ضرورة وجود الحاكم وطُرق ثُبوت ولايته في الإسلام
إعداد: بوودن دحمان حذيفة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هداه وبعد:
مما لا شك فيه أنّ مصالح الناس لا تستقيم إلا بالاجتماع، وذلك لحاجة بعضهم إلى بعض، فالاجتماع ضرورة بشرية ومطلب شرعي، ولهذا نهانا الله تعالى عن التفرق والاختلاف وأمرنا بالاجتماع والائتلاف، قال تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلا تَفَرَّقُوا" آل عمران: 103. والاجتماع لا بد له من قيادة ورأس، حتى إنّ النبي قال: "إِذَا خَرَجَ ثَلَاثَةٌ فِي سَفَرٍ فَلْيُؤَمِّرُوا أَحَدَهُمْ"سنن أبي داود. فلذلك كان تنصيب الإمام من أوجب الواجبات في الإسلام لما يترتب عليه من المصالح العظيمة، وفي هذا المقال سوف نتحدث عن أهمية وجود الحاكم وعن الشروط التي يجب أن تتوفر فيه، وكذلك الطرق التي تثبت ولايته بها في الإسلام، لنخلُص في الأخير إلى الحديث عن حقوق الحاكم على الرعية.
إنّ مِنْ أَعْظَم الأدلة على ضرورة وجود الحاكم وبَذْلِ البَيْعةِ له قولَه صلَّى الله عليه وسلَّم: "مَنْ مَاتَ وَلَيْسَ فِي عُنُقِهِ بَيْعَةٌ مَاتَ مِيتَةً جَاهِلِيَّةً" أخرجه مسلم، وذلك أنَّ أهل الجاهليةِ لم يكن لهم إمامٌ يجمعهم على دِينٍ، بل كانوا طوائفَ شتَّى، آراؤُهم مُتناقِضةٌ وأديانُهم مُتبايِنةٌ. ومما يدلنا على أهمية وجود الإمامِ مبادرة الصحابة إلى تنصيب إمام لهم قبل أن يتجهوا إلى تجهيز الرسول ودفنه، لعلمهم أنه لا يصلح وقت ولو يسير إلا وقد تنصّب إمام، قال ابنُ خلدون في المقدِّمة -ص:171-: "إنَّ نَصْبَ الإمامِ واجبٌ قد عُرِفَ وجوبُه في الشرع بإجماعِ الصحابة والتابعين؛ لأنَّ أصحابَ رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم عند وفاتِه بادَرُوا إلى بَيْعةِ أبي بكرٍ وتسليمِ النظرِ إليه في أمورهم".
ولا يخفى أنَّ إمامة المسلمين مسؤوليَّةٌ كُبْرَى، فلا قِيامَ للدِّين إلَّا بها، ولا تَنْتظِمُ مَصالِحُ الأمَّة إلَّا بسلطان مُطاع، قال الجُوَيْنيُّ في كتاب غياث الأمم -ص: 23. 24-: "لو تُرِكَ الناسُ فَوْضَى لا يجمعهم على الحقِّ جامعٌ، ولا يَزَعُهم وازعٌ، ولا يَرْدَعُهم عن اتِّباعِ خطواتِ الشيطان رادعٌ، مع تفنُّنِ الآراء وتفرُّقِ الأهواء؛ لَانْتَثَرَ النظامُ، وهَلَكَ العِظامُ، وتَوثَّبَتِ الطَّغامُ والعوامُّ" فالغاية مِنْ نَصْبِ الإمام هو اجتماع الكلمةِ ولَمُّ الشمل، وإقامة أحكام الدِّين، ورفْع الظلمِ ونَشْر العدل، وصيانة الأعراض واستتباب الأمن، وفضُّ المُنازعات، والأخذ على يَد الظَّالم وإنصاف المظلوم، وقَمْعُ الشَّرِّ والفساد، فالله تعالى يَزَعُ بالسلطان ما لا يَزَعُ بالقرآن، ومن غايات نصب الإمام جهادُ أعداءِ الإسلام وحمايةُ حوزة البلاد، ولهذا قالت بنوا اسرائيل لنبي لهم: "ابْعَثْ لَنَا مَلِكاً نُقَاتِلْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ" البقرة:246، بل إنّ صلاحُ الرعيَّةِ وفسادُها مُتوقِّفٌ على أولي الأمر وقديما قالوا: "الناس على دين ملوكهم".
