قال تعالى: (وَإِنَّ يُونُسَ لَمِنَ الْمُرْسَلِينَ139 إِذْ أَبَقَ إِلَى الْفُلْكِ الْمَشْحُونِ140 فَسَاهَمَ فَكَانَ مِنْ الْمُدْحَضِينَ141 فَالْتَقَمَهُ الْحُوتُ وَهُوَ مُلِيمٌ142 فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنْ الْمُسَبِّحِينَ143 لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)


  • فساهم : في اللغة لها معنيين
    .

السَّهْم في الأَصل : واحد السِّهام التي يُضْرَب بها في المَيْسِر وهي القِداح ثم سُمِّيَ به ما يفوز به الفالِجُ سَهْمُهُ ، ثم كثر حتى سمي كل نصيب سَهْمًا ، وتجمع على أَسْهُمٍ وسِهام وسُهمان
فهي في الأصل مقارعة ثم أصبح لها معنى النصيب

1- السهم: هو النصيب ، وفي الحديث : كان للنبي ، ، سَهْم من الغنِيمة شَهِد أَو غاب
وفي الترمذي : أَنّ النَّبِيَّ: " أَسْهَمَ لِقَوْمٍ مِنَ الْيَهُودِ قَاتَلُوا مَعَهُ

2- واسْتَهَمَ الرجلان : تقارعا ، وأَسْهَمَ بينهم أَي أَقْرَعَ ، وفي الحديث ، بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ سَاهَمَ بَيْنَ نِسَائِهِ فِي غَزْوَةِ بَنِي الْمُصْطَلِقِ أَيَّتُهُنَّ تَخْرُجُ مَعَهُ، فَخَرَجَ سَهْمُ عَائِشَةَ وَأُمِّ سَلَمَةَ

ولعل الفرق بين القرعة والمساهمة أن المساهمة فيها نوع من المجاذفة ، يقول لصاحبه لا تساهم في هذا فلعلك تفشل والله أعلم
--------------------------------------------
الآن ما هو تفسير قوله تعالى ( فساهم فكان من المدحضين )

لم يرد حديث يشرح هذه الآية ، ولم يرد قول صحيح لصحابي أو تابعي وما ذكر في الاسرائيليات لا نأخذ به ولكن سنسوقه لكم

1- في العهد القديم: في سفر يونان ذكر أن البحر ثار وفي النهاية حصلت قرعى ليلقوا شخص
بعضهم قال ليهدئ البحر لأن فيهم رجل عاص لله ، وبعضهم قال لأن السفينة لم تتحمل لأن الفلك كان مشحون وحتى تنجو السفينة عليهم التخلص من اشخاص
وهذا القول طبعا لا يقبل : أولا ليس فيه دليل في ديننا ، ثانيا لا يقبل أن يشارك يونس في إهلاك إنسان ليتم رميهم في البحر عن طريق القرعة

2- قال ابن عاشور: أجمع المسلمون على أنه لا يجري في مثله استهام. فلو صح أن ذلك كان شرعا لمن قبلنا فقد نسخه إجماع علماء أمتنا

3- قال ابن العربي: الاقتراع على إلقاء الآدمي في البحر لا يجوز فكيف المسلم فإنه لا يجوز فيمن كان عاصيا أن يقتل ولا يرمى به في النار والبحر. وإنما تجري عليه الحدود والتعزيز على مقدار جنايته. وظن بعض الناس أن البحر إذا هال على القوم فاضطروا إلى تخفيف السفينة أن القرعة تضرب عليهم فيطرح بعضهم تخفيفا، وهذا فاسد فلا تخفف برمي بعض الرجال وإنما ذلك في الأموال وإنما يصبرون على قضاء الله.

4- لكن حاول بعضهم تبرير تصرف يونس فقالوا: فساهم بمعنى شارك ولكن هو لم يشارك في القرعة ولكن شارك ليزيل هذه الخرافة وهذا الجهل المنتشر ووقف ضد القرعة فكان من المدحضين

وهذا الكلام كله ظنون

5- قال الدكتور بسام جرار ، قوله ( فالتقمه الحوت ) يدل أن الحوت كان منتظر ولعله كان يهاجم السفينة ، ومعروف أن بعض الحيتان كانت تهاجم السفن ، والحوت الأزرق يصل وزنه 180 طن ، فهم لعلهم أرادوا أن يطعموا الحوت ليصرفوه عن السفينة فلا تهلك ، فاقترعوا لرمي بعضهم إلى الحوت
وهذا الجواب هو أيضا ظني وليس فيه دليل

