قصة آدم ... بين القرآن وسفر التكوين (1)


طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية


بينما يؤكد القرآن الكريم ربانية مصدره، تكرر العديد من الجهات ما بين المستشرقين والمستغربين والمهتمين بالدراسات الإنسانية والدراسات الأسطورية، على أن القرآن قد ورث عن الكتاب المقدس- بعهديه- قصصه وأبطاله، وعقائده وأخلاقه، وتعاليمه وتشريعاته، وأن الكتاب المقدس قد أخذ عن الحضارات السابقة وأبرزها منطقة ما بين النهرين الكثير من محتوياته.

والدين نفسه عند كثير من هؤلاء ليس أكثر من نتاج بشري، وعناصر التشابه بين الأديان مرجعها غالباً أخذ اللاحق عن السابق، أو تشابه التجربة البشرية؛ بمعنى وحدة المثيرات التي أنتجت وحدة الاستجابات.
واللافت أن القرآن الكريم قد نبه إلى أن بعض معتقدات أهل الكتاب؛ وتحديدا، القول: بأن لله ولداً، هي من تقليدهم للسابقين:﴿ وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله ذلك قولهم بأفواههم يضاهئون قول الذين كفروا من قبل﴾[ سورة التوبة: 30]، والمعنى واضح في تعبير "المضاهاة" التي تعني التقليد والمتابعة والمشابهة، وقد أفاض المفسرون، والذين كتبوا في مقارنة الأديان، من قديم في تفصيل ذلك، كما فعل ابن حزم وغيره. ولكن النظرية القرآنية – إن صح التعبير- لتاريخ الدين ونشأته، لها منطق غير الذي عند المنتسبين للأديان السابقة من رجال الدين أو المتخصصين في الأديان من المستشرقين وغيرهم، وإن تقاطعت معها أو تلاقت في نقاط عديدة، وهذه النظرية ترى أن أصل الدين الإلهي واحد، وأن الأمم عبر التاريخ تنكبت صراط الله المستقيم، وضيعت هداية الله تعالى إليها، حتى كانت رسالة محمد المحفوظة، وهي القرآن، وشرحه القولي والعملي ممثلة بالسنة النبوية.

