قال السُّهيلي : «للسَّلف في معنى الـمُحْكَم ومعنى الـمُتَشابِه أقوال متقارِبة، إلا أن منهم من يرى الوقف على قوله: وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ [سورة آل عمران:7]، ويرونه تمام الكلام، ويحتجون بقراءة ابن عَبَّاس: "ويقول الراسخون في العلم"[1]، وهو قول: عمر بن عبد العزيز؛ أن الراسخين في العلم لا يعلمون التأويل، وإن علموا التفسير، والتأويل عند هؤلاء غير التفسير، إنما هو عندهم في معنى قوله سبحانه: يَوۡمَ يَأۡتِي تَأۡوِيلُهُۥ [سورة الأعراف:53]، وطائفة يرون أن قوله: وَٱلرَّٰسِخُونَ [سورة آل عمران:7] معطوف على ما قبله، وأنهم عالمون بالتأويل، ويحتجون بما يطول ذكره من أثر ونظر.
والذي أرتضيه من ذلك مذهب ثالث، وهو الذي قاله ابن إسحاق في هذا الكتاب، ومعناه كله: أن الكلام قد تم في قوله: وَمَا يَعۡلَمُ تَأۡوِيلَهُۥٓ إِلَّا ٱللَّهُۗ ، ووَٱلرَّٰسِخُونَ فِي ٱلۡعِلۡمِ: مبتدأ، لكن لا نقول: إنهم لا يعلمون تأويله، كما قالت الطائفة الأولى، ولكن نقول: إنهم يعلمونه برد المتشابه إلى المحكم، وبالاستدلال على الخفي بالجلي، وعلى المختلِف فيه بالمتفَق عليه، فتنفُذ بذلك الحجة، ويزاح الباطل، وتعظم درجة العالم عند الله تعالى؛ لأنه يقول: آمنت به كل من عند ربي فكيف يختلف؟! ولما كان العِلمان مختلفين -علم الله، وعلم الراسخين في العلم- لم يجز عطف: (الراسخون) على ما قبله، فالله يعلم تأويله العلم القديم[2]، لا بتذكر، ولا بتفكر، ولا بتدقيق نظر، ولا بفحص عن دليل، فلا يعلم تأويله هكذا إلا الله، والراسخون في العلم يعلمون تأويله بالفحص عن الدليل، وبتدقيق النظر وتسديد العبر، فَهُم كما قال الله تعالى: وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّآ أُوْلُواْ ٱلۡأَلۡبَٰبِ [سورة آل عمران:7]، وهذا معنى كلام ابن إسحاق في الآية»[3].

والذي يظهر أن الراجح -والله أعلم- هو: قول من قال بالتفصيل في معنى التأويل: فمن كان عنده التأويل بمعنى ما تؤول إليه الحقائق، فالصواب وقوفه على: إِلَّا ٱللَّهُۗ، ومن كان عنده التأويل بمعنى التفسير، كان الصواب عطفه (الراسخون) على (الله)، فيكون الله قد أخبر أن تفسير المتشابه ورده إلى المحكم وإزالة ما فيه من الشبهة لا يعلمه إلا هو تعالى والراسخون في العلم يعلمون أيضًا، فيؤمنون به ويردونه إلى المحكم[4].
«ولما كان المتشابه الكلي مما لا يدركه البشر، فإنه خارج عن حد التفسير، وليس منه على الإطلاق، وهذا الذي يقف عنده العلماء الراسخون، ويقولون آمنا به كل من عند ربنا؛ لأنه لا يتأتى لهم إلا التسليم لخبر الله وتصديقه.
وإذا تبين هذا، علم أن الله لم يخاطب عباده في كتابه بما لا يعلمون معناه، أما ما يتعلق بحقائق بعض المغيَّبات من وقت وقوعها أو كيفيتها، فإنها موجودة في القرآن، ولكنها خارجة عن المعنى، فلا يجوز بحثها»[5].
«ومن قال من العلماء الحُذَّاق بأن الراسخين لا يعلمون تأويل المتشابه؛ فإنما أرادوا هذا النوع وخافوا أن يظن أحد أن الله وصف الراسخين بعلم التأويل على الكمال»[6].
وفي هذا الجواب المختار إعمال قولي السلف في الآية، فلا تعارض بينهما ولا تنافر، بل هما قولان متغايران، ولا شك أن إعمال أقوال السلف إن أمكن أولى من تعطيل بعضها دون بعض.
وفيما ذهب إليه السُّهَيْلِي من القول بتمام الوقف على اسم الجلالة؛ لاختلاف علم الله عن علم الراسخين الذي يحتاجون معه إلى دقيق تفكر ونظر، قلتُ: إن قوله لا يناقض قولي السلف، غير أنه من الـمُسلَّم به عند كل مسلم صحيح المعتقد أن علم الله القديم لا يضاهيه فيه بشر، ولا يساويه فيه أحد؛ فلم يكن للوقف على ما ذكرتُ هاهنا ضرورة -والله أعلم-.

ـــــــــــــــــــــــــ ـــــــــــــ
[1] أخرجه عبد الرَّزاق في تفسيره (1/ 384)، والطَّبَرِي (5/ 218).
وهي قراءة شاذة: ينظر: البحر المحيط (2/ 401).
[2] لا بأس بوصف علم الله بالقديم الأزلي، الذي لا أول لابتدائه، بخلاف القديم النِّسْبِي. ينظر: العقيدة الواسطية (2/193 – 194)، بشرح الشيخ ابن عُثَيْمِين.
[3] الرَّوْض الأُنُف (5/ 30 - 33).
[4] «إذا علمتَ صحة هذا الوجه التفسيري، ظهر لك خطأ جعل الوقف على لفظ الجلالة من الوقف اللازم، الذي عَرَفه واضعه "السِّجاونديّ" بقوله: "فاللازم من الوقوف: ما لو وصل طرفاه غير المرام وشنع معنى الكلام». علل الوقوف (1:62)، وعلى هذا سارت جل المصاحف التي اعتمدت وقوفه، سوى مصحف المدينة النبوية الذي جعل علامة الوقف الأولى "قلى"، وفيها ترجيح للمعنى الثاني على الأول، لكن ليس فيها رَدّ للمعنى الأول كما يفهم من الوقف اللازم.
والصواب أن يكون على قوله تعالى: والراسخون في العلم وقف معانقة، بحيث إذا وقف على الأول، لم يوقف على الثاني، ويكون لكل وقف معنى يغاير الآخر، وهذا الوقف يشتمل على القولين الواردين عن السلف بلا ترجيح بينها. ينظر: حاشية رقم (1) في كتاب مفهوم التفسير والتأويل (ص: 129).
[5] المصدر السابق (ص: 146).
[6] المحرر الوجيز (1/ 404).