ومن المعلوم بداهة أنّ منصب الحاكم –الرئيس– هو أعلى وأجلّ منصب في الدولة، لذا كان حتماً على المسلمين أن يقوموا بتولية أصلح الناس وأقواهم على تحمل عبء هذه الأمانة، وأي أمانة! قال : "إِنَّهَا أَمَانَةٌ، وَخِزْيٌ، وَنَدَامَةٌ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِلَّا مَنْ أَخَذَهَا بِحَقِّهَا وَأَدَّى الَّذِي عَلَيْهِ فِيهَا" أخرجه مسلم. ولا شك أنّ ضياع هذه الأمانة من أهم علامات الساعة، ولهذا قال النبي لمن سأله عن الساعة: "إِذَا ضُيِّعَتِ الْأَمَانَةُ فَانْتَظَرِ السَّاعَةَ". قَالَ: كَيْفَ إِضَاعَتُهَا؟ قَالَ: "إِذَا وُسِّدَ الْأَمْرُ إِلَى غَيْرِ أَهْلِهِ فَانْتَظَرِ السَّاعَةَ" أخرجه البخاري. من أجل هذا توسع فقهاء المسلمين في بحث شروط الإمامة، ومعظم هذه الشروط اجتهادية بمعنى أنها مستنبطة وغير منصوص عليها شرعاً وهي: الإسلام، وهو شرط بدهي، فقد نص القرآن على أن ولاة الأمر من المسلمين، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ " النساء: 59، والكافرُ لا يُعَدُّ مِنَ المسلمين. ومن شروطها: البلوغ، وذلك لأنّ الصغير غير مكلف في نفسه ويحتاج إلى وصاية غيره، فكيف يكلف بالولاية على غيره فضلاً عن الولاية على سائر المسلمين؟! وثالث هذه الشروط: العقل، لأنّ فاقد العقل غير مكلف بما هو واجب على كل أحد، فكيف يكلف بولاية على غيره، وقد نهانا الله حتى عن وضع المال تحت تصرفه قال تعالى: "وَلَا تُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمُ"النساء: 5. ورابع الشروط: الذكورة، وذلك لحديث النبي : "لَنْ يُفْلِحَ قَوْمٌ وَلَّوْا أَمْرَهُمُ امْرَأَةً" أخرجه البخاري، وذلك أنّ الإمامة تقتضى الدخول في المحافل العامة ومخالطة الرجال وقيادة الجيوش، وذلك لا يتماشى مع وضع المرأة في الإسلام. وأما خامس شروط الإمامة: العدالة، وتعنى في جملتها: الأخلاق الفاضلة، وقد جعل الله العدالة شرطاً في أصغر الولايات كحضانة الصغير، والحكم في جزاء الصيد، وجعلها شرطاً لقبول الشهادة، فكيف لا تكون شرطاً في أعظم الولايات، ولا نعنى بالعدالة بالعصمة، فالعصمة للأنبياء فقط. وسادس الشروط: العلم، وقد اختلف العلماء في حد العلم الذي ينبغي أن يحصله شاغل منصب الإمامة، ومذهب الجمهور وجوب تحصيل مرتبة الاجتهاد المطلق. وسابع هذه الشروط: الحرية، لأنّ المملوك يخضع لغيره ولا يملك أمر نفسه، فكيف تكون له ولاية على غيره، وقد يرد على هذا الشرط قول النبي : "اسْمَعُوا وَأَطِيْعُوا، وإِن اسْتُعْمِلَ عَلَيْكُمْ عَبْدٌ حَبَشِي" أخرجه البخاري، ولكن جمهور العلماء تأولوا هذا النص بأنّه في حال التغلّب، أو أنّه ورد على سبيل ضرب المثال مبالغة في لزوم الطاعة. وثامن شروط الإمامة: الكفاءة الجسمية، ونعني بها سلامة الأعضاء من كل نقص يؤثر في كفاءة شاغل المنصب، وقد قال النبي لأبى ذر لما طلب منه الإمارة: "إِنَّكَ ضَعِيفٌ وَإِنَّهَا أَمَانَةٌ" أخرجه مسلم. وآخر شروط الإمامة: القرشية، ودليليها قول النبي : "الأئمة من قريش" رواه أحمد، ولكن هذا يشترط في الخليفة العام للمسلمين لا في ولاية الأقاليم على أصح قول العلماء.
