الحكمة من خلق الشيطان، أساليب الغواية ووسائل المقاومة.
إعداد بوودن دحمان حذيفة
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن اتبع هذاه وبعد:
إن الإنسان لا يكون مؤمناً إلّا إذا أيقن بحكمة الله تعالى في كلّ ما خلق وشرع، فالله تعالى متّصفٌ بالحكمة، ومن أعظم أسمائه الحسنى: الحكيم، والحكيم هو الذي لا يقول ولا يفعل إلّا الصواب، ومن مقتضى حكمة الله أنّه لم يخلق شيئاً على وجه العبث، بل له حكمٌ بالغةٌ ومصالحٌ راجحةٌ في كلّ ما خلق. وقد يدرك العباد شيئا من هذه الحكمة، وقد لا يتمكّنوا إدراكها، ولذلك كان مبنى الدين على الإيمان بالغيب وإثبات الكمال المطلق لله. فإذا أدرك الإنسان الحكمة بعد ذلك حمد الله وشكره، وأمّا إن لم يدركها فيتهم عقله بالجهل والقصور، ويسلم لله عزّ وجلّ مع إيمانه بأنّه تعالى حكيمٌ خبير. ولا شكّ أنّ الإنسان إذا عرف الحكمة من أمر الله تعالى أو خلقه، ازداد إيماناً ويقيناً، إلّا أنّ معرفة ذلك ليس شرطاً في الإيمان. ومن هنا ترد إلى الدهن عدة تساؤلات: ما طبيعة الشيطان؟ وما الحكمة من خلقه؟ وإذا كانت الحكمة هي إغواء بني آدم، فكيف يجر الإنسان إلى الذنوب والمعاصي؟ ثم ما هي وسائل تغلب الإنسان عليه؟
يُقصد بالشيطان من الناحية الاصطلاحيّة: كلِّ متمرِّد بأفعاله وأقواله على أمر الله تعالى، سواء كان من الجنِّ أو من الإنس، فالشيطنة صفةٌ لا يختصّ بها إبليس وحده وإن كان هو زعيم الشياطين، ويؤيّد هذا الفهم قوله سبحانه: "وَكَذَٰلِكَ جَعَلْنَا لِكُلِّ نَبِيٍّ عَدُوًّا شَيَاطِينَ الْإِنسِ وَالْجِنِّ يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَىٰ بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا"-الأنعام: 120- وربما كان شيطان الإنس أخطر من شيطان الجن كما قال أحد السلف: "رأيت الشيطان فقال لي: قد كنت ألقى الناس فأُعَلِّمَهَم، فصرت ألقاهم فأتعلّمُ منهم" وشيطان الجن خُلق من النار، وله جسمٌ لطيف لا يُرى، قال تعالى: "إِنَّهُ يَرَاكُمْ هُوَ وَقَبِيلُهُ مِنْ حَيْثُ لا تَرَوْنَهُمْ" - الأعراف: 27- لكنه قد يظهر لبني آدم بصورٍ مختلفة، كما تمثل لأبي هريرة حين كان يحرس الصدقة في صورة إنسان سائل يشكو الحاجة وكثرة العيال، وقد قَالَ الشَّعْبِيّ : سَأَلَنِي رَجُل فَقَالَ: هَلْ لِإِبْلِيس زَوْجَة؟ فَقُلْت: إِنَّ ذَلِكَ عُرْس لَمْ أَشْهَدهُ، ثُمَّ ذَكَرْت قَوْله: "أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّته أَوْلِيَاء" فَعَلِمْت أَنَّهُ لا يَكُون له ذُرِّيَّة إِلا مِنْ زَوْجَة، فَقُلْت: نَعَم" وَقَالَ مُجَاهِد: "إِنَّ إِبْلِيس أَدْخَلَ فَرْجه فِي فَرْج نَفْسه فَبَاضَ خَمْس بَيْضَات، فَهَذَا أَصْل ذُرِّيَّته". والشيطان لا يعلم الغيب كما أشار الله إلى ذلك في قصة سليمان فقال: "فَلَمَّا قَضَيْنَا عَلَيْهِ الْمَوْتَ مَا دَلَّهُمْ عَلَىٰ مَوْتِهِ إِلَّا دَابَّةُ الْأَرْضِ تَأْكُلُ مِنسَأَتَهُ فَلَمَّا خَرَّ تَبَيَّنَتِ الْجِنُّ أَن لَّوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ الْغَيْبَ مَا لَبِثُوا فِي الْعَذَابِ الْمُهِينِ"- سبأ: 14-
ومن الممكن أن يصل الشيطان إلى كل مكانٍ وذلك بسبب لطافة جسمه ومرونته، فهو يستطيع أن يصل إلى قلب الإنسان بطريقة لا ندركها، فقد ثبت أن النَّبِي صَلَّى اللَّه عليه وسلم قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ يَجْرِي مِنْ الْإِنْسَانِ مَجْرَى الدَّمِ" -صحيح البخاري-.
ويمكن إدراج حكمة خلق الشيطان من النار أنّ فيها صفات العلوّ والاستكبار، كما يمكن أن تكون أيضا ابتلاء الشيطان وامتحانه، فقد توهم الشيطان أن النار أفضل من الطين فاغتر بمظهره ولم يمتثل لأمر الله سبحانه عندما أمره بالسجود لآدم وقال: "خَلَقْتَنِي مِنْ نَارٍ وَ خَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ" - ص: 76- وقد سأل أحدهم الإمام الشافعي: كيف يكون إبليس مخلوقا من النار، ويعذبه الله بالنار؟! ففكر الإمام الشافعي قليلاً، ثم أحضر قطعة من الطين الجاف، وقذف بها الرجل، فظهرت على وجهه علامات الألم والغضب. فقال له: هل أوجعتك؟ قال: نعم، أوجعتني فقال الشافعي: كيف تكون مخلوقا من الطين ويوجعك الطين؟! فلم يرد الرجل وفهم ما قصده الإمام الشافعي، وأدرك أن الشيطان كذلك: خلقه الله تعالى من نار، وسوف يعذبه بالنار.
