المدارس العلمية في عصر الدولة الأيوبية ودولة المماليك
كانت الحركة العلمية في عصر نور الدين زنكي وصلاح الدين خاصة، ومن بعد من سلاطين الدولة الأيوبية ودولة المماليك في نشاط وازدهار؛ وذلك لاهتمام الحكام والسلاطين بالعلم والعلماء، ومجالستهم وطلب العلم عندهم، فكانت لهم في نفوسهم مكانة وهيبة.
فأنشأوا الدور والمدارس والجوامع وخزائن الكتب، وتنافسوا فيها، وتكفلوا بالإنفاق عليها، فكثرت المدراس ودور العلم، في كل من مصر والشام، ومن أهمها:

  • المدرسة الفاضلية:

بناها القاضي الفاضل عبد الرحيم بن عليّ البيسانيّ، بجوار داره بالقاهرة، في سنة (580هـ)، ووقفها على الشافعية والمالكية، وخصص فيها قاعة لإقراء القرآن الكريم وتعليم القراءات، فأقرأ فيها الإمام أبو محمد الشاطبيّ وتلاميذه من بعده، وقد وقف بهذه المدرسة جملة عظيمة من الكتب في سائر العلوم، حتى قيل: إنها كانت مائة ألف مجلد([1]).

  • دار الحديث النورية:

وبناها نور الدين محمود زنكي بدمشق، وهو أول من بنى داراً للحديث، أوقفها على المشتغلين بعلم الحديث وأوقف عليها وعلى طلابها أوقافاً كثيرة، تولى مشيختها الحافظ الكبير أبو القاسم علي بن الحسن ابن عساكر، وابنه القاسم ابن علي من بعده([2]).

  • دار الحديث الأشرفية:

وهي أشهر دور الحديث بدمشق، أنشأها الملك الأشرف موسى بن العادل أبي بكر محمد بن أيوب سنة (630هـ)، وأوقف عليها أوقافاً كثيرة، وتصدر التدريس فيها: الحافظ تقي الدين ابن الصلاح، وأبو شامة، والنووي، والمزي، وابن كثير، وغيرهم([3]).


  • المدرسة العادلية (الكبرى):

وهذه المدرسة من أعظم مدارس الشافعية بدمشق، بدأ بإنشائها نور الدين محمود بن زنكي للإمام قطب الدين النيسابوري، ومات ولم تكمل.
وجاء بعده السلطان العادل سيف الدين بن أبي بكر بن أيوب، وعمل على إتمامها لكنه أدركته المنية قبل إتمامها.
حتى أتمها ابنه الملك المعظم عيسى، ووقف عليها الأوقاف ونسبها لوالده الذي عمل فيها بعد نور الدين ولم يتمها، وملحق بها سكن للعلماء الوافدين إلى دمشق، بدأ التدريس فيها سنة (619هـ) ودرس بها وسكنها جلة من العلماء، منهم: ابن خلكان، وابن مالك، وابن جماعة.
قال أبو شامة: «وفيها قدر الله تعالى جمع هذا الكتاب -الروضتين- فلا أقفر ذلك المنزل ولا أقوى»([4]).

  • المدرسة الصالحية:

وتقع: غربي مدرستي الطيبة والجوهرية الحنفية، وقبلي مدرسة الشامية الجوانية الشافعية إلى الشرق، وتعرف (بتربة أم الصالح إسماعيل).
بناها الملك الصالح إسماعيل بن الملك العادل سيف الدين أبي بكر، وهو واقف التربة والمدرسة ودار الحديث والإقراء بدمشق.
وقد درس فيها مجموعة من كبار القراء والمحدثين والفقهاء، وتولى مشيخة الإقراء فيها: علم الدين السخاوي، وابن الجزري، وتولى مشيخة الحديث: كمال الدين ابن الشريشي، وخلفه الحافظ شمس الدين الذهبي، ثم الحافظ ابن كثير وغيرهم، وأما الآن فقد صارت مساكن ولم يعرف لها أثر([5]).

قال محمد كرد علي في خطط الشام (6/83): "وقد أخذها المجمع العلمي العربي لما أسس في سنة (1919م)، وجعلها مقره، ورمّها بما يقربها من الهندسة الأصلية ... قلت في التقرير الرابع للمجمع العلمي عن سنة (1925-1926-1927م): وفي العادلية وضع المقدسي تاريخ الروضتين في أخبار الدولتين، وفي العادلية عمل ابن خلكان تاريخه المشهور، وعلى باب العادلية كان يقف ابن مالك النحوي ويدعو الناس لحضور درسه، ينادي هل من متعلم هل من مستفيد، والتاريخ يعيد نفسه، وفي العادلية نزل ابن خلدون -فيلسوف العرب- أوائل المائة التاسعة.
وكأن المولى تعلقت إرادته فقضى أن لا يخلي العادلية والظاهرية من علم ينشر، وأدب يذكر، فاختارهما مباءة للمجمع العلمي يقيم فيهما سوق العلم والأدب بعد الكساد على النحو الذي كانتا عليه منذ وضع أساسهما نور الدين بن زنكي والظاهر بيبرس".




([1]) انظر: المواعظ والاعتبار (4/204)، المدارس الإسلامية في مصر في العصر الأيوبي ودورها في نشر المذهب السني لأيمن شاهين (119).
([2]) انظر: الدارس في تاريخ المدارس للنعيمي (1/74)، منادمة الأطلال ومسامرة الخيال لابن بدران (58)، خطط الشام لمحمد كرد علي (6/73)، الحياة العلمية في دمشق في العصر الأيوبي لناصر الحازمي (244).
([3]) انظر: الدارس في تاريخ المدارس (1/15)، منادمة الأطلال (24-32)، خطط الشام (6/73)، الحياة العلمية في دمشق في العصر الأيوبي (246).
([4]) الروضتين في أخبار الدولتين (2/264).
([5]) انظر: البداية والنهاية (17/310، 18/500)، الدارس في تاريخ المدارس (1/271)، منادمة الأطلال (110)، خطط الشام (6/80).