وإذا لم تتوافـر جميع هذه الشروط في شخص واحد فينبغي مراعاة الأمثل فالأمثل بحسب حاجة المسلمين ومصلحتهم، لأنّ الله تعالى لا يكلفنـا إلا بما نطيق، قال تعالى: "فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ" التغابن :16، وإذا تكافأت هذه الشروط وتوازنت في أكثر من شخص وجب تقديم الأصلح والأنسب لظروف المسلمين. قال الماوردي في كتاب الأحكام السلطانية-ص:26-: "ولو كان أحدهما أعلم والآخر أشجع روعي في الاختيار ما يوجبه حكم الوقت، فإن كانت الحاجة إلى فضل الشجاعة أدعى لانتشار الثغور وظهور البغاة كان الأشجع أحق، وإن كانت الحاجة إلى فضل العلم أدعى لسكون الدهماء وظهور أهل البدع كان الأعلم أحق" ونظير ذلك ما ذكره ابن تيمية في المجموع -ج: 28 ص:255- عن الإمام أحمد عندما سئل عن الرجلين يكونان أميرين في الغزو وأحدهما قوي فاجر والآخر صالح ضعيف مع أيهما يغزي؟ فقال: "أما الفاجر القوي فقوته للمسلمين وفجوره على نفسه، وأما الصالح الضعيف فصلاحه لنفسه وضعفه على المسلمين فيغزَى مع القوي الفاجر" فالأصل اختيار التقي القوي الأمين، فإن اختل ميزان أحدهما، نظر للمهمة المناطة به.
وقبل أن نبيّن طرق ثبوت الولاية للحاكم في الإسلام يجب أن يُعلم أنّ السياسة الشرعية من باب العادات التي يلتفت فيها إلى المصالح التي قصدها الشارع، والأصل فيها يقوم على الإباحة والمانع يطالب بالدليل، عكس العبادات فإنّ مبناها على التوقف، ولهذا كان من حق الأمة أن تمارس الطريقة التي تراها محققة لمصالحها على ضوء ما يقدمه عصرها وواقعها من تجارب نافعة، فقد توفي النبي ولم يبين من يخلفه في قيادة الأمة من بعده، فدلّ تركه النص والاستخلاف على أنّ هذا حق الأمة تختار من تراه أهلاً للقيام على أمرها. وقد كان اختيار الخلفاء الراشدين تجسيداً لهذه الحقيقة فلم يتقيدوا في الاختيار بطريقة واحدة، بل جاءوا إلى الخلافة عبر أربع طرق مختلفة، ولكنها مع اختلافها وتباينها، قد مَثَّلت لجمهور المسلمين أربع أمثلة شرعية يمكن من خلالها اختيار خليفة المسلمين أو إمامهم.
