الْخُلُودُ فِي الرَّحْمَةِ وَالْخُلُودُ فِي اللَّعْنَةِ
بِسْمِ اللَّهِ , وَالْحَمْدُ لِلَّهِ وَالصَّلَاةِ وَالسَّلَامِ عَلَى مُحَمَّدٍ -صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ- وَآلِهِ وَصَحِبِهِ . رَبِّ يَسِّرْ وَأَعِنْ بِرَحْمَتِك .

قوله تعالى : وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ فَفِي رَحْمَةِ اللَّهِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (107)

قال في زاد المَسير :
قوله تعالى: وَأَمَّا الَّذِينَ ابْيَضَّتْ وُجُوهُهُمْ قال ابن عباس: هم المؤمنون. ورحمة الله: جنته، قال ابنُ قُتيبة: وسمَّى الجنةَ رحمةً، لأن دخولَهم إياها كان برحمته.

جاء في تفسير أبي السعود :

وَأَمَّا الذين ابيضت وُجُوهُهُمْ فَفِى رَحْمَةِ الله أعني الجنةَ والنعيمَ المخلِّدَ ، عُبِّر عنها بالرحمة تنبيهاً على أن المؤمنَ وإن استغرق عمرَه في طاعة الله تعالى فإنه لا يدخُل الجنةَ إلا برحمته تعالى .
قال في فتح القدير :
قوله: فَفِي رَحْمَتِ اللَّهِ أَيْ: فِي جَنَّتِهِ وَدَارِ كَرَامَتِهِ، عَبَّرَ عَنْ ذَلِكَ بِالرَّحْمَةِ إِشَارَةً إِلَى أَنَّ الْعَمَلَ لَا يَسْتَقِلُّ بِدُخُولِ صَاحِبِهِ الْجَنَّةَ، بَلْ لَا بُدَّ مِنَ الرَّحْمَةِ، وَمِنْهُ حَدِيثُ: «لَنْ يَدْخُلَ أَحَدٌ الْجَنَّةَ بِعَمَلِهِ» وَهُوَ فِي الصَّحِيحِ.

قوله تعالى :إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ أُولَئِكَ عَلَيْهِمْ لَعْنَةُ اللَّهِ وَالْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (161) خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ (162)

قال في تفسير المنار :

وَالنُّكْتَةُ فِي ذِكْرِ لَعْنَةِ الْمَلَائِكَةِ وَالنَّاسِ مَعَ أَنَّ لَعْنَةَ اللهِ وَحْدَهُ كَافِيَةٌ فِي خِزْيِهِمْ وَنَكَالِهِمْ ، هِيَ بَيَانُ أَنَّ جَمِيعَ مَنْ يَعْلَمُ حَالَهُمْ مِنَ الْعَوَالِمِ الْعُلْوِيَّةِ وَالسُّفْلِيَّةِ يَرَاهُمْ مَحَلًّا لِلَعْنَةِ اللهِ وَمَقْتِهِ ، فَلَا يُرْجَى أَنْ يَرْأَفَ بِهِمْ رَائِفٌ ، وَلَا أَنْ يَشْفَعَ لَهُمْ شَافِعٌ ; لِأَنَّ اللَّعْنَةَ صُبَّتْ عَلَيْهِمْ بِاسْتِحْقَاقٍ عِنْدَ جَمِيعِ مَنْ يَعْقِلُ وَيَعْلَمُ ، وَمَنْ حَرَمَهُ سُوءُ سَعْيِهِ مِنْ رَحْمَةِ الرَّءُوفِ الرَّحِيمِ فَمَاذَا يَرْجُو مِنْ سِوَاهُ ؟
(خَالِدِينَ فِيهَا لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ) أَيْ : مَاكِثِينَ فِي هَذِهِ اللَّعْنَةِ وَمَا تَقْتَضِيهِ مِنْ شِدَّةِ الْعَذَابِ ، لَا يَخْرُجُونَ مِنْهَا وَلَا يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا ، وَلَا هُمْ يُنْظَرُونَ ; أَيْ : يُمْهَلُونَ مِنَ (الْإِنْظَارِ) لِيَتُوبُوا وَيُصْلِحُوا ، أَوْ لَا يُنْظَرُ إِلَيْهِمْ نَظَرَ مَغْفِرَةٍ وَرَحْمَةٍ ،

قَالُوا
إِنَّ الْخُلُودَ فِي اللَّعْنَةِ عِبَارَةٌ عَنِ الْخُلُودِ فِي أَثَرِهَا وَهُوَ النَّارُ بِقَرِينَةِ (لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذَابُ) وَلَا أَذْكُرُ عَنِ الْأُسْتَاذِ الْإِمَامِ فِي هَذَا شَيْئًا ، وَلَكِنَّ الْكَلَامَ يَصِحُّ عَلَى ظَاهِرِهِ وَهُوَ أَنَّ اللَّعْنَ بِمَعْنَى الطَّرْدِ ، فَيَصِحُّ أَنْ يَكُونَ الْخُلُودُ فِيهِ عِبَارَةً عَنْ دَوَامِهِ هُوَ ; أَيْ : هُمْ مَطْرُدُونَ مِنْ رَحْمَةِ اللهِ تَعَالَى طَرْدًا دَائِمًا لَا يُرْجَى لَهُمْ أَنْ يَسْلَمُوا مِنْهُ ; لِأَنَّ الْكُفْرَ الَّذِي اسْتَحَقُّوهُ بِهِ هُوَ غَايَةُ مَا يَكْتَسِبُهُ الْمَرْءُ مِنْ ظُلُمَاتِ الرُّوحِ وَالْجِنَايَةِ عَلَى الْحَقِّ ، وَتَدْسِيَةِ النَّفْسِ ، فَمَتَى مَاتَ انْقَطَعَ عَمَلُهُ وَبَطَلَ كَسْبُهُ ، فَتَعَذَّرَ عَلَيْهِ أَنْ يُجَلِّيَ تِلْكَ الْغُمَّةَ ، وَيُنِيرَ هَاتِيكَ الظُّلْمَةَ ، وَحُرِمَ مِنَ الرُّجُوعِ إِلَى الْحَقِّ ، وَمِنْ تَزْكِيَةِ النَّفْسِ ، فَكَأَنَّ خُلُودَهُ فِي هَذِهِ اللَّعْنَةِ قَدْ نَشَأَ عَنْ وَصْفٍ لَازِمٍ لَهُ ، فَهُوَ دَائِمٌ بِدَوَامِ ذَاتِهِ الَّتِي هِيَ عِلَّتُهُ ، وَامْتَنَعَ أَيْضًا أَنْ يُنْظَرَ وَيُمْهَلَ فِيهِ ، أَوْ يَنْظُرَ اللهُ إِلَيْهِ وَيُزَكِّيَهُ ; لِأَنَّهُ لَمْ يَكُنْ مِنْ شَيْءٍ خَارِجٍ عَنْهُ ، فَهُوَ الْجَانِي وَالْمُعَذِّبُ لِنَفْسِهِ ، فَأَيُّ شَيْءٍ يَرْجُو مِنْ غَيْرِهِ ؟

قوله تعالى : كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (86) أُولئِكَ جَزاؤُهُمْ أَنَّ عَلَيْهِمْ لَعْنَةَ اللَّهِ وَالْمَلائِكَةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ (87) خالِدِينَ فِيها لَا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْظَرُونَ (88) إِلاَّ الَّذِينَ تابُوا مِنْ بَعْدِ ذلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ (89)