بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سيد الخلق سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين، أما بعد:
فقد كثر الاختلاف بين العلماء في توجيه الآيات التي فيها الرجاء مسبوقًا بالنفي لا يرجون،لاترجون، وكنت عندما أمر بتفسير هذه الآيات ،أعاني من كثرة اختلاف العلماء فيها ، وتعارض أقوالهم في توجيهها ، فعزمت على جمع هذه المواضع ، وحصر الأقوال فيها، وأدلة كل قول وبيان الراجح منها.
الآيات التي ورد فيها الرجاء المنفي:
إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (10/7)
وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (10/11)
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (10/15)
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (25/21)
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (25/40)
قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبونَ (45/14)
إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (78/27)
مَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا (27/13)

الرجاء: توقع لما يمكن حصوله من خير ومسرة والميل إليه، أو نقول: ـ وهو أحسن ـ : توقع الخير والمحبوب الذي يقوى في النفس وقوعه؛ لكونه عن أمارة مظنونة أو معلومة،مع التهيؤ لتحصيله[1]. كما حققه ابن فورك والطبرسي والطباطبائي وجماعة[2].
وبناء على ذلك لا يكون الرجاء إلا بعد الاستعداد بالإيمان والعمل كما قال تعالى إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَتَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (218)بخلاف الطمع.
وهذا التعريف هو المفتاح الذي سيوضح لنا تفسير الآيات السابقة:لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا، كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا، لَا يَرْجُونَ حِسَابًا.
1)القول الأول: قالوا: يرجون في هذه المواضع باقية على معناها وهو: توقع الخير والمحبوب الذي يقوى في النفس وقوعه؛ لكونه عن أمارة مظنونة أو معلومة،مع التهيؤ لتحصيله، قالوا : وأبقينا الرجاء على بابه ؛لأن الكلام متى أمكن حمله على الحقيقة لم يجز حمله على المجاز[3] ،و لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة ، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحًا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية المنقولة بالتواتر ، وما استدل به القائلون إن لا يرجون بمعنى لا يخافون كله مؤول .

اختار هذا القولَ:ابن عاشور ، الرازي، وابن عطية، والثعالبي ،والبقاعي، واطفيش ، والمصطفوي في التحقيق ،والطبرسي، وأبو بكر الأصم، والقاضي عبد الجبار، والشوكاني.
ثم انقسموا في تفسير هذه الآيات إلى قسمين:
أ)القسم الأول:

قالوا: يرجون في هذه المواضع على بابها؛ و نفي رجاء لقاء الله تعالى ويوم الحساب والنشور جامعٌ بصريحه معنى عدمِ رجائهم بوقوعه أصلًا وعدمِ استعدادهم وتهيئهم له[4]، وبكنايته رجاء المؤمنين وقوعه وفعلهم ما ينبغي بطريقة الكناية التعريضية ،وتفيد بدلالة المقام والحال أنهم لا يتوقعون لقاء الله تعالى، ولا يتوقعون النشور والحساب، ويَعُدّون ذلك محالاً.
و قالوا : لا يرجون في هذه الآيات الكريمة تفيد عدة أمور:

  1. أنهم لا يفعلون ما ينبغي وما يجب عليهم ، وهو ما يفعله المؤمنون من رجاء لقاء الله تعالى من الثواب والرحمة والنشور والحساب ، مع الاستعداد بالإيمان والعمل كما يقتضيه معنى الرجاء ـ توقع الخير والمحبوب الذي يقوى في النفس وقوعه؛ لكونه عن أمارة مظنونة أو معلوم ـ فهم لم يفعلوا الواجب في هذا ، ولا قاربوه ، فهم لا يطمعون فيه كما يطمع المؤمنون فيه لعدم إيمانهم بالبعث ، ولا يستعدون له فلا يؤمنون، وينكرون القرآن وما فيه ، ويطلبون معجزات غير القرآن، ولا يتأملون في مصارع المكذبين، ولا يعملون ، فصارت لذلك عقولهم تبعاً لشهواتهم إِنَّهُمْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ حِسَابًا (27) وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا كِذَّابًا (28)[عم:28،27] .
  2. وتفيد بدلالة المقام والحال أنهم لا يتوقعون لقاء الله تعالى، ولا يتوقعون النشور والحساب، ويَعُدّون ذلك محالاً.