فأمّا إمامة أبي بكر الصديق فقد كانت عن طريق بيعة أهل الحل والعقد، وأهل الحَلِّ والعقد هم قادة الأمَّة الذين يَتَّصِفُون بالعلم والرَّأي والمشورة والتوجيه، فهؤلاء هم الذين يتولون ترشيح الحاكم -الرئيس- والمفاضلة بين المرشحين، ومناصحة الحاكم ومحاسبته، بل عزله إن اقتضى الأمر ذلك، وجماهير المسلمين تبع لهم في كل ذلك، وليس مِنْ شروطِ ثبوت الإمامة بهذه الطريقة أَنْ يكون كُلُّ مسلمٍ مِنْ جملةِ المُبايِعين له، كما لا يجب في اختيار المرشح للرئاسة إجماع هؤلاء، بل يكفي في ذلك ترشيح جمهور أهل الحل والعقد، ومبايعة جماهير المسلمين، قال النووي في شرح صحيح مسلم: "فَقَدْ اِتَّفَقَ الْعُلَمَاء عَلَى أَنَّهُ لا يُشْتَرَط لِصِحَّتِهَا -البيعة- مُبَايَعَة كُلّ النَّاس, وَلا كُلّ أَهْل الْحَلّ وَالْعِقْد, وَإِنَّمَا يُشْتَرَط مُبَايَعَة مَنْ تَيَسَّرَ إِجْمَاعهمْ مِنْ الْعُلَمَاء وَالرُّؤَسَاء وَوُجُوه النَّاس". ولكن من شروط صحة البيعة أن يتولّى عقدها أهل الحلّ والعقد "بيعة الانعقاد" قبل عامة الناس "بيعة العامة أو بيعة الطاعة"، فلا عبرة لبيعة العامة إن لم يبايع أهل الحل والعقد، ففي تقديرهم ضمان التوازنات والاستقرار، أي تأسيس البيعة على "شرعية واضحة".
وعلى هذا المنوال تمت مبايعة أبي بكر الصديق . ففي سقيفة بني ساعدة التي ضمت بعض المهاجرين والأنصار قال عمر لأبي بكر: "ابسط يدك يا أبا بكر، فبسط يده فبايعتُه، وبايعه المهاجرون ثم بايعَتْه الأنصار" رواه البخاري. فبايعه أهل الحل والعقد من المهاجرين والأنصار وفي اليوم التالي دُعِي المسلمون للبيعة العامة في المسجد، فصعد أبو بكر المنبر بعد أن أخبرهم عمر بن الخطاب باختيارهم له، ومبايعتهم إياه، وأمرهم بمبايعته فبايعه المسلمون. قال الطبري في تاريخ الأمم والملوك -2/243- 245-: "لما بويع أبو بكر في السقيفة وكان الغد جلس أبو بكر على المنبر فقام عمر فتكلم قبل أبي بكر فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله... فقوموا فبايعوا فبايع الناس أبا بكر بيعة العامة بعد بيعة السقيفة". لكن يجب التنبيه إلى أنّ بيعة أبي بكر لم تكن لتتمّ إلّا بعد مبايعة غالبية أهل الأمصار. لأنّ البعض يحاول أن يقلل من قيمة البيعة العامة، ويجعلها عملية شكلية تعلن فيها الجماهير عن دخولها في الطاعة وتأييدها لما يراه أهل الحل والعقد، والحق أن ما يقوم به أهل الحل والعقد ما هو إلا ترشيح منهم لمن يرونه أهلاً لتولى عبء هذا المنصب، وغالباً ما يكون لهذا الترشيح قوته عند الجمهور لما لأهل الحل والعقد من منزلة في نفوس الناس، ولو كانت بيعة السقيفة كافية لما كان هناك داع لجلوس الصديق لتلقى البيعة، وفي هذا المعنى يقول ابن تيمية كما في المنتقى من مناهج الاعتدال -ص: 58-: "فالصديق استحق الإمامة لإجماعهم عليه، ولو قدر أنّ أبا بكر بايعه عمر وطائفة وامتنع سائر الصحابة عن بيعته لم يَصِرْ إماماً بذلك، وإنما صار إماماً بمبايعة جمهور الناس" ولا شك أنّ هذه الطريقة هي أفضل طريق لاختيار أفضل حاكم يقوم على أمر المسلمين.