أولاً: الجانب الشكلي للقصة


لعل مما لا ينبغي تجاهله عند التفريق بين القصص القرآني والقصص في العهد القديم، الناحية الشكلية قبل الخوض في المضامين والموضوعات.
الجانب الأول في ذلك ناحية الحجم فبينما يتسم القصص في العهد القديم بالطول المفرط، يتميز النص القرآني بالاختصار والاختزال الشديد، وبينما يغرق العهد القديم في تفاصيل الزمان والمكان والأشخاص والأنساب والأحداث، يتجه القصص القرآني إلى تجاوز غالبية تلك التفاصيل إلا ما يدعو إليه الغرض المسوق لأجله القصة، وحيث يتبع النص التوراتي التسلسل الزمني التاريخ، نجد النص القرآني يعرض أجزاء من القصة الواحدة في مواضع شتى كل جزء منها يؤدي وظيفة خاصة في السياق الذي جاء فيه، والزمن الذي نزل فيه.
الجانب الآخر الذي ينبغي الوقوف عنده وبتمعن، هو ملاحظة المتكلم والمخاطب في القرآن والعهد القديم، ففي العهد القديم يظهر جلياً أن المتحدث أو الراوي هو شخص – وربما أشخاص- على مدى أزمنة متعددة، يروون أحداثاً في الماضي، حتى عن قصة موسى نفسه، فيما يفترض أنه هو الذي أخبر به، لا بل إن في العهد القديم إخباراً عن وفاة موسى!!.
ويعترف، حتى آباء الكنيسة المعاصرون، بأن سفر التكوين لم يؤلف دفعة واحدة وذلك في قولهم في مدخل سفر التكوين: " ولا بد من التذكر بأن سفر التكوين لم يؤلف دفعة واحدة، بل جاء نتيجة عمل أدبي استمر عدة أجيال"[1]، وقولهم في السياق نفسه، بأن الكتاب المقدس قد تكوّن من (كتابات متتالية) .
أما في القرآن الكريم فدور الرسول محمد واضح في كونه مخاطَباً متلقياً للقصص، والمتكلم هو الرب تعالى، كما يتضح من النص، في عشرات المرات التي ترد فيها القصص، ومن أمثلة ذلك:
- قوله تعالى: ﴿ نحن نقص عليك أحسن القصص بما أوحينا إليك هذا القرآن﴾.
- وقوله سبحانه: ﴿ وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك وجاءك في هذه الحق وموعظة وذكرى للمؤمنين﴾.
- وقوله تعالى:﴿ واضرب لهم مثلاً أصحاب القرية إذ جاءها المرسلون﴾.
- وقوله سبحانه: ﴿ واذكر في الكتاب مريم إذ انتبذت من أهلها مكاناً شرقيا﴾.
- وقوله: ﴿ أم حسبت أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً﴾.
- وقوله سبحانه:﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾.
فالمخاطب وهو الرسول المتلقي يظهر في كل النصوص السابقة: مرة من خلال فعل الأمر: (واضرب، واذكر)، ومرة من خلال ضمير المخاطب الكاف أو التاء: (عليك، ربك، فؤادك، حسبتَ).
والمتكلم مع الرسول يأمره بأن يذكر، وأن يضرب مثلاً، ويتحدث عن ذاته بصيغة التعظيم، ويؤكد له أن الغاية مما يوحي إليه من القصص هي تثبيت فؤاده وتحقق الموعظة والذكرى للمؤمنين، فضلاً عن أن ما جاءه به هو الحق، ويصوب للرسول ما يمكن أن يتسلل إلى نفسه من حُسبان.
والجانب الثالث، وهو متصل بالجانب السابق، هو جانب الخاتمة الذي يتضمن التعليق على القصة ويشمل التأكيد على أن محمداً لم يكن شاهداً على ذلك الحدث لا هو ولا قومه وذلك في مثل قوله تعالى ﴿ ذلك من أنباء الغيب نوحيه إليك ....﴾ و ﴿ تلك من أنباء الغيب نوحيها إليك ما كنت تعلمها أنت ولا قومك من قبل هذا﴾، أو تنتهي القصة أو مجموعة القصص المتتابعة في سورة لتتحدث عن العبرة ﴿ إن في ذلك لآية وما كان أكثرهم مؤمنين ﴾.




ثانياً: أوجه المقارنة بالنسبة للمضمون


1) غاية خلق الإنسان


النص القرآني واضح في أن آدم وذريته قد خلقوا للخلافة في الأرض، ﴿ وإذ قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة﴾ [ سورة البقرة:30 ]، مع ما يتضمنه ذلك من عمارتها المادية، ﴿ هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها﴾، وإقامة الدين والحكم بالحق والعدل وعدم اتباع الهوى، ﴿ يا داود إنا جعلناك خليفة في الأرض فاحكم بين الناس بالحق ولا تتبع الهوى فيضلك عن سبيل الله﴾ [ سورة ص: 26]، والأرض ليست دار خلود بل هي دار اختبار وامتحان، وقد كان ذلك معروفا حتى لإبليس حين طلب من الله تعالى أن يؤخره إلى يوم بعث البشر﴿ قال رب فأنظرني إلى يوم يبعثون ﴾[ سورة ص: 79]، وكذلك بعد إخراج آدم وزوجه من الجنة وإسكانهما الأرض ﴿ قلنا اهبطوا منها جميعا فإما يأتينكم مني هدى فمن تبع هداي فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون، والذين كفروا وكذبوا بآياتنا أولئك أصحاب النار هم فيها خالدون﴾ [سورة البقرة: 38، 39].
وأهمية ذلك أن سُكنى الأرض ليست من باب العقوبة بقدر ما هي من باب التكريم والإقرار بالكفاءة، ويكفي التذكير بأن هذه المنزلة تمنتها الملائكة، وحنق بسببها إبليس على آدم وذريته، وتكون سكنى الجنة أقرب إلى الدورة التدريبية لآدم ومن بعده قبل مباشرة وظيفتهم في الأرض مزودين بالخبرات اللازمة، ومتعرفين على جبهة الأصدقاء وجبهة الأعداء، حيث إن آدم وزوجه قد نزلا إلى الأرض، حتى من الناحية الدينية، أفضل من حالهما الذي كانا عليه في الجنة ﴿ وعصى آدم ربه فغوى ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدى﴾ [ سورة طه: 121، 122].

