عدم الإفراط في المزاح ؛ إنما هو كالملح للطعام ؛ قال الغزَّالي - : فإن قلت : قد نقل المزاح عن رسول الله وأصحابه ، فكيف ينهى عنه ؟ فأقول : إن قدرت على ما قدر عليه رسول الله وأصحابه ، وهو أن تمزح ولا تقول إلا حقًّا ، ولا تؤذي قلبًا ، ولا تفرط فيه ، وتقتصر عليه أحيانًا على الندور ، فلا حرج عليك فيه ؛ ولكن من الغلط العظيم أن يتخذ الإنسان المزاح حرفة ، يواظب عليه ، ويفرط فيه ، ثم يتمسك بفعل الرسول ؛ وهو كمن يدور نهاره مع الزنوج ينظر إليهم وإلى رقصهم ، ويتمسك بأن رسول الله أذن لعائشة في النظر إلى رقص الزنوج في يوم عيد ؛ وهو خطأ ، إذ من الصغائر ما يصير كبيرة بالإصرار ، ومن المباحات ما يصير صغيرة بالإصرار ؛ فلا ينبغي أن يغفل عن هذا [1] .

ويقال : أكثر أسباب القطيعة المزاح ؛ وإن كان لا غنى للنفس عنه للجمام ، فليكن بمقدار الملح في الطعام ؛ قال أبو الفتح البستي - :

أَفْدِ طَبْعَك الْمَكْدُودَ بِالْجِدِّ رَاحَةً ... يُجَمُّ وَعَلِّلْهُ بِشَيْءٍ مِنْ الْمَزْحِ

وَلَكِنْ إذَا أَعْطَيْتَهُ الْمَزْحَ فَلْيَكُنْ ... بِمِقْدَارِ مَا تُعْطِي الطَّعَامَ مِنْ الْمِلْحِ

وقال الراغب : المزاح والمداعبة إذا كان على الاقتصاد محمود ، والإفراط فيه يذهب البهاء ، ويجرئ السفهاء ، ولا ينتج إلا الشر .ا.هـ .

-----------------------------------------------------

[1] - انظر ( إحياء علوم الدين ) 3 / 128 ، 129 .