وأمّا إمامة عمر بن الخطاب فقد كانت بطريقة العهد والاستخلاف، وهو أن يعهد الإمام إلى مَنْ يَرَاهُ أَقْدَرَ على مَهَمَّةِ حمايةِ الدِّين وسياسةِ الدنيا فيَخْلُفَه مِنْ بَعْدِه؛ ومما يدلّ على مشروعية هذه الطريقة أنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم أعطى الرايةَ يوم مُؤْتَةَ زيد بنَ حارثةَ وقال:" إِنْ قُتِلَ زَيْدٌ، أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ، فَإِنْ قُتِلَ جَعْفَرٌ أَوِ اسْتُشْهِدَ فَأَمِيرُكُمْ عَبْدُ اللهِ بْنُ رَوَاحَةَ" رواه أحمد. وهكذا فقد عهِد أبو بكر الصديق إلى عمر ابن الخطاب بالخلافة، فلزمت إمامته وانقادَ الناس له فكان ذلك خير للإسلام والمسلمين، ولم يكن هذا العهد جبرًا على المسلمين؛ فقد كان باختيارهم، وبعرض من أبي بكر لهم؛ فقد ذكر الطبري في تاريخه -2/352، 353- أن أبا بكر خرج على الناس في مرض وفاته فقال لهم: "أترضون بمن أستخلف عليكم؟! فإني والله ما ألوت من جهد الرأي، ولا وَلَّيت ذا قرابة، وإني قد استخلفتُ عمر بن الخطاب، فاسمعوا له وأطيعوا. فقالوا: سمعنا وأطعنا". وكان أبو بكر قد استطلع آراء كبار الصحابة قبل قراره هذا، فمما رواه الطبري أيضا -2/352 -أنّ أبا بكر لما عزم على العقد لعمر في مرض الوفاة دعا عبد الرحمن بن عوف، فقال: "أخبرني عن عمر؟ فقال: يا خليفة رسول الله، هو والله أفضل من رأيك فيه من رجل، ولكن فيه غلظة. فقال أبو بكر: ذلك لأنه يراني رقيقًا، ولو أفضى الأمر إليه لترك كثيرًا مما هو عليه، ويا أبا محمد قد رمقتُهُ فرأيتُني إذا غضبتُ على الرجل في الشيء أرانيَ الرضا عنه، وإذا لنتُ له أراني الشدةَ عليه، لا تذكر يا أبا محمد مما قلتُ لك شيئًا. قال: نعم. ثم دعا عثمان بن عفان، قال: يا أبا عبد الله، أخبرني عن عمر؟ قال: أنت أخبرُ به. فقال أبو بكر: على ذاك يا أبا عبد الله. قال: اللهم علمي به أن سريرته خيرٌ من علانيته، وأن ليس فينا مثله. قال أبو بكر: رحمك الله يا أبا عبد الله، لا تذكر مما ذكرتُ لك شيئًا. قال: أفعلُ" ولذلك كان العهد لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب بمنزلة "إجماع الأمة على مرشح الخليفة السابق. وقد عَهِدَ مُعاويةُ إلى ابنه يَزيدَ كما عَهِدَ غيرُهم.
وقريبا من طريقة تنصيب عمر بن الخطاب كانت خلافة عثمان بن عفان ، إلا أنّ عمر ابن الخطاب لم يعهد بالخلافة إلى واحد بعينه وإنما جعلها شورى في جماعة تَتوفَّرُ فيها شروطُ الإمامةِ العُظْمى؛ لِتقومَ باختيارِ وليِّ العهدِ المُناسِب فيما بينهم، وهؤلاء الذين عهد عمر الفاروق هم ستة من كبار صحابة رسول الله الذين اجتمعت آراء المسلمين داخل المدينة وخارجها على مكانتهم وفضلهم، ومن ثم صلاحيتهم لتولية إمامة المسلمين، والحق أنّ الخليفة عمر بن الخطاب قد اختار هؤلاء بناء على رضا رسول الله عنهم، فهم "المبشَّرُون بالجنة"، وهم: عثمان بن عفان الأموي، وعلي بن أبي طالب الهاشمي، وعبد الرحمن بن عوف الزهري، وسعد بن أبي وقاص الزهري، والزبير بن العوام الأسدي، وطلحة بن عبيد الله التيمي، وأما سابعهم فهو سعيد بن زيد بن عمرو بن نفيل، لكن عمر بن الخطاب قد استبعده لقرابته منه، فلم يشأ أن يلي أمر المسلمين أحد من آل عمر أو من أقاربه وقال: "بحسب آل عمر أن يُحَاسب منهم رجل واحد!" ذكره الطبري في تاريخ الأمم والملوك 2/580. وقد استطاع هؤلاء المجتمعون أو "أهل الشورى" أن يتوصَّلُوا إلى اختيار خليفة بطريقة تشاورية في ثلاث أيام كما حدد ذلك عمر بن الخطاب، وتمت الموافقة على الخليفة الثالث عثمان بن عفان. فقد أخذ عبد الرحمن بن عوف يشاور المهاجرين والأنصار، ولما رأى ميل الناس كلهم إلى عثمان قال عبد الرحمن بن عوف: "أما بعد، يا علي إني قد نظرت في أمر الناس، فلم أرهم يعدلون بعثمان" رواه البخاري. ومن دون شكٍّ أنّ هذه الطريقة التي اقترحها عمر مقبولة جدا لأنها توافقت مع ما استجد على ساحة المسلمين من رقعة شاسعة، فلم يكن من المتوقع أن يعهد عمر لأحد بعينه وسط هذه الظروف الجديدة، ومن ثم تواكبت هذه الآلية العمرية مع الأحداث حينئذ، وهي بمنزلة "تنافس المرشحين بطرق شرعية على منصب الخلافة".
