه اختار الاسلام
ففهم أن الاسلام شؤم عليه فأراد الارتداد

وكم يحدث هذا النوع من التطير في زماننا، يسعى لأن يتزوج بفتاة، فتحدث بعض المشاكل، فيقول لك (أصاب قلبي الريب)
الله لا يريد هذه الفتاة لي (هذا تطير) ما علاقة وجود المشاكل في سعيك

أحدهم يعمل عملاً حراماً، فيبيع فيزون للبنات، وقد ربح مبالغ كبيرة، يقول لك الله يحبني لأنه يسر لي تجارتي
(هذا تطير)، أنت تعمل بالحرام ثم تربح فتظن أن الله يحبك

كثير من المصائب والبلاءات تصيب الناس، فيربطون هذا بأن الله لا يريد لهم أمراً معيناً

حين يمرض من نحب (نقول ابتلاء)
وحين يمرض من لا نحب (نقول عقوبة)
وحين يصاب من نحب بمصيبة نقول (لأنه طيب)
وحين يصاب من لا نحب بمصيبة نقول (لأنه ظلم الناس)

احذر من توزيع أقدار الله على هواك
----------------------------------
وهناك التطير بالقرآن، بأن يفتح المصحف على صفحة معينة بشكل عشوائي ويقرأ بأول الصفحة
فإذا وجد آية في خير تتحدث عن الجنة والمتقين معناه الأمر خير
وإذا وجد آية تتحدث عن أهل النار والكافرين معناه الأمر شر

وهناك تطير بالاستخارة

فيستخير الله في أمر معين ويصلي ركعتين، ثم ينتظر أن يرى مناماً، فجعل رؤية المنام ولعب الشيطان وأضغاث الأحلام
سبباً في اختياره
بينما النبي وجهنا أن نستخير ربنا ونسعى، فإذا كان خيرا يوفقنا الله وإن كان شراً فالله يقدر ما يريد وما أصابنا لم يكن ليخطئنا

ومن المهم أن تكون الإستخارة في أمر مباح، لا تعرف خيره من شره، فلا استخارة في المعاصي والسيئات ولا استخارة في الخير
ولقد رأيت أحدهم يستخير ربه، هل يدرس في جامعة الشريعة أم لا
وهل في الخير استخارة ؟؟ أنت تنوي الدراسة وتسعى لتدرس وتدعو الله أن يوفقك
فلا يصح أن يستخير الإنسان ربه هل يصلي العصر أم لا
-------------------------------------------
ولقد رأيت منذ زمن على التلفاز امرأة عجوز، يسألها المذيع بما أنك مسلمة لماذا لم تتحجبي
فقالت لقد استخرت ربي إذا كان الحجاب خيرا لي أن يعطيني إشارة واحدة
ولكن لم يعطني ولا إشارة ففهمت من الله أن الحجاب ليس خيرا لي

انظُرْ كَيفَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّهِ الكَذِبَ وَكَفَى بِهِ إِثْماً مُّبِيناً النساء50

أي شخص تجده يوزع أقدار الله على هواه، ويتطير في أقدار الله فقل له الآية السابقة.
من قال لك أن الله يريد أو لا يريد ( هل تفتري على الله الكذب) ؟؟
من قال لك أن الله يحبك لهذا يسر لك، وأن الله لا يريد لك ذلك لهذا عسره لك (هل تفتري على الله الكذب)
----------------------

حُكمُ الطيرة :
قال رسولنا: " الطِّيَرَة شرك"., وقوله: "مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَة مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ"
قال الإمام النووي:
أي اعتقاد أنها تنفع أو تضر إذا عملوا بمقتضاها معتقدين تأثيرها فهو شرك؛ لأنهم جعلوا لها أثرًا في الفعل والإيجاد".
أما أذا علم أن الله هو المتصرف والمدبر وحده ولكنه في نفسه يجد شيئا من الخوف من الشر ؛ لأن التجارب عنده قضت أنَّ صوتًا من أصوات الطير أو حالا من حالاته يرادفه مكروه, فإن وطَّن نفسه على ذلك فقد أساء, وإن استعاذ بالله من الشر وسأله الخير ومضى متوكلا على الله , فلا يضره ما وجد في نفسه من ذلك ,

لحديث معاوية بن الحكم السلمي قال: قلت يا رسول الله منا رجال يتطيرون قال:
(ذلك شيء يجدونه في صدورهم فلا يصدنهم) من حديث طويل عند مسلم.