وقد حاول العلماء إبراز الحكمة من خلق الشيطان في مجموعةٍ من الأمور، ويمكن إجمالها في ما يلي:
1. إظهار آثار أسماء الله وصفاته: فلو كان الجن والإنس على طَبيعة الملائكة، لم يَظهر لنا أثَر أسماء الله كالمغفرة والستر، ونحو ذلك من أسماء الله القهرية كالقهَّار والمنتقِم، والضار والنافع، والخافض والرَّافع، فإذا كان الله تعالى عفوّاً، فلا بدّ من وجود عبادٍ ليعفو عنهم، ولا بدّ للعباد أن يكون لهم ذنوب، ومن هنا خلق الله الشيطان سببا مؤديا لوقوع تلك الذنوب. ولو لم يخلق الله من يضادّه في حكمه، وهو مع ذلك يرزقه بأنواع الطيبات، ويعافيه، كما يكشف عنه السوء، ويجيب دعاءه لما ظهر لنا حلم الله وصبره وسعة رحمته.
2. إظهار كمال قدرة الله تعالى في خَلق المتضادَّات: فقد خَلق الله السماء والأرض، والليلَ والنهار، والداءَ والدواء، والجنَّةَ والنار، والحر والبرد، والطيب والخبيث، والخيرَ والشر، والملائكة والشياطين، كما أنّ في خلق الأضداد المتناقضة إظهارٌ لمحاسن الضد، فالجميل لا يظهر جماله إلا بوجود ضده ونقيضه. فلولا القبيح لَم تُعرف فضيلة الجميل، ولولا الفقر لم يعرف قَدر الغنى، ولولا الشر لم يُعرف الخير وفضله.
3. إظهار العبودية لله: فقد أراد الله تعالى بخلق إبليس أن يستكمل عبودية أصفيائه من خَلْقه، وتتجلى تلك العبودية في مجاهدتهم للشيطان، فلو أن الله لم يخلق إبليس لما ظهرت عبودية الجهاد في سبيل الله إذ سيكون كل الناس مؤمنين. ولما ظهرت عبودية الصبر على ترك الهوى، ولما ظهرت وعبودية الاستعاذة بالله تعالى، حيث إنّ الإنسان حين يخشى من عدوٍ ما يستعيذ بالله تعالى أن يعصمه من كيد ذلك العدو. ولولا وجود الشيطان لما ظهرت عبودية التوبة والاستغفار من الذنوب المكروهة التي سببها الشيطان.
4. زيادة خوف المؤمنين والملائكة من ذنبهم: وذلك حينما يدركون ما حلّ بإبليس من اللعنة، ففي ذلك عبرةً وآيةً لكلّ من خالف أوامر الله تعالى الأمر الذي دفعهم لعبادة الله عبادة أخرى، والخوف والخضوع له..
5. ابتلاء العباد: فقد خلق الله تعالى البشر من طينةٍ فيها السهل والحزن، والخبيث والطيّب، فكان لا بدّ من تمييز الخلق من خلال وجود سببٍ يظهر مادّتهم، وهكذا فقد سلّط الله الشيطان على عباده ابتلاءً وامتحانًا لصدق إيمانهم، وذلك أنَّ الشيطان مثله مثل ما خُلق في الدنيا من أنواع الملاذ التي يَمتحن الله بها عبادَه، قال تعالى: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الأمْوالِ وَالأولادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَـانُ إِلاَّ غُرُورًا" -الإسراء: 64-.
وهكذا يتبين لنا أن الشيطان هو شرّ محضاَ بالنسبة إلى ذاته، أمّا بالنسبة للحكمة التي أرادها الله عزّ وجلّ من وجوده فإنّه خيرٌ، فالله لا يخلق شرا محضا من كل وجه، ولهذا قال أعرف الخلق به : "والشر ليس إليك"- رواه مسلم-.
وعليه يجب على المسلم أن يدرك حقيقة عداوة الشيطان له، وأن يجعلها نصب عينه، ولما كان الإنسان من طبيعته أنّه ينسى، فقد ذكّرنا الله بها في كتابه بهده الحقيقة؛ قطعا للمعاذير وإقامة للحجة، فقال تعالى: "إِنَّ الشَّيْطَانَ لَكُمْ عَدُوٌّ فَاتَّخِذُوهُ عَدُوًّا إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِير" -فاطر:6- وهذه العداوة قديمة، فقد نشأت منذ أن خلق الله آدم ، كما قال تعالى: "يَا بَنِي آدَمَ لَا يَفْتِنَنَّكُمُ الشَّيْطَانُ كَمَا أَخْرَجَ أَبَوَيْكُمْ مِنَ الْجَنَّةِ" -الأعراف: 27- وقد توعّد الشيطان وأقسم بعزّة الله على إضلال بني آدم كما جاء في القرآن: "قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ، ثُمَّ لآتِيَنَّهُم مِّن بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ، وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَن شَمَآئِلِهِمْ، وَلاَ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ" –الأعراف: 16/17-
ولا بد للمسلم أن يعلم أن هناك قَرِينًا من الشيطان مُلازِمًا له، يتربّص به من يوم ولادته إلى وفاته، قال رسول الله : " مَا مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ إِلَّا وَقَدْ وُكِّلَ بِهِ قَرِينُهُ مِنَ الْجِنِّ وَقَرِينُهُ مِنَ الْمَلَائِكَةِ قَالُوا وَإِيَّاكَ يَا رَسُولَ اللَّهِ قَالَ وَإِيَّايَ وَلَكِنَّ اللَّهَ أَعَانَنِي عَلَيْهِ فَلَا يَأْمُرُنِي إِلَّا بِحَقٍّ" – صحيح مسلم- لكن المؤمن يقهر شيطانه بطاعة الله حتى يكون ضعيفا لا يستطيع أن يمنعه من الخير ولا يوقعه في الشر إلا ما شاء الله، والعاصي بمعاصيه يُعين شيطانه حتى يُقوِّى على تشجيعه على فعل المنكر، وإبعاده عن فعل الخيرات.
