فصل من كتابي: خلاصات معرفية عن اليهودية والغنوصية والباطنية

عندما يقول المسلم عن الكعبة أو عن المساجد أنها "بيت الله" فهو لا يقصد أن الله يسكن فيها حرفيا..
أما عند اليهود فقد تكونت عقيدة تقول أن الهيكل كان فعلا "مسكن الإله"، وأن "الحضور الإلهي" كان موجودا بحجرة قدس الأقداس، مع التابوت.
ويقولون أن الشِخيناه كانت تجسيد هذا الحضور الإلهي.
وهم بهذا يعطون الشخيناه قدرا أكبر من قدرها الحقيقي. فلم تكن سحابة الشخيناه "تجسدا" إلهيا، بل مجرد مخلوق ملائكي فريد.

كلمة "شخيناه" العبرية لم ترد في التوراة بشكل صريح، إلا أنها مشهورة في كتابات اليهود الأخرى. وهي مشتقة من معنى "سكن" أو حل في مكان.
وورد في التوراة، في الإصحاح 8 من سفر الملوك الأول، أن سليمان عندما أتم بناء بيت الرب، الذي يسميه اليهود الهيكل، جمع الشعب والكهنة للاحتفال بمناسبة وضع تابوت العهد داخل حجرة قدس الأقداس.
كان قدس الأقداس عبارة عن حجرة صغيرة، ويقول النص أنها احتوت على تمثالين على شكل اثنين من ملائكة الكروبيم، باسطي أجنحتهما بعرض الحجرة. أدخلوا التابوت في الوسط، فظهرت غمامة من دخان كثيف ملأت المكان.
"أدخل الكهنة تابوت عهد الرب إلى مكانه في محراب البيت في قدس الأقداس، إلى تحت جناحي الكروبين، لأن الكروبين بسطا أجنحتهما على موضع التابوت"
"لم يكن في التابوت إلا لوحا الحجر اللذان وضعهما موسى هناك في حوريب حين عاهد الرب بني إسرائيل عند خروجهم من أرض مصر.
وكان لما خرج الكهنة من القدس أن السحاب ملأ بيت الرب، ولم يستطع الكهنة أن يقفوا للخدمة بسبب السحاب، لأن مجد الرب ملأ بيت الرب.
حينئذ تكلم سليمان: قال الرب إنه يسكن في الضباب. إني قد بنيت لك بيت سكنى، مكانا لسكناك إلى الأبد"
يعتبر مؤلفو التوراة هذا السحاب الذي ظهر جزءا من الإله، أي "الحضرة" الإلهية التي حلت على المكان.
أما حقيقة الأمر، إن صحت هذه الواقعة، فهي أن السكينة/شخيناه هي التي حلت على المكان. والسكينة مجرد مخلوق، لا الخالق.

في القرآن والحديث تأتي كلمة "السكينة" بمعنى الطمأنينة.. إلا أنها وردت أيضا بمعنى ذلك المخلوق الملائكي الذي ينزل أحيانا من السماء للأرض.
عندما اعترض اليهود على اختيار طالوت ملكا عليهم "قال لهم نبيهم إن آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة من ربكم وبقية مما ترك آل موسى وآل هارون تحمله الملائكة"

وقد رآها أحد الصحابة أيضا. إذ ورد في صحيح البخاري:
"قرأ رجل الكهف، وفي الدار الدابة، فجعلت تنفر. فسلم، فإذا ضبابة أو سحابة غشيته. فذكره للنبي ﷺ، فقال: اقرأ فلان، فإنها السكينة نزلت للقرآن، أو تنزلت للقرآن"
وفي رواية أخرى للحديث نعرف أن هذه السكينة إما أنها من الملائكة أو أن الملائكة تصاحبها عندما تنزل.
"عن أسيد بن حضير، قال: بينما هو يقرأ من الليل سورة البقرة، وفرسه مربوطة عنده، إذ جالت الفرس. فسكت، فسكتت. فقرأ، فجالت الفرس، فسكت وسكتت الفرس. ثم قرأ فجالت الفرس، فانصرف، وكان ابنه يحيى قريبا منها، فأشفق أن تصيبه. فلما اجتره رفع رأسه إلى السماء، حتى ما يراها.
فلما أصبح حدث النبي ، فقال: اقرأ يا ابن حضير، اقرأ يا ابن حضير.
قال: فأشفقت يا رسول الله أن تطأ يحيى، وكان منها قريبا، فرفعت رأسي فانصرفتُ إليه، فرفعت رأسي إلى السماء، فإذا مثل الظلة فيها أمثال المصابيح، فخرجت حتى لا أراها.
قال: وتدري ما ذاك؟، قال: لا.
قال: تلك الملائكة دنت لصوتك، ولو قرأتَ لأصبحَتْ ينظر الناس إليها، لا تتوارى منهم"
أي أن الصحابي كان واقفا في بيته ليلا، يصلي، ويقرأ في صلاته بالسور الطويلة، فسمع فرسه يتحرك في قلق، فتوقف عن القراءة لفترة لكن لم يقطع الصلاة. ثم استمر في القراءة مرة أخرى فتكرر نفس الصوت. ولما سمع الرسول هذا الجزء من القصة أخبر الصحابي أنه كان عليه الاستمرار وألا يتوقف. لكن في المرة الثالثة اضطر الصحابي أن يقطع الصلاة والقراءة، لخوفه من أن تضطرب الفرس بشدة فتصيب ابنه الصغير. فلما خرج ليستطلع الأمر وجد شيئا مثل السحابة المظللة يرتفع في السماء، وفيه أنوار كالمصابيح. ولما سمع الرسول هذه الحادثة أخبره أنها كانت ملائكة، اقتربت من بيته لتستمع لقراءته للقرآن في الصلاة.. فلما توقف عن القراءة ابتعدت. ولو لم يتوقف لظلت موجودة إلى أن يأتي الفجر، فيراها باقي الصحابة بأنفسهم.
وهذا حدث نادر، وكرامة لهذا الصحابي.

وقد كان الصحابة يمدحون عمر بن الخطاب ويقولون عنه: ما كنا نستبعد أن السكينة تنطق على لسان عمر.
(ورد هذا عن ابن الأثير في كتابه: النهاية في غريب الحديث. وفي رواية أخرى عن الذهبي في سير أعلام النبلاء: "كنا نتحدث أن عمر ينطق على لسان مَلَك")

أما اليهود فيظنون أن السكينة معهم إلى الآن.. وأنه بعد تدمير الهيكل حلت السكينة داخل كل بني إسرائيل.
ولأنهم يعتبرونها جزءا من الإله فقد قالوا أن الإله قد حل في شعب إسرائيل.
وهذه العقيدة "الحلولية" توسع د/المسيري جدا في دراستها، وهي أحد الموضوعات الرئيسية لموسوعته عن اليهود واليهودية والصهيونية.
يؤمن اليهود أنهم عندما تشتتوا في الأرض فإن الشخيناه أيضا قد عانت من هذا التشتت، وأن الإله الآن متناثرة منه أجزاء أو "قبسات" في بلاد العالم، ويجب إعادة كل اليهود لمكان الهيكل كي "ينصلح" الإله وتنتهي حالة تفتته!
ويؤمنون أنه حيثما حل اليهود فإن الشخيناه تكون معهم. يظهر هذا في التلمود في صفحة Megillah 29a
أما اليهود الباطنيون، المؤمنون بالقبالا وبكتاب الزوهار، فقد توسعوا جدا في هذه الفكرة، وربطوها بمعانٍ صوفية كثيرة.