أسلوب القصر بين الحقيقة والمجاز
طرفا أسلوب القصر:
لأسلوب القصر طرفان: المقصور والمقصور عليه،كقول الله تعالى : ) ÈbÎ) ãNõ3çtø:$# žwÎ) ¬! ( ( (يوسف67) فالحكم مقصور على الله، والله مقصور عليه الحكم، هذان الطرفان هما اللذان يكونان الجملة الأصلية في الكلام إذا جردنا الكلام من القصر، وعلى أساس هذين الطرفين ينقسم القصر إلى قسمين:
الأول : قصر الصفة على الموصوف: "وهو أن تحبس الصفة على موصوفها فلا يتصف بها غيره وقد يتصف هذا الموصوف بغيرها من الصفات"[1] كقول الله تعالى: ) $yJ¯RÎ) Ü=ø‹tóø9$# ¬! (
(يونس:20)، وقوله تعالى: ) !$yJ¯RÎ) ãNä3ßg»s9Î) ª!$# ( (طـه:98).
والثاني : قصر الموصوف على الصفة: وهو أن يحبس الموصوف على الصفة، فيختص بها دون غيرها، وقد يشاركه فيها غيره"[2].كقول الله تعالى: ) !$yJ¯RÎ)ur O$tRr& ֍ƒÉ‹tR ×ûüÎ7•B ( (الملك:26) وقوله تعالى: ) $yJ¯RÎ) ßxŠÅ¡yJø9$# Ó|¤ŠÏã ßûøó$# zNtƒótB Ú^qޙu‘ «!$# ( (النساء:171). وكل من هذين القسمين يأتي حقيقيا ويأتي مجازيا[3] وهما نوعا القصر.

طرفا أسلوب القصر بين الحقيقة والمجاز:
أولا القصر الحقيقي:
وهو ما كان مطابقا للواقع كقولنا: [ما ذَلَّت أمة الإسلام إلا ببعدها عن دينها].

  1. قصر الصفة على الموصوف حقيقة:

وهو كثير مشهور، ومثال ذلك قول الله تعالى: ) $tBur çŽóǨZ9$# žwÎ) ô`ÏB ωYÏã «!$# 4 ( (الأنفال10) وقوله تعالى: ) $yJ¯RÎ) $ygãKù=Ïæ y‰ZÏ㠒În1u‘ ( ( (الأعراف:187)، فقد قصر النصر والعلم على الله.

  1. قصر الموصوف على الصفة حقيقة:

ويقول الإمام السيوطي عن هذا النوع: "وهو عزيز، لا يكاد يوجد لتعذر الإحاطة بصفات الشيء حتى يمكن إثبات شيء منها ونفي ما عداها بالكلية. يبعد أن تكون للذات صفة واحده ليس لها غيرها ولذا لم يقع في التنزيل"[4]، وأُثْبِتُ ذلك بمثال بسيط: فإننا نقول: [لا خالق إلا الله] ولا يجوز أن نقول: [ما الله إلا خالق] ولا [إنما الله خالق]، فالأولى قصرنا فيها صفة الخلق على الله، وتلك حقيقة لاشك فيها، وفي الثانية قصرنا الله -وحاشاه- على صفة واحدة هي الخلق، فقد يجوز لنا أن نقول: [ما شوقي إلا شاعر] أو [إنما شوقي شاعر] لمن أراد أن ينفي عنه صفة الكتابة، لكن هذا كما قال الإمام السيوطي آنفا عزيز لا يكاد يوجد، فاننا لا نستطيع أن نثبت لذات ما صفة واحدة لا يتعداها، كما لا نستطيع أن نحيط بكل صفات هذه الذات حتى ننفي الجميع إلا واحدة، ومن هنا فليسمح لي شيخي الجليل الدكتور فضل عباس أن أخالفه في التمثيل بقوله [إنما الله رزاق][5] من أنه يصح من باب قصر الموصوف على الصفة على اعتبار أن القصر غير حقيقي، فقد عَلَّمَنَا شيخنا الجليل في كتابه [أسرار البيان][6] أن القصر غير الحقيقي يكون للمبالغة سواء في مدح الشيء أو ذمه، فإني أسأل شيخي: أفي قصر الله تعالى على صفة رزاق في قولك [إنما الله رزاق] مبالغة؟! خاصة أن القصر هنا لا يوحي باستئثار الله تعالى بتلك الصفة دون غيره، ولا يمنع مشاركة غيره له فيها وحاشاه، فإن جاز أن نقول: [إنما ابن رشد فيلسوف] أو [إنما شوقي شاعر] قد يُقْبَلُ ذلك، أما قصر الموصوف على صفة في حق الله فمرفوض غير مقبول.