وقد ثبت أن رسول الله قال: "إِنَّ الشَّيطَانَ يَحضُرُ أَحَدَكُم عِندَ كُلِّ شَيْءٍ مِن شَأنِهِ" -صحيح مسلم- فقد يعترض للإنسان في المنام فيخيفه بالأحلام فيحزن بذلك، حتى قيل للحسن البصري : "أينامُ ابليس؟ فقال: لو نام لوجدنا راحة" - كتاب الزهد للإمام أحمد- .
هذا وأول ما يريد الشيطان من العبد هو: إيقاعه في الشرك والكفر، فلا يزال به حتى يناله منه، فإذا ظفر به فقد ظفر بكلِّ مراده واستراح من تعبه معه. لأن الشِّرك والكفر سببًا للخلود في النار، لأن الله يقول : "إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ" – النساء:48- فإن يئس منه من ذلك وكان ممن سبق له الإسلام في بطن أمه نقله إلى المرتبة الثانية من الشر وهي: توريطه في البدع، والبدع هي بريد الكفر وطريقه، وإذا كان الكفر سببًا لحبوط الأعمال فإنَّ البدعة سبب لعدم قبولها، قال رسول الله : "من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو ردّ" -متفق عليه- فالبدعة أحب إلى الشيطان من المعاصي، لأن ضررها متعد وقد لا يُتاب منها لأن المبتدع يرى نفسه على الطاعة، وهكذا يصير المبتدع نائبا للشيطان وداعيا من دعاته إلى البدعة ومخالفة الرسل.
فإن أعجزه ذلك وكان العبد ممن سبق له من الله موهبة السنة ومعاداة أهل البدع نقله إلى المرتبة الثالثة من الشر وهي: التحريض على الكبائر والفواحش، فهو أشد حرصا على أن يوقعه فيها، ولاسيما إن كان عالما متبوعا فهو حريص على ذلك لينفر الناس عنه. فإذا يأس الشيطان من أن يوقع المسلم في كبائر الذنوب، قعد له في طريق الصغائر وزينها حتى يُبديها له في منظر المباحات، حتى إذا اجتمعت عليه أهلكته؛ كما قال النبي : "إِيَّاكُمْ وَمُحَقَّرَاتِ الذُّنُوبِ فَإِنَّهُنَّ يَجْتَمِعْنَ عَلَى الرَّجُلِ حَتَّى يُهْلِكْنَهُ" – رواه أحمد-. فإذا وجد الشيطان من العبد قوَّةً وثباتًا على الحقِّ، انتقل به إلى المرتبة الخامسة من الشر وهي: إشغاله بالمباحات التي لا ثواب فيها ولا عقاب، بل عاقبتها فوت الثواب الذي ضاع عليه باشتغاله بها. فإن أعجزه العبد من هذه المرتبة وكان حافظا لوقته شحيحا به يعلم مقدار أنفاسه وانقطاعها وما يقابلها من النعيم والعذاب، نقله إلى المرتبة السادسة حيث يدخله من باب العبادة نفسها، فيقلب له حقائقها، ويشغله بمفضولها عن فاضلها، حتى يضيِّع عليه الثواب الحاصل منها، كأن يُزيِّن له قراءة القرآن وقت الصلاة المفروضة حتى تضيع عليه الجماعة . فإذا عجز الشيطان في إيقاع العبد في أحد هذه المراتب الست، سلط عليه حزبه من الإنس بأنواع الأذى، ولعلّ شياطين الإنس أشدُّ خطراً على الإنسان من شياطين الجن، وكما قال إبليس لعنة الله عليه: "كنت أعلم الناس الشر فصرت أتعلم منهم".
وأحرص ما يكون الشيطان على إغواء بني آدم وقت الموت؛ لأن الأعمال بخواتيمها، وقد جاء في الأثر أن الشيطان إذا علِم أن ابن آدم يُحتضَر قال: "دونكم هذا، فإنه إن فاتكم اليوم لم تلحقوه بعد اليوم". وفتنة الشيطان في تلك الساعة فتنة شديدة، وقد كان النبي يتعوذ منها في كل صلاة وقال: "إِذَا تَشَهَّدَ أَحَدُكُم فَليَستَعِذ بِاللَّهِ مِن أَربَعٍ : يَقُولُ: الَّلهُمَّ إِنِّي أَعُوذُ بِكَ مِن عَذَابِ جَهَنَّمَ، وَمِن عَذَابِ القَبرِ، وَمِن فِتنَةِ المَحيَا وَالمَمَاتِ، وَمِن شَرِّ فِتنَةِ المَسِيحِ الدَّجَّالِ" -رواه البخاري ومسلم- فقد يأتي الشيطان ليحول بينه وبين التوبة أو يؤيسه من رحمة الله، فيلقى الله وهو ساخط عليه. قال القرطبي : "إن العبد إذا كان عند الموت قعد عنده شيطانان، الواحد عن يمينه والآخر عن شماله، فالذي عن يمينه على صفة أبيه، يقول له: يا بني! إني كنت عليك شفيقاً ولك محباً، ولكن مت على دين النصارى فهو خير الأديان، والذي على شماله على صفة أمه، تقول له: يا بني! إنه كان بطني لك وعاء، وثديي لك سقاء، وفخذي لك وطاء، ولكن مت على دين اليهود وهو خير الأديان" - التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة 29-30- ولكن قال شيخ الإسلام ابن تيمية : "أما عرض الأديان على العبد وقت الموت فليس هو أمرا عاما لكل أحد، ولا هو أيضا منتفيا عن كل أحد، بل من الناس من تعرض عليه الأديان قبل موته، ومنهم من لا تعرض عليه، وقد وقع لأقوام، وهذا كله من فتنة المحيا والممات التي أمرنا أن نستعيذ منها في صلاتنا" -مجموع الفتاوى 4/255-.