وأما طريقة اختيار الخليفة الراشد علي بن أبي طالب، فقد كانت غاية في الأهمية؛ لأنها كانت ملازمة لأحداث استثنائية مرت بها الدولة الإسلامية حينئذ، وهذه الأحداث كانت الفتنة بعينها! ومن ثم، كان من الضروري أن تدرأ الأمة هذه المفسدة قبل استفحالها، فلم يكن من بُدٍّ أن يُسرع المسلمون لمبايعة رجل بمكانة علي بن أبي طالب، وقد اشترط أن تكون بيعته عامة في مسجد رسول الله، فقد ذكر الطبري في تاريخ الأمم والملوك -ج2 ص:696-: "عن محمد بن الحنفية قال: كنت مع أبي حين قتل عثمان ، فقام فدخل منزله، فأتاه أصحاب رسول الله ، فقالوا: إن هذا الرجل قد قتل، ولا بد للناس من إمام، ولا نجد اليوم أحداً أحق بهذا الأمر منك، لا أقدم سابقة، ولا أقرب من رسول الله ، فقال: لا تفعلوا، فإني أكون وزيراً خير من أكون أميراً، فقالوا: لا والله ما نحن بفاعلين حتى نبايعك، قال: ففي المسجد، فإن بيعتي لا تكون خفيا، ولا تكون إلا عن رضا المسلمين، قال سالم بن أبي الجعد: فقال عبد الله بن عباس: فلقد كرهت أن يأتي المسجد مخافة أن يشغب عليه، وأبى هو إلا المسجد، فلما دخل، دخل المهاجرون والأنصار، فبايعوه، ثم بايعه الناس". وهذه الآلية الجديدة التي لجأ إليها المسلمون وسط هذه الأحداث الدامية يمكن أن نطلق عليها "اللجوء إلى الرجل المناسب في أوقات المحن".
فهذه الطرق المتنوِّعة هي مما قَدَّمته الحضارة الإسلامية كحلول ناجعة وشرعية لكيفية اختيار الحكام، وقد جمعت هذه الطرق بين أوقات مختلفة، وأحداث متنوِّعة؛ حيث جمعت بين السلم والهدوء، وبين الحرب والفتن، ولكن الجامع لهذه الآليات كان مبدأ الشورى والبيعة.
