﴿اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ يَرْزُقُ مَنْ يَشَاءُ وَهُوَ الْقَويُّ الْعَزِيزُ﴾[الشورى: ١٩]
"أَلطَفَ الرجلُ البعير وأَلطَفَ له: أدخل قضيَه في حَياء الناقة- إذا لم يهتد (البعير) لموضع الضِراب. واستَلْطَفَ الجملُ: إذا فعل ذلك بنفسه. وقد لَطُفَ الشيء (كَرُم): صَغُر ودَقّ ".
المعنى المحوري نفاذٌ بدقة أو احتيال مع خفاء المنفَذ أو المدخَل: كالإلطاف المذكور. ومن الدقة قولهم: "لطيفة الخَصْر، أي: ضامرتُه (تبدو دقته بين العَجِيزة والصدر) ومنه: "ألطَفْتُ الشيءَ بجَنْبِي واستلطفتُه: ألصقتُه (الجنب كالفجوة، في هذا الإلطاف يُدخَل الشيءُ في الجنب ويَخفى شيئًا ما) وهو ضد: جافيتُه عني ".
ومما وضح فيه هذا الأصل قولُه عزَّ وجلَّ: ﴿فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ﴾[الكهف: ١٩]، فالتلطُف هنا كأنه تخفٍّ واحتيال؛ ألا ترَى إلى قوله بعده: ﴿وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا﴾ وتأملْ كذلك ﴿يَابُنَيَّ إِنَّهَا إِنْ تَكُ مِثْقَال حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ فَتَكُنْ فِي صَخْرَةٍ أَوْ فِي السَّمَاوَاتِ أَوْ فِي الْأَرْضِ يَأْتِ بِهَا اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ لَطِيفٌ خَبِيرٌ﴾[لقمان: ١٦]. فهذا نفاذُ عِلمٍ وقدرة إلى مثل حَبّة خردلٍ في بطن صخرة .. أي بأخفي الخفاء والدقة. وفي قصة يوسف جاء في ختامها بعد إشارة إلى رؤيا يوسف وذِكْر تحققها. ﴿إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ﴾[يوسف: ١٠٠] لفتًا إلى غرابة تحوله من فتى عادي خارج مصر إلى وزير مصر الأول خلال مراحل ومسارِبَ لا يدبَرها ويُحْكمها إلا هو سبحانه. وكذلك ﴿وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَو اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾[الملك: ١٣]، وكلُّها في القرآن تحمل هذه المعاني. وفي التعريف بالاسم الكريم "اللطيف "ّ قال في [ل]: "اللطيف هو الذي اجتمع له الرِفقُ في الفعل، والعلمُ بدقائق المصالح، وإيصالها إلى مَنْ قدّرها له مِنْ خَلقه، يقال: لَطَفَ به وله "وأضيف تكملة لعبارة "وإيصالها .. ": بسبُل خفية أو غير معتادة. ولم يأت في القرآن من التركيب إلا الفعل (يتلطف) واسمه تعالى (اللطيف).
هذا والأصل الذي ذكرناه يحقق صحةَ استعمال اللُطف في تفادي خَطَرٍ محُيق متمكِّن، أو النفاذ منه، بأمر خفيّ دقيق من رحمة الله عزَّ وجلَّ.