وإن لم يستطع الشيطان أن يحرف المسلم عن دينه عند الموت ذكَّره بمعاصٍ كان يَأْلَفها؛ ولذا أُثِر عن بعض الذين كانوا يُصرون على المعاصي أنهم ينطقون بها عند موتهم، كما ذكر ابن القيم أن رجلًا ممن كان يتعاطى الربا، ذُكِّر بلا إله إلا الله عند موته، فرد الثلاثة عشر بأربعة عشر، منطق الربا الذي تعوَّده. وإذا عرف المسلم أنه على موعد مع كرب عظيم عند الاحتضار، استعد لذلك اليوم، فإذا رأى الله تعالى منه صدق النية، صرف عنه الغواية، فلا يظنن أحد السوء بالله تعالى، فهو عدل كريم، لا يخذل عبده المؤمن، والأغلب في سوء الخاتمة أنها لا تقع إلا لمن في طويته فساد أو ارتياب أو المصرّ على الكبائر.
وقبل أن نبين طرق إغواء الشيطان لبني آدم لا بد أن نبين أن الشّيطان لا يُلغي إرادة الإنسان، كما أشار الله تعالى إلى ذلك فقال: "وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الأَمْرُ إِنَّ اللهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مّن سُلْطَانٍ إِلاّ أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي فَلاَ تَلُومُونِي وَلُومُواْ أَنفُسَكُم مَّا أَنَاْ بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُمْ بِمُصْرِخِيَّ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيم" –إبراهيم: 22- قال الحسن البصري: "واللّه ما ضربهم بعصا ولا أكرههم على شيء، وما كان إلا غروراً وأماني، دعاهم إليها فأجابوه" – تفسير المراغي، سورة سبأ- . ومن هنا يخطأ الكثير في وضع الشَّيطان دائماً في قفص الاتّهام، حيث يحمّلونه كلّ تبعات ذنوبهم، ويظهرون نفسهم بريئين من كلّ ذنب.
ولكن إبليس خبير بنفسيات بني آدم، فقد عايَش الخليقة أُمة بعد أُمة، وهو يدخل على كل أحد بحسب ما يَعرِف عنه، مستغِلّا نقاط الضعف، أو في الحقيقة أمراض القلب: كالغضب والشهوة والعُجْب والحسد والعَجَلة والجهل والغفلة والكذب... يتدرّج معه بخطوات متتالية، ولا يستعجل النّتائج، ويستخدم الأسلوب المناسب في المكان المناسب، ومن أساليبه:
1. التزين والنلبيس: حيث يحاول الشيطان عمل خدعةٍ في عقل الإنسان من خلال إقناعه بأنّ الحرام هو في الواقع حلالٌ، فيُظهِر الباطلَ في صورة الحق، ويُظهِر الحقَّ في صورة الباطل، مستعملا في ذلك المقاييس الفاسدة، والمداخل المحببة إلى النفوس، قال تعالى: "لَقَدْ أَرْسَلْنَا إِلَى أُمَمٍ مّن قَبْلِكَ فَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أَعْمَالَهُمْ فَهُوَ وَلِيُّهُمُ الْيَوْمَ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ" -النحل:63- فقد يجرّ الإنسان إلى الغيبة بحجّة الأمر بالمعروف والنّهي عن المنكر. وقد يجره أن يحصل على قرضٍ ربويٍّ من البنك لشراء بيتٍ، ويقول الشيطان له بأنّ هذا القرض حلالٌ، لأنكّ لا تستغل الناس وإنّما كل ما تريده هو ستر زوجتك وأولادك وهكذا .
2. التدرج: فالشيطان لا يأمر الإنسان بالمعاصي بشكلٍ مباشرٍ، وإنّما يزينها للإنسان بشكلٍ تدريجيّ وغير مباشر، ولذلك حذرنا الله من إتباع خطواته، قال تعالى: "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا ادْخُلُوا فِي السِّلْمِ كَافَّةً وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ" -البقرة:208- وخطوات الشيطان كما قال العلماء هي كل معصية، فالمعاصي مثل السلسلة، إذا سحب الإنسان الحلقة الأولى، قالت الأخرى: أختي، أختي، وسحَبت مثلها. وهكذا فالشيطان يبدأ غوايته بخطرة، ثم فكرة، ثم هم، ثم عزم، ثم فعل، ثم عادة، ثم سلوك، ثم مجاهرة، والخاتمة يعلمها الله وحده. فالمعصية باب مغلق، إن تجرأت على فتحة مرة سيسهل عليك فتحة مرات ومرات، فاحرص ألا تفتحه، فإن أصعب الحرام أوله، ثم يسهل ثم يستساغ، ثم يؤلف، ثم يحلو، ثم يبحث هو عنه، ثم ينشره ثم يدعو إليه. فإذا أراد الشيطان من مسلم ترك الصلاة لا يأتيه ويقول له: اتركها مباشرة، فلو فعل ذلك فلن يجد أذناً صاغية له، وإنما يسلك معه أسلوب التدرج، فتجده يدخل على المؤمن المحافظ على صلاته في المسجد، فيصرفه ابتداءً عن السنن الرواتب؛ لأن السُّنن سِياج وحماية للفريضة؛ فإذا هدَمها صارت الفريضة بلا سياج، فلا يزال به حتى يَخترق هذه الفريضة، يتأخر عن تكبيرة الإحرام، يتأخر عن الوقت الفاضل، يتأخر عن كمال هذه الفريضة، عن شيءٍ من واجباتها، عن وقتها، فيصبح يتهاون فيها، ثم تتراكم عليه الصلوات، ويأتي الليل فيحاول الإتيان بها فيعجز عنها، فتصبح صلاته غرامة بليل كما يسميها البعض، وهكذا بعد أيام أو أشهر يملّ الإنسان ويضعف، ويترك الصلاة وهكذا.
