من كتاب " الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد"
للدكتور أحمد خيري العمري akomari70@yahoo.com

...هناك رقم فظيع آخر، تجنبت أن أذكره حتى الآن.
ربما فحواه ليست فظيعة مثل زنا المحارم، الجنس مع الأطفال، أو ممارسة الجنس مع الجثث، لا شيء أفظع من هذه الأمور..
لكن هذا الرقم الأخير فضيع بنسبته العالية.
فظيع في إنتشاره.
***************
حسب إستطلاعات الـABC، فإن 57% من الأمريكيين، قاموا بممارسة الجنس في الاماكن العامة (sex outdoors)..
(هناك إستطلاع آخر يشير الى أن 61% منهم قاموا بذلك).
57- أو 61%.. قاموا بفعل ذلك، في أماكن عامة..
لماذا يا ترى؟. لماذا هذه النسبة الهائلة- التي تشمل أكثر من نصف الأمريكيين والأمريكيات؟.
هل إضطروا الى ذلك؟. هل لم يجدوا المكان الملائم لفعلتهم تلك؟. هل ضاقت عليهم شققهم؟ا ماذا عن الفنادق؟. والموتيلات المنعزلة؟. هل صعب الأمر عليهم. وغلبت عليهم شهواتهم لدرجة أنهم إضطروا لذلك، وفعلوها في الحدائق العامة، أو دور السينما أو في القطار أو في مرآب السيارات، لا، في الحقيقة لم تكن المشكلة مشكلة "مكان"، لو كانوا يريدون أن يفعلوا ذلك، بينما هناك إحتمالية أن يتلصص عليهم أحد، كانوا يقولون، حسب الإستطلاع نفسه، أن اللذة تزيد مع تلك الإحتمالية. واللذة كما تعلمون هي ما يهم، وهي الهدف من الحياة، وأي شيء يزيد هذه اللذة (أو يزيد إحتمالية زيادتها) هو شيء مرغوب به يفعله الناس (حتى وأن كان القانون (المتخلف) يعاقب عليه..
.. جنس في الأماكن العامة إذن.
و 57%..
وليس من أجل الإضطرار أو عدم توفر المكان..
بل من أجل أنه جنس في الماكن العامة، من أجل أن يشاهد أحد هذا الفعل..
**************
هل قلت أنه فظيع؟. أقول الآن أنه حزين جداً. نعم، هو حزين..
الحزن هو ما أشعر به بعد أن مررت بالرعب والقرف والتقزز..
الآن الحزن- الحزن على هذا الإنسان الذي يصر على الإنحدار لمستوى البهائم وأكثر، حزن على هذا الإنسان الذي وصل لمستوى تأنف منه حتى الحيوانات.
حزن شفاف ومخلص، على ما إنحدرت إليه الإنسانية، في نموذجها الذي يدعي أنه الأرقى والأكثر تقدماً..
57%؟.
بعد الصدمة، والقرف، والتقزز..
لا أجد سوى حزن عميق في داخلي. إنهم بشر بعد كل شيء. الإنسان وهذا الإنحدار الذي وصلوا إليه شيء بأن يمكن أن يسقط لهذا الحد..
(وهو أمر محزن جداً، عندما نتذكر تلك القمة التي كان فيها الإنسان إبتداءً)..
نعم، لقد إنحدر من تلك القمة، الى أسفل سافلين..
.. وهو أمر محزن للإنسان بالمطلق.. بغض النظر عن الإنتماء الحضاري – أو العرقي- أو الديني..
*********************
.. والمخيف- بالإضافة الى كونه محزناً- هو أن تلك الأرقام .. هي بصدد التصدير..
سيكون محزناً أكثر أن نتذكر أن أمريكا، كانت بلداً محافظاً قبل مائة سنة فقط.
محزن ومخيف..
******************
تذكرني هذه النسبة. وذلك الجنس الوقح في الأماكن العامة، بشيء آخر، لم أفكر فيه من قبل..
إنه الحد على الزنا في الشريعة القرآنية، الذي يستوجب أن يكون هناك أربعة شهود على (الفعلة)- من اجل أن يطبق الحد.
(عدا حالات الإعتراف..).
أربع شهود. لا ينقصون واحداً. أربع شهود، شاهدوا الفعلة بحذافيرها، لا مقدماتها، ولا مقارباتها، ولا أي شيء أدنى من ذلك..
الفعلة بتفاصيلها، وأربع شهود شاهدوا التفاصيل. ولا واحد منهم شاهد أقل من ذلك.
كل منهم يجب أن يكون قد شاهد الحد الفاصل من الأمر، الذي يفرق الجماع من غيره..
عملياً وفي حالات الزنا الإعتيادية، الأمر شبه مستحيل..
