في ظلال أسماء السور القرآنية (1)
أين موسى وعيسى ؟
طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية
يستوقف قارئ القرآن المتدبر لأسماء سوره اختصاص قلة من الرسل الكرام بتسمية بعض السور الكريمة بأسمائهم، وغياب الآخرين ممن كان لهم ولأقوامهم حضور بارز في قصص القرآن وآياته، وممن يُعتبر المنتسبون إليهم هم الغالبية العظمى من بقايا أتباع الرسالات، كما في حالة موسى وعيسى مثلاً، وقد نقل السيوطي قول بعضهم:" كاد القرآن أن يكون كله موسى"، ثم تساءل عن الحكمة من عدم ورود سورة باسم موسى .
ولعل الحكمة من ذلك هي التأكيد على نسخ الرسالتين السابقتين للنبيين الكريمين موسى وعيسى ، ومن هنا نلاحظ أولاً أنه لم تأت سورة باسم التوراة ولا الإنجيل كذلك، في حين تسمت سورة كريمة باسم الكتاب الخاتم: ( الفرقان/ القرآن).
وربما لو وردت سورة باسم أحد النبيين أو كتابيهما لوقع الوهم في بعض النفوس أن العمل بما جاءا به لا يزال قائما.
ومن جهة أخرى فإن سورتي يوسف والإسراء، تعالج أولاهما بداية بني إسرائيل كمجموعة رسالية مكلفة بوظيفة دينية، ثم عزل هذه المجموعة بعد تخليها عن وظيفتها، بل وقيامها بما يتناقض مع تلك الوظيفة من الكفر والإفساد كما تبين ذلك سورة الإسراء/ بني إسرائيل، وهذه التسمية المزدوجة تفيد أولاً عزل بني إسرائيل لإفسادهم، ومن ثم انتقال الإمامة الدينية إلى محمد وأمته، وهو ما ترمز إليه رحلة الإسراء وإمامة محمد بالأنبياء.
وإجابة عن السؤال لِمَ لَمْ تأت سورة باسم عيسى مع كونه الأقرب زماناً من نبينا عليهما الصلاة والسلام، والقوم الذين ينتسبون إليه أكبر الأقوام عدداً وقوة ونفوذاً؟
ونقول هنا ما سبق قوله بالنسبة لموسى ، ذلك أن مقصود رسالة الإسلام التأكيد على نسخ ما سبق من الرسالات، ومن هنا فلو جاءت سورة باسم موسى أو عيسى لتُوُهِّم جواز اتباعهما، وجواز بقاء أهل الكتاب على أديانهم بعد التأكيد على نسخها، هذا من جهة، ومن جهة أخرى، وبالنسبة لعيسى ، فإن مجيء سورة باسمه، قد يعزز دعاوى مؤلهيه، في حين أن المطلوب هو نقيض ذلك وهو التأكيد على بشريته وعبوديته لله تعالى، ولذلك تولت سور آل عمران ومريم والمائدة، وكذا الصف، إبراز عدد من الحقائق فيما يتعلق بعيسى :
أولها، أن عيسى هو امتداد لرسالة موسى فهو مصدق لما بين يديه من التوراة، وأن عيسى هو الحلقة الأخيرة المُعلِنة نهاية دور بني إسرائيل، والمبشر بدور محمد وأمته.
والثاني، التشابه القائم بين تكوين بني إسرائيل كمجموعة رسالية، وإنهاء دورهم، من خلال التكوين الخارق والميلاد المعجز ليتشابه البدء بالختام؛ فقد كان ميلاد إسحق ، والد يعقوب/ إسرائيل، ميلاداً خارقاً معجزاً من عجوز عقيم وزوجها شيخ، ثم كان ميلاد النبيين الأخيرين من بني إسرائيل: يحيى وعيسى، ميلاداً معجزاً خارقاً، فجاء الأول من أم عاقر ووالد بلغ من الكبر عتياً، وجاء عيسى من عذراء لم يمسسها بشر.
ويظهر جلياً من دعاء زكريا وشدة تضرعه لطلب الولد، ونذر امرأة عمران لله ما في بطنها كذلك، خوفهما على الدين، وأن الموجودين من قومهما ليس فيهم من يُطمأنّ إلى أهليته لاستمرار الوظيفة.
وقد كان زكريا واعياً إلى أنه امتداد ليعقوب وهو يسأل الله تعالى مَن يحمل معه الدين ويرثه بعده ﴿ فهب لي من لدنك ولياً يرثني ويرث من آل يعقوب﴾، كما كان يعقوب من قبل واعياً إلى المهمة المنوطة به وبأولاده وذريته من بعده وهو يؤول رؤيا يوسف ﴿ وَكَذَٰلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَلِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الْأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَهُ عَلَيْكَ وَعَلَىٰ آلِ يَعْقُوبَ كَمَا أَتَمَّهَا عَلَىٰ أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾.
وبالإضافة إلى أنه لم ترد سورة باسم عيسى ، فقد جاءت سورتان إحداهما باسم والدته ( مريم)، وآل أمه ( آل عمران) وأبرزهم جدته وأمه، وكان اللافت أن تتضمن سورة آل عمران حمل جدته بأمه ووضعها مريم، وتبشير الملائكة أمه به، ثم تتضمن سورة مريم حمل أمه وولادتها له.
وقد تكرر أن عيسى هو ابن مريم كثيراً في القرآن الكريم، فعيسى هو ابن مريم، ومريم هي ابنة عمران، وعمران هو امتداد ( بيولوجي) ينتهي بآدم مروراً بإبراهيم ونوح عليهم الصلاة والسلام، أي أن عيسى في المحصلة هو ابن آدم، ومَثله مَثل آدم، ومن هنا تقرر السورة:﴿ إن مثل عيسى عند الله كمثل آدم خلقه من تراب ثم قال له كن فيكون﴾، بعد أن أكدت في البداية: ﴿ إن الله اصطفى آدم ونوحاً وآل إبراهيم وآل عمران على العالمين، ذرية بعضها من بعض﴾، وبعد تأكيد بشريته العريقة وآدميته الأصيلة يتكرر الحديث عن عبوديته ونفي ألوهيته أو بنوته لله تعالى، بدءاً من كلامه الأول في المهد: ﴿ قالوا كيف نكلم من كان في المهد صبياً قال إني عبد الله﴾، ويأتي التعقيب في آل عمران: ﴿ إن هذا لهو القصص الحق وما من إله إلا الله﴾، والتعقيب في سورة مريم: ﴿ ذلك عيسى ابن مريم قول الحق الذي فيه يمترون ما كان لله أن يتخذ من ولد سبحانه إذا قضى أمراً فإنما يقول له كن فيكون﴾، وفي سورة المائدة يأتي التأكيد بسؤال عيسى إن كان، وحاشاه، قد قال غير ما أُمر به: ﴿ وَإِذْ قَالَ اللّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ أَأَنتَ قُلتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَـهَيْنِ مِن دُونِ اللّهِ قَالَ سُبْحَانَكَ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ مَا لَيْسَ لِي بِحَقٍّ إِن كُنتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ تَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِي وَلاَ أَعْلَمُ مَا فِي نَفْسِكَ إِنَّكَ أَنتَ عَلاَّمُ الْغُيُوب مَا قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا مَا أَمَرْتَنِي بِهِ أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ وَكُنتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَّا دُمْتُ فِيهِمْ فَلَمَّا تَوَفَّيْتَنِي كُنتَ أَنتَ الرَّقِيبَ عَلَيْهِمْ وَأَنتَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾.