ترجمة الإمام النويرى صاحب كتاب (شرح طيبة النشر)
هو محمد بن محمد بن محمد بن على بن محمد بن إبراهيم بن عبد الخالق، المحب أبو القاسم بن الفاضل، الشمس النويرى، الميمونى، القاهرى، المالكى، يعرف بأبى القاسم النويرى .
ونويرة: قرية من صعيد مصر الأدنى وهى تتبع محافظة بنى سويف.
ولد- كما بخط والده- فى رجب سنة إحدى وثمانمائة بالميمون، قرية أقرب من النويرة إلى مصر.
وقدم القاهرة فحفظ القرآن، ومختصر ابن الحاجب، وألفية ابن مالك والشاطبيتين، وعرضها على حفيد ابن مرزوق التلمسانى، ومحمد بن محمد بن محمد بن يفتح الله، والولى العراقى، والعز بن جماعة، وأجازوه.
وتلا بالعشر على غير واحد أجلهم ابن الجزرى، لقيه بمكة فى رجب سنة ثمان وعشرين حين مجاورتهما، وأجاز له هو والزين بن عياش وغيرهما، ومن شيوخه فيها أيضا الزراتيتى.
ولازم البساطى فى الفقه وغيره من العلوم العقلية، وأذن له فى الإفتاء والتدريس، وأخذ العربية والفقه أيضا عن الشهاب الصنهاجى، والفقه فقط عن الجمال الأقفهسى، وحضر عند الزين عبادة مجلسا واحدا، والعربية وغيرها عن الشمس الشطنوفى، وأخذ عن الهروى فى قدمته الثانية.
وقرأ على شيخ الإسلام ابن حجر العسقلانى شرحه للنخبة وأذن له فى إفادتها، وكذا أخذ عنه فى شرح الألفية، وقرأ عليه الموطأ وغيره. وعلى الزين الزركشى صحيح مسلم، وعلى البدر حسين البوصيرى فى الدار قطنى، ولم يكثر من ذلك.
وناب فى القضاء عن شيخه البساطى ثم ترك، ولم يزل يدأب فى التحصيل حتى برع فى الفقه، والأصلين، والنحو، والصرف، والعروض، مع زيادات وشرحها فى نحو عشرين كراسا، وله أيضا مقدمة فى النحو لطيفة الحجم، ومنظومة سماها: الغياث فى القراءات الثلاث الزائدة على السبعة، وهى لأبى جعفر ويعقوب وخلف وشرحها، ونظم النزهة لابن الهائم فى أرجوزة نحو مائتى بيت وشرحها فى كراريس، وعمل قصيدة دون ثلاثين بيتا فى علم الفلك وشرحها، وله شرح طيبة النشر فى القراءات العشر لشيخه ابن الجزرى فى مجلدين . والقول الجاذ لمن قرأ بالشاذ، وكراسة تكلم فيها على قوله تعالى: إِنَّما يَعْمُرُ مَساجِدَ اللَّهِ [التوبة: 18]، وأخرى فيها أجوبة عن إشكالات معقولية ونحوها، وأخرى من نظمه فيها أشياء فقهية وغيرها وغير ذلك.
وحج مرارا وجاور فى بعضها، وأقام بغزة والقدس ودمشق وغيرها من البلاد، وانتفع به فى غالب هذه النواحى، مع أنه لو استقر بموطن واحد كان أبلغ فى الانتفاع به وكذا انتفعوا به فى الفتاوى.
وكان إماما عالما علامة متفننا فصيحا مفوها بحاثا ذكيّا، آمرا بالمعروف ناهيا عن المنكر، صحيح العقيدة شهما مترفعا على بنى الدنيا ونحوهم، مغلظا لهم فى القول، متواضعا مع الطلبة والفقراء، وربما يفرط فى ذلك وفى الانبساط معهم كبيرهم وصغيرهم، عالى الهمة باذلا جاهه مع من يقصده فى مهمة، ذا كرم بالمال والإطعام، يتكسب بالتجارة بنفسه وبغيره مستغنيا بذلك عن وظائف الفقهاء؛ ولذا قيل: إنه عرض عليه قضاء المقدس فامتنع، بل قيل:
إنه طلب لقضاء مصر فأبى، ولكن قيل أيضا إنه ولى قضاء الشام فلم يتم، قال السخاوى فى «الضوء اللامع»: وحكى لى البدر السعدى قاضى الحنابلة أنه بينما هو عنده فى درسه إذ حضر إليه الشرف الأنصارى بمربعة بمرتب العينى فى الجوالى بعد موته، وهو فى كل يوم دينار، فردها وقال: إن جقمق يروم يستعبدنى فى موافقته بهذا
المرتب، أو كما قال.
وابتنى بالخانقاه السرياقوسية مدرسة ووقف عليها ما كان فى حوزته من أملاك وجعل فائضها لأولاده.
وكان ابن حجر شيخ الإسلام العسقلانى كثير الإجلال والتبجيل له معتمدا عليه فى مذهبه.
قال السخاوى: سمعت العز قاضى الحنابلة يقول: إنه لم يخلف بعده فى مجموعه مثله، وقد اجتمعت به مرارا بالقاهرة ومكة وسمعت من فوائده وعلقت من نظمه أشياء ومن ذلك قوله:
وأفضل خلق الله بعد نبينا ... عتيق ففاروق فعثمان مع على
وسعد سعيد وابن عوف وطلحة ... عبيدة منهم والزبير فتم لى
كذا قال: عبيدة، وإنما هو أبو عبيدة.
وكانت فيه حدة مفرطة واستحالة فى أحواله وطرقه.
مات بمكة فى ضحى يوم الاثنين رابع جمادى الأولى سنة سبع وخمسين، وصلى عليه بعد العصر عند باب الكعبة، ونودى عليه من أعلى قبة زمزم ودفن بالمعلاة بمقبرة بنى النويرى، وكانت جنازته حافلة، وإيانا.