3. النُصحَ: فالشيطان يدعو المرءَ إلى المعصية، ويزعم أنه ينصح له، كما أقسم لأبينا آدم أنه ناصِحٌ له، حيث أخبر تعالى: "وَقَاسَمَهُمَا إِنِّي لَكُمَا لَمِنَ النَّاصِحِينَ" -الأعراف: 21- فيجب مخالفته في ذلك، فإذا جاءك وأنت تصلي فقال لك أنت مُراءٍ، فزدها طولاً. ويحكى أنه كان هنالك شاب صالح يسير في الغابة فتعرضت له فتاة جميلة وأرادته لنفسها، لكنه ما إن رآها حتى غض بصره وانصرف مسرعا، وبينما هو يسير مسرعا وسوس له الشيطان قائلا: هلا رجعت إليها فقلت لها إني أخاف الله حتى تكون من السبعة الدين يظلهم الله يوم القيامة يوم لا ظل إلا ظله؟ فطاوعت نفس الشاب هده الفكرة الشيطانية فرجع ليقول لها إني أخاف الله، فما إن رآها المرة الثانية حتى لم يتمالك نفسه فوقع معها في الفاحشة. ورحم الله الحسن بن صالح حيث قال: "إن الشيطان ليفتحُ للعبدِ تسعة وتسعين باباً من أبواب الخير، يريد به بابا من الشر".
4. التثبيط: كتصعيب التوبة على الإنسان، حيث يقول له: إنّ التوبة تتطلب منك أن تكون مستقيماً والاستقامة أمرٌ شاقٌ، فهي تسبب سخرية الناس منك وتجعلك تفقد أصدقائك. وربما أراد الإنسان أن يتصدق بشيء قليل فيوسوس له: وماذا تفيدك هده الصدقة؟. عن ثابت البناني قال: "بلغنا أنّ إبليس ظهر ليحي بن زكريا عليهما الصلاة والسلام فرأى عليه معاليق من كل شيء، فقال يحي : يا إبليس! ما هذه المعاليق التي أرى عليك؟ قال: هذه الشهوات التي أصيد بهنّ ابن آدم. قال يحي : فهل لي فيهما من شيء؟ قال: ربما شبعت فثقلناك عن الصلاة وثقلناك عن الذكر، قال يحي : فهل غير ذلك؟ قال: لا والله! فقال يحيي : لله عليّ ألا أملأ بطني من طعام أبدا، فقال ابليس: ولله عليّ ألا أنصحَ مسلماً أبداً"- كتاب الزهد لأحمد ابن حنبل-
5. التحريش: وهو السعي بينهم بالخصومات وإفساد ذات البين، ولهذا نبهنا الله تعالى إلى هذا المدخل فقال: "وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُوا الَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ الشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلْإِنسَانِ عَدُوًّا مُّبِينًا " -الإسراء:53- وقد ثبت أن النبي قال: "إِنَّ الشَّيْطَانَ قَدْ أَيِسَ أَنْ يَعْبُدَهُ الْمُصَلُّونَ فِي جَزِيرَةِ الْعَرَبِ وَلَكِنْ فِي التَّحْرِيشِ بَيْنَهُمْ" –صحيح مسلم- ومن التحريش ما يكون بين الزوجين، قال رسول الله : إن إبليس يَعقِد عرشه على الماء - يعني: في البحر - مع أعوانه، فيسأل أحدهم: ماذا صنعت؟ قال: ما تركته حتى شرِب الخمر، قال: ما فعلت شيئًا، غدًا يتوب ويرجع، ويسأل الآخر، فيُخبره بغوايةٍ فعَلها مع بني آدم، فيقول: ما صنعت شيئًا، يريد أن يكون الإضلال أكبر من ذلك، حتى يقول أحدهم: ما تركته حتى فرَّقت بينه وبين زوجه، فيقول: أنت، أنت، ويَحتضنه ويُقرِّبه إليه" –صحيح مسلم-. وذلك لأن الطلاق يترتَّب عليه مفاسدَ عظيمة، كانحراف الأولاد وغير ذلك.
6. فتنة النساء والغناء: فشهوة الفرج من أكثر ما يغزو الشيطان بها الإنسان، وقد سئل النبي عن أكثر ما يدخل الناس النار؟ فقال: الفم والفرج -صحيح ابن حبان- وذلك فالشيطان يزين المرأة في نظر الرجل وإن كانت قبيحة، قال : "إن المرأة تقبل في صورة شيطان وتدبر في صورة شيطان، فإذا أبصر أحدكم امرأة فليأت أهله فإن ذلك يرد ما في نفسه" - صحيح مسلم- وقال أيضا: "لا يخلون رجل بامرأة فإن ثالثهما الشيطان" – رواه الترمذي - قال سعيد بن المسيب: "ما آيس إبليس من أحد إلا وأتاه من قبل النساء" -إحياء علوم الدين ص: 126-. ومن مكائد الشيطان الغناء: فالغناء مزمار الشيطان وهو يقسي القلب وينبت النفاق فيه، قال تعالى عن الشيطان: "وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا " -الإسراء:64- قال مجاهد: "هو الغناء والمزامير"- تلبيس إبليس ص: 232-
7. الوسوسة: وهي كلام يصل مفهومه إلى القلب دون سماع، قال ابن عباس : "الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، وإذا ذكر الله خنس" والشيطان لا يوسوس إلا لأهل الإيمان، أما الكافر فيدخل عليه من أي باب شاء دون أن يجد أي مقاومة، ولذلك لما قيل لابن عباس: إن اليهود تزعم أنها لا توسوس في صلاتها، فقال: وما يصنع الشيطان بالبيت الخراب؟ -ذكره ابن القيم في الوابل الصيب-. والوسوسة هي غاية كيد الشيطان، ولهذا قيل: "شيطان الجن إذا غُلِبَ وسوس، وشيطان الإنس إذا غُلِبَ كَذَبَ". ومن المهم معرفة الفرق بين وسوسة النفس ووسوسة الشيطان، فوسوسة الشيطان هي تزيين المعصية في نفس العبد حتى يقع فيها، فان تاب عنها انتقل به إلى معصية أخرى، وهكذا فالمهم عنده أن يعصي الإنسان ربه. أما وسوسة النفس فهي التي تحث صاحبها على معصية بعينها وتكرر طلبها. ثم إن وسوسة الشيطان عادة تزول بالاستعاذة بالله، أما وسوسة النفس فتحتاج إلى جانب الاستعاذة تقوية الصلة بين العبد وربه بفعل الطاعات وترك المنكرات.
