روى أحمد والترمذي عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَفَعَهُ ، قَالَ : " إِذَا أَصْبَحَ ابْنُ آدَمَ فَإِنَّ الْأَعْضَاءَ كُلَّهَا تُكَفِّرُ اللِّسَانَ ، فَتَقُولُ : اتَّقِ اللَّهَ فِينَا ، فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ ؛ فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " [1] .
قال ابن القيم – : قوله : " تُكَفِّرُ اللِّسَانَ " قيل: معناه تخضع له , وإنما خضعت للسان لأنه بريد القلب وترجمانه ، والواسطة بينه وبين الأعضاء ؛ وقولها : " فَإِنَّمَا نَحْنُ بِكَ " , أي : نجاتنا بك ، وهلاكنا بك , ولهذا قالت : " فَإِنْ اسْتَقَمْتَ اسْتَقَمْنَا ، وَإِنْ اعْوَجَجْتَ اعْوَجَجْنَا " [2] .ا.هـ .
فالأعضاء كلها تطلب من اللسان الاستقامة ، طلب من يخضع لغيره ليفيض عليه بالمطلوب بواسطة الخضوع لديه ؛ فنطق اللسان يؤثر في أعضاء الإنسان بالتوفيق والخذلان ؛ فلله درُّه من عضو ، ما أصغره وأعظم نفعه وضرِّه .
وسِرُّ ذلك - كما يقول ابن القيم - أن حركة اللسان بالكلام لا تكون متساوية الطرفين ، بل إما راجحة وإما مرجوحة ؛ لأن للسان شأنًا ليس لسائر الجوارح ، وإذا أصبح ابن آدم فإن الأعضاء كلها تكفر اللسان ؛ وأكثر ما يكب الناس على مناخرهم في النار : حصائد ألسنتهم ؛ وكل ما يتلفظ به اللسان فإما أن يكون مما يرضى الله ورسوله ، أو لا ؛ فإن كان كذلك فهو الراجح ، وإن لم يكن كذلك فهو المرجوح ، وهذا بخلاف سائر الجوارح ، فإن صاحبها ينتفع بتحريكها في المباح المستوى الطرفين ، لما له في ذلك من الراحة والمنفعة ، فأبيح له استعمالها فيما فيه منفعة له ، ولا مضرة عليه فيه في الآخرة ؛ وأما حركة اللسان بما لا ينتفع به فلا يكون إلا مضرة ؛ فتأمله [3] .ا.هـ .
_
[1] - رواه أحمد : 3 / 95 ، والترمذي ( 2407 ) وحسنه الألباني .
[2] - انظر ( الفوائد ) ص 57 – الكتب العلمية .
[3] - انظر ( مدارج السالكين ) : 1/ 115 ، 116 - باختصار .