ثانيا القصر المجازي:
وذلك حين يُقْصَدُ به المبالغة، كقولك: [إنما الشاعر شوقي] مع علمك أن هناك شعراء غيره كُثُر، لكنك أردت أن تثبت له التميز، وتبالغ في ذلك.

  1. قصر الصفة على الموصوف مجازيا:

ومثال ذلك قول الله تعالى: ) @è% Hw ߉É`r& ’Îû !$tB zÓÇrré& ¥’n<Î) $·B§ptèC 4’n?tã 5OÏã$sÛ ÿ¼çmßJyèôÜtƒ HwÎ) br& šcqä3tƒ ºptGøŠtB ÷rr& $YByŠ %·nqàÿó¡¨B ÷rr& zNóss9 9ƒÍ”\Åz ¼çm¯RÎ*sù ê[ô_͑ ÷rr& $¸)ó¡Ïù ¨@Ïdé& ΎötóÏ9 «!$# ¾ÏmÎ/ 4 ( (الأنعام:145) نزلت هذه الآية للرد على الكفار الذين حرموا الحلال: البحيرة والوصيلة والسائبة والحام، وأحلوا الحرام: الميتة والدم ولحم الخنزير وما أهل لغير الله به، فالغرض هو الرد عليهم، والمضادة، فكأن القول لا حرام إلا ما أحللتموه، أما ما حرمتموه فحلال.

  1. قصر الموصوف على الصفة مجازيا: ومثال ذلك قول الله تعالى: ) $tBur JptèC žwÎ) ×Aqߙu‘ ô‰s% ôMn=yz `ÏB Ï&Î#ö7s% ã@ߙ”9$# 4 û'ïÎ*sùr& |N$¨B ÷rr& Ÿ@ÏFè% ÷Läêö6n=s)R$# #’n?tã öNä3Î6»s)ôãr& 4 ( (آل عمران144) أي إن محمدا بشر مثلكم، يجري عليه الموت، إنما هو مقصور على الرسالة، ليس خالدا، وذلك لَمَّا استعظموا موت النبي r فجاءت الآية تنبه وتذكر وتحذر.


المطلب الثالث: أقسام أسلوب القصر باعتبار الحالة الفكرية والنفسية للمخاطب:

  1. قصر إفراد: ويخاطب به من يعتقد الشركة في شيء ما، لننفي ونصحح هذا الاعتقاد، ومثال ذلك مخاطبة المشركين الذين يعتقدون في إلوهية الأصنام ) öNä3§Yάr& tbr߉pkô¶tFs9 žcr& yìtB «!$# ºpygÏ9#uä 3“t÷zé& 4 @è% Hw ߉pkôr& 4 ö@è% $yJ¯RÎ) uqèd ×m»s9Î) ӉÏnºur ( (الأنعام:19) وخوطب به أهل الكتاب الذين اعتقدوا الثالوث قال الله تعالى: ) Ÿwur (#qä9qà)s? îpsW»n=rO 4 (#qßgtFR$# #ZŽöyz öNà6©9 4 $yJ¯RÎ) ª!$# ×m»s9Î) ӉÏmºur ( ÿ¼çmoY»ysö7ߙ ( (النساء:171).
  2. قصر نقض وقلب[7]: ويُخَاطَبُ به مَنْ يُثْبِتُ حكما عكس ما يُثْبِتُه المتكلم، ومثال ذلك: حين رمى المنافقون المؤمنين بالسفاهة، فينقض القرآن قولهم، ويقلبه عليهم، قال الله تعالى: ) (#þqä9$s% ß`ÏB÷sçRr& !$yJx. z`tB#uä âä!$ygxÿ¡9$# 3 Iwr& öNßg¯RÎ) ãNèd âä!$ygxÿ¡9$# ( (البقرة 13). ومثل ذلك نقض الله لقول اليهود ورده عليهم: ) ÏMs9$s%ur ߊqåkuŽø9$# ߉tƒ «!$# î's!qè=øótB 4 ôM¯=äî öNÍk‰É‰÷ƒr& (#qãYÏèä9ur $oÿÏ3 (#qä9$s% ¢ ö@t/ çn#y‰tƒ Èb$tGsÛqÝ¡ö6tB ( (المائدة:64).
  3. قصر تعيين: ويقول الإمام السيوطي في بيانه: "يُخَاطَب به من تساوى عنده الأمران، فلم يحكم بإثبات الصفة لواحد بعينه، ولا لواحد بإحدى الصفتين بعينها"[8]، أما الشيخ الهاشمي فيحدده بـ: "إذا كان المخاطب يتردد في الحكم .. فتقول: [ الأرض متحركة لا ثابتة ]، ردا على من شك وتردد في ذلك الحكم"[9]. ومثال ذلك في التنزيل: ) (#þqä9$s)s9 $yJ¯RÎ) ôNtÅj3ߙ $tR㍻|Áö/r& ö@t/ ß`øtwU ×Pöqs% tbrâ‘qßsó¡¨B ( (الحجر:15).


المبحث مرفق ملف ورد 4 صفحات
د. محمد الجبالي

من كتابي: القصر بالأدوات في القرآن الكريم


[1] السيد أحمد الهاشمي ، 1411هـ.1991م ، جواهر البلاغة ، ط1 : دار الفكر ، ص185.

[2] المصدر السابق ص185

[3] وقد اختار بعض رجال البلاغة تسمية القصر المجازي بالإضافي . انظر المصدر السابق ، ص185

[4] جلال الدين السيوطي ، الإتقان في علوم القرآن ، ج2، ص49 .

[5] فضل حسن عباس ، 1428-2007 ، أساليب البيان ، ط1 ، عمان الأردن : دار النفائس ، ص172.

[6] المصدر السابق ، ص 171 .

[7] اختار الإمام السيوطي ومن بعده الهاشمي اسم [قصر قلب] لهذا القسم ولعل كلمة نقض لها دلالة أقوى على الغرض من هذا النوع ، والأولى عندي هو الجمع بينهما فيكون التركيب [قصر نقض وقلب] وهذا أدق وأشمل، ويمكن الوقوف على ذلك من المعاجم والقواميس وأسوق هنا ما ورد في المعجم الوسيط حول المعنى الذي نقصده لكلمتي [نقض وقلب] ( نقض ) الشيء نقضا أفسده بعد إحكامه، يقال نقض البناء هدمه، وفي التنزيل العزيز (وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنكَاثًا) (النحل 92)، ونقض ما أبرمه فلان أبطله، وناقضه خالفه وعارضه، والشاعر الشاعر: قال أحدهما قصيدة فنقضها صاحبه عليه رادا على ما فيها معارضا له، (النقض): (نقض الحكم) إبطاله إذا كان قد صدر مبنيا على خطأ. أما قلب فجاء في المعجم الوسيط: (قلب) الشيء قلبا جعل أعلاه أسفله، أو يمينه شماله، أو باطنه ظاهره، وفلانا عما يريد صرفه عنه.

[8] جلال الدين السيوطي، الإتقان في علوم القرآن، ج2، ص49.

[9] السيد أحمد الهاشمي، جواهر البلاغة، ص186.


أسلوب القصر بين الحقيقة والمجاز.docx