روى الإمام أحمد بسند صحيح عَنْ عَبْدِ اللهِ بْنِ عَامِرٍ أَنَّهُ قَالَ: أَتَانَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي بَيْتِنَا وَأَنَا صَبِيٌّ ، قَالَ : فَذَهَبْتُ أَخْرُجُ لِأَلْعَبَ ، فَقَالَتْ أُمِّي : يَا عَبْدَ اللهِ ، تَعَالَ أُعْطِكَ ، فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " وَمَا أَرَدْتِ أَنْ تُعْطِيَهُ ؟ " ، قَالَتْ : أُعْطِيهِ تَمْرًا ، قَالَ: فَقَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ : " أَمَا إِنَّكِ لَوْ لَمْ تَفْعَلِي كُتِبَتْ عَلَيْكِ كَذْبَةٌ " ؛ والحديث رواه أبو داود وغيره .

فانظر - رحمني الله وإياك - إلى هذه التربية العالية .. إنها رسالة لمن يقسم الكذب إلى أبيض وأسود .. فهذه في عرفهم كذبة بيضاء ، لأنها لا تضر … زعموا .

يكفي في ضررها أنها تربي الأولاد على الكذب ، وعدم الثقة في كلام آبائهم .. أليست هذه مصيبة عظيمة سببها مثل هذه الكذبة ؟!

وأعلى أنواع الكذب : كذب الملوك ، لأنه أمر مستهجن ، فلماذا يكذب ملك أو حاكم ؟ ولذلك فإن جزاءه عظيم ، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ ، عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ : " ثَلَاثَةٌ لَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ ، وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ، وَلَا يُزَكِّيهِمْ ، وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ : شَيْخٌ زَانٍ ، وَمَلِكٌ كَذَّابٌ ، وَعَائِلٌ مُسْتَكْبِرٌ " .

وبين الكذبة الأولى وكذب الملوك أنواع من الكذب ، وأحسب أننا نعيشها جميعًا في زماننا هذا ، فيكذب الحكام على المحكومين ، ويكذب المحكومين على حكامهم ، ويكذب الآباء على الأبناء ، ويكذب الأبناء على الآباء ، ويكذب الرجال على أزواجهم ، وتكذب النساء على أزواجهن ، ويكذب الموظف على رئيسه ، ويكذب المدراء على موظفيهم ، ويكذب الصغير على الكبير ، ويكذب الكبير على الصغير ... حتى الدول يكذب بعضها على بعض ؛ وتسمع في وسائل الإعلام كذبًا ، وترى كذبًا ، وتقرأ كذبًا ..

حتى تكاد تقول : إنها أزمة صدق .. إلا من رحم الله .. وقليل ما هم .

مع أن الكذب مذموم بكل لسان ، وقد قال الشاعر القديم :

لا يكـذبُ المرءُ إلا مِنْ مَهَانَتِهِ ... أو عادةِ السُوءِ أو مِنْ قَلةِ الأدبِ