تلخيص محاضرة (هكذا علم النبي أصحابه العيش مع القرآن) لعمر المقبل.
هذا رابطها:
https://www.youtube.com/watch?v=9NbCn792Jks&t=2993s

وقد تم تلخيصها أسفل المقطع تحت تعليقات اليوتيوب
وهذا تلخيصها مكتوبا هنا:


تنقسم المحاضرة إلى قسمين: الوسائل العلمية والوسائل العملية لتدبر القرآن مع أدلة كل وسيلة ونماذج عليها.

أولا: الوسائل العلمية:

1-حث النبي لأصحابه على تدبر القرآن وفهمه وتربيتهم على ذلك, والتحذير من مجرد الاكتفاء بالقراءة.
فمن ذلك حديث أبي موسى الأشعري عن النبي : «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الهُدَى وَالعِلْمِ، كَمَثَلِ الغَيْثِ الكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا، فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ، قَبِلَتِ المَاءَ، فَأَنْبَتَتِ الكَلَأَ وَالعُشْبَ الكَثِيرَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبُ، أَمْسَكَتِ المَاءَ، فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ، فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَتْ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى، إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لاَ تُمْسِكُ مَاءً وَلاَ تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ، وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ بِذَلِكَ رَأْسًا، وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ» [البخاري79 مسلم2282].
ومن ذلك حديث زياد بن لبيد قَالَ: ذَكَرَ النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ شَيْئًا، فَقَالَ: «ذَاكَ عِنْدَ أَوَانِ ذَهَابِ الْعِلْمِ» ، قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ وَكَيْفَ يَذْهَبُ الْعِلْمُ، وَنَحْنُ نَقْرَأُ الْقُرْآنَ، وَنُقْرِئُهُ أَبْنَاءَنَا، وَيُقْرِئُهُ أَبْنَاؤُنَا أَبْنَاءَهُمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ؟ قَالَ: «ثَكِلَتْكَ أُمُّكَ زِيَادُ إِنْ كُنْتُ لَأَرَاكَ مِنْ أَفْقَهِ رَجُلٍ بِالْمَدِينَةِ، أَوَلَيْسَ هَذِهِ الْيَهُودُ، وَالنَّصَارَى، يَقْرَءؤونَ التَّوْرَاةَ، وَالْإِنْجِيلَ لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا؟» [أحمد17473ابن ماجه4048 صححه الألباني وغيره].
فلفت النبي أن وجود القرآن ليس الغاية العليا من إنزاله بل تدبره والعمل به كما جاء في آخر الحديث (لَا يَعْمَلُونَ بِشَيْءٍ مِمَّا فِيهِمَا) ذمًّا لليهود والنصارى, ومن أسباب الغضب على اليهود أنهم أوتوا العلم فلم يعملوا به.
ويؤكد هذه القضية كل الأحاديث الواردة في ذم الخوارج الذين يتلون القرآن ولا يجاوز حناجرهم والمعنى أنه لم يصل إلى قلوبهم, والتاريخ صدَّقَ ذلك فهم أعظم الناس إجراما وآثاما على قلتهم.

2-التنبيه على فضائل القرآن والسور والآيات.
النفوس مجبولة على الاستجابة للمحفزات, وقد كان النبي يشير إلى هذه الفضائل, والقرآن يتفاضل فيما بينه فأعظم سُوَرِهِ الفاتحة وأعظم آياتِهِ الكرسي.
فمثلا سورة البقرة وآل عمران, قال النبي عنهما: «يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ تَقْدُمُهُ سُورَةُ الْبَقَرَةِ، وَآلُ عِمْرَانَ كَأَنَّهُمَا غَمَامَتَانِ، أَوْ ظُلَّتَانِ سَوْدَاوَانِ بَيْنَهُمَا شَرْقٌ، أَوْ كَأَنَّهُمَا حِزْقَانِ مِنْ طَيْرٍ صَوَافَّ، تُحَاجَّانِ عَنْ صَاحِبِهِمَا» [مسلم805] فهذه فضيلة لهما, وفي قوله (يُؤْتَى بِالْقُرْآنِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَأَهْلِهِ الَّذِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ بِهِ) ذكر للفضيلة وذكر للسبب الموجب لها وهو العمل.
ومن الفضائل ما جاء في سورة الصمد من أنها تعدل ثلث القرآن [البخاري5013 ومسلم811] ومن ذلك قصة الرجل الذي يكثر منها في صلاته فكانت سببا في حب الله له [البخاري 7375 مسلم813]
ومن الفضائل حديث أبي بن كعب في آية الكرسي أنها أعظم آية [مسلم810]
فما الأثر التربوي لهذه الأحاديث ولهذه الفضائل؟ الأثر هو أن يستحضر الإنسان قلبه بقَدْرٍ أكبرَ ويتدبر ويتفكر عند قراءتها أو استماعها.
فكم من مسلم يعلم منذ صغره أن آية الكرسي هي أعظم آية, لكن ما أثرها عليه.
من تأمل في هذه الآية وجد أسماء الله فيها متمحضة (خالصة) في الثناء على الله وتمجيده.