قال ابن عاشور[5]:" وجه العدول عن التعبير بمادة التوقع إلى التعبير بمادة الرجاء أن الله لما أخبر أن الله لما أخبر عن جزاء الطاغين وعذابهم تلقى المسلمون ذلك بالمسرة وعلموا أنهم ناجون مما سيلقاه الطاغون فكانوا مترقبين يوم الحساب ترقب رجاء ، فنفي رجاء يوم الحساب عن المشركين جامعٌ بصريحه معنى عدم إيمانهم بوقوعه ، وبكنايته رجاء المؤمنين وقوعه بطريقة الكناية التعريضية تعريضاً بالمسلمين وهي أيضاً تلويحية[6] لما في لازم مدلول الكلام من الخفاء، ومن المفسرين من فسر يرجون بمعنى: يخافون، وهو تفسير بحاصل المعنى، وليس تفسيرًا للفظ. " .[7]
والنكتة في ذكر الكفار بنفي الرجاء:

  1. تعليل استحقاقهم حرمان ثواب الله تعالى ؛لأنهم لم يرجوه ولم يتوقعوه، ولم يستعدوا له بالإيمان والعمل فكانوا مستحقين للحرمان منه.
  2. فيه تنبيه على رفعة وعظمة ما فاتهم من رجاء الله تعالى وثوابه ورحمته على الإيمان بالله والرسول والقرآن مع ما لله تعالى من العظمة التي من رجاها كانت له سندًا قويًا فسعد،و هو الذي ينبغي أن يقصده أهل الرشاد والتقوى ، ومن أعرض عنها كانت عليه وفقد السند القوي فهلك .

إِنَّ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا وَرَضُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَاطْمَأَنُّوا بِهَا وَالَّذِينَ هُمْ عَنْ آيَاتِنَا غَافِلُونَ (7) أُولَئِكَ مَأْوَاهُمُ النَّارُ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ (8)[يونس:8،7].

  1. فيه إشارة إلى أن السبب في لجاجتهم في الكفر وإنكارهم للمعجزات ،واستعجالهم عذاب الله تعالى ، وعدم تعلقهم بالحق ،هو أنهم لا يرجون لقاء الله ولا يتوقعونه ، ولو رجوا لقاء الله ، لعملوا حساب هذا اللقاء واهتدوا بدل الكفران

وَلَوْ يُعَجِّلُ اللَّهُ لِلنَّاسِ الشَّرَّ اسْتِعْجَالَهُمْ بِالْخَيْرِ لَقُضِيَ إِلَيْهِمْ أَجَلُهُمْ فَنَذَرُ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا فِي طُغْيَانِهِمْ يَعْمَهُونَ (11)[يونس:11].
وَلَقَدْ أَتَوْا عَلَى الْقَرْيَةِ الَّتِي أُمْطِرَتْ مَطَرَ السَّوْءِ أَفَلَمْ يَكُونُوا يَرَوْنَهَا بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا (40)[الفرقان:40] .
وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا ائْتِ بِقُرْآنٍ غَيْرِ هَذَا أَوْ بَدِّلْهُ قُلْ مَا يَكُونُ لِي أَنْ أُبَدِّلَهُ مِنْ تِلْقَاءِ نَفْسِي إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا مَا يُوحَى إِلَيَّ إِنِّي أَخَافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي عَذَابَ يَوْمٍ عَظِيمٍ (15)[يونس:15].
وَقَالَ الَّذِينَ لَا يَرْجُونَ لِقَاءَنَا لَوْلَا أُنْزِلَ عَلَيْنَا الْمَلَائِكَةُ أَوْ نَرَى رَبَّنَا لَقَدِ اسْتَكْبَرُوا فِي أَنْفُسِهِمْ وَعَتَوْا عُتُوًّا كَبِيرًا (21)[الفرقان:21].

