اضحك مع المستشرقين!


طارق مصطفى حميدة


مركز نزن للدراسات القرآنية



لا يمل كثير من المستشرقين، إن لم نقل أكثرهم ، من تكرار ادعاءاتهم ومزاعمهم أن القرآن الكريم قد اقتبس مادته الأساسية من كتبهم المقدسة، ويحلو لهم أن يدللوا على تلك الدعاوى والمزاعم بأن الشخصيات المحورية في القرآن الكريم، مثل آدم ونوح وإبراهيم، ويوسف وموسى، ، موجودة في العهد القديم السابق في الوجود للقرآن.


والمستشرقون منهم فريق لا يؤمن يدين ولا بوحي منزل، وغير مستعد حتى لمناقشة احتمال وجود رسل يبعثهم الخالق للعباد وينزل عليهم الوحي، والفريق الآخر الذي هو جزء من اللاهوتيين الذين يتولون مناصب في المؤسسات الدينية ويدافعون عن مراكزهم ولقمة عيشهم، ولا ننسى دورهم في التمهيد للاستعمار في بلاد المسلمين وترسيخ أقدامه فيها وتهيئة قيادات موالية لهم من أبناء جلدتنا.


كما أن لهم مهمة مزدوجة في تشويه صورة الإسلام لدى أبنائه كي ينفروا منه ولا يتبعوه، وكذلك صرف الشعوب الغربية عن الاهتداء للإسلام، بل والاستمرار في محاربته.


والدراسات في تفنيد دعاوى المستشرقين كثيرة، لعل من أحدثها دراسة الأستاذ سامي عامري التي تعتبر من أشمل الدراسات في مجالها، وهي بعنوان: ( هل اقتبس القرآن من كتب اليهود والنصارى).


وكذلك فإن للدكتور عبد الرحمن بدوي في كتابه: ( دفاع عن القرآن ضد منتقديه)، رداً قوياً مفحماً جاء فيه أنه لكي يصح هذا الزعم بأخذ القرآن عن التراث الكتابي:" فلا بد أن محمداً كان يعرف العبرية والسريانية واليونانية، ولا بد أنه كان لديه مكتبة عظيمة اشتملت على كل نصوص التلمود والأناجيل المسيحية، ومختلف كتب الصلوات وقرارات المجامع الكنسية..".


وأضيف على ذلك أن هذه المراجع لم تكن موجودة ولا واحداً بالألف منها في البيئة العربية في الحجاز، وإنما كانت في أيدي الرؤساء الدينيين إذ لم تكن مبذولة للعامة، وحتى لو توفرت وعكفت عليها لجان وليس الرسول وحده، ما كانوا ليأتوا بمثل نصاعة القرآن الكريم، ولكان قصارى ما سيخرج عنهم صحائف ممسوخة كالتي اقتبسوا منها.


ولكاتب هذه السطور دراسة متواضعة عن قصة آدم بين القرآن وسفر التكوين، موجودة في الملتقى وغيره.
والطريف الذي هو موضوع هذه المقالة، أن بعض المستشرقين لا يكتفون بإجراء المقارنات بين القصص المشهورة كقصة آدم ونوح مثلاً بين القرآن وكتبهم، بل يعمدون إلى ما انفرد به القرآن واختص به ليبحثوا له عن دليل يؤكد أنه مقتبس من كتبهم.


وقد استوقفتني دراسة في هذا الملتقى لأحد المستشرقين ويدعى ( جبريل سعيد رينولدز)، بعنوان (الابن الضال لنوح في القرآن)، والتي لا وجود لها في العهد القديم، وقد حاول الكاتب الادعاء بأن القصة هي تعبير عن أزمة كان يعاني منه المؤمنون بشأن علاقاتهم بغير المؤمنين من أقاربهم، وحاول أن يربطها بنصوص مماثلة في القرآن الكريم.


ومع أنه يؤكد قائلاً: " في الحقيقة من الصائب القول إن قصة الابن الذي رفض ركوب الفلك غير موجودة في سفر التكوين، ولا في أي عمل يهودي أو مسيحي لاحق، إلا أن كهف الكنوز السرياني، ينسب لنوح ابناً إضافياً اسمه يوناتون، ولكن هذا الابن ولد لنوح بعد، الطوفان ومع ذلك = والكلام لا يزال لصاحبنا المستشرق- يجادل عدد من الباحثين الأوائل بأن رواية القرآن عن ابن نوح الكافر ترتبط بسفر التكوين".