3-الحث على مجالس تدارس القرآن.
قال النبي : «وَمَا اجْتَمَعَ قَوْمٌ فِي بَيْتٍ مِنْ بُيُوتِ اللهِ، يَتْلُونَ كِتَابَ اللهِ، وَيَتَدَارَسُونَهُ بَيْنَهُمْ، إِلَّا نَزَلَتْ عَلَيْهِمِ السَّكِينَةُ، وَغَشِيَتْهُمُ الرَّحْمَةُ وَحَفَّتْهُمُ الْمَلَائِكَةُ، وَذَكَرَهُمُ اللهُ فِيمَنْ عِنْدَهُ» [مسلم2701] فذكر التلاوة والتدارس ولم يكتَفِ بالأول, والتدارس على وزن تفاعل فلا بد من التشارك فيه فيقع من الاثنين فأكثر, فعلى ماذا حصلوا لما تدارسوا؟ حصلوا على نزولِ السكينة وغِشْيانِ الرحمة وحَفِّ الملائكة وذِكْرِ الله لهم.
وبالتجربة فما تدارس قوم القرآن إلا خرجوا بفوائد جديدة عليهم ربما لا توجد في الكتب.
وللمدارسة أثرها, ففي رمضان كان جبريل يدارس النبي القرآن فيزداد خيرا, فعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ، قَالَ: «كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدَ النَّاسِ، وَكَانَ أَجْوَدُ مَا يَكُونُ فِي رَمَضَانَ حِينَ يَلْقَاهُ جِبْرِيلُ، وَكَانَ يَلْقَاهُ فِي كُلِّ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ فَيُدَارِسُهُ القُرْآنَ، فَلَرَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَجْوَدُ بِالخَيْرِ مِنَ الرِّيحِ المُرْسَلَةِ» [البخاري6 مسلم 2308].
فالتذكر وازدياد الإيمان والهمة في الخير من آثار المدارسة.

4-إزالة الإشكالات التي ترد على الصحابة وتربيتهم على التسليم والانقياد.
تحدث هذه الإشكالات لأنهم يريدون العمل بالقرآن, أمَّا مَنْ يقرؤه قراءة عابرة فلا تَرِدُ عليه هذه الإشكالات لأنه لم يتدبر.
عَنْ ابن مسعود رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ، قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ هَذِهِ الآيَةُ: الَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ [الأنعام: 82] شَقَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ النَّبِيِّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَقَالُوا: أَيُّنَا لَمْ يَلْبِسْ إِيمَانَهُ بِظُلْمٍ؟ فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «إِنَّهُ لَيْسَ بِذَاكَ، أَلاَ تَسْمَعُونَ إِلَى قَوْلِ لُقْمَانَ: إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ [لقمان: 13]» [البخاري 6918].
ومثل ذلك لما نزلت أواخر البقرة وفيها المحاسبة على ما تخفيه النفوس, فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ قَالَ: لَمَّا نَزَلَتْ عَلَى رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللهُ فَيَغْفِرُ لِمَنْ يَشَاءُ وَيُعَذِّبُ مَنْ يَشَاءُ وَاللهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ قَالَ: فَاشْتَدَّ ذَلِكَ عَلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، فَأَتَوْا رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ ثُمَّ بَرَكُوا عَلَى الرُّكَبِ، فَقَالُوا: أَيْ رَسُولَ اللهِ، كُلِّفْنَا مِنَ الْأَعْمَالِ مَا نُطِيقُ، الصَّلَاةَ وَالصِّيَامَ وَالْجِهَادَ وَالصَّدَقَةَ، وَقَدِ اُنْزِلَتْ عَلَيْكَ هَذِهِ الْآيَةُ وَلَا نُطِيقُهَا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَتُرِيدُونَ أَنْ تَقُولُوا كَمَا قَالَ أَهْلُ الْكِتَابَيْنِ مِنْ قَبْلِكُمْ سَمِعْنَا وَعَصَيْنَا؟ بَلْ قُولُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ"، قَالُوا: سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ، فَلَمَّا اقْتَرَأَهَا الْقَوْمُ، ذَلَّتْ بِهَا أَلْسِنَتُهُمْ، فَأَنْزَلَ اللهُ فِي إِثْرِهَا: آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ فَلَمَّا فَعَلُوا ذَلِكَ نَسَخَهَا اللهُ تَعَالَى، فَأَنْزَلَ اللهُ عَزَّ وَجَلَّ: لَا يُكَلِّفُ اللهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا "قَالَ: نَعَمْ" رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا "قَالَ: نَعَمْ" رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ "قَالَ: نَعَمْ" وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ "قَالَ: نَعَمْ". [مسلم125و126].