وإذا هجم على القلب شيء من الشؤم عند سماع صوت أو رؤية شيء. فانقبض قلبه لذلك أو شعر بضيق , دون أن يقصد إلى الفعل أو يرتب له, ثم استغفر الله في الحال ولم يوطن قلبه على ذلك , ولم يتخذ بناء على ذلك شيئا فهذا من الخواطر التي تهجم على القلب دون إرادة، وهي من عبث الشيطان، وهي التي عفي عنها كما في قوله - - :
(إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ عَنْ أُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ تَعْمَلْ أَوْ تَتَكَلَّمْ) البخاري ومسلم

وما ورد عن ابن مسعود مرفوعا :
« قَالَ الطِّيَرَة شِرْكٌ الطِّيَرَة شِرْكٌ ثَلَاثًا, وَمَا مِنَّا إِلَّا وَلَكِنَّ اللَّهَ يُذْهِبُهُ بِالتَّوَكُّلِ». أبوداود والترمذي

قال ابن الأثير في تفسير قوله : " وما منا إلا" قال: هكذا جاء في الحديث مقطوعًا,
ولم يذكر الـمُسْتَثنَى: أي إلا وقد يعتريه التَّطَيُّر وتسبق إلى قبله الكراهة فحذف اختصارًا واعتمادًا على فهم السامع.

--------------------------------------------------
علاج الطيرة :
أرشدنا النبي - - إلى كيفية الوقاية من الطِّيَرَة والتخلص من أثرها !!
فأمرنا بالتوكل على الله - -, وعدم الالتفات إلى ما يخطر بالقلب من الطِّيَرَة, فمن خطر له شيء من ذلك فليمض ولا تصدنه الطِّيَرَة عن حاجته.

فقد روى أبو داود بسند صحيح عَنْ عُرْوَةَ بْنِ عَامِرٍ قَالَ ذُكِرَتِ الطِّيَرَة عِنْدَ النَّبِيِّ - - فَقَالَ:
«أَحْسَنُهَا الْفَأْلُ وَلاَ تَرُدُّ مُسْلِمًا فَإِذَا رَأَى أَحَدُكُمْ مَا يَكْرَهُ فَلْيَقُلِ اللَّهُمَّ لاَ يَأْتِي بِالْحَسَنَاتِ إِلاَّ أَنْتَ وَلاَ يَدْفَعُ السَّيِّئَاتِ إِلاَّ أَنْتَ وَلاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِكَ».

وعَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عَمْرٍو قَالَ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ - -:
«مَنْ رَدَّتْهُ الطِّيَرَة مِنْ حَاجَةٍ فَقَدْ أَشْرَكَ !! قَالُوا يَا رَسُولَ اللَّهِ : مَا كَفَّارَةُ ذَلِكَ؟
قَالَ أَنْ يَقُولَ أَحَدُهُمْ اللَّهُمَّ لَا خَيْرَ إِلَّا خَيْرُكَ وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ
». الإمام أحمد
---------------------------------------------------

بعد هذه الكلام كله، وبعد أن عرفنا أن التطير هو نوع من جعل الأفعال التي بفعلها البشر
مرتبطة مرتبطة بأسباب تقديرية من الله لا علاقة لها باختيارهم لأفعالهم

وبه فمعنى قوله تعالى
وَكُلَّ إِنسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي عُنُقِهِ وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنشُوراً الإسراء13
طائره: أي اختياره لأفعاله وعمله

ومعنى قول النبي: (وَلَا طَيْرَ إِلَّا طَيْرُكَ وَلَا إِلَهَ غَيْرُكَ». الإمام أحمد
أي لا تقدير إلا تقديرك
لأن طيران الطير في تقدير الله
ومنه فهذه إشارة إلى القضاء والقدر

والله أعلم
والحمد لله رب العالمين