بسم الله الرحمن الرحيم


الكلاب وحضور الملائكة
عن ابن عباس عنه أنه قال سمعت رسول الله - يقول: (لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلبٌ ولا صورةٌ) وفي رواية (ولا تماثيل) [الجمع بين الصحيحين]
وعن عائشة أنها قالت: واعد رسول الله -- جبريل في ساعة ٍيأتيه فيها فجاءت تلك الساعة ولم يأته وفي يده عصا فألقاها من يده وقال: (ما يخلف الله وعده ولا رسله) ثم التفت فإذا جرو كلب تحت سريره، فقال: (يا عائشة متى دخل هذا الكلب ها هنا؟) فقالت: والله ما دريت. فأمر به فأخرج فجاء جبريل فقال رسول الله --: (واعدتني فجلست لك فلم تأت؟) فقال: (منعني الكلب الذي كان في بيتك، إنا لا ندخل بيتاً فيه كلبٌ ولا صورة) [مسلم]
قال النووي : " قال الخطابى: وإنما لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب أو صورة، مما يحرم اقتناؤه من الكلاب والصور، فأما ما ليس بحرام، من كلب الصيد والزرع والماشية، والصورة التي تُمتهن في البساط والوسادة وغيرهما: فلا يمتنع دخول الملائكة بسببه. وأشار القاضي إلى نحو ما قاله الخطابي.
والأظهر: أنه عام في كل كلب، وكل صورة، وأنهم يمتنعون من الجميع لإطلاق الأحاديث. ولأن الجرو الذي كان في بيت النبي تحت السرير، كان له فيه عذر ظاهر، فإنه لم يعلم به، ومع هذا امتنع جبريل من دخول البيت، وعلل بالجرو؛ فلو كان العذر في وجود الصورة والكلب لا يمنعهم، لم يمتنع جبريل والله أعلم". [شرح مسلم، للنووي]
وتعقبه العراقي بقوله: " وفيما ذكره النووي نظر، وقد عرفت أن مما نقل هو عن العلماء التعليل به: أنها منهي عن اتخاذها، وذلك مفقود في المأذون في اتخاذه. ولا يصح استدلاله بذلك الجرو؛ لأنه لم يكن مأذونا في اتخاذه، بل هو منهي عنه؛ إلا أن عدم العلم به أسقط الإثم، فهو غير مكلف، للغفلة عنه. فلا يلزم من عدم دخولهم بيتا فيه كلب غير مأذون في اتخاذه امتناعُهم من دخول بيت فيه كلب مأذون في اتخاذه؛ لعدم التقصير مع الإذن. وما جاء نقصان أجر العمل، إلا مع عدم الإذن في الاتخاذ؛ فكذلك امتناع دخول الملائكة. والله أعلم" [طرح التثريب]
وعليه: فالأظهر: أن الكلب المأذون في اقتنائه لا يمنع دخول الملائكة.
وفي «فتاوى اللجنة الدائمة»:"من اقتنى كلبا لصيد أو حراسة: كان ذلك جائزا له، فلا يمنع الملائكة من دخول البيت".
قتل الكلاب
أخرج الإمام مسلم من حديث جابر بن عبد الله قال: أَمَرَنَا رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، حَتَّى إِنَّ الْمَرْأَةَ تَقْدَمُ مِنَ الْبَادِيَةِ بِكَلْبِهَا فَنَقْتُلُهُ، ثُمَّ نَهَى النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ قَتْلِهَا، وَقَالَ: (عَلَيْكُمْ بِالْأَسْوَدِ الْبَهِيمِ ذِي النُّقْطَتَيْنِ، فَإِنَّهُ شَيْطَانٌ).
وتفسيره كما قال النووي في «شرح صحيح مسلم»: "معنى البهيم: الخالص السواد، وأما النقطتان فهما نقطتان معروفتان بيضاوان فوق عينيه، وهذا مشاهد معروف ".
والحديث يبين أنه كان هناك أمر بقتل الكلاب، ثم نهى النبي بعد ذلك عن قتلها، إلا الكلب الأسود الخالص الذي فوق عينيه نقطتان فقد أذن بقتله.