5-الثناء على الذين يعملون بالقرآن:
فمن ذلك حديث أبي موسى الأشعري عن النبي : «مَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الأُتْرُجَّةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا طَيِّبٌ، وَمَثَلُ المُؤْمِنِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ التَّمْرَةِ، لاَ رِيحَ لَهَا وَطَعْمُهَا حُلْوٌ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي يَقْرَأُ القُرْآنَ مَثَلُ الرَّيْحَانَةِ، رِيحُهَا طَيِّبٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ، وَمَثَلُ المُنَافِقِ الَّذِي لاَ يَقْرَأُ القُرْآنَ كَمَثَلِ الحَنْظَلَةِ، لَيْسَ لَهَا رِيحٌ وَطَعْمُهَا مُرٌّ» [البخاري 5427 مسلم797].
فهو ليس مجرد إخبار وتقسيم, إنما هو إخبار وحثٌّ على أن يكون المؤمن من أعلاها لا من أدناها.
وأيضا حديث ابن عمر عن النبي : « لَا حَسَدَ إِلَّا فِي اثْنَتَيْنِ: رَجُلٌ آتَاهُ اللهُ الْقُرْآنَ فَهُوَ يَقُومُ بِهِ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ، وَرَجُلٌ آتَاهُ اللهُ مَالًا، فَهُوَ يُنْفِقُهُ آنَاءَ اللَّيْلِ، وَآنَاءَ النَّهَارِ» [البخاري 7529 مسلم815].
ومثله الحديث المتقدم في الثناء على العاملين بالقرآن وسورة البقرة وآل عمران.
ويدخل في هذا المعنى أحاديث ذم الخوارج الذين يكتفون بمجرد القراءة, وهو ذمٌّ عليهم.


ثانيا: الوسائل العملية:

مع التأكيد على أنه يوجد تداخل وقدر مشترك بين الوسائل العلمية والعملية.
1-الحث على التغني بالقرآن.
عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «لَيْسَ مِنَّا مَنْ لَمْ يَتَغَنَّ بِالقُرْآنِ» [البخاري 7527] التغني: حسن الأداء به.
ومن ذلك ثناؤه على أبي موسى الأشعري «لَوْ رَأَيْتَنِي وَأَنَا أَسْتَمِعُ لِقِرَاءَتِكَ الْبَارِحَةَ، لَقَدْ أُوتِيتَ مِزْمَارًا مِنْ مَزَامِيرِ آلِ دَاوُدَ» [البخاري 5048 مسلم793].
ومثله عَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ، أَنَّهُ سَمِعَ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، يَقُولُ: «مَا أَذِنَ اللهُ لِشَيْءٍ مَا أَذِنَ لِنَبِيٍّ حَسَنِ الصَّوْتِ يَتَغَنَّى بِالْقُرْآنِ، يَجْهَرُ بِهِ» [البخاري5023 مسلم792].
(أَذِنَ: استمع, القرآن: هنا عام يشمل الكتب المنزلة فهو يرجع إلى المعنى اللغوي وهو القراءة).
فالله وسع سمعه الأصوات كلها ومع ذلك فلا شيء أحبَّ إليه من استماع القرآن بالأصوات الحسنة المجودة, فحُسْنُ الصوت عبادة ودعوة, فإن القرآن مع حسن الصوت يؤثر في السامعين كثيرا فيقربهم من الخير ويباعدهم من الشر ويفتح قلوبهم, والقصص في ذلك كثيرة.
ومن طريفها ما ذكره الخطيب البغدادي: من أن أبا القاسم البغوي المحدث (غير صاحب التفسير) حج مع أبي بكر محمد بن جعفر الأَدَمِيِّ المُقرِئ ومحمد الأسدي, فمروا بالمدينة, فوجدوا في المسجد النبوي رجلا في حلقة والناس حوله يروي أحاديث موضوعة ويقصُّ أخبارا مكذوبة, فقال البغوي لصاحبيه: لننكر عليه ونصرف الناس عنه, فقال الأسدي: نحن غرباء في المدينة لا يعرفنا الناس ولن يؤثر كلامنا في هذا الجمع العظيم ولكن أبا بكر الأَدَمِيَّ حسن الصوت فليقرأ ويرتل القرآن فسينصرفون عنه, فجلس الأَدَمِيُّ في ناحية فرتل القرآن بصوت حسن فلم يَبْقَ عند القاصِّ الكاذب مستمع واحد, وهذا من بركة القرآن وبركة التغني به. [تاريخ بغداد2/527 البداية والنهاية15/239].

