ما ورد من النهي عن الرقية في بعض الأحاديث ، كما في حديث جابر قال : نهى رسول الله عن الرقى ؛ فجاء آل عمرو بن عوف إلى رسول الله فقالوا : يا رسول الله ! إنه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب ، وإنك نهيت عن الرقى ! قال : فعرضوها عليه ، فقال : " ما أرى بأسًا ، من استطاع أن ينفع أخاه فلينفعه " ؛ رواه أحمد ومسلم [1] .

فهذا لا يعارض ما أمر به من الرقية وما أقره ، وإنما نهى عن الرقى التي تتضمن الشرك ، وتعظيم غير الله تعالى ، كغالب رقى أهل الشرك ؛ بدليل ما جاء في آخر الحديث .

قال ابن تيمية - : وعامة ما في أيدي الناس من العزائم والطلاسم والرقى التي ليست بالعربية فيها ما هو شرك بالجن ؛ ولهذا نهى علماء المسلمين عن الرقى التي لا يفهم معناها ؛ لأنها مظنة الشرك ، وإن لم يعرف الراقي أنها شرك .. قال : وعامة ما يقوله أهل العزائم فيه شرك ، وقد يقرءون شيئًا من القرآن ويظهرونه ، ويكتمون ما يقولونه من الشرك ، وفي الاستشفاء بما شرعه الله ما يغني عن الشرك وأهله .ا.هـ [2] .

وعن عوف بن مالك الأشجعي قال : كنا نرقي في الجاهلية ، فقلنا : يا رسول الله ! كيف ترى في ذلك ؟ فقال : " اعرضوا علي رقاكم ، لا بأس بالرقى ما لم يكن فيه شرك " ؛ رواه مسلم وأبو داود والبيهقي [3] .

قال الخطابي - : المنهي عنه ما كان منها بغير لسان العرب فلا يدرى ما هو ؟ ولعله يدخله سحر أو كفر ؛ فأما إذا كان مفهوم المعنى ، وكان فيه ذكر الله تعالى فإنه مستحب متبرك به. والله أعلم .ا.هـ [4] .

وقال البغوي - - ما خلاصته : والمنهي من الرقى ما كان فيه شرك ، أو كان يُذكر فيه مردة الشياطين ، أو ما كان منها بغير لسان العرب ، ولا يدرى ما هو ، ولعله يدخله سحر أو كفر ، فأما ما كان بالقرآن وبذكر الله فإنه جائز مستحب ، فإن النبي كان ينفث على نفسه بالمعوذات ، وكان يرقي الحسن والحسين ، ورقاه جبريل [5] .

وقال ابن العربي - : ووجه الجمع بينهما أن الرقى يكره منها ما كان بغير اللسان العربي ، وبغير أسماء الله وصفاته وكلامه في كتبه المنزلة ، وأن يعتقد أن الرقية نافعة لا محالة فيتكل عليها ، وإياها أراد بقوله : " ما توكل من استرقى "[6] . ولا يكره منها ما كان في خلاف ذلك ؛ كالتعوذ بالقرآن وأسماء الله تعالى ، والرقى المروية ، ولذلك قال للذي رقى بالقرآن وأخذ عليه أجرا : " من أخذ برقية باطل ، فقد أخذت برقية حق "[7] .ا.هـ [8] .

----------------------------------------------------------

[1] أحمد: 3 / 302، 315، ومسلم (2199).

[2] مجموع الفتاوى: 19 / 13، 61.

[3] مسلم (2200)، وأبو داود (3886)، والبيهقي في السنن الكبرى (20148) دار الفكر.

[4] معالم السنن: 5 / 362 (هامش المختصر).

[5] شرح السنة: 12 / 159.

[6] رواه ابن عبد البر بلفظه في التمهيد: 5 / 272، ورواه ابن أبي شيبة في المصنف (23623) وأحمد: 4 / 251، 252، بلفظ " لم يتوكل من استرقى واكتوى "، وروياه أيضا: في المصنف (23628)، والمسند 4 / 249، والترمذي في الطب باب (14) (2060)، وابن ماجة (3489)، والبغوي في شرح السنة (3241)، بلفظ: " من اكتوى أو استرقى فقد برئ من التوكل "، من حديث المغيرة بن شعبة قال الترمذي : حسن صحيح . قلت : وإسناده صحيح .

[7] رواه أحمد: 5 /210، 211، وأبو داود (3420، 3896، 3901)، من حديث علاقة بن صحار ، وإسناده جيد إن شاء الله. والمعنى إذا كان هناك من يرقي برقى باطلة ويأخذ على ذلك مالا، فقد رقيت برقي حق .

[8] عارضة الأحوذي: 9 / 278، 279، ونقله ابن الأثير في النهاية في غريب الحديث والأثر: 2 / 254، 255 (دار إحياء الكتب العربية) ولم يعزه.