النظرية الميكافيلية في ميزان الشرع، دراسة في علم الأصول.
إعداد: بوودن دحمان حذيفة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد:
يتخذ الكثير من المذاهب اللادينية المعاصرة من مبدأ "الغاية تبرر الوسيلة" أساسا لتحقيق أهدافهم الزائفة وتبرير ما تحمل تلك الوسائل من ظلم وفساد، وقد أدرك الكثير من المسلمين الغش والخداع والظلم في تلك الوسائل فرفضوا تلك المقولة جملة وتفصيلا. والواجب أن يُلتزم بالمنهج الأصولي في بحثها، السؤال الذي يطرح نفسه: إن كان لهذه القاعدة كل تلك الأضرار فهل نستطيع أن نلغي هذه القاعدة من حياتنا، ونعتبرها قاعدة خاطئة لا تصح بأي شكل من الأشكال؟! علماً أن إعمال ضد تلك قاعدة:"الغاية لا تبرر الوسيلة" يؤدي إلى تعطيل أصل الموازنة، وكل ما اندرج فيه من قواعد وضوابط، كقاعدة: "الضرورات تبيح المحظورات" و"تحمتل أهون المفسدتين لدفع أشدهما" و"يباح للمصلحة الراجحة ما يمنع سدا للذريعة"...كل هذه التساؤلات تدفعنا للقيام بدراسة تمحيصية لهذه القاعدة، حتى نقبل الصائب منها ونرد الباطل فيها.
فالمقصود من قولهم "الغاية تبرر الوسيلة" أنه في سبيل تحقيق الغاية المطلوبة لا يُنظر إلى خسّة الوسائل، ولا إلى مخالفتها للأحكام الشرعية، ولا للآداب المرعية، ولا للنظم القانونية. فهي تقوم على مبدأ "العواقبية الأخلاقية" القائل بأنّ الطريق إلى معرفة ما إذا كان العمل صحيحا أم فاسدا إنما هو النظر في عواقبه، فإن كانت العواقب صالحة، فالوسيلة أيا كانت تسوغ لأجل تلك العواقب!.
وأول من قرر هذه القاعدة هو الإيطالي نيكولو ميكافيلي (1469- 1527م) في كتابه "الأمير" الذي يعتبر دليلا لكثير من حكام الدول، حيث نص فيه ميكافلي على تجويز التوسل بكل ما يحقق مقاصد الحكام ويوطد ملكهم، ويوسع سلطانهم، سواء أكان وسيلة مقبولة، أم وسيلة ظالمة، تسحق الشعوب، وتُرهب المستضعفين، وتحتال على المنافسين. فيجب في نظره أن يسلك الملك في تقوية ملكه وترسيخ دعائمه وحمايته من الأعداء في الداخل والخارج كل الوسائل والطرق بغض النظر عن موافقتها للأخلاق أو الدين أو نحو ذلك؛ لأن مراعاة هذه الأمور عنده قد تؤدي إلى انهيار الملك تماما. فقد قال ميكافيلي في كتابه الأمير: "وفي أعمال جميع الناس، ولا سيما الأمراء، وهي حقيقة لا استثناء فيها، تبرر الغاية الواسطة". وقال أيضا: "ويجب أن يفهم أن الأمير ولا سيما الأمير الجديد لا يستطيع أن يتمسك بجميع هذه الأمور التي تبدو خيرة في الناس، إذ أنه سيجد نفسه مضطرا للحفاظ على دولته لأن يعمل خلافا للإخلاص للعهود وللرأفة وللإنسانية والدين".
فالسياسة عند نيكولو ميكافيلي ليست لها أي علاقة بالأخلاق، فهو يرى أنّ هناك فرقا في السلوك بين الأفراد والدول: أمّا الأفراد فتقتضي الأخلاق الحميدة أن لا يرتكب الفرد أعمالاً مشـينة لمصلحته الشخصية، أمّا فيما يتعلق بالدول فإن أصول الحكم تقتضي تحقيق مصلحة الدولة أولاً وبجميع الوسائل المتاحة. فيحق للدولة مثلا أن تهدم بيوتاً لتمرير شارع عام، ويحق لها أن تجند المواطنين إجبارياً لتكسب الحرب، وأن تتجسس لحماية الأمن، وأن تتآمر لحماية المصلحة العليا للدولة ...فلا مكان لتطبيق الأخلاق المتعارف عليها بين الأفراد عندما يتعلق الأمر بمصالح الدولة، فالأخـلاق ُتلـزم الفـرد ولا ُتلـزم الدولـة. وهكذا أمست فكرته من قواعد السياسة في معظم دول العالم العلمانية وهي مطبقة بحذافيرها حتى في تفاصيل دنيا الناس.
ولا شك أنّ هذه المقولة بالمعنى الذي قرره ميكافيلي خاطئة لا تمت إلى الإسلام بصلة، ليس لأنها جاءت من عند الكفار، فوجود مقولات هي في ذاتها حق عند الكفار أمر معلوم ومتواتر، فقد أقرّ الإسلام الكثير من الأخلاق والمعاني الصحيحة التي كانت في الجاهلية.
