بسم الله الرحمن الرحيم


ووردت أحاديث تبين أن أول الأمرين كان الأمر بقتل الكلاب، ثم نهى النبي عن قتلها بعد ذلك، ومن ذلك ما أخرجه مسلم في صحيحه من حديث عبد الله بْنِ الْمُغَفَّلِ، قَالَ: أَمَرَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِقَتْلِ الْكِلَابِ، ثُمَّ قَالَ: (مَا بَالُهُمْ وَبَالُ الْكِلَابِ؟) ثُمَّ رَخَّصَ فِي كَلْبِ الصَّيْدِ وَكَلْبِ الْغَنَمِ، وَقَالَ: (إِذَا وَلَغَ الْكَلْبُ فِي الْإِنَاءِ فَاغْسِلُوهُ سَبْعَ مَرَّاتٍ، وَعَفِّرُوهُ الثَّامِنَةَ فِي التُّرَابِ).
ووردت أحاديث بالتنصيص على قتل نوعين من الكلاب خاصة، وهما الكلب العقور، والكلب الأسود البهيم، وفي بعض هذه الأحاديث ما يفيد أنها كانت بعد النهي عن قتل الكلاب.
فأما الكلب العقور فقد ورد فيه ما أخرجه البخاري ومسلم عَنْ عَائِشَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهَا، أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: (خَمْسٌ مِنَ الدَّوَابِّ، كُلُّهُنَّ فَاسِقٌ، يُقْتَلْنَ فِي الحَرَمِ: الغُرَابُ، وَالحِدَأَةُ، وَالعَقْرَبُ، وَالفَأْرَةُ، وَالكَلْبُ العَقُورُ).
وأما الكلب الأسود البهيم فورد فيه الحديث السابق .. والراجح من هذه الأقوال: هو النهي عن قتل الكلاب إلا الكلب العقور والأسود البهيم .
ثم إن الأمر بقتل الكلب الأسود ليس على سبيل الوجوب، حتى عند من قال إن الأمر بقتله لم ينسخ. قال ابن مفلح في «الفروع»: "وَلَمْ أَجِدْ أَحَدًا صَرَّحَ بِوُجُوبِ قَتْلِهِ" انتهى .
وعلى ذلك: فلا إثم على من ترك قتله، لا سيما إذا لم يكن مملوكا له .
ويتأكد هذا – أي: ترك قتله، من غير حرج في ذلك – إذا كان في قتله ضرر على القاتل، كملاحقة قانونية، إذا كان ذلك في بلد غير إسلامي يعتبر قتل الكلب الأسود وغيره جريمة يعاقب عليها القانون .
وبناء على هذا يقال: إن من استطاع قتل الكلب الاسود، بلا مفسدة راجحة: فقد أحسن . ومن ترك قتله، أو لم يستطع قتله لما في قتله من ضرر عليه: فلا حرج عليه ولا إثم.

