في ظلال أسماء السور( 3)الكهف ... الحشر

طارق مصطفى حميدة
مركز نون للدراسات القرآنية


( ملحوظة واعتذار) : تأخر تنزيل هذه الحلقة سهواً من الكاتب، ولذلك سبقتها الحلقتان الرابعة والخامسة)




لم أقصد القول إن هاتين السورتين تشكلان بينهما قواسمومحاور مشتركة، لكن كان المقصود التفكير بصوت عال بشأن كل منهما على حدة ضمنبرقيات سريعة علّها تثير نوعاّ من النقاش والعصف الذهني.


أولاً: الحشر .. والغيتو

يتضمن الحشر في المعاجم، معنى تحريك لجماعة أو جماعاتنحو مكان آخر وجمعهم فيه بشكل مكثف يؤدي إلى شيء من الضيق.وفي اللغة فإن الكلمات التي تبدأ بحرفي الحاء والشينتتضمن معاني الضم والانقباض المادي أو المعنوي، ويشمل تضام الأشياء والأفراد إلىبعضها، كما يشمل انقباض الشيء الواحد بانجماعه إلى الداخل، في مثل مفردات: الحشو،والحشّ، والحشد، والحشف، والحشم.

وحديث السورة عن عقاب الله بني النضير من أهل الكتاب،بإخراجهم من ديارهم لأول الحشر، فهمه المفسرون بأكثر من طريقة تتآزر ولا تتنافر.منها وربما أقواها: جمعهم في بلاد الشام، فهذا الحشرهو بداية، ولا بد له من آخر ونهاية، تفسرها آيات الإسراء.

وهناك من فهمها على أن هذا سيكون الحشر الأول وسيتبعهحشر، وحشر، وحشر، في أزمان وأمكنة متعددة، قد تمتد إلى يوم القيامة.

وقد يشهد لهذا تعليل الآيات لهذه العقوبة ( ذلك بأنهمشاقوا الله ورسوله ومن يشاق الله فإن الله شديد العقاب)، وهذا سلوك وصفة ملازمانلتلك الجماعة البشرية.

وتحدثت السورة الكريمة عن الذين نسوا الله فأنساهمأنفسهم، كما أكدت أنه لو أنزل هذا القرآن على جبل لرأيته خاشعا متصدعا من خشيةالله، وفي ذلك تعريض بأولئك الذين قست قلوبهم فهي كالحجارة أو أشد قسوة.

ويمكن أن نفهم من آيات السورة أن الحشر الذي يعاقبونبه حشران: الأول، الحشر الخارجي، الذي قد يكون من تجلياته في أوروبا ما عرف باسمالغيتو.

والثاني أن هذا الحشر وهذا الغيتو قد أصبح سمة نفسية،وجزءا من الشخصية التي تعيش حالة القلق وعدم الإحساس بالأمن، وقد عبرت عنه الآيةبالقول: ( لا يقاتلونكم جميعا إلا في قرى محصنة أو من وراء جدر).

وأدنى ملاحظة لما تقوم به دولة الاحتلال من تحصينمستعمراتها، وأقامة الجدران بينها وبين الفلسطينيين، بل وعلى الحدود مع الدولالعربية، وكذلك تطبيق حالة الغيتو على الفلسطينيين، كلها تؤكد أن الغيتو، ليس مجردحشر خارجي بل إنهم يعيشون نفسية وعقلية الغيتو.

إن وجود سورة في كتاب الله الخالد باسم الحشر، يشيرإلى أن هذا الأمر لم يكن حدثا آنياً، وإنما هو عقوبة طويلة الأمد باقية ما بقي منيتلو هذا القرآن.

ثانيا: الكهف والموحدون المطاردون


وقد سبق لكاتب هذه السطور أن تحدث عن هذه السورة منذالعام 2007 في مقالة بعنوان: الوحدة الموضوعية في سورة الكهف، في مجلة الإسراء،وقد نشرت على الشبكة العنكبوتية وفي الفيس بوك.

ومن جهة أخرى فقد ذهب أستاذنا الشيخ بسام جرار إلى أنكهف سورة الكهف يقع تحت قبة الصخرة، وهو نظر يعزز فكرة أقدمية المسجد الأقصىوالتفاف المؤمنين حوله، انسجاماً مع الحديث الشريف أن المسجد الأقصى قد أقيم بعيدإقامة المسجد الحرام بأربعين سنة.

والجديد الذي يراودني منذ مدة، أن قصة أصحاب الكهفوالرقيم، التي جاءت في الكتاب العزيز، لم تكن حدثاً منفرداً معزولاً، وأنها ربماكانت نموذجاً لحالات عديدة في التاريخ الإنساني، يطارَد فيها الدعاة والموحدون، منالجبابرة المشركين فيضطرون إلى اللجوء إلى المغائر والكهوف هرباً بدينهم.

وإذا كانت سورة الكهف قد تحدثت عن أصحاب الكهف والرقيموهو كما يبدو ألواح أو ما يشبهها تتضمن تعاليم الوحي، فإن هذه المقالة تفترض أنتحتوي الكهوف المكتشفة وغير المكتشفة، وثائق ونقوشات عن هؤلاء الموحدين، أوالمعارضين الدينيين بشكل عام.