أما في سفر التكوين فقد ورد في الإصحاح الأول( وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا، فيتسلطون على سمك البحر وعلى طير السماء، وعلى البهائم وعلى كل الأرض وعلى جميع الدبابات التي تدب على الأرض)، وورد في الإصحاح الثاني ( وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها).
إن التسلط على سمك البحر وطير السماء والأرض وما فيه، يقابله في القرآن الحديث عن تسخير ما في السماوات وما في الأرض للإنسان، وهذا التسخير ليس غاية الخلق، بل هو من مقتضيات الخلافة، حيث لا يتوقع أن يكون خليفة فيها ثم لا تطلق يده فيها ولا يعطى من المؤهلات والإمكانيات ما يعينه عليها.
والقرآن بخلاف سفر التكوين لا يتحدث عن الجنة التي سكنها آدم، بأنه طلب منه حفظها والعمل بها، بل إنها إضافة إلى وجود الاختبار والتجربة فيها، كانت لأجل سكنه واستمتاعه دون حصول أي مشقة؛ ﴿ إن لك ألا تجوع فيها ولا تعرى وأنك لا تظمأ فيها ولا تضحى﴾ [ سورة طه: 118، 119].

2) الخلق بين الإحسان والاستحسان!!


في الإصحاح الأول من من سفر التكوين حديث عن خلق السماوات والأرض وما فيهما يتكرر فيه نمط واحد ينتهي بذات اللازمة :( وقال الله ليكن كذا فكان كذا، ورأى الله كذا أنه حسن).
- (وقال الله ليكن نور فكان نور، ورأى الله النور أنه حسن(،
- )وقال الله لتجتمع المياه تحت السماء إلى مكان واحد، ولتظهر اليابسة وكان كذلك، ودعا الله اليابسة أرضاً، ومجتمع المياه دعاه بحاراً، ورأى الله ذلك أنه حسن
- )وقال لتنبت الأرض عشباً وبقلاً يبزر بزراً، وشجراً ذا ثمر يعمل ثمراً كجنسه، ورأى الله ذلك أنه حسن
ويتكرر المشهد، ويبدأ ب( وقال الله) فيكون ما قال الله، وينظر فيما خلق فيرى (أنه حسن)، ثم يكون صباح ومساء يوم جديد، حتى تمر أيام ستة، ( ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً وكان مساء وكان صباحٌ يوماً جديداً).

من الواضح هنا أن النص يخلط بين ما هو إلهي حيث يخلق الرب كل ما يخلق بكلمة ( كن)، ثم ينتكس النص فإذا الخالق- بحسب تصوير الكتبة- ينظر إلى ما خلقه فيستحسنه، وذلك كما يفعل أي صانع ينظر إلى صنعته مراجعاً عمله، فيستحسن أو يعدّل!!

وأما في السياق القرآني فالملاحظ:
- أن التعبير عن عملية إعداد الأرض للإنسان يأتي موجزاً مركزاً كما يليق بالخالق من غير إسقاطات النفس البشرية:
مثل قوله تعالى:﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين﴾[ سورة السجدة:7]
وقوله:﴿ وخلق كل شيء فقدره تقديراً﴾، وقوله:﴿ من كل شيء موزون﴾.

3) حقيقة أيام الخلق

أيام الخلق الستة التي في العهد القديم، كما يوحي السياق، هي أيامنا الأرضية، " وكان صباح وكان مساء، يوماً ثانياً...، يوماً ثالثاً...، يوماً رابعاً....، يوماً خامساً....، يوماً سادساً". ثم انتهى الكلام ليتحدث عن يوم السبت ليؤكد أن المقصود هو أيام الأسبوع الأرضية.

أما حديث القرآن الكريم عن الأيام الستة فمطلق وليس فيه ما يشبر إلى أيام الأرض، لا بل إن في القرآن الكريم آيات تتحدث أن اليوم في القرآن ليس دائماً يساوي فترة زمانية واحدة، بل إنه شيء نسبي يختلف بحسب ما ينسب إليه.

ففي القرآن مثلاً: ﴿وإن يوماً عند ربك كألف سنة مما تعدون﴾[ سورة الحج: 47]، وفيه أيضا: ﴿ تعرج الملائكة والروح إليه في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة﴾ [المعارج:4].