  1. أنَّ في هذه الآيات تنبيهًا على أنَّ جانب الحساب مع الله الرجاء فيه أغلب من جانب الخوف، فهو كرجوع المريض لا سيما المـُدْنَف[8] إلى الصحة، فكان ينبغي لهم لو عقلوا أن يعلقوا رجاءهم بالبعث بعد الاستعداد له بالإيمان والعمل الصالح؛ لأن الوصل إلى نتائج الأفعال والأعمال يوجب الاطمئنان بأن قانون العدل جار فيهم؛ فلهذا السبب ذكر الرجاء ولم يذكر الخوف، ففيه الاستجلاب والترغيب والتأليف والاستعطاف ، وهو كنايةً تلويحية عن حثهم على الإِيمان بالله الذي يستلزم رجاء ثوابه.
  2. التعبير عن تكذيبهم بنفي الرجاء أبلغ، وذلك لأن الإنسان يطمع في الخير بأدنى احتمال.[9]

ب)القسم الثاني: في الكلام مجاز مرسل بعلاقة اللزوم، قالوا: لا رجاء إلا وهو مقترن بخوف ولا خوف إلا وهو مقترن برجاء، فخوف لقاء الله تعالى والنشور والحساب مقترن أبداً برجائه، وعدم اللازم يدل على عدم الملزوم، فلزم من نفي الرجاء نفي الخوف والتوقع للقاء الله والنشور والحساب كأنه قيل: لا يرجون ولا يخافون لقاءنا والنشور والحساب ويئسوا من حصوله.

يقول علي هاني: هذا القول يؤدي في الحاصل معنى القول الأول لكن القول الأول أسرع تبادرًا للذهن، وأكثر وضوحًا مع ما فيه من اللطائف البلاغية التي تفوت على هذا القول.
القول الثاني: اختار هذا القول : الزمخشري، أبو السعود، والآلوسي، و اطفيش، وقريب منه محمد رشيد رضا.

قالوا الرجاء يراد به مطلق التوقع مجازًا فاستعمل المقيد وهو لفظ الرجاء في المطلق وهو مطلق التوقع ،فهو ينتظم ويدخل فيه الأمل والخوف ، فالمعنى في قوله تعالى: لا يرجون لقاءنا: لا يتوقعون الرجوع إلينا أصلاً المؤدي إلى حسن الثواب أو إلى سوء العقاب فلا يأملون الأول ولا يخافون الثاني ؛لإنكارِهم البعث والحساب، قالوا : وليس المراد عدم أملِهم حسنَ اللقاءِ ولا عدم خوفِهم سوءَ اللقَّاءِ ؛لأنَّ عدمَهما غيرُ مستلزمٍ لما هم عليه من العُتوِّ والاستكبار وإنكارِ البعثِ والحسابِ رأساً ،
والمراد بقوله تعالى بَلْ كَانُوا لَا يَرْجُونَ نُشُورًا [الفرقان:40] بل كانوا لا يتوقعون النشور المستتبع للجزاء الأخروي وينكرونه، ولا يرون لنفس من النفوس نشوراً أصلاً مع تحققه حتماً وشموله للناس عموماً وطراده وقوعًا.
يقول علي هاني :نتيجة هذا القول مساوية للقول الأول في حاصل المعنى لكن القول الأول أرجح لأمور:

  1. أنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة لا يصار إلى المجاز .
  2. أن القول الأول الأرجح يؤدي حاصل هذا القول لكن مع لطائف بلاغية بخلاف هذا القول فهو خال من اللطائف البلاغية .
  3. أن هناك فرقًا بين الرجاء والترقع ، فالرجاء كما تقدم: "توقع الخير والمحبوب الذي يقوى في النفس وقوعه؛ لكونه عن أمارة مظنونة أو معلومة،مع التهيؤ لتحصيله"، والتوقع كما قال المصطفوي في التحقيق: انتظار لحصول الشيء عن قريب، والنظر فيه إلى جهة الوقوع، ومثله الترقب: لكن النظر فيه إلى جهة المراقبة له". فبين الرجاء والتوقع والترقب فرق ظاهر.

3)القول الثالث: اختار هذا كثير من المفسرين، وعلماء اللغة منهم: ابن عباس، و الأصمعي ،وأبو عبيدة، وابن قتيبة(القتبي)، وابن سيده، والفراء، الطبري، مكي.