واتفق أهل العلم على جواز قتل الكلب العقور الذي يعتدي على الناس، والكلب الكَلِب أي المصاب بداء الكلب. قال الإمام النووي في «شرح صحيح مسلم»: "أَجْمَعَ الْعُلَمَاءُ عَلَى قتل الكلْب الكلِب والكلب العقور واختلفوا في قتل مالا ضَرَرَ فِيهِ ".
وكذلك اتفق أهل العلم على حرمة قتل الكلب الذي أذن الشرع في اقتنائه مثل كلب الصيد والماشية.
قال ابن قدامة في «المغني»: "أَمَّا قَتْلُ الْمُعَلَّمِ فَحَرَامٌ، وَفَاعِلُهُ مُسِيءٌ ظَالِمٌ، وَكَذَلِكَ كُلُّ كَلْبٍ مُبَاحٍ إمْسَاكُهُ؛ لِأَنَّهُ مَحَلٌّ مُنْتَفَعٌ بِهِ يُبَاحُ اقْتِنَاؤُهُ، فَحُرِّمَ إتْلَافُهُ، كَالشَّاةِ. وَلَا نَعْلَمُ فِي هَذَا خِلَافًا ".
واختلف أهل العلم في حكم قتل ما سوى ذلك من الكلاب على عدة أقوال:
** الأول: أن الأمر بقتل الكلاب منسوخ، ولا يجوز قتل شيء منها سوى المؤذي فقط، وهو قول الحنفية، كما في «الدر المختار»، والمعتمد عند الشافعية.
** الثاني: جواز قتل الكلاب إلا كلب الصيد والماشية، وهو قول الإمام مالك، قال القاضي عياض في «إكمال المعلم»: "ذهب كثير من العلماء إلى الأخذ بالحديث في قتل الكلاب، إلا ما استثني من كلب الصيد وما ذكره معه، وهو مذهب مالك وأصحابه ".
** الثالث: أنه يجوز قتل الكلب الأسود البهيم، وهو المعتمد عند الحنابلة، قال ابن قدامة في «المغني»: "فَأَمَّا قَتْلُ مَا لَا يُبَاحُ إمْسَاكُهُ، فَإِنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ الْبَهِيمَ يُبَاحُ قَتْلُهُ؛ لِأَنَّهُ شَيْطَانٌ. قَالَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ الصَّامِتِ: سَأَلْت أَبَا ذَرٍّ فَقُلْت:" مَا بَالُ الْأَسْوَدِ مِنْ الْأَحْمَرِ مِنْ الْأَبْيَضِ؟ فَقَالَ: سَأَلْت رَسُولَ اللَّهِ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - كَمَا سَأَلْتنِي، فَقَالَ: الْكَلْبُ الْأَسْوَدُ شَيْطَانٌ ". رَوَاهُ مُسْلِمٌ، وَرُوِيَ عَنْ النَّبِيِّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - أَنَّهُ قَالَ: (لَوْلَا أَنَّ الْكِلَابَ أُمَّةٌ مِنْ الْأُمَمِ لَأَمَرْت بِقَتْلِهَا، فَاقْتُلُوا مِنْهَا كُلَّ أَسْوَدَ بَهِيمٍ)".
وسبب الخلاف بين أهل العلم في ذلك هو التعارض الظاهري بين النصوص الواردة في المسألة، فقد وردت أحاديث بالأمر بقتل الكلاب عامة دون تخصيص، ومن ذلك ما أخرجه البخاري، ومسل من حديث عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُمَرَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمَا، " أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الكِلاَبِ".
ووردت أحاديث أخرى بالأمر بقتل الكلاب باستثناء كلب الصيد والماشية، ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه عَنِ ابْنِ عُمَرَ،" أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَمَرَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، إِلَّا كَلْبَ صَيْدٍ، أَوْ كَلْبَ غَنَمٍ، أَوْ مَاشِيَةٍ".

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com