8. الغضب والعجلة والنسيان: وذلك بإيقاع العبد في دائرة الغضب؛ فإذا تمكّن الغضب من الإنسان تمرد الشيطان على عقله، وأصبح من السهل أن يستدرجه لآثامٍ كثيرة، قال رسول الله : "إن الغضب من الشيطان، وإن الشيطان خلق من النار، وإنما تطفأ النار بالماء فإذا غضب أحدكم فليتوضأ" –رواه أبو داود وأحمد- وكذلك الشيطان حريص على إيقاع العبد في العجلة لما تؤدي إليه من أخطاء ومعاصي، قال رسول الله : "الأناة من الله والعجلة من الشيطان" -رواه الترمذي- وليس شيء أحب إلى الشيطان من نسيان ذكر الله، قال تعالى: "اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ فَأَنسَاهُمْ ذِكْرَ اللَّهِ" -المجادلة:19-.
9. التسويف والتهوين والتيئيس: حيث يستعمل الشيطان أسلوب التسويف مع الشخص الذي يراه ينوي التوبة، فيخاطبه قائلاً: توبتك أمرٌ لا بأس به ولكن لو تؤجل هذا الأمر قليلاً فأنت في أجمل مرحلةٍ في حياتك ألا وهي الشباب، أكمل دراستك، وتزوج حيث إنّ الزواج يُكمل الدين، كما أنّه يساعدك على التوبة، وبهذا الأسلوب يمنعه عن التوبة ويغرقه في المعاصي والبعد عن الله. وربما يهون الشيطان للإنسان المعاصي التي قام بها ويصورها له على أنها صغيرةٌ جداً مقارنةً بغيره من الناس، والتوبة إنّما للأشخاص الذين ارتكبوا المعاصي الكبيرة. وقد يقول له: أنت مسلم وغيرك كافر، فما أنت عليه من معصية لا تضرُّك. وأحيانا يأتيه الشيطان من باب أن الله قد غفر لقاتل مائة نفس أفلا يغفر لك أنت وأنت خير منه، فلا تقلق كثيرا بالمعصية، كما قد يأتي الشيطان للعاصي فيقنطه من رحمة الله ومغفرته عن طريق تعظيم ذنوبه، وتذكيره بصغيرها وكبيرها، وأنّ مغفرتها أمراً مستحيلاً لكثرتها وتعدّد أنواعها فيترك الإنسان التوبة.
10. الوعد والتمنية: فالشيطان يعد الناس بالمواعيد الكاذبة، ويُعلّقهم بالأماني المعسولة، تشجيعًا لهم ليوقعهم في المعاصي والضلال، فيخوف الأغنياء بالفقر، حيث يزين لهم المال والغنى بالأسباب القذرة والوسائل المحرمة، ويعد المُقامِر والمُرابِي والسارق وآخذ الرشوة بالربح السريع والكثير، ويعد الظالم بالعزّة والنصر، قال تعالى: "يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْ وَمَا يَعِدُهُمْ الشَّيْطَانُ إِلاَّ غُرُورًا" -النساء: 120-.
وبعد أن بانت عداوة الشيطان لنا يأتي السؤال المهم: كيف نواجه الشيطان ونتغلب عليه؟ فمن رحمة الله أن يسّر الله له سبل النجاة من غواية الشيطان، ولم يترك إبليس ينفّذ مشروعه بكلّ حريّة، فقد أعطى الإنسان عقلاً يُميّزُ به الخير من الشّرّ، وزوّده بتعاليم الأنبياء، أرشده إلى ما يعصمه من مكائده، فمن ذلك:
1. العلم: وذلك بمعرفة مداخل الشيطان ومخارجه، قال ابن الجوزي : "اعلم أن أول تلبيس إبليس على الناس صدهم عن العلم؛ لأن العلم نور فإذا أطفأ مصابيحهم خبَّطهم في الظلام كيف شاء" – تلبيس إبليس ج 1، ص: 289- وقال ابن عباس : "فقيه واحد أشد على إبليس من ألف عابد" - أخرجه ابن ماجه وفي إسناده روح بن جناح، وهو ضعيف- وقال أبو الدرداء : "من فقه العبد أن يعلم نزغات الشياطين من أين تأتيه". وهكذا فالشيطان قبل القيام بأي عمل صالح يحاول أن يقعدك عنه، ويمنعك منه، ويزهدك فيه، أو أن يصرفك إلى خير أقل منه، وأثناء العمل: يحاول أن يصرفه عن الإخلاص والصدق إلى الرياء والسمعة؛ ليحبط عمله ويضيع أجره. وبعد العمل: يحاول أن يوقعه في العجب والغرور بالنفس أو يطلق لسانه بالمن، فيبطل صدقته بالمن والأذى.
2. الإخلاص: فقد قال تعالى: "إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطَانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ إِنَّمَا سُلْطَانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ" - النحل: 99/ 100- وقد ذكر ابن الجوزي في كتاب المواعظ قصة طريفة في ذلك، فقد ذكر أن شجرة كانت تعبد من دون الله، فجاء إليها رجل ليقطعها غضباً لله، فلقيه إبليس في صورة إنسان، فقال: ما تريد؟ قال: أريد أن أقطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: إذا أنت لم تعبدها فما يضرك من عبدها؟ قال: لأقطعنها. فقال له الشيطان: لا تقطعها ولك ديناران كل يوم إذا أصبحت عند وسادتك. قال: فمن أين لي ذلك؟ قال: أنا لك. فرجع، فأصبح فوجد دينارين عند وسادته، ثمّ أصبح بعد ذلك، فلم يجد شيئاً. فقام غضباً ليقطعها، فتمثل له الشيطان في صورته، وقال: ما تريد؟ قال: أريد قطع هذه الشجرة التي تعبد من دون الله، قال: كذبت ما لك إلى ذلك من سبيل. فذهب ليقطعها، فضرب به الأرض، وخنقه حتى كاد يقتله، ثم قال: لئن لم تنته عن هذا الأمر لذبحتك، فقال العابد: خل عني وأخبرني كيف غلبتني؟ فقال إبليس: لما غضبت لله سخرني الله لك وهزمني أمامك. فلما جئت غضباً للدينارين للدنيا ولنفسك سُلِّطت عليك فصرعتك. قال: أتدري من أنا؟ أنا الشيطان.