ومن طرق ثبوت الإمامة في الإسلام: القوَّة والغلبة والقهر، وهو غير مشروع في ذاته وإنما قد يُفرض على المسلمين فيتعايشوا معه درءاً للفتنة ودفعاً لأكبر الضررين، فإذا غَلَبَ على الناسِ حاكمٌ بالقوَّة والسيف حتَّى أَذْعَنُوا له واستقرَّ له الأمر؛ صارَ هذا المتغلِّبُ إمامًا للمسلمين وإِنْ لم يَسْتَجْمِعْ شروطَ الإمامة، وأحكامُه نافذةٌ، بل تجب طاعتُه في المعروف وتَحْرُمُ مُنازَعتُه ومعصيتُه والخروجُ عليه قولًا واحدًا عند أهلِ السنَّة؛ ذلك لأنَّ طاعته خيرٌ مِنَ الخروج عليه؛ لِمَا في ذلك مِنْ جمع الكلمة َوحقْنِ الدماءِ وتسكينِ الدَّهْماء ومنع تسلُّطِ أعداء الإسلام. وقد حَكَى الإجماعَ على وجوبِ طاعةِ الحاكمِ المُتغلِّبِ الحافظُ ابنُ حجرٍ في "الفتح" (١٣/ ٧) والشيخُ محمَّد بنُ عبد الوهَّاب كما في "الدُّرَر السنيَّة" (٧/ ٢٣٩). وقال الإمام النوويُّ كما في روضة الطالبين -١٠/ ٤٦-: "إذا ماتَ الإمامُ فتَصَدَّى للإمامة مَنْ جَمَعَ شرائطَها مِنْ غيرِ استخلافٍ ولا بيعةٍ، وقَهَرَ الناسَ بشوكته وجنوده؛ انعقدَتْ خلافتُه ليَنْتَظِمَ شَمْلُ المسلمين". ومِنَ الإمامة التي انعقدَتْ بالغَلَبةِ والقوَّة: ولايةُ عبد الملك بنِ مروان؛ حيث تَغَلَّبَ على الناسِ بسيفه واستتبَّ له الأمرُ وصارَ إمامًا بالغَلَبة، ومِنْ ذلك أيضا: ولايةُ بني أُمَيَّةَ في الأندلس: انعقدت لهم بالاستيلاء والغَلَبة، مع أنَّ الخلافة كانَتْ قائمةً في بغداد للعبَّاسيِّين.
ومن طرق انعقاد الإمامة في وقتنا الحاضر، بل ولا يمكن الوصول إليها إلى من خلاله: الانتخابات، وهي طريقة يحدد بها المستحق للولاية بحيازة أكبر عدد من أصوات المواطنين في صناديق الاقتراع، والانتخابات نظام ألجأت إليه الضرورة، أو بالأحرى هي نظام فُرض على المسلمين فرضا، لأنّ الانتخابات من أساليبِ النُّظُمِ المُسْتَوْرَدَةِ الفاقدةِ للشرعية الدينية، وبغضِّ النظر عن فسادِ هذه الأنظمةِ وخَطَر العمل بها على عقيدة المسلم، إلاّ أنَّ مَنْصِب الإمامة يَثْبُتُ بها ويجري مجرى طريق الغَلَبةِ والاستيلاءِ والقهر، وتنعقدُ إمامةُ الحاكمِ وإِنْ لم يكن مُسْتَجْمِعًا لشرائطِ الإمامة، وذلك لحاجة الناس إلى حاكم يسوسهم عملا بقاعدة "وإذا تعارضت مفسدتان وضرران قدّم أهونهما وارتكب أخفهما".
ومن جملة اعتراضات علماء المسلمين على تعيين الحاكم بطريق الانتخابات أنها لا تراعي الضوابط الشرعية في المنتخَبين والمنتخِبين، فاشتراطُ العدالة منتفٍ فيهما، وهذا ينافي قوله تعالى:"وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِّنكُمْ" الطلاق: ٢. كذلك يلاحظ في الانتخابات الجَوْرُ وعدمُ العدل، حيث تعتمد على المساواة بين صوت المسلم والكافر، والرجل والمرأة، والأمين والخائن، وصوت أهل الحلِّ والعقد وأهل اللهو والمجون، وصوت الشيوعي والعلماني وصوت العالم الفاضل، وقد حرَّم اللهُ مثلَ هذه المساواة في قوله تعالى: "أَفَنَجْعَلُ المُسِلمِينَ كَالمُجْرِمِينَ مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ" القلم: ٣٥-٣٦، وقوله تعالى: "أَمْ نَجْعَلُ الذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ كَالمُفْسِدِينَ فِي الأَرْضِ أَمْ نَجْعَلُ المُتَّقِينَ كَالفُجَارِ" ص: ٢٨. وقال تعالى: "قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لا يَعْلَمُونَ" الزمر: 9. ثم إن التسابق الرئاسي على طريقة الانتخابات يفضي إلى انتظام المسلمين ضمن أحزابٍ سياسيةٍ بموجب الدستور، وهذه الأحزاب عادة ما تكون متنازعةٍ ومتناحرةٍ، يوالون عليها ويعادون، مضيِّعين لمبدإ الولاء والبراء للإسلام، وهذا ممزِّقٌ لجماعة المسلمين وقد قال الله تعالى: "وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَقُوا" آل عمران: ١٠٣.