4) مباركة السبت يوم الراحة

ثم يعود السياق لينتكس فإذا الرب الخالق يبلغ به التعب كل مبلغ بعد هذا العمل الشاق!! فيستريح في اليوم السابع، كما يذكر الإصحاح الثاني:" فأكملت السماوات والأرض وكل جندها، وفرغ الله في اليوم السابع من عمله الذي عمل، فاستراح في اليوم السابع من جميع عمله الذي عمل، وبارك الله اليوم السابع وقدسه لأنه فيه استراح من جميع عمله الذي عمل الله خالقاً".
فالخلق الذي حدث بقول:( ليكن)، يرهق الخالق فيحتاج إلى الراحة!! بينما يؤكد القرآن الكريم أن الله تعالى قد خلق السماوات والأرض وما بينهما دون أن يمسه أي إجهاد أو تعب، ﴿ ولقد خلقنا السماوات والأرض وما بينهما في ستة أيام وما مسنا من لغوب﴾ [ سورة ق: 38]. ﴿ ولم يعْيَ بخلقهن﴾.
واللافت في الموضوع أن بركة السبت في العهد القديم جاءت مرتبطة بالاستراحة، مع العلم بأن معنى الإسبات مرتبط بالتوقف والانقطاع. ومعلوم مدى تشدد اليهود – ولو من الناحية النظرية على الأقل- في التوقف عن كافة النشاطات، يوم السبت.

بينما أهمية يوم الجمعة كيوم ذي خصوصية للمسلمين تكمن في الاجتماع على الصلاة وذكر الله، الذي يسبقه العمل الدنيوي، ثم يستأنف هذا العمل مباشرة بعد الصلاة، كما يتضح ذلك في آيتي الجمعة: ﴿ يا أيها الذين آمنوا إذا نودي للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون، فإذا قضيت الصلاة فانتشروا في الأرض وابتغوا من فضل الله واذكروا الله كثيراً لعلكم لعلكم تفلحون﴾ [ سورة الجمعة: 9، 10] .

5) متى خلق الإنسان؟

يتحدث القرآن أن الله تعالى أحسن خلق كل شيء ثم بدأ خلق الإنسان،﴿ الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين﴾ [ سورة السجدة: 7].
ويتفق سفر التكوين مع الإطار العام للفكرة، في أن الإنسان متأخر في الخلق والوجود عن الأرض وما فيها، لكن اللافت للنظر أن رواية الإصحاح الثاني للخلق تختلف عن رواية الإصحاح الأول، من حيث تحديد زمان خلق الإنسان، ومن حيث تأخر خلق حواء عن خلق آدم في الإصحاح الثاني، بينما يظهر من الإصحاح الأول عدم وجود فارق زمني بين خلق الرجل والمرأة.
فبينما يتحدث الإصحاح الأول عن خلق الإنسان ذكراً وأنثى في اليوم السادس من عملية الخلق، يتحدث الإصحاح الثاني أن هذا الخلق وبالذات خلق المرأة، تم بعد استراحة اليوم السابع.
ففي الإصحاح الأول:" وقال الله نعمل الإنسان على صورتنا كشبهنا فيتسلطون على سمك البحر، وعلى طير السماء، وعلى البهائم وعلى كل الأرض، وعلى جميع الدبابات التي تدب اعلى الأرض، فخلق الله الإنسان، على صورة الله خلقه، ذكراً وأنثى خلقهم، وباركهم الله وقال لهم: أثمروا وأكثروا واملأوا الأرض وأخضعوها وتسلطوا على سمك البحر وعلى طير السماء وعلى كل حيوان يدب على الأرض.... ورأى الله كل ما عمله فإذا هو حسن جداً، وكان مساءٌ وكان صباحٌ يوماً سادساً".

لكن في الإصحاح الثاني، وبعدما تحدث عن استراحة الرب في اليوم السابع، ثم أخذه آدم إلى جنة عدن، ووصيته له بعدم الأكل من شجرة معرفة الخير والشر كيلا يموت، " وقال الرب الإله ليس جيداً أن يكون آدم وحده، فأصنع له معينا نظيره، وجبل الرب الإله من الأرض كل حيوانات البرية وكل طيور السماء، فأحضرها إلى آدم ليرى ماذا يدعوها، وكل ما دعا به آدم ذات نفس حية فهو اسمها، فدعا آدم بأسماء جميع البهائم وطيور السماء وجميع حيوانات البرية، وأما لنفسه فلم يجد معيناً نظيره، فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأ وأحضرها إلى آدم".