3. الذكر: فالذكر كأذكار الصباح والمساء، وأذكار النوم والاستيقاظ... هو الحصن الحامي من الشيطان، وفي الحديث: "أن الله تعالى أمر يحيى عليه الصلاة والسلام أن يأمر بني إسرائيل بخمس خصال منها: وآمُركم أن تَذكُروا اللهَ؛ فإنَّ مَثلَ ذلك كمَثلِ رجلٍ خرَج العدوُّ في أثَرِه سِراعًا حتَّى إذا أتى على حِصنٍ حَصينٍ، فأحرَز نفسَه منهم، كذلك العبدُ لا يُحرِزُ نفسَه مِن الشَّيطانِ إلَّا بذِكْرِ اللهِ" -صحيح الترمذي للألباني-. قال أبو هريرة‏ :‏ "التقى شيطان المؤمن وشيطان الكافر فإذا شيطان الكافر دهين سمين كاس وشيطان المؤمن مهزول أشعث أغبر عار، فقال شيطان الكافر لشيطان المؤمن‏:‏ مالك مهزول؟ قال‏:‏ أنا مع رجل إذا أكل سمى الله فأظل جائعاً، وإذا شرب سمى الله فأظل عطشاناً، وإذا لبس سمى الله فأظل عريانا، وإذا ادهن سمى الله فأظل شعثاً، فقال‏:‏ لكني مع رجل لا يفعل شيئاً من ذلك فأنا أشاركه في طعامه وشرابه ولباسه‏" - ذكره العزالي في الإحياء والعراقي في المغني-.
4. الرقى الشرعية: وذلك بأن يرقي الإنسان نفسه عند نومه بالمعوِّذات وينفث بيديه، فيمسح بهما وجهه وما استطاع من جسده. وكذلك قراءة القرآن الكريم، خاصّةً ما ورد بشأنها في أنّها تصرف أذى الشيطان، مثل: أوائل سورة البقرة وأواخرها، وسورة الصمد، والمعوّذتين، وقد جاء في فضل آية الكرسي قول النبي : "إِذَا أَوَيْتَ إِلَى فِرَاشِكَ فَاقْرَأْ آيَةَ الْكُرْسِيِّ لَنْ يَزَالَ عَلَيْكَ مِنْ اللَّهِ حَافِظٌ، وَلَا يَقْرَبُكَ شَيْطَانٌ حَتَّى تُصْبِحَ"- رواه البخاري-
5. مدافعة الوساوس: وذلك بعدم الاسترسال معها، قال رسول الله : "يأتِي الشَطَانُ أَحَدَكُمْ فَيَقُولُ: مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ مَنْ خَلَقَ كَذَا ؟ حَتَّى يَقُولَ: مَنْ خَلَقَ رَبَّكَ ؟ فَإِذَا بَلَغَهُ فَلْيَسْتَعِذْ بِاللَّهِ وَلْيَنْتَهِ" -البخاري ومسلم- فأرشدنا إلى أمرين: الاستعادة بالله والانتهاء عن هذا الأمر. فإن الشيطان إن رأى من العبد قوة وثباتا على الحق اندفع عنه، ومتى رآه مستجيبا إلى الوساوس أورد عليه من ذلك ما يعجز عن دفعه إلى أن يسوقه إلى الهلكة. قال ابن القيم في كتاب: "دافع الخطرة، فإن لم تفعل صارت فكرة، فدافع الفكرة فإن لم تفعل صارت شهوة، فحاربها فإن لم تفعل صارت عزيمة وهمة، فإن لم تدافعها صارت فعلا، فإن لم تتداركه بضده صار عادة، فيصعب عليك الانتقال عنها" - الفوائد ص: 31- والشيء الذي يبعث في النفس الطمأنينة أننا لا نؤاخذ على وساوس النفس والشيطان ما لم نتكلم أو نعمل بها، فقد ثبت أن النبي قال: "إِنَّ اللَّهَ تَجَاوَزَ لأُمَّتِي مَا حَدَّثَتْ بِهِ أَنْفُسَهَا مَا لَمْ يَتَكَلَّمُوا أَوْ يَعْمَلُوا بِهِ" - متفق عليه-.
6. الاستعاذة والبسملة: ومعنى الاستعادة الاحتماء بالله من شرّه كما قال تعالى: "وَإِمَّا يَنزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَاِن نَزْغٌ فَاْستَعِذْ بِاللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ" -فصلت:36- وقد نبه الشرع على مزيد العناية بالاستعاذة في مواضع معينة أهمها: عند قراءة القرآن، الغضب، سماع نهيق الحمار، الجماع، الاختلاء، نزول المكان، وبعد تكبيرة الإحرام... وخير ما تعوّذ به المتعوذون سورتي الفق والناس لما ورد أن النبي قال: "ألم تر آيات أنزلت عليّ الليلة لم ير مثلهن قط: قل أعوذ برب الفلق وقل أعوذ برب الناس" -صحيح مسلم- والبسملة لها أثرٌ كبير في تصاغر الشيطان؛ لما فيها من التعلّق بالله، فقد جاء في الحديث: "لا تقُلْ تعِس الشَّيطانُ، فإنَّه إذا قلتَ: تعِس الشَّيطانُ تعاظم في نفسِه، وقال: صرعتُه بقوَّتي، وإذا قلتَ: بسمِ اللهِ، تصاغرتْ إليه نفسُه حتَّى يكونَ أصغرَ من ذبابٍ"-رواه المنذري في الترغيب والترهيب-
7. لزوم الجماعة: لأنّ الإنفراد من شأنه أن يبعث في النفس الوساوس، ولهذا قال عليه الصلاة السلام: "من أراد منكم بحبوحة الجنة فليلزم جماعة المسلمين فإن الشيطان مع الواحد وهو من الاثنين أبعد" -رواه الترمذي- فالشيطان لا طاقة له بالاستحواذ على جماعة المسلمين، ولذا حذّر النبيّ صلّى الله عليه وسلّم من التساهل في صلاة الجماعة؛ فقال: "مَا مِن ثَلاثَةٍ فِي قَرْيَةٍ وَلاَ بَدْوٍ لا تُقَامُ فِيهمُ الصَّلاةُ إِلاَّ قدِ اسْتَحْوَذَ عَلَيْهِمُ الشَّيْطَانُ، فَعَلَيكُمْ بِالجَمَاعَةِ، فَإِنَّمَا يأْكُلُ الذِّئْبُ مِنَ الغَنمِ القَاصِيَةَ- رواه أبو داود- .