وإنما الخطأ في تلك المقولة راجع إلى عدم تقييدها بضوابط تحفظ المجتمع من الدمار والحياة من الفوضى. فلو سرق الإنسان من الأغنياء بنية التصدق بالمسروق على الفقراء، لكان هذا الإنسان على المبدأ الميكافيلي محمودا! ولله در الشاعر حين قال:
أمطعمة الأيتام من كد فرجها * ويلك لا تزني ولا تتصدقي.
ولكن قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" قد يكون لها معنى آخر صحيح يُحتمل موافقته للنصوص والقواعد الشرعية؛ لأن الغاية أحيانا تكون سببا في تغيير حكم الوسيلة من المنع إلى الإباحة أو إلى الاستحباب، بل إلى الوجوب أحيانا. ولكن هذا ليس مطردا في كل الوسائل، ولا في كل الغايات، بل هو مشروط بألا يصادم المقررات الشرعية، والأحوال الخاصة.
فإذا كان للغاية وسيلة مشروعة ووسيلة غير مشروعة فلا شك في منع الوسيلة التي ليست بمشروعة. وإذا لم يكن للغاية إلا وسيلة غير مشروعة فهنا حصل تعارض بين المصالح والمفاسد، فوجب الجمع بين هذه القواعد. فالوسيلة غير المشروعة مفسدة، والغاية المشروعة مصلحة، ولا شك أنّ درء المفاسد مقدم على جلب المصالح، وهذا في الأكثر، ولكنه ليس مطردا أيضا؛ لأنّ المفسدة القليلة تحتمل في سبيل تحصيل المصلحة العظيمة. بمعنى أن يكون ضرر الوسيلة المحرمة التي توصل إلى تلك الغاية المشروعة أقل من مصلحة الغاية المتحققة بها لا أكثر ولا مساويا، فإذا تحقق هذا القيد صارت مقولة ميكافيلي مساوية لقاعدة: "إذا تعارضت مفسدتان روعي أعظمهما ضررا بارتكاب أخفهما".
ونحن لما نقول أنه "تُحتمل المفسدة الصغرى" في الشريعة، يجب أن لا ننسى بأنها تُحتمل كمفسدة وتبقى مفسدة، وتُعامل على أنها مفسدة .. أمّا مقصود أصحاب هذه المقولة ممن أطلقها فهو تشريع الوسيلة بدون قيود مادامت الغاية مشروعة عنده.
وتجدر الإشارة هنا إلى ضرورة التفريق بين قاعدة ميكافيلي"الغاية تبرر الوسيلة" وبين القاعدة الشرعية "الضرورات تبيح المحظورات"وما تفرع عنها من قواعد، فقاعدة ميكافيلي قد فسرها تفسيرا يدل على عدم تقييدها بأية شروط وفتح الباب على مصراعيه.. أما قاعدة الضرورات تبيح المحظورات فهي حتما مقيدة بشروط ولها ضوابط شرعية يصبح حينها المحظور مباحا.. فالغاية المعتبرة شرعا تسوغ الوسيلة المحظورة في الأصل، ولكن بعد أن يقع استنفاد كل الوسائل المشروعة، وأن تستعمل تلك الوسيلة المحظورة بالقدر اللازم دون أن تتجاوزه، ودون أن يكون في فعلها تشبه بالكفار أو ظلم لأحد أو غدر بأحد، كما يشترط تحقق دفع المفسدة الكبرى بارتكاب الصغرى، فإن لم يُتحقق من ذلك لم يصح ارتكاب الصغرى. ثم إن الغاية التي تُحتمل من أجلها المفسدة هي من صميم التشريع، فليست كل غاية تُحتمل من أجلها المفاسد.. بخلاف أصحاب هذه المقولة، فالغاية التي تسوغ لهم الوسائل هي من صنع رغباتهم لا ضابط لها.
والأمثلة على هذا كثيرة، فمثلا المحافظة على الحياة غاية شريفة، أو كما يعبر علماء الأصول إحدى الكليات الخمس، وأكل الميتة أو الخنزير أو شرب الخمر أو غيره من المحرمات وسيلة محرمة في الأصل، ولكن هذه الوسيلة قد تصير مباحة أو واجبة من أجل الحفاظ على الغاية السابقة وذلك إن أوشك على الهلاك ولم يجد شيئا يأكله سوى تلك المحرمات.
