قوله تعالى : أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ (8) وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ (9) وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ (10)

قال الطبري ............

قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ رَحِمَهُ اللَّهُ : يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ : أَلَمْ نَجْعَلْ لِهَذَا الْقَائِلِ أَهْلَكْتُ مَالاً لُبَدًا. عَيْنَيْنِ يُبْصِرُ بِهِمَا حُجَجَ اللَّهِ عَلَيْهِ وَلِسَانًا يُعَبِّرُ بِهِ عَنْ نَفْسِهِ مَا أَرَادَ ، وَشَفَتَيْنِ ، نِعْمَةً مِنَّا بِذَلِكَ عَلَيْهِ.

قال أبو السعود ........

أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ يبصرُ بهمَا وَلِسَاناً يترجمُ بهِ عنْ ضمائرِه وَشَفَتَيْنِ يسترُ بهمَا فاهُ ويستعينُ بهَما على النطقِ والأكلِ والشربِ وغيرِها.

قال في التحرير والتنوير ..............

تَعْلِيلٌ لِلْإِنْكَارِ وَالتَّوْبِيخِ فِي قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ أَنْ لَنْ يَقْدِرَ عَلَيْهِ أَحَدٌ [الْبَلَد: 5] أَوْ قَوْلِهِ: أَيَحْسَبُ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ [الْبَلَد: 7] أَيْ هُوَ غَافِلٌ عَنْ قُدْرَةِ اللَّهِ تَعَالَى وَعَنْ عِلْمِهِ الْمُحِيطِ بِجَمِيعِ الْكَائِنَاتِ الدَّالِّ عَلَيْهِمَا أَنَّهُ خَلَقَ مَشَاعِرَ الْإِدْرَاكِ الَّتِي مِنْهَا الْعَيْنَانِ، وَخَلَقَ آلَاتِ الْإِبَانَةِ وَهِيَ اللِّسَانُ وَالشَّفَتَانِ، فَكَيْفَ يَكُونُ مُفِيضُ الْعِلْمِ عَلَى النَّاسِ غَيْرَ قَادِرٍ وَغَيْرَ عَالِمٍ بِأَحْوَالِهِمْ قَالَ تَعَالَى: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ [الْملك: 14] .
وَالِاسْتِفْهَامُ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ تَقْرِيرِيًّا وَأَنْ يَكُونَ إِنْكَارِيًّا.
وَالِاقْتِصَارُ عَلَى الْعَيْنَيْنِ لِأَنَّهُمَا أَنْفَعُ الْمَشَاعِرِ وَلِأَنَّ الْمُعَلَّلَ إِنْكَارُ ظَنِّهِ أَنْ لَمْ يَرَهُ أَحَدٌ.
وَذِكْرُ الشَّفَتَيْنِ مَعَ اللِّسَانِ لِأَنَّ الْإِبَانَةَ تَحْصُلُ بِهِمَا مَعًا فَلَا يَنْطِقُ اللِّسَانُ بِدُونِ الشَّفَتَيْنِ وَلَا تَنْطِقُ الشَّفَتَانِ بِدُونِ اللِّسَانِ.
وَمِنْ دَقَائِقِ الْقُرْآنِ أَنَّهُ لَمْ يَقْتَصِرْ عَلَى اللِّسَانِ وَلَا عَلَى الشَّفَتَيْنِ خِلَافَ عَادَةِ كَلَامِ الْعَرَبِ أَنْ يَقْتَصِرُوا عَلَيْهِ يَقُولُونَ: يَنْطِقُ بِلِسَانٍ فَصِيحٍ، وَيَقُولُونَ: لَمْ يَنْطِقْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، أَوْ لَمْ يَنْبِسْ بِبِنْتِ شَفَةٍ، لِأَنَّ الْمَقَامَ مَقَامُ اسْتِدْلَالٍ فجيء فِيهِ بِمَالِه مَزِيدُ تَصْوِيرٍ لِخَلْقِ آلَةِ النُّطْقِ.

قال العثيمين ...............

هذه ثلاث نعم من أكبر النعم على الإنسان أَلَمْ نَجْعَل لَّهُ عَيْنَيْنِ يعني يبصر بهما ويرى فيهما، وهاتان العينان تؤديان إلى القلب ما نظر إليه الإنسان، فإن نظر نظرة محرمة كان آثماً، وإن نظر نظراً يقربه إلى الله كان غانماً، وإذا نظر إلى ما يباح له فإنه لا يحمد ولا يذم ما لم يكن هذا النظر مفضياً إلى محظور شرعي فيكون آثماً بهذا النظر. وَلِساناً وَشَفَتَيْنِ لساناً ينطق به، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذه من نعم الله العظيمة، لأنه بهذا اللسان والشفتين يستطيع أن يعبر عما في نفسه، ولولا هذا ما استطاع، لو كان لا يتكلم فكيف يعبر عما ما في قلبه؟ كيف يعلم الناس بما في نفسه؟ اللهم إلا بإشارة تتعب، يتعب المشير ويتعب الذين أشير إليهم. ولكن من نعمة الله أن جعل له لساناً ناطقاً، وشفتين يضبط بهما النطق، وهذا من نعمة الله، وهو أيضاً من عجائب قدرته: يأتي النطق من هواء يكون من الرئة يخرج من مخارج معينة، إن مر بشيء صار حرفاً، وإن مر بشيء آخر صار حرفاً آخر، وهو هواء واحد من مخرج واحد، لكن يمر بشعيرات دقيقة في الحلق، وفي الشفتين، وفي اللثة هذه الشعرات تكون الحروف. فتجد مثلاً الباء والشين كلها بهواء يندفع من الرئة ومع ذلك تختلف باختلاف ما تمر عليه في هذا الفم، ومخارج الحروف المعروفة، هذا من تمام قدرة الله .