8. عدم الخشية من الشيطان: فبالرغم ما له من الأساليب الكثيرة لإضلال الإنسان إلا أن كيدَه ضعيف، كما شهد بذلك الله تعالى فقال: "فَقَاتِلُوا أَوْلِيَاءَ الشَّيْطَانِ إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا" -النساء:76- قال أبو سليمان الداراني : "ما خلق الله خلقا أهون علي من إبليس، ولولا أني أُمرت أن أتعوذ منه ما تعوذت منه أبدا، ولو بدا لي ما لطمت إلا صفحة وجهه"-تاريخ دمشق: 34 /140-.
9. السجود: فقد ورد أن سجدة التلاوة مما تثبط عمل الشيطان وتغيظه، كما قال رسول الله : "إذا قرَأ ابنُ آدَمَ السَّجدةَ فسجَد اعتزَل الشَّيطانُ يبكي ويقولُ: يا ويلَه أُمِر ابنُ آدَمَ بالسُّجودِ فسجَد فله الجنَّةُ وأُمِرْتُ بالسُّجودِ فأبَيْتُ فلِيَ النَّارُ" - صحيح مسلم-.
10. الاستقامة ولزوم الاستغفار: فتقوى الله سبب قوي للتغلب على الشيطان، قال تعالى: "إِنَّ الذِينَ اتقوْاْ إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مّنَ الشيطان تَذَكَّرُواْ فَإِذَا هُم مُّبْصِرُونَ" -الأعراف: 201- قَالَ مجاهد في تفسير هذه الآية: "هُوَ الرَّجُلُ يَهُمُّ بِالذَّنْبِ فَيَذْكُرُ اللَّهَ فَيَدَعُهُ". قال شعيب بن الأعمش مبينا حال الشياطين مع متتبعي السنة النبوية: "حدثنا رجل كان يكلم الجن، فقالوا له: ليس علينا أشدُّ ممّن يتبّعُ السنة، وأما أصحاب الأهواء فانا نلعبُ بهم لعباً". ومما يقهر الشيطان: المداومة على الاستغفار، قال النبي : "قال الشيطان لرب العزة: وعزتك يا رب لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم فقال الرب: وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني" –رواه أحمد-
ختاما ورغم كل الإرشادات الربانية إلا أن إبليس يلعب دوره الذي تحدى به رب العزة بقوله: "قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا" – الإسراء: 62- وقد بلغت غواية الشيطان ذروتها خصوصا في هذا العصر، فها نحن اليوم نسمع ونشاهد ما يسمى بعبدة الشيطان، وهم جماعات يعبدون الشيطان ويتقربون إليه بكل معصية، ويدعون إلى الاستمتاع بكل ما حرمته الأديان، ويرون أن الشيطان يكافئ أتباعه بالسرور والسعادة. وقد وُجد لهذا الفكر منظمات ومعابد ككنيسة الشيطان في سان فرانسيسكو التي أسسها الكاهن اليهودي انطون شيلدز لافي سنه 1966. وهو مؤلف كتابهم المقدس الذي يدعى الإنجيل الأسود. ويشترط للانضمام للجماعة غسل اليدين بالدماء ووضع الوشم وإعلان الطاعة للشيطان. واغرب ما في طقوسهم: نبش قبور الموتى والعبث بالجثث، والرقص على أنغام الروك الصاخبة، وتمارس الجماعة إثر كل جلسة الجنس الجماعي، فالغرض الأساسي عند عبدة الشيطان هو إشباع الغريزة الـجنسية بغض النظر عن الوسيلة، ولو بإتيان البهائم أو فعل الفاحشة في جثث الموتى. ومن رموزهم: النجمة الخماسية التي يتوسطها رأس الكبش. والوشم على مختلف أجزاء الجسم بأشكال معينة كوشم نجمة على الرقبة وعلى الرأس 666 وهو كما يدعون رقم الشيطان. يرتدون أقراط وسلاسل ذات إشكال معينه وملابس عليها رسمة الجمجمة والعظمتان، ومن صاياهم أطلق العنان لأهوائك وانغمس في اللذة، واتبع الشيطان فهو لن يأمرك إلا بما يؤكد ذاتك، وصدق الله تعالى إذ يقول في كتابه: "ألَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يبَنِى ءادَمَ أَن لاَّ تَعْبُدُواْ الشَّيطَـانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُّبِينٌ، وَأَنِ اعْبُدُونِى هَـذَا صِراطٌ مُّسْتَقِيمٌ"- يس:60/61- وقال تعالى: "وَلَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ فَاتَّبَعُوهُ إِلَّا فَرِيقًا مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ" –سبأ: 20- قال الحسن البصري: "لما أهبط اللّه آدم عليه الصلاة والسلام من الجنة ومعه حواء، هبط إبليس فرحاً بما أصاب منهما، وقال: إذا أصبت من الأبوين ما أصبت فالذرية أضعف وأضعف، وكان ذلك ظنا من إبليس" - تفسير ابن كثير سبأ- فأسأل الله تعالى أن يعصمنا من الشيطان الرجيم وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه ومن اقتفى أثره إلى يوم الدين.