إن أي افتراض في أي مسألة من أمور الدين أو الدنيا أو العلم يعتبر مجرد التفكير فيه و مناقشته نوعا من إضاعة الوقت و مزلقا من المزالق اللامنطقية و استنزافا لقوة العقل و للوقت إلا إذاتوفر شرطان مجتمعان:
(1) غياب الحقيقة المبرهنة الثابتة (و التي في غيابها فقط يسوغ لنا أن نبحث في الاحتمالات).
(2) وجود قرائن - بعد توفر الشرط الأول - تجعل الافتراض محل البحث محتملا أو أو وجود أدلة تثبته.

فإذا غاب هذان الشرطان كان أي افتراض هو نوع من العبث.


وفي حالة القرآن فإن أي شخص درس القرآن دراسة موضوعية متجردة يعلم أن كون القرآن كتاب الله تعالى هو أمر ثابت عقلا بشكل قطعي و بفيض من الأدلة التي لا تقبل الطعن , حتى أن بعض المستشرقين شهد بذلك و أثبته و قال في القرآن قصائد من الشعر , إلا انه خدع نفسه بافتراض أن القرآن هو كتاب للعرب , لكي يهرب من إلزام نفسه به.
و كتب المستشرقين ملأى بنقول تشهد لهذا ليس هذا محل ذكرها.

و على ذلك فإن بدء مناقشة أي فرضية حول القرآن في وجود هذه الحقيقة الساطعة الثابتة , هو نوع من استسفاه العقل له ثمنه الغالي , و هو السقوط من أرض العقل و الحقيقة و البرهان إلى جرف هار من الافتراضات الخرافية الوهمية تتنازع الإنسان.

و هذا ما سقط فيه الطاعنون في القرآن , و حاولوا إسقاط المسلمين فيه , و منذ عصر البعثة و حتى يومنا هذا .. فهم اضطربوا اضطرابا عظيما متناقضا يشهد بأنهم تتخبطهم خرافات تتلاعب بعقلوهم , فمن قائل يقول شاعر أو كاهن أو مجنون؟؟
هل هو هذا أم هذا أم هذا؟؟
و تجد تافه يقتبس من مستشرقين يشهد عليهم أعلام الاستشراق بأنهم الأدنى في العلم و الأدنى في المصداقية فيقول لك أحدهم القرآن هذه الآيات منه فيها آرامي سرياني , وأما تلك فهي مفتبسة من العهد القديم (العبري) , و هذه فمن مدراش هاجاده رابَّا , أما ذي فإنها من الزرادشتية , ومن النقوش السومرية ,و هاتيك فمن كتب الطب للطبيب اليوناني بوقراط , لكن تلك من كتاب الطب لجالينوس و غير هذا كثير!!!
و حينما ترجع لمراجع التي يشيرون إليها تجد أنهم كاذبون يستغلوم عدم قدرة الناس على الوصول لهذه المراجع التي تشهد بكذبهم.
بل إن نظرة سريعة على هذه الأطروحات ليشهد أن مروجيها مجموعة استخفهم اتباعهم للهوي حتى سلكوا مسالك الحمقى و المغفلين و هذوا هذيان المأفونين.. و ألبسوا هذا ثوب العلم ..
وأي عاقل يقول لهم " أيا معشر الحمقى .. لو كان محمدٌ
يعرف في عصره الذي عاش فيه حيث الكتب المقدسة أسرار مقدسة و الأمية منتشرة, و الكتاب الذي في حجم المصحف اليوم يكتب على رقوق تحمل على ظهر الجمل من ضخماتها , ولا مواد للكتب و نشرها ولا مكتبتات , و لم يخرج من مكة إلا مع القرشيين .. كل هذه المعارف الموسوعية التي لا يحوزها أكابر الأكاديميين في العالم في عصرنا اليوم حيث الانترنت .. لكان هذا وحده دليل على أن مصدر معرفته غير بشري أيها الحمقى "


و لكنهم ثبت لهم الحق ففروا منه إلى الأمام خلف سراب الظنون .. و إن في مثلهم يظهر تأويل قول الله تعالى
" و نقلب أفئدتهم و أبصارهم كما لم يؤمنوا به أول مرة و نذرهم في طغيانهم يعمهمون "

في تفسير هذه الآية يقول ابن كثير " قَوْلُهُ تَعَالَى:
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ
قَالَ العَوفي عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ فِي هَذِهِ الْآيَةِ: لَمَّا جَحَدَ الْمُشْرِكُونَ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ لَمْ تَثْبُتْ قُلُوبُهُمْ عَلَى شَيْءٍ ورُدَّت عَنْ كُلِّ أَمْرٍ.
وَقَالَ مُجَاهِدٌ:
وَنُقَلِّبُ أَفْئِدَتَهُمْ وَأَبْصَارَهُمْ كَمَا لَمْ يُؤْمِنُوا بِهِ أَوَّلَ مَرَّةٍ (١٤) وَنَحُولُ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ، فَلَا يُؤْمِنُونَ، كَمَا حُلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْإِيمَانِ أَوَّلَ مَرَّةٍ.
وَكَذَا قَالَ عِكْرِمة وَعَبْدِ الرَّحْمَنِ بْنِ زَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ."

كتبه
رحاب بن صبري