قالوا: الرجاء له استعمالان حقيقيان: المعنى المشهور ، والثاني: بمعنى الخوف لكن استعماله بمعنى الخوف مقصور على النفي، ولا يجوز في الإثبات بأن تقول: رجوتك وأنت تريد خفتك ، ولا خفتك وأنت تريد رجوتك، وإنما اشتمل الرجاء على معنى الخوف ؛ لأن كل راج خائف أن لا يدركه مأموله وأن لا يتم وأن يفوته ما يرجوه،؛ فإنه إذا لم يخف كان يقينًا، قال الأصمعي: «إذا اقترن حرف النفي بالرجاء كان بمعنى الخوف ، فمعنى لا يرجون : لا يخافون [10]،وهي لغة تهامة وهذيل يضعون الرجاء موضع الخوف إذا كان معه جحد(نفي)، قال أبو ذؤيب الهذلي:
إذا لسعته النّحل لم يَرْجُ لسْعَها وحَالَفَهَا في بيتِ نُوبٍ عَوَامِلِ[11]
وبعض العلماء يجعل هذا الاستعمال من باب المجاز : فوضع أحدهما موضع الآخر من باب الاستعارة لعلاقة التضاد أو علاقة الترتب على مطلق الانتظار.
يقول علي هاني: وهذا القول رده ابن عطية والرازي وملا حويش، وابن عاشور، ومحمد رشيد رضا وكثير من المحققين:

  • قال ابن عطية "وقال قوم: اللفظة من الأضداد دون تجوز في إحدى الجهتين، وليس هذا بجيد، وقال الجاحظ في كتاب البلدان: «إن معنى قوله لم يرج لسعها أي لم يرج برء لسعها وزواله، فهو يصبر عليه» [12]، وقال في موضع آخر :" والذي أقول: إن الرجاء في كل موضع على بابه وإن بيت الهذلي معناه لم يرج فقد لسعها فهو يبني عليه ويصبر إذ يعلم أنه لا بد منه[13]
  • قال الإمام الرازي :" وهذا القول عندي غير جائز ، لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة ، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية المنقولة بالتواتر وهذا يفضي إلى القدح في القرآن ، فإنه لا لفظ فيه إلا ويمكن جعل نفيه إثباتا وإثباته نفيا بهذا الطريق[14].
  • وقال ملا حويش:" ومن قال إن رجا بمعنى خاف واستدل بقول الهذلي : إذا لسعته النحل لم يرج لسعها ، غير سديد ، لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة والقول به يوجب ترجيح رواية الآحاد على التواتر ، وهو غير جائز لإمكان التوسع بالألفاظ وجعل المثبت منفيا وبالعكس ، وهذه الطريقة لا تسلك في الألفاظ القرآنية قطعا.[15]
  • قال محمد رشيد رضا:" والتحقيق أن الرجاء: الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع، وأن الخوف توقع ما فيه شر وضر، فهما متقابلان كما قال تعالى: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (17: 57)".[16]

الترجيح: يظهر جليًا أن قول القسم الأول من القول الأول هو الأرجح المتبادر ، لأمور:

  1. لأن الرجاء والخوف متقابلان كما قال تعالى: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (17: 57)فلا يفسر أحدهما بالآخر .
  2. أنه إذا أمكن حمل اللفظ على الحقيقة لا يصار إلى المجاز .
  3. لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة ، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحًا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية المنقولة بالتواتر.

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات:
كتبه علي هاني العقرباوي
عمان ـ الأردن ـ
٣ جمادى الآخرة ١٤٤١ هـ
28/ 1/ 2020
الفيس: علي هاني العقرباوي
يوتيوب: علي هاني العقرباوي


[1] قال المصطفوي في التحقيق: الأصل الواحد هو توقع لما يمكن حصوله من خير والميل إليه، وهو يستعمل في مقابل الخوف فهو حالة تمايل وتوقع لحصول خير فيتهأ لتحصيله وتحققه، ومعنى لا يرجون نشورًا لا ينتظرون ولا يتوقعون ولا يتهيؤون لمواجهتها. (4/84).

[2] تفسير ابن فورك (1/ 183)، تفسير الميزان (15/ 102).

[3] قال الفخر الرازي: لأن الرجاء ضد الخوف في اللغة المتواترة الظاهرة، فلو قلنا : إن لفظة الرجاء في اللغة موضوعة بمعنى الخوف لكان ذلك ترجيحا للرواية الثابتة بالآحاد على الرواية المنقولة بالتواتر وهذا يفضي إلى القدح في القرآن ، فإنه لا لفظ فيه إلا ويمكن جعل نفيه إثباتا وإثباته نفيا بهذا الطريق.(التفسير الكبير/ الرازي (30/ 653).