وتداوي الإنسان من الأمراض غاية شريفة، وكشف العورة وسيلة لتحقيق هذه الغاية، وهي وسيلة محرمة في الأصل، ولكنها صارت جائزة أو واجبة بحسب المرض من أجل تحقيق هذه الغاية. والإصلاح بين الناس، والانتصار في الحرب، والإصلاح بين الزوجين غاية شريفة والكذب وسيلة لتحقيق كل هذه الغايات، وهي وسيلة محرمة في الأصل، ولكن صارت جائزة في هذه الأحوال الثلاثة كما نص على ذلك رسول الله . وعند الإكراه يجوز الكفر شرط أن لا يكون الكفر قلبيا، وعندما قال النبي صلى الله عليه لنعيم بن مسعود : "الحرب خدعة".. فقد قيدت الخدعة في حالة الحرب فاعتبرت حالة استثنائية لا تصح إلا بموجب الحرب.. فالمقاصد الشرعية قد تسوِّغ وسائل غير مشروعة في الأصل، فيباح المحظور حفظا لما هو أهم من جلب مصلحة أو درء مفسدة.
أما إذا كانت الغاية والوسيلة متساويتين في المفسدة؛ فهنا تأتي قاعدة أخرى وهي: "الضرر لا يزال بمثله أو بأعظم منه"، مثال ذلك حرمة الإقدام على قتل شخص لحفظ نفسه هو؛ لأن نفسه ليست بأولى من نفس أخيه المسلم، وهذه المسائل دقيقة، والذين يحددونها هم الراسخون في العلم، ولذلك قيل: ليس الفقه معرفة الحلال من الحرام فقط، ولكن الفقه هو معرفة خير الخيرين فيرتكب أعلاهما وشر الشرين فيرتكب أخفهما.
وقد يخلط البعض بين مقولة ميكافيلي: " الغاية تبرر الوسيلة" وبين قاعدة "الوسائل لها أحكام المقاصد" فمعنى هذه الأخيرة أنّ وسائل المقاصد الواجبة واجبة، ووسائل المقاصد المحرمة محرمة، وهكذا ما بينهما من مراتب الأحكام، فمثلا ما دامت الطهارة بالماء شرطا لصحة الصلاة، فإن توفير الماء بشرائه أو جلبه من البئر واجب، وإذا كان الأمر غير ممكن إلا بشراء آلة لجلب الماء فإن شراءها واجب. والذي يوصل إلى الحرام يكون حراما مثله، فبيع العنب مباح في الأصل لكن عندما يعلم أن المشتري إنما يريده ليعصره خمرا فإن بيعه له يحرم، وكذا الحال في بيع السلاح فإنه مباح في الأصل، ولكن لا يجوز أن يباع لمن يستخدمه في قطع الطريق، وهكذا...قال الله تعالى: "وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ"سورة المائدة: 2.
كما قد يستدل البعض على مشروعية القاعدة الميكافيلية بما ورد في قصة يوسف وكيف استرد أخيه عندما وضع صواع الملك في رحل أخيه وأذن مؤذن أنهم سارقون ؟ وأن الله تعالى رضي ذلك من فعله ولم ينكره وقال في آخر القصة: "كذلك كِدْنا لِيُوسُفَ" يوسف: 76، ومن نحو ذلك قوله تعالى: "وَخُذْ بِيَدِكَ ضِغْثًا فَاضْرِبْ بِهِ وَلَا تَحْنَث" ص: 44، وكان حلف أن يضربها عددا فأمره الله تعالى بأخذ الضغث وضربها به ليبر في يمينه من غير إيصال ألم كبير إليها... فهذه الحالات تدل على جواز التوصل إلى الأغراض بالحيل؛ إذا لم تخالف الشريعة ولا هدمت أصلا.
ثم إن قاعدة "الغاية تبرر الوسيلة" بهذا الإطلاق باطلة، وعلة بطلانه في العقل أن المرجعية التي يحكم بها على الغايات ينبغي أن تكون هي ذات المرجعية التي يحكم بها على الوسائل، وإلا اختل ميزان النظر ووقع التناقض. وهذه المرجعية عندنا في جميع الأحوال إنما هو الشرع المطهر، بخلاف فلاسفة الأخلاق الذين لا يجدون له مرجعا إلا الذوق والرأي المجرد.
وعليه فمقولة ميكافيلي خاطئة من حيث عمومها، وكون بعض أجزائها يدخل في قواعد الفقهاء لا يبرر أخذها هكذا، لأنّ لها مفهوماً واسعاً يخالف الشرع، فردها والأخذ بألفاظ أهل الإسلام أولى وأحرى . فلا نقول "الغاية تبرر الوسيلة" ولا نقول "الغاية لا تبرر الوسيلة"، لكون نصوصنا وقواعدنا الفقهية المعتبرة تدور بنا على العبارة الأولى أحيانا وعلى الثانية أحيانا، وشريعتنا وسط بين طرفين غاليين، فبطلان الضدين ممكن، والحق التوسط في الأمر.. ويمكننا أن نعدّل تلك القاعدة فنقول: "إن الغاية قد تبرر الوسيلة" إن كانت الغايات نبيلة والوسائل مشروعة.. والحق أنا لسنا في حاجة إلى إدراج هذه القاعدة ونظيراتها في قائمة قواعدنا الشرعية، فعندنا من القواعد ما يغني، فكيف إذا كان إدراجها مؤديا إلى تعطيل قواعد قطعية تضافرت على صحتها نصوص الكتاب والسنة، وأقوال علماء الأمة.
وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.