والإصحاح الثاني يتحدث عن اكتشاف نقص، وهو عدم وجود مؤنس لآدم، وتُعرض عليه جميع البهائم وطيور السماء وحيوانات البرية فلم يجد من بينها ما يصلح مؤنساً، ثم يكون قرار خلق حواء من ضلع، بل هناك ما يوحي في النص بأن طيور السماء والبهائم وحيوانات البرية قد جُبلت من الأرض في الفترة بين خلق آدم وحواء، في حين يؤكد الإصحاح الأول أن الأنسان قد خلق بعد هذه جميعها.



6) خلق المرأة


وعودة إلى الإصحاح الثاني: " فأوقع الرب الإله سباتاً على آدم فنام، فأخذ واحدة من أضلاعه وملأ مكانها لحماً، وبنى الرب الإله الضلع التي أخذها من آدم امرأة وأحضرها إلى آدم فقال آدم هذه الآن عظم من عظامي ولحم من لحمي، هذه تدعى امرأة لأنها من امرئ أخذت لذلك يترك الرجل أباه وأمه ويلتصق بامرأته ويكونان جسداً واحداً".

وبحسب جيمس فريزر في كتابه ( الفولكلور في العهد القديم)، فإن " هذا التناقض البين بين القصتين يفسره ببساطة أن القصتين قد استمدهما الكاتب من مصدرين مختلفين ومستقلين أصلاً، ثم جمع بينهما في كتاب واحد ونقلهما معاً، دون أن يجهد نفسه في أن يخفف من حدة التناقض فيهما أو يوائم بينهما"، ويتابع بأن ( الفنان) – يقصد كاتب الرواية الثانية التي تتضمن تأخر خلق المرأة- لم يستطع أن يخفي احتقاره الشديد للمرأة، " كما يتضح من تأخر خلقها، فضلاً عن الطريقة الشاذة غير المشرفة التي خُلقت بها؛ إذ شكّلها الإله من جزء من سيدها آدم، بعد أن خُلقت صنوف الحيوان بصورة طبيعية لائقة، كل هذا يشير إشارة كافية إلى رأيه في حقارة شأن المرأة"[2].

- الملاحظة الأولى: جاء الحديث القرآني عن المرأة بوصفها ( زوجاً) لآدم، وليس باسمها الذي لم يرد في القرآن جميعه، قال تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة﴾ [سورة البقرة: 35].
والزوج هو كل ما يقترن بآخر مماثلاً له أو مقابلاً ومعنى ذلك أن الطرفين بمثابة كائن واحد لا غنى لأحدهما عن الآخر، وفيما لا تتحدث الرواية القرآنية عن فاصل زمني بين خلق الرجل والمرأة، أو خلق مستقل لكل منهما، فإن سفر التكوين يُظهر الرب كما لو أنه تنبه إلى نواقص أو اكتشف احتياجات لهذا الإنسان، ثم حاول تكميلها من خلال الكائنات الأخرى، وأخيراً، قرر خلق المرأة. - الملاحظة الثانية: تتضمن الرواية التوراتية، وفي أكثر من مكان، تعليقات الكتاب، أو تفسيراتهم لبعض النصوص، بحيث تندمج معها في سياق واحد، ويظهر كما لو كان النص جميعه من الرب، وذلك في مثل:" ولذلك يترك الرجل أباه وأمه، ويتحد بامرأته، فيصيران جسداً واحداً"، فإن هذه العبارة تعليق متأخر من الملاحظة البشرية والخبرة الإنسانية، لا بل إن اشتقاق لفظة ( امرأة) من ( امرئ)، وإن جاءت في النص على لسان آدم، فإنها تفسير لغوي، لغير أبناء اللغة الأصلية للنص، وهذا من مقتضيات الترجمة والتفسير، كما يظهر، وليس من أصل النص، ولا أستبعد أن يكون هذا الجزء خاصاً بالترجمة العربية.

- الملاحظة الثالثة: فيما يتعلق بالعملية الجراحية!! التي استؤصل فيها ضلع آدم- بحسب سفر التكوين- والتي استدعت القيام بتخديره أولاَ عن طريق إلقاء السبات العميق عليه، فإن المفروض بناء على ذلك أن يخبرنا علماء وظائف الأعضاء بأنه كان الأفضل أن يكون للإنسان تلك الضلع في ذلك المكان، وأن عدم وجودها فيه عامل نقص ومؤشر خلل وضعف لدى الإنسان.