[4] وهذا داخل في حد الرجاء كما تقدم.

[5] هناك فرق طفيف بين ما قررته وما قرره ابن عاشور يظهر بالتأمل.

[6] والتلويح عند علماء : كناية كثرت فيها الوسائط بيْنَ المكنَّى به والمكنَّى عنه؛أي: لكون الانتقال بعدة لوازم، لكن ابن عاشور سماها هنا تلويحية لما في لازم مدلول الكلام من الخفاء.

[7] التحرير والتنوير/ابن عاشور(30/ 39).

[8] أدنف المرضُ فلانًا: أَضناه، أتعبه، أثقله.

[9] وكذلك يقال في قوله تعالى: قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبونَ (45/14)، ومَا لَكُمْ لَا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَارًا(27/13)،فالمعنى في الآية الأولى: أنهم لا يتوقعون أيام الله ولا يؤمنون بها و لا يفعلون ما يفعله المؤمنون من ترجي نصرة الله لهم فيها إما لأنهم لا يتوكلون على الله ولا يستنصرونه بل توجّههم إلى الأصنام، وأوثر تعريفهم بهذه الصلة ليكون في ذلك تعريض بأن الله ينصر الذين يرجون أيام نصره وهم المؤمنون . والغرض من هذا التعريض الإيماء بالموصول إلى وجه أمر المؤمنين أن يغفِروا للمشركين ويصفحوا عن أذى المشركين ولا يتكلفوا الانتصار لأنفسهم لأن الله ضمن لهم النصر.
والمعنى في الآية الثانية: لا ترجون لله وقارًا:
اللام متعلقة بوقارًا تعلق مفعول المصدر، أي: توقروا الله وتخشوه وتتهاونوا بشأنه تهاون من لا يخافه فاللام للتقوية.
والمعنى: مالكم لا ترجون على توقيركم لله و عبادته والإيمان به وتوحيده أن يثيبكم على ذلك، ولا تأملون له توقيرًا أي تعظيًما، فالرجاء كناية عن تحقق الأسباب وانعقادها لهذا الرجاء ، ونكتة الاكتفاء بالتعجب من عدم رجاء الثواب أن ذلك هو الذي ينبغي أن يقصده أهل الرشاد .
م

[10]

[11] والنوب: النحل، وهو جمع نائب، لأنها ترعى ثم تنوب إلى موضعها، والعوامل: التي تعمل العسل. وقوله: وحالفها قال الأصمعي: أي: صار حليفها في بيتها، وروى أبو عمرو: وخالفها بالخاء معجمة. قال: يريد جاء إلى عسلها من ورائها لما سرحت في المراعي. يقول: إذا لسعت النحل هذا المشتار لم يخف لسعها، ولم يبال بها، ولازمها في بيتها حتى قضى وطره من معسلها. ومعنى لم يرج، لم يخف.

[12] (المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز/ابن عطية (1/ 292)

[13] المرجع السابق (3 / 107 ).

[14] "(التفسير الكبير / الرازي (30/ 653)

[15] ( بيان المعاني/ ملاحويش(4/ 266).

[16] وعبارته : " والتحقيق أن الرجاء: الأمل والتوقع لما فيه خير ونفع، وأن الخوف توقع ما فيه شر وضر، فهما متقابلان كما قال تعالى: (ويرجون رحمته ويخافون عذابه) (17: 57) وما في هذه الآية والآيتين 11 و15 من هذه السورة والآية 21 من سورة الفرقان من رجاء لقاء الله منفيا يحتمل الرجاء والخوف جميعا؛ لأن لقاء الله تعالى في يوم الحساب مظنة الخوف لقوم والرجاء لآخرين، ولذلك قال في الكافرين: (إنهم كانوا لا يرجون حسابا) (78: 27) .وفسر بعض المحققين الرجاء هنا بمجرد التوقع الذي يشمل ما يسر وما يسوء. واللقاء الاستقبال والمواجهة.
والمعنى: أن الذين لا يتوقعون لقاءنا في الآخرة للحساب، وما يتلوه من الجزاء على الأعمال، لإنكارهم البعث، ويلزمه أنهم لا يؤملون لقاءه الخاص بالمتقين في دار الكرامة،(تفسير المنار/ محمد رشيد رضا (11/ 251). تفسير المنار/ محمد رشيد رضا (11/ 251).