من الصعب جداً على أربع شهود أن يكونوا قد شاهدوا فعلاً تفاصيل الأمر، (إلا إذا كانوا شهود زور!).
حتى لو إقتحم شهود خلوة إثنان يزنيان، فإن رد الفعل المتوقع والإنسحاب التلقائي الذي سيحدث عند الاقتحام، سيخرب تفاصيل الشهادة، وينزع على الفور من الأربعة صفتهم كشهود..
عملياً، الأمر شبه مستحيل.
أو هكذا كنا نظن.
*****************
فقهياً، صنف "الشهود الأربعة" و"التفاصيل التي يجب أن يكونوا شاهدوها" على انه عقبة من أجل عدم تطبيق الحد، وتسهل التوبة،. والرأفة بالعصاة، وإعطاؤهم فرصة أخرى.
كل ذلك ممكن، ومنطقي.
لكن..
إتضح أن مسألة الشهود الأربعة- أعمق من مجرد ذلك..
*************
لم يدر بخلد فقهاؤنا قط، أنه سيأتي حين من الدهر يهبط فيه الإنسان الى هذا المستوى من الإنحدار..
"أسفل سأفلين".. حيث كل مرتبة من الإنحطاط، تتخيل أنه لا يوجد ما هو أسفل منها..
ثم تتفاجأ بالأدنى .. والأدنى..
تتفاجأ بشيء هو "أسفل سافلين"..
نعم، لم يدر بخلد فقهاؤنا، أنه سيأتي على الإنسان حين من الدهر، يتلذذ فيه بأن يمارس الجنس في الأماكن العامة، من أجل أن يشاهده الناس..
لكن، ها نحن نرى، في تلك ال 57%.. القمة العالية،حيث يحرص الإنسان على النزول الى أسفل درك، أسفل سافلين..
*****************
الآن يبدو حد الزنا- الذي لا ينفذ الا بأربع شهود- شيئاً طبيعياً..
لم يعد الزنا هنا زلة، لم يعد مجرد ضعف بشري أمام غريزة في داخله. الأمر و قد وصل الى هذا الرقم المحزن يعني أن الزنا لم يعد مجرد تلك الغريزة، ولا حتى الإستسلام لها، لقد خرج الأمر من هذا، خرج من إطار العلاقة الجنسية بين الرجل والمرأة، الى غياهب بهيمية معتمة يتمتع فيها الإثنان لا بالعلاقة بينها كرجل وإمرأة- بل بتلصص الناس عليهما..
إنه أمر بعيد جداً،..
ويستحق من ينزلق إليه، أن يقف عند "حده".
يستحق- بل يستوجب أن يكون هناك شيء يوقفه..
يستحق أن يكون هناك "حد".
*************
عندما أتأمل الآن في لفظة "الحدود" تلك اللفظة التي إستهلكناها، وأشبعناها إبتذالاً وإستعمالاً في غير موضعها.. أفهمها الآن بشكل جديد..
أراها الآن كوابحاً إستباقية للمجتمع من أجل أن لا ينحدر إلا أسفل سافلين..
الأمر لا يبدو طبعاً بشكل فجائي من تطبيق الحدود على ممارسي الجنس في الأماكن العامة والذين تتوفر فيها شروط تطبيق الحد..
الأمر يبدأ قبل ذلك بفترة طويلة، الكابح يعمل إستباقياً، على كل فرد، داخل المجتمع، أنه ينظم (سدادة) كل فرد، بحيث لا تتأثر شبكة الأواني المستطرقة التي يتألف منها المجتمع ككل..
الأمر يبدأ بالحد وهو يغرس في داخل كل فرد، ليس رجماً ولا جلداً، ولكن بحزمة المفاهيم الأخرى، حزمة المفاهيم البديلة، التي تمنع وصول الفرد- ومن بعده المجتمع- الى تلك المرحلة وتلك الأرقا وتلك الإحصاءات التي إنحدر إليها مجتمع الفردوس المستعار..
يبدأ الأمر من تلك القيم التي تنظم علاقة الفرد بنفسه، بشهواته، بجسده، وبأجساد الاخرين.. وبالمجتمع ككل..
يبدأ الأمر من (حدود) معينة تغرس في الفرد: تعلمه أن يتعامل مع غرائزه وشهواته، دون أن يتجاوزها – ودون أن يجعلها تتجاوزه..
.. يبدأ الأمر من التعود على (الحلال) و(الحرام)، من تكريس (العفة).. وتأجيل- (المتعة)، من مفهوم منقرض إسمه (العيب).. وآخر إسمه (الحياء)..
هناك، في أعماق النفس، يبدأ تطبيق الحدود الحقيقية (.. تلك حدود الله)، التي تكون إستباقية/ (.. وبشكل ما) مانعة للتنفيذ الحرفي لحد الزنا فيما بعد، لإنها ستعطل إمكانية حصول شروطه (شبه المستحيلة في الظروف العادية).. رغم أنها في ظروف أخرى تصل للـ57%-
هناك يبدأ التطبيق..