هذا مع ما يرافق هذه الانتخابات من إعلام ومال يشوه الحقيقة، حيث تشترى الذمم الرخيصة، وترهن أصوات بعض الناخبين تحت ضغط الفقر، وبالمال تقام الحملات فالمرشح الصالح الذي لا يملك المال الوفير لا يتساوى مع من يملك المال في حظوظه من التواصل مع القاعدة الانتخابية، مما يترتب عليه ضياع حق الأكفأ والأصلح في التولي.
وفي الأخير ينبغي أن يعلم أن إمام المسلمين له حقوق عظيمة على الرعية، فأول حقوقه السمع والطاعة في المعروف، قال الله سبحانه: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ وَأُوْلِي الأَمْرِ مِنْكُمْ" النِّسَاءِ: 59، لكن إن أمر بمعصية فإنه لا يطاع في تلك المعصية، لقوله عليه الصلاة والسلام: "لَا طَاعَة لمخلوق فِي مَعْصِيّة الْخَالِق" رواه أحمد، وتلزم طاعته حتى لو حصل من الإمام ظلم أو جور أو فُسق في نفسه ما لم يخرج من الإسلام، لما في ذلك من جمع الكلمة وارتكاب أخف الضررين لدفع أعلاهما، ومن حقوقه أن يُناصح سرا بينه وبين الناصح وأن يُبلغ فيما يحصل من النقص الذي يكون في الرعية ويُعان على إصلاحه قال : "لدّين النَّصِيحَة قَالُوا لمن يَا رَسُول الله؟ قَالَ: لله ولكتابه وَلِرَسُولِهِ ولأئمة الْمُسلمين ولعامتهم" رواه مسلم.
ولا يجوز الخروج على ولي الأمر إلاّ إذا وُجد منه كفر بواح مع شرط القدرة على إزالته. أمّا إذا كان ليس بالاستطاعة الخروج عليه فلا يجوز ذلك حتى وإن حصل منه كفرا بواحا. لأنّ الخروج حينها يضر الناس ويوجب الفتنة، ومعلوم أنَّ "دَرْءَ المَفَاسِدِ أَوْلَى مِنْ جَلْبِ المَصَالِحِ" وقد قال تعالى: "وَلَا تُلۡقُواْ بِأَيۡدِيكُمۡ إِلَى ٱلتَّهۡلُكَةِ" البقرة: ١٩٥. فالواجبُ الصَّبرُ عليه والأمة معذورة حينها؛ لقوله تعالى: "فَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ مَا ٱسۡتَطَعۡتُمۡ" التغابن: ١٦، وتُلْحَقُ هذه الصورةُ بالمرحلة المكِّيَّة التي كان عليها النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم وأصحابُه قبل الهجرة؛ فقَدْ كانوا تحت ولايةِ الكُفَّار، وقد أُمِرُوا فيها بالدعوة إلى الله تعالى، وكَفِّ الأيدي عن القتال، والصبرِ حتَّى يفتح اللهُ عليهم، قال تعالى: "أَلَمۡ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ قِيلَ لَهُمۡ كُفُّوٓاْ أَيۡدِيَكُمۡ وَأَقِيمُواْ ٱلصَّلَوٰةَ وَءَاتُواْ ٱلزَّكَوٰةَ" النساء: ٧٧. فأسأل الله تعالى أن يولي علينا خيارنا وأن يصلح أئمتنا وولاة أمورنا وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.