6- قال بعضهم: لا داعي لأن نعرف بماذا قارع يونس فيكفينا ان نعرف ما ذكر القرآن أنه قارع فكان من المدحضين
وهذا خطأ لأن المعنى لا يكتمل ويصبح غامض ويصبح كأن الله يذكر كلاما ليس له فائدة
هو عمل قرعة وبسبب قرعته هلك ، هذا المعنى غامض ولا نستفيد منه ولا نأخذ منه حكمة
مثل أن تقول ( رجل فتح الباب ومات ) العقل البسيط مباشرة يسأل كيف ذلك ولماذا ؟

----------------------------------------------------------------

الجواب: الذي أراه أن لا نتجاوز القرآن ، ولا داعي أن نضع ظنون ولنرجع لتفسير القرآن بالقرآن

وفق المعنى الأول للمساهمة وأنه مقارعة:
نعم تجد هذا المعنى في القرآن في قوله (فظن أن لن نقدر عليه)، نقدر: بمعنى نضيق
هو ظن أن لن يضيق الله عليه في الأرض
وهذا يعتبر مقارعة للنفس ، ظن هكذا فكان من المدحضين
لأنه حين تحتار وتريد أن تفعل أمرا فيدور بنفسك عدة أشياء هل أفعل أم لا أفعل هذه المحاورة هي مقارعة للنفس
هي مساهمة
هو يحادث نفسه أنا معي الحق أنا نصحتهم ووعظتهم وهم يأبون النصيحة ، وبسبب غضبه اتخذ قرارا خاطئا وحاول أن يبرر لنفسه لأن الإنسان حين يغضب يبرر لنفسه ، وهكذا كل إنسان حين يتعرض لضغوط وشدة يفتي لنفسه
فبرر يونس لنفسه وقال أرض الله واسعة وأنا أديت الذي أمرني الله به فساهم واتخذ قراره بالمغادرة
فكان من المدحضين

خاطر وساهم ، تسمع بالعامية يقول (لا تساهم بالأمر ممكن تخسر )
يعني لا تخاطر بنفسك بالأمر لأن النتائج ممكن أن تكون خطيرة
أو يقول ( ساهم وانظر ماذا سيحدث )
في قرارة نفسه يونس كان يشعر أنه اعلى خطأ ، ودليل ذلك دعاءه حين كان في بطن الحوت
هذا يقودنا لحكم كثيرة ، انتبه لما أنت مؤتمن عليه ، إياك أن تتخذ قرارا في غضب وتبرر لنفسك
افعل الحق ولا تبرر لنفسك


وحسب المعنى الثاني: (بأن المساهمة هي النصيب ، أو المشاركة في الأمر)، ففي المعاجم:
في المعاجم نجد ( ساهم في الأمر : أسهم فيه ، شارك فيه )
يونس خرج مغاضبا وأبق إلى الفلك المشحون ، فساهم ليكون في هذا الفلك ، أي أراد أن يشترك ليكون راكبا في هذا الفلك ، والنتيجة أن هذا الفلك قد غرق وكان من المدحضين

---------------------------------------
اسقاط الآيات على الواقع


  • بسبب الأزمة في سوريا وجدنا كثيرا من الناس قد هاجرت لتركيا وتحاول أن تهرب من الظلم بالسفر لبلاد الغرب تهريبا عن طريق اليونان ، ونعلم ماذا يفعل المهربون حيث يجعلون السفينة ممتلئة جدا بالركاب ليحصلوا أرباحا كثيرة



ويبدوا أن هذا كان واقعا في عهد نوح ( أبق إلى الفلك المشحون )
ومعلوم أن كثيرا من المراكب قد غرقت بسبب أمواج البحر والرياح ، وهذا ما حصل مع مركب يونس
وقع عليه قضاء الله وقدره ، حيث قدر الله أن يغرق أناس كثيرون في المراكب
والسبب في ذلك كالعادة هو ظلم البشر فلو أن المركب لم يكن مشحونا من البداية لم يكن ليغرق
لقد ظلم البشر بعضهم بعضا فوقع قضاء الله و غرق المركب
لهذا تجد قوله (فكان من المدحضين) أي ليس وحده الذي غرق بل جميع سكان المركب
إلا أن الله أرسل له غواصة انقاذ (الحوت) ليونس فقط لأنه كان من المسبحين

معنى المدحضين:
قال تعالى ( وَمَا نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَيُجَادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْبَاطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ (سورة الكهف 56)

وَالَّذِينَ يُحَاجُّونَ فِي اللهِ مِنْ بَعْدِ مَا اسْتُجِيبَ لَهُ حُجَّتُهُمْ دَاحِضَةٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ (سورة الشورى 16)

إِدْحَاضُ الحُجَّةِ :-: إِبْطَالُهَا ، دَحْضُهَا .