في قيم مغروسة، منذ البدء..
بعدها يكون الأمر شبه مستحيل.
******************
اضاءة
ويجرني هذا الرقم المرتفع المؤدي الى تلك الهاوية السحيقة، فأتذكر موقفاً قرآنياً شتان ما بينه وما بين هاوية الإحصاءات في الفردوس المستعار..
"فلما ذاقا الشجرة بدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة". الأعراف: 22.
"فأكلا منهما فبدت لهما سوءاتهما وطفقا يخصفان عليهما من ورق الجنة" طه: 122.
إنها تلك اللحظة الصعبة، لحظة ما بعد العصيان، حيث آدم وزوجته يكتشفان ويتواجهان مع الحقيقة، وتبدو لهما سوءاتهما، ورغم المعصية، ورغم أنهما إقترفا أمراً بعدم الإقتراب منه، فإنهما يسرعان بعدما (بدت لهما سوءاتهما) يخصفان عليهما من ورق الجنة، أسرعا يستران ما بدا منهما..
لم يقولا، ولم يفكرا قط، أن اللذة ستكون اكثر، لو أن أحد نظر إليهما.. (لعلهما لم يتصورا، ، أن هناك من يفعل ذلك..).
أسرعا يستران سوءاتهما..- ولم يتصورا أن العري( بمعنى كشف السوءة بشكل عام) يعبر عن الذات، أو يحسن مستوى إحترام الشخص لنفسه- كما يتفلسفون عن هذا في حضارة الفردوس المستعار..
بل طفقا يخصفان.. يواريان ما بدا منهما..
*******************
.. عندما أفكر في تلك الأرقام، وتلك الإحصاءات، أقول، بلا تحفظ، أن الناتج النهائي للمعضلة كان أن مساؤي الكبت أقل بكثير من مساؤي هذا الإنفتاح الذي بشرونا بمحاسنه..
لا أروج هنا للكبت فسمعته سيئة. لكني أنبه الى أن الإنفتاح حقيقته الإحصائية سيئة جداً. ولا أستطيع أن أتصور واقعاً أسوأ مع الكبت أو سواه..
لا اروج للفلقة و العصا هنا- وأعترف أيضاً أن مساؤهما لا تعد ولا تحصى- لكن لا شيء، لاشيء على الإطلاق، ينافس ما إنحدر إليه الفردوس المستعار في هذا المجال.
قيل لنا أن الصنبور يجب أن يظل مفتوحاً حتى لا ينفجر في الداخل، فكانت النتيجة أن الماء فاض وأغرق المكان، وتسرب الى أسس البناء، وأضعفها، وزادها ركاكة على ركاكتها..
لا أنكر أن سد الصنبور وإغلاقه قد يفجر المواسير الداخلية، لكن الخطة القرآنية، لا تشمل سد الصنبور فحسب، بل تشمل على بناء شبكة أنابيب قوية ومختلفة، تشمل على "حدود" تغرس منذ البداية، وهي "حدود إستباقية" متدرجة، تضع العوائق والموانع أمام وصول الأمر لحد تطبيق الحد القانوني للزنا..
وتشمل الخطة القرآنية ربما، على مواراة السوءة، على خصفها "بورق من الجنة".
***************
ورق من الجنة..
للمرة الأولى أتأمل اللفظة فأرى فيها معنى مختلف تماماً عن المعنى الذي رسخته هوليود قسراً وغصباً في أذهاننا : معنى ورقة التوت المزعومة التي ساد تصورها في الأدب والفن والثقافة..
الآن أرى ان ورق الجنة هذا يمكن أن يكون الآن شيئاً آخر.. إنه الورق الذي تسطر عليه الأفكارالمستمدة من ذلك الفردوس الذي يجب أن يكون. الفردوس المستعاد.. إنه ورق المفاهيم الأخرى، ورق المفاهيم البديلة..
ورق من الجنة، هو ورق الثوابت، التي علينا أن نواري سوءاتنا بها.. التي علينا أن نجعلها تتسرب الى دواخلنا، لتكون عوائقاً لإستباقية تمنعنا من الهبوط، من أسفل سافلين..
"ورق من الجنة".. اتأمله- ليس ورقة توت تزيد الإثارة والإغراء، بل ورق الفكر البديل، فكر ثوابت ذلك الفردوس الآخر.. المستعاد..
وكان أن خصفا على سوءاتهما، بذلك الورق، أول خطوة على درب الإستعادة.
*******
من كتاب "الفردوس المستعار و الفردوس المستعاد" الدكتور أحمد خيري العمري دار الفكر دمشق 2006