2-القراة بالترتيل والتمهل.
لقد بيّن الله الطريقة التي يُقرأ بها القرآن في قوله: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا [الإسراء106].

أما سورة المزمل ففيها ملحظ عجيب, وهو أن الله أمر نبيه بقوله: يَا أَيُّهَا الْمُزَّمِّلُ (1) قُمِ اللَّيْلَ إِلَّا قَلِيلًا (2) نِصْفَهُ أَوِ انْقُصْ مِنْهُ قَلِيلًا (3) أَوْ زِدْ عَلَيْهِ وَرَتِّلِ الْقُرْآنَ تَرْتِيلًا (4).
مع أن هذه السورة من أوائل ما نزل من القرآن فهي السورة الثالثة أو الرابعة باتفاق أهل العلم, فلم ينزل من القرآن حتى تلك اللحظة إلا أقل من نصف جزء, ومع ذلك فقد أمره الله أن يقوم نصف الليل بهذا السور الثلاث أو الأربع من قصار المفصل التي لم تبلغ نصف جزء, فكيف يقوم بها النبي نصف الليل إن لم يكن يرتل قراءته ويتمهل فيها ويتدبر ويكرر الآية والسورة, حتى يستغرق الوقت المأمور به.
*من أسباب فقداننا لذة القرآن أن القراءة السريعة صارت هي الأصل, فلا نكاد نرتل في وردنا وصلاتنا, ولو قمنا بترتيل قصار السور في صلاتنا ونوافلنا لحصل لنا منها انتفاع عظيم.
*قراءة النبي متمهلة يقرأ القرآن آية آية كما وُصِفَت لنا.
*وسئل مجاهد عن رجلين أحدهما قرأ البقرة في نافلة والآخر قرأ البقرة وآل عمران في نافلة, وقد استغرقا من الزمن مقدارا واحدا, أيهما أحب إليك فقال: الذي قرأ البقرة, ثم تلا قوله تعالى: وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَى مُكْثٍ قال مجاهد: على تؤدة. [مصنف عبدالرزاق4188].
ولو طرح السؤال على آخر لربما فضَّل الذي قرأ البقرة وآل عمران لأنهما أكثر, لكن مجاهدًا نظر إلى الترتيل والأثر والاتعاظ.
بل قال الغزالي : (واعلم أن الترتيل مستحب لا لمجرد التدبر فإنَّ العَجَمِيَّ الذي لا يفهم معنى القرآن يستحب له في القراءة أيضاً الترتيل والتؤدة لأن ذلك أَقْرَبُ إِلَى التَّوْقِيرِ وَالِاحْتِرَامِ وَأَشَدُّ تَأْثِيرًا فِي القلب من الهذرمة والاستعجال) [إحياء علوم الدين 1/277].
*من الناس مَنْ لا يكاد يقرأ القرآن وإذا قرأه أسرع به وهذَّه هذَّ الشعر على قلة قراءته.

3-تكرار الآية التي ينفتح لها القلب أو التوقف عندها:
جاء في حديث لأبي ذر: (قَامَ النَّبِيُّ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - بِآيَةٍ حَتَّى أَصْبَحَ يُرَدِّدُهَا، وَالْآيَةُ: إِنْ تُعَذِّبْهُمْ فَإِنَّهُمْ عِبَادُكَ وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [المائدة118]) [ابن ماجه1350 النسائي1010 وهو حسن وله شواهد].
قال ابن القيم مستدلا بهذا الحديث: (فَإِذا قَرَأَهُ بتفكر حَتَّى مر بِآيَة وَهُوَ مُحْتَاج إِلَيْهَا فِي شِفَاء قلبه, كررها وَلَو مئَة مرة وَلَو لَيْلَة, فقراءة آيَة بتفكر وتفهم خير من قِرَاءَة ختمة بِغَيْر تدبر وتفهم, وأنفع للقلب, وأدعى الى حُصُول الايمان وذوق حلاوة الْقُرْآن, وَهَذِه كَانَت عَادَة السّلف يردد أحدهم الآية الى الصَّباح وَقد ثَبت عَن النَّبِي أنه قَامَ بِآيَة يُرَدِّدهَا حَتَّى الصَّباح وَهِي قَوْله إِن تُعَذبهُمْ فَإِنَّهُم عِبَادك وَإِن تغْفر لَهُم فَإنَّك أَنْت الْعَزِيز الْحَكِيم) [مفتاح دار السعادة 1/187].
وللسلف في ذلك قصص كثيرة:
من ذلك أن تميمًا الداريَّ ردد في ليلة حتى كاد يصبح قوله تعالى: أَمْ حَسِبَ الَّذِينَ اجْتَرَحُوا السَّيِّئَاتِ أَنْ نَجْعَلَهُمْ كَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَوَاءً مَحْيَاهُمْ وَمَمَاتُهُمْ سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ [الجاثية21].
وقد عقد أبو عبيد القاسم بن سلام في كتابه فضائل القرآن بابًا عنوانه (ما يستحب لقارئ القرآن من تكرار الآية وتردادها) ذكر فيه جملة من الآثار والقصص في ذلك.
فالتكرار أسلوب نبوي عمل به السلف ويحصل به التأثر وانفتاح القلب.