ويشرع المستشرق رينولدز بإيراد " الباحثين"! الذين ذكروا ذلك ومستنداتهم، بادئاً بأبراهام جيجر، الذي يربط ذلك بحام ابن نوح الذي لعنه والده بل لعن ابنه كنعان الذي لم يكن قد ولد بعد، لأن حاماً كما يزعم كُتّاب العهد القيم قد رأى سوأة أبيه عندما سكر فأخبر أخويه!


ثم يذكر ( شايبر) الذي يحيل إلى حلم ( نفتالي) الذي يهرب فيه يوسف من سفينة غارقة، كما يحيل على قصة النمرود حفيد حام – بحسب التوراة- الذي بنى برج بابل من أجل التحصن ضد طوفان جديد، على افتراض أن كلا الشخصيتين ينظر إليهما بوصفهما مقاومتين للطوفان، وأخيراً يختتم شايبر بقوله:" هذه المواد وغيرها من المواد الأسطورية المماثلة يمكن بالفعل أن تختلج خيال محمد مع رواية الكتاب المقدس، ثم يعلن عجزه وإفلاسه بالقول:" على أية حال لا يمكننا أن نحصل على سردية محكمة موازية لتقرير القرآن"!!


وأقول: ما دمتم في البدء والمنتهى تعلنون عجزكم التام عما ندبتم أنفسكم له، فلماذا تركبون رؤوسكم وتصرون على ما لا وجود له؟


ويتابع كاتب المقالة الباحث رينولدز، استعراض الجهود الحثيثة المضنية للإمساك بالقرآن متلبساً بالاقتباس من التوراة، فيذكر أن الباحث ( كارلوس سيغوفيا) يقترح عدم الاكتفاء بالبحث في قصة نوح بل يلزم البحث حتى في قصة إبراهيم وهو يجادل في شأن سدوم، أو لنواح داود على موت ابنه أبشالوم!!


وقبل أن يعلن الباحث (جبريل سعيد رينولدز) إفلاسه، يعزي نفسه بالقول:" ربما تجدر الإشارة إلى أن تباين القرآن من الكتاب المقدس يكاد يكون نادراً، ولا يتضمن الاقتباس القرآني للشخصيات التوراتية تغييرات جذرية"، ويمثل لذلك بهامان، وأخت موسى، وامرأة العزيز.


ثم يتمخض الجمل أو الجبل ليجد رابطاً أوهى من خيط العنكبوت بين قصة نوح وقصة لوط في القرآن وفي كتابهم المقدس، ثم يذهب إلى سفر حزقيال حيث يتم التأكيد على أن فضيلة الأب لا يمكنها أن تفعل شيئاً لابن آثم، والدليل عند صاحبنا أن نوحا قد ورد في هذا السفر كمثال مع أيوب ودانيال!!


· عنزة ولو طارت!
هل نضحك مع المستشرقين أو عليهم، أو نرثي لحالهم وهم يحاولون المستحيل ويصرون على التعامي عن الحقائق؟
ألا يصدق فيهم المثل الشعبي: ( عنزة ولو طارت)؟


أليس مثالهم مثال المشركين وهم يتخبطون بشأن الرسول ويقولون كل قول ليصدوا الناس عنه ثم هم لا يثبتون على أي قول لعلمهم بفساد ما يقولون وبطلانه، وقد عبرت عن ذلك بدايات سورة الأنبياء التي تحدثت عن اتهامهم للقرآن بالسحر، ثم لم يلبثوا أن قالوا، كما حكى القرآن حديثهم: ) بل قالوا أضغاث أحلام بل افتراه بل هو شاعر فليأتنا بآية كما أُرسل الأولون(، فقد اضطربت أقوالهم وتضاربت، وهم لا يثبتون على قول حتى ينقضوه في ذات اللحظة، وتكرار حرف بل المفيدة ( للإضراب) لبيان شدة اضطرابهم وبلبلتهم وعجزهم عن إبطال القرآن والرسالة.
وهو صنيع مضحك من مشركي قريش ومن ( الباحثين ) الذين يحملون الشهادات العالية ويتنقلون بصفتهم أساتذة في أعرق الجامعات، وكان عليهم أن يربأوا بأنفسهم من السقوط في هذه الحماقات وتبني تلك السفاهات.


وأخيراً أشكر قسم الترجمة في المرقع الذي أتاح لنا التعرف عن آخر ما تفتقت عنه عبقريات المستشرقين.