من أَمثال العرب : ( المرْء بِأَصْغَرَيْهِ ) ، وأَصْغَراه : قلْبُه ، ولسانه ؛ ومعناه أَن المَرْءَ يعلو الأُمور ويَضْبِطها بِجَنانه ولسانه ؛ أي : المرء معتبر بهما ، إن نطقَ نطق ببيان ، وإن قاتل قاتلَ بجنان .

قال الميداني في ( مجمع الأمثال ) : قيل لهما : الأصغران ، لِصغر حجمهما ؛ قال : والجالب للباء القيام ، كأنه قيل : المرء يَقُوم معانيه بهما ، أو يكمل المرء بهما [1] . وأُنشد لزهير :

وَكَائِنٍ تَرَى مِنْ صَامِتٍ لَكَ مُعْجِبٍ ... زِيَادَتُهُ أَوْ نَقْصُهُ فِي التَكَلُّمِ

لِسَانُ الْفَتَى نِصْفٌ وَنِِصْفٌ فُؤَادُهُ ... فَلَمْ يَبْقَ إِلاَّ صُورَةُ اللَّحْمِ وَالدَّمِ

وكان يقال : المرء مخبوءٌ تحت لسانه .

وزِنِ الكلام إذا نطقتَ فإنما ... يُبدي الرجالَ من الستورِ المنطقُ

قَالَ الْحَسَنُ - : لِسَانُ الْعَاقِلِ مِنْ وَرَاءِ قَلْبِهِ ، فَإِذَا أَرَادَ الْكَلامَ ؛ تَفَكَّرَ ، فَإِنْ كَانَ لَهُ قَالَ ، وَإِنْ كَانَ عَلَيْهِ أَمْسَكَ ، وَقَلْبُ الْجَاهِلِ مِنْ وَرَاءِ لِسَانِهِ ، فَإِنْ هَمَّ بِالْكَلامِ ؛ تَكَلَّمَ لَهُ وَعَلَيْهِ [2] .

وفي ( جمهرة خطب العرب ) : لما اسْتُخْلِفَ عمرُ بن عبد العزيز ، قَدِمَ عليه وُفُودُ أهلِ كلِّ بلد ؛ فتقدَّم إليه وَفْدُ أهلِ الحجاز ، فأشْرَأب منهم غلامٌ للكلام ، فقال عمر: يا غلام ، ليتكلمْ مَنْ هو أَسَن منك ! فقال الغلام : يا أمير المؤمنين ، إنَّما المرءُ بأَصغريه : قلبهِ ولسانِهِ ، فإذا مَنَح اللَّهُ العبدَ لسانًا لافظًا ، وقلبًا حافظًا ، فقد استجاد له الحلية ، ولو كان التقدم بالسن لكان في هذه الأمة من هو أحق بمجلسك منك ؛ فقال عمر : صدقت ، تكلّم ؛ فهذا السحْرُ الحلال ! فقال : يا أمير المؤمنين ، نحن وفد التهنئة ، لا وَفْد الْمَرْزِئة ؛ قدمنا إليك من بلدنا ، نحمد الله الذي منَّ بك علينا ، لم يخرجنا إليك رغبة ولا رهبة ، لأنا قد أمنَّا في أيامك ما خِفنا ، وأدركنا ما طلبنا ؛ فقال : عظنا يا غلام ، وأوجز ؛ قال : نعم يا أمير المؤمنين ، إن أناسًا غرهم حلم الله عنهم ، وطول أملهم ، وحسن ثناء الناس عليهم ؛ فلا يغرنك حلم الله عنك ، وطول أملك ، وحسن ثناء الناس عليك ، فتزل قدمك ؛ فنظر عمر في سن الغلام ، فإذا هو قد أتت عليه بضع عشرة سنة ، فأنشأ عمر يقول :

تعلمْ فليس المرءُ يُخلقُ عالِمًا ... وليس أخو علمٍ كمن هو جاهلُ

وإنَّ كبير القوم لا علمَ عنده ... صغيرٌ إذا ألتفَّتْ عليه المحافلُ [3] .

_

[1] انظر ( مجمع الأمثال ) : 2 / 294 ، 295 ( 3982 ) .

[2] المجالسة وجواهر العلم ( 1502 ، 3049 ، 3114 ) ، ورواه البيهقي في شعب الإيمان ( 4694 ) بلفظ : كان الحسن يقول : لسان العاقل من وراء قلبه ، فإذا عرض له قول نظر ؛ فإن كان له قال ، و إن كان عليه أمسك ؛ ولسان الأحمق أمام قلبه ، فإذا عرض له القول قال عليه أو له .

[3] جمهرة خطب العرب : 2 / 419 ؛ وهو في ( مروج الذهب للمسعودي : 3 / 197 ) ؛ وروى نحوه ابن عبد البر في ( التمهيد : 23 / 204 ) عن العتبي قال : قال سفيان بن عيينة : قدم وفد من العراق على عمر بن عبد العزيز ، فنظر عمر إلى شاب منهم يريد الكلام ، ويهش إليه ، فقال عمر : كبروا ، كبروا ؛ ( يقول : قدموا الكبار ) ؛ قال الفتى : يا أمير المؤمنين ، إن الأمر ليس بالسن ، ولو كان الأمر كذلك لكان في المسلمين من هو أسن منك ؛ قال : صدقت ، فتكلم رحمك الله ؛ قال : إنا وفد شكر ... وذكر الخبر .