بسم الله الرحمن الرحيم

كثيرا ما يأتى السؤال عن حياة الجن بالأرض، مالهم وما عليهم من أوامر ونواهى؟
ويكون الجواب: أن المطلوب منهم عبادة الله تعالى كما جاء فى الآية (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ) أى هم كالبشر عليهم أن يؤمنوا بالله رب العالمين، وجاء ذكرهم فى القرآن قبل الإنس فى كل الآيات عدا آيتين.

وكذلك نعلم من القرآن أنهم مخلوقين قبل الإنس زمنيا (وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِن قَبْلُ مِن نَّارِ السَّمُومِ)، ولكن لا نعرف من هو أول مخلوق منهم، وبعض العلماء يقولون أنهم أكثر عددا من الإنس.

ومن سورة النمل وسورة الجن نعلم قدراتهم فى التنقل السريع وحمل الأثقال والطير فى السماء. (قَالَ عِفْرِيتٌ مِّنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَن تَقُومَ مِن مَّقَامِكَ ۖ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ) -39-النمل
وَأَنَّا لَمَسْنَا السَّمَاءَ فَوَجَدْنَاهَا مُلِئَتْ حَرَسًا شَدِيدًا وَشُهُبًا -8-الجن

وتخبرنا آية بسورة الأحقاف أنهم يعرفون التوراة وذهبوا لقومهم لإعلامهم بدعوة القرآن بعد أن أرسلهم الله تعالى لسماعه فآمنوا به، وبسورة الجن أيضا نعلم أنهم سمعوا "القرآن الكريم" وآمنوا به ومنهم من يعتنق عقيدة النصارى "وَأَنَّهُ تَعَالَىٰ جَدُّ رَبِّنَا مَا اتَّخَذَ صَاحِبَةً وَلَا وَلَدًا"، فهم بذلك مشابهين للبشر فى الإعتقاد،

ونستبطن أنه طالما أنهم يعرفون الكتب السماوية السابقة ويدعون أقوامهم للإيمان بالقرآن الكريم وبعضهم آمن به فهم بنفس تكاليف الإنس من الأعمال الصالحات .

ولكن نختم القول عادة أن القرآن الكريم لم يورد أى تفاصيل كثيرة عنهم .

ولكن بمراجعة دقيقة لآيات بسورة (الأحقاف) وآيات قبلها بسورة (الأعراف) نعرف تفاصيل أكثر عنهم :
سورة الأحقاف :
وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا حَمَلَتْهُ أُمُّهُ كُرْهًا وَوَضَعَتْهُ كُرْهًا وَحَمْلُهُ وَفِصَالُهُ ثَلَاثُونَ شَهْرًا حَتَّى إِذَا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً قَالَ رَبِّ أَوْزِعْنِي أَنْ أَشْكُرَ نِعْمَتَكَ الَّتِي أَنْعَمْتَ عَلَيَّ وَعَلَى وَالِدَيَّ وَأَنْ أَعْمَلَ صَالِحًا تَرْضَاهُ وَأَصْلِحْ لِي فِي ذُرِّيَّتِي إِنِّي تُبْتُ إِلَيْكَ وَإِنِّي مِنَ الْمُسْلِمِينَ (15) أُولَئِكَ الَّذِينَ نَتَقَبَّلُ عَنْهُمْ أَحْسَنَ مَا عَمِلُوا وَنَتَجَاوَزُ عَنْ سَيِّئَاتِهِمْ فِي أَصْحَابِ الْجَنَّةِ وَعْدَ الصِّدْقِ الَّذِي كَانُوا يُوعَدُونَ (16)
وَالَّذِي قَالَ لِوَالِدَيْهِ أُفٍّ لَّكُمَا أَتَعِدَانِنِي أَنْ أُخْرَجَ وَقَدْ خَلَتِ الْقُرُونُ مِن قَبْلِي وَهُمَا يَسْتَغِيثَانِ اللَّهَ وَيْلَكَ آمِنْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ فَيَقُولُ مَا هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ (17)أُولَٰئِكَ الَّذِينَ حَقَّ عَلَيْهِمُ الْقَوْلُ فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ ۖ إِنَّهُمْ كَانُوا خَاسِرِينَ (18)وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِّمَّا عَمِلُوا ۖ وَلِيُوَفِّيَهُمْ أَعْمَالَهُمْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ (19) وَيَوْمَ يُعْرَضُ الَّذِينَ كَفَرُوا عَلَى النَّارِ أَذْهَبْتُمْ طَيِّبَاتِكُمْ فِي حَيَاتِكُمُ الدُّنْيَا وَاسْتَمْتَعْتُم بِهَا فَالْيَوْمَ تُجْزَوْنَ عَذَابَ الْهُونِ بِمَا كُنتُمْ تَسْتَكْبِرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنتُمْ تَفْسُقُونَ (20)- الأحقاف.

