بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
سئلت عن معنى قوله سبحانه حكاية عن سيدنا سليمان : وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍمن وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ وَقَالَ يَاأَيُّهَا النَّاسُ عُلِّمْنَا مَنْطِقَ الطَّيْرِ وَأُوتِينَا مِنْ كُلِّ شَيْءٍ إِنَّ هَذَا لَهُوَ الْفَضْلُ الْمُبِينُ [النمل: 16]كيف يؤتى كل شيء، فهذا هو الجواب ملخصًا من أقوال العلماء.
أخبر سيدنا سليمان بنعم الله عليه ، فيما وهبه له من فقال: وَأُوتِينَا مِن كُلِّ شَيْءٍ أي:
أعطانا الله من كل شيء مما يُؤتَى ويحتاجه الأنبياء والملوك؛ لإقامة الملك والنبوة من الأسباب اللازمة من الأمور المعنوية والمادية .
وعبر بأداة الاستغراق (كل) التي للعموم، وبالتنكير الذي فيه العموم؛ تعظيماً للنعمة وتحدثًا بها وشكرًا له سبحانه ؛فـ كُلٌّ في الأصل للإحاطة وترد للتكثير كثيراً كما هنا، أو نقول هو عموم عرفي؛ لأن المراد كثرة ما أوتي فكأنه مستغرق لجميع الأشياء ، كما يقال لمن يكثر تردد الناس إليه : فلان يقصده كل أحد ، ويعلم كل شيء ، تريد : كثرة قصاده، ورجوعه إلى غزارة في العلم واستكثار منه .
و الإيتاء يشمل:

  1. الملك التام ، والتمكين العظيم .
  2. العلم التام: كعلم القيادة ، وعلم الحكم العادل.
  3. تسخير ما يصلح أن يكون مسخرًا مما يحتاجه الملك من آلات الحرب وغيرها ، فسخر الله له الشياطين يعملون له كل ما شاء من الأعمال التي يعجز عنها غيرهم كالمحاريب ، والتماثيل ، والجفان كالجوابي ، وسخر له الريح غدوها شهر ورواحها شهر ،وسَخَّر له الإنس والجن والطير ، وأسال له عين القطر (النحاس المذاب).


  • وبنى عُلِّمنا، وأوتينا للمفعول ، وحذف الفاعل:


  1. للعلم به ، وهو الله تعالى الذي له العظمة.
  2. وللدلالة على سهولتها عليه سبحانه فقد آتاه وعلمه بأيسر أمر من أمره..


  • وعبر بنون العظمة ، أُوتِينا،عُلِّمنا ولم يقل أوتيت، عُلِّمتُ ؛ لبيان سيطرة السلطان، وللإشعار بأنه عبد من عباد الله المطاعين ، الذين سخر لهم جنوداً من الجن والإنس والطير ، ليكونوا في خدمته ، وليستعملهم في وجوه الخير ، فهو لم يقل ذلك على سبيل التباهي والتعالي ، وإنما قاله على سبيل التحدث بنعم الله تعالى.

قال ابن عاشور:" والمراد ب كل شيء كل شيء من الأشياء المهمة ففي كل شيء عمومان عموم كل وعموم النكرة وكلاهما هنا عموم عرفي، ف كل مستعملة في الكثرة وشيء مستعمل في الأشياء المهمة مما له علاقة بمقام سليمان، وهو كقوله تعالى فيما حكى عن أخبار الهدهد. وأوتيت من كل شيء [النمل: 23] ، أي كثيرًا من النفائس والأموال. وفي كل مقام يحمل على ما يناسب المتحدث عنه".[1]
وقال عند تفسير قوله تعالى: إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم [النمل:23] :" ومعنى أوتيت من كل شيء نالت من كل شيء حسن من شؤون الملك. فعموم كل شيء عموم عرفي من جهتين يفسره المقام كما فسر قول سليمان أوتينا من كل شيء [النمل: 16] ، أي أوتيت من خصال الملوك ومن ذخائرهم وعددهم وجيوشهم وثراء مملكتهم وزخرفها ونحو ذلك من المحامد والمحاسن.[2]
علي هاني العقرباوي/ عمان ـ الأردن / 11ـ جمادى الثانية ـ 1441هـ/5 ـ 2 ـ 2020 م




[1] التحرير والتنوير/ ابن عاشور (19/ 238).

[2] المرجع السابق (19/ 253).