- الملاحظة الرابعة: لم يرد في القرآن أن المرأة خلقت من ضلع آدم، ولكن ورد في الحديث الذي رواه البخاري ومسلم، قوله : ( استوصوا بالنساء خيراً، فإن المرأة خُلقت من ضلع، وإن أعوج شيء في الضلع أعلاه، فإن ذهبت تقيمه كسرته، وإن تركته لم يزل أعوج، فاستوصوا بالنساء خيراً)[3]. ويلاحظ أولاً أن هذا الخبر عن خلق المرأة من ضلع لم يأت في سياق تأريخ حادثة الخلق، وإنما جاء في سياق التوصية بالنساء والتلطف بهن وعدم الشدة عليهن مراعاة لطبيعتهن الخاصة، كيلا يصل الأمر إلى الطلاق حيث ورد في بعض روايات الحديث أن كسرها طلاقها.

- إنه لم يرد في أيٍ من روايات الحديث أنها خلقت من ضلع آدم، بل من ضلع دون إضافة ولا تقييد، ودون الحديث عن استئصال للضلع، وهذا شبيه ما ورد في القرآن عن خلق الإنسان من عجل أو من ضعف، مثل قوله تعالى: ﴿خلق الإنسان من عجل﴾ [ سورة الأنبياء: 37] أي أن طبيعته العجلة، وقال ابن عاشور في تفسيره:" والعَجَل : السرعة. وخَلْق الإنسان منه استعارة لتمكّن هذا الوصف من جِبلّة الإنسانية؛ شُبهت شدة ملازمة الوصف بكونه مادة لتكوين موصوفه"[4].


- ذكر جيمس فريزر عدة قصص من أساطير الأمم السابقة لخلق الإنسان تتضمن أن المرأة قد خلقت من ضلع الرجل، الأمر الذي يرجح أن الفكرة قد نزلت على الأمم السابقة أيضاً، ولكن في سياق توصية الطرف القوي الذي هو الرجل، للمحافظة على الركن الآخر للأسرة وهو المرأة، ومراعاة طبيعتها العاطفية الانفعالية، حيث الرجل يطالب المرأة بأن تكون مطابقة له.


- المعتاد أن الضعيف تسقط عليه كل العيوب ويحمل كل الخطايا، ولكن هنا يظهر مراعاة طبيعة الضعيف، وحين يتحدث الرسول أن المرأة ( خُلقت من ضلع)، فهي غير مسؤولة عن هذا الخلق ولا ما يترتب عليه لأن الله تعالى لا يحاسب الناس على ما ليسوا بمسؤولين عنه، كما في الحديث: ( إن الله لا ينظر إلى صوركم وأموالكم ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم)[5]. والضلع الحقيقي بالرغم من اعوجاجه، بل بسبب هذا الاعوجاج، فإنه يقوم بدور مهم في حماية القلب وغيره من الأعضاء الداخلية، وكذلك المرأة في طبيعتها العاطفية تشكل حاضنة للبيت والأسرة، وراعية للأطفال، لا يقدر الرجال الذين هم أقل اعوجاجاً على تأدية هذا الدور[6].

7) سكنى الجنة والشجرة المحرمة

قال تعالى: ﴿ وقلنا يا آدم اسكن أنت وزوجك الجنة وكلا منها رغداً حيث شئتما ولا تقربا هذه الشجرة فتكونا من الظالمين﴾[سورة البقرة: 35].
وورد في الإصحاح الثاني من سفر التكوين:" وغرس الرب الإله جنة في عدن شرقاً، وأسكن هناك آدم الذي جبله، وأنبت الرب الإله من الأرض كل شجرة شهية للنظر وجيدة للأكل المأكل، وشجرة الحياة في وسط الجنة، وشجرة معرفة الخير والشر.... وأخذ الرب الإله آدم ووضعه في جنة عدن ليعملها ويحفظها، وأوصى الرب الإله آدم قائلاً: من جميع شجر الجنة تأكل أكلاً وأما شجرة معرفة الخير والشر، فلا تأكل منها؛ لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت".