الملاحظ أنه نجد فى نهاية الآيات أعلاه الحديث عن (الجن الخاسر) وعقوبته فى النار أسوة بالإنس رغم أنه لم يرد أى ذكر للجن فى بداية الآيات !، لذا يمكننا أن نقول أنه وقع حذف ببداية الآية (وَوَصَّيْنَا (الجان و) الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ إِحْسَانًا)

ونعرف من الآيات السابقة :
- أنّهم مولودين من ذكر وأنثى .
-أن لأنثى الجن مشاق الحمل والإنجاب (هل لهم نفس المدة الزمنية؟).
-أنّ الله تعالى وصّاهم الإحسان بالوالدين.
-أنّ المؤمنين منهم يشكرون الله تعالى على نعمه ويدعونه للتوفيق للعمل الصالح وصلاح الذريّة ويقولون أنهم من المسلمين.
-يتقبّل الله تعالى عنهم أحسن ما عملوا ويتجاوز عن سيئاتهم.
- أنّ لهم حرية العقيدة، قد يكون والدا الجان مؤمنين وهو كافر أو العكس.
-أنهم يموتون ويدفنون وسيخرجون يوم القيامة .
-أنّ الكتب السماوية وصلتهم ويصفها الكافرون منهم أيضا ب(أساطير الأولين).
-أنّ لهم درجات فى الجنة والنار حسب أعمالهم التى تمت كتابة (حسناتها وسيئاتها) أسوة بالبشر (ليوفّيهم أعمالهم وهم لا يظلمون).
-أنّ الكفّار منهم مصيرهم الى النار.
-أنّ لهم طيبات وشهوات فى الحياة الدنيا إستمتعوا بها، ومنهم المستكبرين فى الأرض والفاسقين.

ومراجعة لآيات مشابهة بسورة الأعراف :
يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ ، قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ ۚ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ ۗ كَذَٰلِكَ نُفَصِّلُ الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ (32) قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَالْإِثْمَ وَالْبَغْيَ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَأَن تُشْرِكُوا بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ سُلْطَانًا وَأَن تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ (33) وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ ۖ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً ۖ وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ (34) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (35) وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (36) فَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنِ افْتَرَىٰ عَلَى اللَّهِ كَذِبًا أَوْ كَذَّبَ بِآيَاتِهِ ۚ أُولَٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ الْكِتَابِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا يَتَوَفَّوْنَهُمْ قَالُوا أَيْنَ مَا كُنتُمْ تَدْعُونَ مِن دُونِ اللَّهِ ۖ قَالُوا ضَلُّوا عَنَّا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (37) قالَ ادْخُلُوا فِي أُمَمٍ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِكُم مِّنَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ فِي النَّارِ ۖ كُلَّمَا دَخَلَتْ أُمَّةٌ لَّعَنَتْ أُخْتَهَا ۖ حَتَّىٰ إِذَا ادَّارَكُوا فِيهَا جَمِيعًا قَالَتْ أُخْرَاهُمْ لِأُولَاهُمْ رَبَّنَا هَٰؤُلَاءِ أَضَلُّونَا فَآتِهِمْ عَذَابًا ضِعْفًا مِّنَ النَّارِ ۖ قَالَ لِكُلٍّ ضِعْفٌ وَلَٰكِن لَّا تَعْلَمُونَ (38) وَقَالَتْ أُولَاهُمْ لِأُخْرَاهُمْ فَمَا كَانَ لَكُمْ عَلَيْنَا مِن فَضْلٍ فَذُوقُوا الْعَذَابَ بِمَا كُنتُمْ تَكْسِبُونَ (39) إِنَّ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا لَا تُفَتَّحُ لَهُمْ أَبْوَابُ السَّمَاءِ وَلَا يَدْخُلُونَ الْجَنَّةَ حَتَّىٰ يَلِجَ الْجَمَلُ فِي سَمِّ الْخِيَاطِ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الْمُجْرِمِينَ (40) لَهُم مِّن جَهَنَّمَ مِهَادٌ وَمِن فَوْقِهِمْ غَوَاشٍ ۚ وَكَذَٰلِكَ نَجْزِي الظَّالِمِينَ (41) وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَٰئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ ۖ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ (42)

