الحمد لله رب العالمين ، وصلى الله على رسوله وأنبيائه ،اللهم هيئ لنا الخير واعزم لنا على الرشد ، وآتنا من لدنك رحمة ، واكتب لنا السلامة في الرأي ، وجنبنا فتنة الشيطان أن يقوى بها فنضْعَف أو نُضعفَ لها فيقوى ، ولا تدعنا من كوكب هداية منك في كل ظلمة شك منا ، واعصمنا أن تكون آراؤنا في الحق المبين مكان الليل من نهاره ، أو ننزل ظنوننا من اليقين النير منزلة الدخان من ناره ، نسألك بوجهك ونتوسل إليك بحمدك وندعوك بأفئدة عرفتك حين كذَّب غيرها فأقرت ، وآمنت بك فزلزل غيرها واستقرت*.

غاب عنَّا رَسْمها ، فما بقى لنا إلا وصفها ، رُفِعَت فلم يبقى لنا منها إلا بقايا البقايا ، مؤذنة بما لا يَسُرْ ، ومحرقة كل قلب حر ، هي صفة سمعنا بها أيام الطفولة ، ومكثنا حتى إذا ما انتصب الشباب واستوى على سوقه ، بحثنا عنها فلم نجد تلك "الرجولة" ، اللهم إلا كما ذكرت آنفا بعض من بقايا وفي الزوايا خبايا .
والرجولة يا عزيزي صفة لم يحظى بها كثير من الذكران ، مع أن كثير من النسوة حظين بها وقرَّت فيهن واستقرت ، ولأنني لست بمعرض لضرب الأمثال عن رجولة هؤلاء النسوة لكني حتى لا أشعر تُجاهك بالتقصير سأحيلك على هذا الهَرِم الذي اشتعل رأسه ولحيته شيباً ، وأسدل حاجباه على عينيه من طول مكثه بين أيدينا ولم يأبه له أحد ، لم تشيبه السنون ، ولم تخطفه المنون ، ولم يضعف ذهنه كما ضعف بدنه على مرِّ القرون ، بل ظلَّ شامخاً في كبرياء ، إذا مشى تبختر ومال كما تميل الأغصان في الربيع من فرط خيلائه ، هذه مشيته ، أما جلسته ، فسلطان على عرشه جلس ، وطلعته فإسفار إنقض على ليل غلس ، هابته الملوك أن يذكرهم بسوء إذا خابوا ، وانزوى عنه الشيطان فلا تراه في حضرته إلا قد انخنس .

الذي أحلتك عليه يا صديقي إنما هو " التاريخ " ، الذي كان كما سمعت ، ثم صار إلى ما رأيت ، فالذي شيخه وأوهنه هو شهوده علينا ، قائم فينا يشهدنا كما شهد الأسلاف ، ويسجل علينا كما سجل عليهم ، ليروي عنا كما روى عنهم ، وآه ثم آه مما سيروي ، لمَّا رأى الأمة بعينها في أولها وآخرها ،ورأى الأحفاد كيف سفَّهوا الأجداد ، لا لأنهم يكرهونهم أبداً ، فلست زاعماً هذا ولا أقول به ،
بل لأنهم لا يعرفونهم ، ولا سمعوا عنهم إلا نذراً يسيراً به دخن ، والتاريخ ماثل أمامنا مصعوقاً رأى الشئ ونقيضه ، وجِدَّ الأمة وهزلها ، فلم يتكلم ولم يجب لأننا لم نسأله !!

وإن شاء الله للمقال بقية إن كان في العمر بقية.
ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــ
*( تحت راية القرآن ، ص9).