- يحدد سفر التكوين مكان الجنة في عدن شرقاً، وأما في القرآن فإن مكانها غير محدد، على عادة القرآن في كثير من قصصه، ولذلك اختلف المفسرون هل هي جنة الخلد في السماء، أم جنة أرضية، ولكل أدلته، ثم يؤكد العديد منهم أنه لا طائل من وراء هذا البحث، وأن الله تعالى لو علم في تحديد مكانها خيراً لنا لحدده. - وبينما تحدد التوراة الشجرة بأنها شجرة معرفة الخير والشر، فإن القرآن الكريم، لا يحدد لها اسماً، بل إن النصوص القرآنية على عكس التوراة، تتحدث عن اختصاص آدم بعلوم ومعارف لم يعطها الله تعالى حتى لملائكته، وكانت من أسباب تكليف آدم بالخلافة دون الملائكة، ﴿ وعلم آدم الأسماء كلها ثم عرضهم على الملائكة فقال أنبئوني بأسماء هؤلاء إن كنتم صادقين﴾، [ سورة البقرة: 31].

- حديث التوراة عن شجرة معرفة الخير والشر، يوحي بأن الرب خائف من امتلاك آدم للمعرفة، وهو ما يذكره السياق التالي، بعد أكل آدم من الشجرة:" وقال الرب الإله هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر، والآن لعله يمد يده ويأخذ من شجرة الحياة أيضاً ويأكل ويحيا إلى الأبد، فأخرجه الرب الإله من جنة عدن"، كما في الإصحاح الثالث، وهذا إسقاط للصفات البشرية على الذات الإلهية، فالبشر وبخاصة الكبار منهم يحتكرون المعرفة بأنواعها؛ لأن المعرفة قوة[7]، ويقلقون من تسرب المعلومات الأمنية، وأسرار المهن، والمخترعات، وكل ما يضعف الذات وينفع الخصوم، لكن كيف يخاف الرب من المخلوقين؟

- من الواضح أن تلك الشجرة المحرمة هي شجرة حقيقية وليست رمزية، وأن ذاك التحريم يتعلق بظرف الزمان والمكان السابقين لخروج آدم منها للقيام بمهمة الخلافة في الأرض، ولكن لا يمنع الاستفادة من رمزية تحريم شجرة واحدة من بين جميع أشجار الجنة، بأن القاعدة في الدين كما أنزله الله تعالى على البشر، أن الأصل في الأشياء الإباحة- كما يقول علماء الشريعة-، وأن المحظورات والمحرمات هي الاستثناء من ذلك الأصل وتلك القاعدة.

- كلام سفر التكوين المنسوب للرب: (هو ذا الإنسان قد صار كواحد منا عارفاً الخير والشر)، أولاً يتحدث عن مجموعة في رأس الهرم وتشمل الملائكة وتجعلهم شركاء لله، عدا عن خوف الرب من آدم بعد أكل الشجرة.

[1] ) الكتاب المقدس، دار المشرق، بيروت، 1991م.
[2] فريزر، جيمس، الفولكلور في العهد القديم، ص 28ترجمة نبيلة إبراهيم، دار المعارف، القاهرة.
[3] ) صحيح البخاري، حديث رقم: 3331، وصحيح مسلم، حديث رقم: 1468.
[4] ) ابن عاشور، تفسير التحرير والتنوير، دار سحنون للنشر،
[5] ) صحيح مسلم، حديث رقم: 2564.

[6] ) وهذا يذكرنا بخلق المرأة ناقصة (عقل ودين)، البخاري رقم 293، ومسلم: 114، كما في حديث آخر، فنقصان عقلها لغلبة العاطفة عليها، ونقصان دينها لما جعلها الخالق تحيض فتتوقف عن الصلاة وذاك أمر ليس بإرادتها، فالحيض( أمر كتبه الله على بنات آدم) كما ورد في الحديث البخاري، حديث رقم: 290، ومسلم، حديث رقم: 2121، فلا هي مؤاخذة بحيضها، ولا بتخفيف الصلاة عنها في الحيض، فضلاً عن أن سياق الحديث لم يجئ في سياق التنديد، بل في سياق ملاطفة مجموعة من النسوة في يوم عيد، وتنبيههن إلى أن لديهن عناصر قوة حتى مع وجود خصائص الضعف والنقصان.

[7] ) والتعبير الأجنبي المشهور هوKnowledge is power.