نجد أيضا فى نهاية الآيات ذكر لعقوبة الجن الكافر فى النار!، رغم أنه لم يرد أى ذكر لهم فى بداية الآيات ورغم ذلك جاء ذكرهم قبل الإنس يتوالون فى شكل دفعات الى النار ! :
لذا يمكننا أن نقول أنه وقع حذف فى بداية الآيات :
(يا بنى الجان و) يَا بَنِي آدَمَ خُذُوا زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا تُسْرِفُوا ۚ إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ.
( (يا بنى الجان و) يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي ۙ فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يحزنون-35-)
فالله تعالى أرسل للجن رسل منهم يقصّون عليهم آيات الله تعالى وينذرونهم يوم القيامة، وتؤكدها الآية بسورة الأنعام :
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا ۖ وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130)

ويمكننا أن نستخلص أيضا :
-أمرهم الله تعالى بالزينة والتطيب عند المساجد ، أى أن لهم أماكن عبادة .
-يأكلون ويشربون وأمرهم الله بألا يسرفوا.
-جعل ما على الأرض زينة لهم، ولهم الرزق الطيب تماما كالبشر.
-حرّم عليهم الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغى .
-حرّم عليهم الشرك.
- من يتقى من الجن ويصلح لا خوف عليهم ولا هم يحزنون.
-الذين يكذبون بآيات الله وإستكبروا مصيرهم النار خالدين فيها.
-أن منهم من يفترون على الله الكذب.
-أنه تأتيهم ملائكة تتوفاهم عند الموت.
-أن الأمة اللاحقة من الجن الذين فى النار تلعن السابقة وتلومها أنها سبب الضلال.
-الكافرون منهم لا يدخلون الجنة أبدا حتى يلج الجمل فى سم الخياط.

هل للجن أمم أبيدت؟

وأخيرا،
تحدثت الآيات بسورتى الأحقاف والأعراف كما ذكرنا أعلاه عن الأفراد الجن (سواء مؤمنين أو كافرين) وتكاليفهم وموتهم كأفراد ثم مآبهم الى الجنة أو النار،
فهل جاء ذكر لأقوام كافرة من الجن تمت إبادتها جميعا كأقوام الإنس (كقوم نوح وعاد وثمود وقوم لوط ومدين) ؟

الإجابة نعم ونجدها فى سورة الأنعام :
يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنْذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَذَا قَالُوا شَهِدْنَا عَلَى أَنْفُسِنَا وَغَرَّتْهُمُ الْحَيَاةُ الدُّنْيَا وَشَهِدُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَنَّهُمْ كَانُوا كَافِرِينَ (130) ذَلِكَ أَنْ لَمْ يَكُنْ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا غَافِلُونَ (131)-الأنعام.

أرسل الله تعالى رسلا من الجن الى معشر الجن وكانوا يقصّون عليهم آياته أى الإستشهاد بخلقهم وبخلق السماوات والأرض والأنعام وكل شئ أنذروهم بلقاء الآخرة، ولكن كفرت تلك القرى من الجن فوقع عليهم عذاب من الله تعالى!.