بعث المسيح رسولا إلي بني إسرائيل ، وأيده الله بأربع معجزات ذكرها القرآن الكريم في قوله تعالي : (ورسولا إلى بني إسرائيل أني قد جئتكم بآية من ربكم، أني أخلق لكم من الطين كهيئة الطير فأنفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله، وأبرئ الأكمه والأبرص وأحيي الموتى بإذن الله، وأنبئكم بما تأكلون وما تدخرون في بيوتكم (49)) آل عمران
فهذه أربع معجزات أيد الله بها المسيح ابن مريم 1- يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طائرا بإذن الله2 - ويبرئ الأكمه والأبرص.3- ويحيى الموتى بإذن الله 4-ويخبر الناس بما هو مجهول من طعامهم ومدخراتهم.
ولقد شاع عند كتاب السير مقولة أن معجزة كل نبي تكون من جنس ما برع فيه قومه فيقولون لان قوم موسي برعوا في السحر فكانت معجزته العصا ولان قوم عيسي برعوا في الطب فكانت معجزته إبراء الأكمه والأبرص وهكذا وهذه المقولة غير صحيحة اذ تنقصها الدقة العلمية والتاريخية وتختلف مع الفهم الصحيح لحديث القران عن معجزات الأنبياء فالقول بأن قوم موسي برعوا في السحر فبعث الله لهم موسي بمعجزة العصا التي يلقيها موسي علي الأرض فإذا هي حية تسعي فهذا الكلام خطا وخطر ايضا فهل كانت عصا موسي من جنس السحر حتى نقول انه جاءهم بما برعوا فيه من السحر؟ ولقد اشتهر على السنة العوام العصا السحرية كناية عن عصا موسي وفي هذا خلط وتشويش إذ أن وصف عصا موسي بالسحر هو وصف فرعون لها أما الله فقد وصفها بالآية الكبرى فالعصا السحرية هي تسمية فرعون والآية الكبرى هي تسمية الله والعصا معجزة موسي لإبطال ما صنعوا من السحر والأوهام التي خيل للناس من سحرهم ان عصيهم تسعي وان فرعون وهو رجل مثلهم يأكل كما يأكلون وليس بما أقنعوهم انه اله يتوجهون إليه بالعبادة ولا يعرفون ربا سواه وعندما سقطت الأوهام سقط الفرعون وتعري أمام الجميع
فإذا رجعنا إلي معجزات عيسي وجدنا ايضا المقولة بان قوم عيسي برعوا في الطب فكانت معجزته إبراء الأكمه والأبرص واحياء الموتي من جنس ما برعوا فيه هو قول تنقصه الدقة التاريخية والدقة العلمية فمن ناحية لم يثبت تاريخيا ان بني إسرائيل قد برعوا في الطب وقد ذهب الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي المسيحي إرنست رينان في كتابه تاريخ نشأة المسيحية أن اليهود الذين بعث فيهم المسيح كانوا اجهل الناس بالطب. ولا ندري من اين جاء القول بان اليهود قد عرفوا بالتفوق في الطب؟ ومن ناحية أخري ما دخل الطب في إحياء الميت ؟ هل إحياء الميت مهارة طبية أم قدرة إلهية ؟
ومن هنا فاني أري ان معجزات المسيح التي جاء بها لا صلة لها بتفوق بني اسرائيل في الطب بل لها صلة بانحراف بني إسرائيل عن شريعة موسى اذ جعلوا همهم جمع المال. وامتدت هذه المادية الطاغية إلى الأحبار والرهبان يقول القران عنهم " يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيرًا مِّنَ الْأَحْبَارِ وَالرُّهْبَانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَيَصُدُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّهِ ۗ وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُم بِعَذَابٍ أَلِيمٍ (34) التوبة فأخذوا يحرضون العامة على تقديم القرابين والنذور للهيكل رجاء أن يحصلوا على الغفران، وربطوا الغفران برضا الأحبار والرهبان وأوغلوا في المادية وبعدوا عن الروحية، حتى أنكر فريق منهم القيامة والحشر، والحساب والعقاب، فكانوا احرص الناس علي حياة يود احدهم لو يعمر ألف سنة وتملك حب الدنيا من قلوبهم حتى أكلوا الربا، وأكلوا أموال الناس بالباطل إلى غير ذلك من جرائمهم وتحايلهم على أحكام الله فجاءت معجزات المسيح لإحياء الناحية الروحية وبث عقيدة البعث والحساب في نفوسهم فكانت ولادته اية علي ذلك آية علي قدرة الله علي الخلق بدون أسباب ثم جاءت معجزاته من جنس ما حدث لولادته وإقامة الدليل على ان الله هو الحق وانه يحي الموتى وانه علي كل شيء قدير، تلك التي أنكرها أكثر بني إسرائيل، فرأوا بأعينهم المسيح يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرا بإذن الله فمعجزات المسيح متصلة باهداف رسالته والمقصود منها وهو تقويم انحرافات بني إسرائيل
بقي ان نبدي ملاحظتين تتعلقان بهذه المعجزات وقد ضلت فيها النصارى ضلالا بعيدا ذكرهما الدكتور احمد شلبي في كتابه المسيحية ننقلها بتصرف .
الأولي :- تذكر الأناجيل الموجودة بأيدي النصارى اليوم عددا ضخما أحياهم المسيح بعد الموت، أو شفاهم من البرص، أو جعلهم يبصرون بعد العمى، والحقيقة ان طبيعة المعجزة انها خارقة للعادة لإثبات النبوة وليست تغييرا للسنن ومعنى ذلك أن المسيح أحيا بضع إعداد من الموتى برهانا علي رسالته لكن ليس معناه ان ما يميته الله يحييه المسيح بحيث تتوقف سنة الموت بصفة دائمة و ولو صح ما ورد في الأناجيل لكان لا يوجد موت في حياة عيسي ولا أكمه ولا أبرص الا شفاه وهذا غير معقول وإلا فأين هذا العدد الكبير من المرضى والموتى والعميان الذين ذكرت الأناجيل أن معجزات المسيح مستهم؟ حتى ليوشك أن يفوق هذا العدد سكان فلسطين جميعا في ذلك الوقت، وكأن كل السكان مسهم البرص أو العمى.
الثانية : يزعم النصارى أن المسيح أفضى بالقدرة على إتيان المعجزات إلى تلاميذه، ثم جدد منحها لهم بعد قيامه من الموت وصعوده إلى السماء، وأورث كنيسته تلك القدرة أيضا وهذا كلام موغل في الخرافة ولو استطاع البابا الآن أن يحيي الموتى أو يبرئ الأكمه والأبرص كما كان المسيح يفعل لتوقف الخلاف بين الأديان ولاتبعه كافة البشر، ولكن هيهات أن يكون ذلك، فليس البابا إلا إنسانا يمرض ولا يعرف الطريق إلى علاج نفسه، فما بالك بعلاج سواه