أما فقه الحديث فهو على ظاهره، وهو من أمثلة الناسخ والمنسوخ، فقد أمر النبي بقتل الكلاب كلها، ثم نسخ الأمر بقتلها باستثناء الكلب الأسود البهيم، وذي النقطتين؛ والكلب العقور، فإنه يجوز قتلها؛ لما فيها من الضرر .
قال الخطابي- -: " معنى هذا الكلام: أنَّ النَّبيَّ كَرِه إفناءَ أمَّةٍ من الأمم، وإعدامَ جيلٍ من الخَلْق حتى يأتي عليه كله فلا يبقى منه باقيةٌ؛ لأنَّه ما مِن خلقٍ لله تعالى إلا وفيه نوعٌ مِن الحكمةِ وضربٌ من المصلحة، يقول: إذا كان الأمر على هذا ولا سبيل إلى قتلهن كلهن: فاقتلوا شرارهن وهي السود البهم، وأبقوا ما سواها، لتنتفعوا بهن في الحراسة" [معالم السنن]
وقال القاضي عياض – -: " عندي: أنَّ النهيَ أولاً كان نهياً عامّاً عن اقتناء جميعها، وأمر بقتل جميعها، ثم نهى عن قتل ما سوى الأسود، ومنع الاقتناء في جميعها إلا كلب صيدٍ أو زرعٍ أو ماشيةٍ .
قال النووي: "وهذا الذي قاله القاضي هو ظاهر الأحاديث، ويكون حديث ابن مغفل مخصوصاً بما سوى الأسود؛ لأنَّه عامٌّ، فيُخص منه الأسود بالحديث الآخر"
وهذا الحديث يدل على أن الكلب الأسود شيطان، وأنه يُقتل .وليس معنى وصفه بأنه شيطان أنه من الجن، ولكن المعنى: أن هذا الكلب يشابه الشيطان في بعض صفاته، كما يقول الناس في وصف من عُرف بالشر والفساد: إنه شيطان .
قال ابن عبد البر : " وَأَمَّا قَوْلُ مَنْ ذَهَبَ إِلَى قَتْلِ الْأَسْوَدِ مِنْهَا بِأَنَّهُ شَيْطَانٌ عَلَى مَا رُوِيَ فِي ذَلِكَ فَلَا حُجَّةَ فِيهِ لِأَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ قَدْ سَمَّى مَنْ غَلَبَ عَلَيْهِ الشَّرُّ مِنَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ شَيْطَانًا بِقَوْلِهِ شَيَاطِينَ الْإِنْسِ وَالْجِنِّ وَلَمْ يَجِبْ بِذَلِكَ قَتْلُهُ وَقَدْ جَاءَ فِي الْحَدِيثِ الْمَرْفُوعِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رجلا يتبع حمامة فقال شيطان يتبع شيطانة وَلَيْسَ فِي ذَلِكَ مَا يَدُلُّ عَلَى أَنَّهُ كَانَ مَسْخًا مِنِ الْجِنِّ وَلَا أَنَّ الْحَمَامَةَ مُسِخَتْ مِنِ الْجِنِّ وَلَا أَنَّ ذَلِكَ وَاجِبٌ قَتْلُهُ "
وقال أبو بكر ابن العربي المالكي: " .. شيطان: أي: بعيدٌ من الخير والمنافع، قريب من الضّرر والأذى، وهذا شأن الشَّيطان أنّ يتعدّى الخير".
وجاء في «مرقاة المفاتيح»: "قَالَ الْقَاضِي أَبُو لَيْلَى: فَإِنْ قِيلَ: مَا مَعْنَى قَوْلِهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الْكَلْبِ الْأَسْوَدِ: (إِنَّهُ شَيْطَانٌ) وَمَعْلُومٌ أَنَّهُ مَوْلُودٌ مِنْ كَلْبٍ، وَكَذَلِكَ قَوْلُهُ فِي الْإِبِلِ: (إِنَّهَا جِنٌّ) وَهُوَ مَوْلُودَةٌ مِنَ النُّوقِ؟ فَالْجَوَابُ: أَنَّهُ إِنَّمَا قَالَ ذَلِكَ عَلَى طَرِيقِ التَّشْبِيهِ لَهُمَا بِالشَّيْطَانِ وَالْجِنِّ، لِأَنَّ الْكَلْبَ الْأَسْوَدَ شَرُّ الْكِلَابِ وَأَقَلُّهَا نَفْعاً، وَالْإِبِلُ شِبْهُ الْجِنِّ فِي صُعُوبَتِهَا وَصَيالتِهَا " انتهى .
وقرر نحوا من ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في «شرح العمدة»، قال: "أشار في الإبل إلى أنها من الشياطين؛ يريد والله أعلم: أنها من جنس الشياطين ونوعهم؛ فإن كل عات متمرد شيطان، من أي الدواب كان، كالكلب الأسود شيطان، والإبل شياطين الأنعام، كما للإنس شياطين، وللجن شياطين، ولهذا قال عمر بن الخطاب لما أركبوه برذونا، فجعل يهملج به، فقال: "إنما أركبوني شيطانا" .."
وذهب بعض أهل العلم إلى حمل الحديث على ظاهره، وأن الجن تتصور بصورة الكلب الأسود كثيرا .
قال أبو العباس القرطبي : "حمله بعض العلماء على ظاهره، وقال: إن الشياطين تتصور بصور الكلاب السود، ولأجل ذلك قال : (اقتلوا منها كل أسود بهيم)".
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية : " وقد تنازع العلماء في شيطان الجن اذا مر بين يدى المصلي هل يقطع على قولين هما قولان في مذهب أحمد كما ذكرهما ابن حامد وغيره
أحدهما: يقطع لهذا الحديث ولقوله لما أخبر أن مرور الكلب الأسود يقطع للصلاة (الكلب الأسود شيطان) فعلل بأنه شيطان وهو كما قال رسول الله فإن الكلب الأسود شيطان الكلاب والجن تتصور بصورته كثيرا وكذلك بصورة القط الأسود لأن السواد أجمع للقوى الشيطانية من غيره وفيه قوة الحرارة".
وعليه فمن أطعم هذا الكلب الأسود أو سقاه فليس بمحسن للشيطان الرجيم الذي هو من الجن. ومع هذا فينبغي قتل هذه الكلاب إن تيسر ذلك إنفاذاً لأمر النبي كما فعل الصحابة رضوان الله عليهم

د/ خالد سعد النجار
alnaggar66@hotmail.com