4-الاستماع للقرآن من الآخرين.
وهي وسيلة جليلة, ولها أصل, فعن ابن مسعود قَالَ: قَالَ لِي النَّبِيُّ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «اقْرَأْ عَلَيَّ» قُلْتُ: آقْرَأُ عَلَيْكَ وَعَلَيْكَ أُنْزِلَ؟ قَالَ: «فَإِنِّي أُحِبُّ أَنْ أَسْمَعَهُ مِنْ غَيْرِي» فَقَرَأْتُ عَلَيْهِ سُورَةَ النِّسَاءِ، حَتَّى بَلَغْتُ: فَكَيْفَ إِذَا جِئْنَا مِنْ كُلِّ أُمَّةٍ بِشَهِيدٍ وَجِئْنَا بِكَ عَلَى هَؤُلاَءِ شَهِيدًا [النساء41] قَالَ: «حسبك الآن» فَإِذَا عَيْنَاهُ تَذْرِفَانِ. [البخاري4582 مسلم800].
وقد عمل الصحابة بهذه الوسيلة فَرُوِيَ أن عمر بن الخطاب إذا كان في مجلس قال لأبي موسى الأشعري: يا أبا موسى ذكرنا ربنا, فيقرأ أبو موسى القرآن بصوت حسن.
*فلو أن الإنسان احتفظ ببعض القراءات المؤثرة المسموعة بجهازه ليستمع إليها من حين إلى حين لِيَلِينَ قلبه لانتفع بذلك وعمل بالسنة.

4-التفاعل مع الآيات التي ختمت بالاستفهام.
فكل سؤال ورد في القرآن فلننظر في جوابه فإن هذه الأجوبة تفتح للقلب أبوابا من التدبر والتفكر والانتفاع, ولا بأس أن يجيب عن سؤال الآية في تلاوته وفي النوافل.
وقد جاء في ذلك جملة من الأحاديث لكنها ضعيفة أو شديدة الضعف, مثل استماع النبي لامرأة قرأت: هل أتاك حديث الغاشية فقال: (نعم) ومثله أنه إذا قرأ أليس الله بأحكم الحاكمين أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى قال: (بلى) ونحو ذلك وكلها ضعيفة.
[إضافة من خارج المحاضرة: لكن ذلك ثبت عن بعض السلف من الصحابة والتابعين مما يدل على جوازه, وله أصل في ذلك وهو حديث حذيفة في صفة قيام الليل للنبي (يَقْرَأُ مُتَرَسِّلًا إِذَا مَرَّ بِآيَةٍ فِيهَا تَسْبِيحٌ سَبَّحَ وَإِذَا مَرَّ بِسُؤَالٍ سَأَلَ وَإِذَا مَرَّ بِتَعَوُّذٍ تَعَوَّذَ) [مسلم772] وتقاس الأجوبة على التسبيح والسؤال والتعوذ, والله أعلم].

مداخلة من أحد الحضور حول الوسيلة العملية الثالثة وهي التكرار:
قام أحد أمة المساجد بهذه الوسيلة لما انتشر في بعض الأوقات اكتتابٌ لإحدى الشركات الربوية المحرمة فمكث أسبوعا يكرر في الصلوات الجهرية قراءة آيات الربا حتى يتعظ من يريد الدخول في هذا الاكتتاب, فتأثر بذلك بعض الجماعة وانتهوا عن الاكتتاب وأخبروا الإمام بذلك.

تم التلخيص والحمدلله.