من أعلام شمال المغرب[1]
العالم المفسر عبد الوهاب بن محمد لوقش التطواني ثم الطنجي[2]
(ت: 1341هـ)

بقلم: الدكتور يونس السباح
الرابطة المحمدية للعلماء/طنجة


يعدّ البحث في تراجم الرجال واستقصاء أحوالهم، وكشف مسارات حياتهم من الأهمية بمكان، ذلك أنّه يدخل في الكتابة التاريخية، التي صنّف فيها العلماء، واستفرغوا فيها جهدهم، وسال بسببها مدادهم، فبفضل هذه الكتابات حفظت لنا أخبار أقوام مضى تاريخيهم، وانحمت آثارهم، فصاروا طيّ النسيان، وكثير ما هم.

ومن التراجم المحلية التي لم تُسلّط عليها الأضواء، ولم تُعط حقّها في البحث، أو بعبارة أخرى؛ ظُلمت ظلماً كبيراً بحيث لم يصلنا من أخبارها إلاّ النزر اليسير، ويتعلّق الأمر بالعالم الموسوعي، والمفسر الكبير، والصوفي الشهير، سليل أسرة العلم والمجد والرئاسة، سيدي عبد الوهاب بن محمد بن عبد الوهاب لوقش التطواني ثمّ الطنجي (ت: 1341هـ)، وهو العالم الذي وصلنا تفسيره الكبير (نصرة الإسلام في إخراج مقامات الدين من القرآن)، والذي بفضله استطعنا أن نصل إلى عمق شخصيته، وغزير علمه وفكره.
ولمّا لم يُكتب عن هذا العالم الكبير المتوفى بمدينتنا عروس الشمال (طنجة)، كتابة مستوفية لعناصر ترجمته، أحببنا أن نتحف قُرَّاء مجلة (الزّقاق) الطنجية الرائدة، بترجمة مفصلة عن سيرته ومسيرته، من خلال المباحث الآتية:
المبحث الأوّل: اسمه ونسبه وولادته.
هو الفقيه العلاّمة المفسّر، العدل الرّضى، الذاكر المذكّر، المقدّم الصّوفي، سيدي الحاج عبد الوهاب بن العلاّمة الفقيه المؤقت سيدي محمّد (ت1320هـ) بن العلامة الطبيب الميقاتي عبد الوهاب (ت1262هـ) بن القائد الشهير عبد الكريم (ت1220هـ) بن القائد محمد (ت1190هـ) ابن العلاّمة المفسّر، القائد البطل، الحاج عمر (ت1156هـ)[3] بن عبد السلام (؟) بن علي (؟) بن محمد (؟) لوقش[4]، الأموي المرواني القرشي، الأندلسي أصلاً، التّطواني مولداً وقراراً، الطّنجي هجرةً ووفاةً، المالكي مذهباً، الأشعريّ عقيدة، الدَّرقاوي طريقة.
المبحث الثاني: أسرته.
لا يوجد في عائلات تطوان من ينتسب لعائلة الملوك الأمويين غير عائلة آل لوقش، وأسرة أبرّي، حسب ما وصلنا، ومن أجل هذا كان يكتبها متَرجمنا العلامة المفسّر الكبير عبد الوهاب لوقش، من باب الافتخار والاعتزاز والتميّز.
وقد ذكر الفقيه المؤرّخ العلامة أحمد الرّهوني أنّ أصل سلفهم يدعى لوكَس، قال: (وهو اسم عائلة أندلسية من بقية ملوك بني أميّة، الذين كانوا بالأندلس، وسموا باسم حصن من حصونها، قدموا تطوان ونواحيها عام 1017هـ، الذي هو آخر أيّام خروج المهاجرين من الأندلس)[5].
وهذه الأسرة معروفة بالنّباهة والجاه، وقد تعاطى عدد من أفرادها خططاً متعدّدة؛ دينية، وسياسية، وقد كانت لهذه الأسرة السيادة في وقت ما، كما كان لها دور مهم في الحركة العلمية بتطوان، ابتداء من تاريخ بناء مدرسة لوقش، الفريدة في شمال المغرب، إضافة إلى شهرتها بالثراء والمجد والعلم.
وقد تحدّث العلامة الأديب المؤرّخ التهامي الوزّاني عن أسرة لوقش، وما لها من المجد، وما عُرفت به من النباهة، فقال: "وينبغي إذا عددنا أثر بني أمية في العالم الإسلامي أن نعدّ عملهم في تطّاون، فإنّهم الذين بنو مراكز التعليم بها. وكان الأمويون عمليين، يقصدون بمفاخرهم التّغلغل في الحياة العامة، ولعلّ الحاج محمد لوقش ما فكّر مطلقاً في أنّه سيُحدث في تطاون أخلد الآثار وأنبلها ليحسب هذا الأثر من مخلفات بني أمية. لكن الواقع هكذا فعل.

وما خدمت أسرة في الإسلام السيادة العربية والإسلامية بمثل ما خدمها به بنو أميّة. وما عرف قيمة أسرة لوقش مثل ما عرفها مولاي إسماعيل العظيم، فإنّه هو الذي اكتشف الفقيه عمر، كما اكتشف كثيراً من خيرة رجالات المغرب. فيحق القول بأنّ أسرة لوقش المجيدة بتطاون، إنّما نمت وترعرعت في أحضان الدولة العلوية الشريفة، فاستخدمتها حين كانت قوية، وتركتها حين كانت قوية. إلاّ أنّ سياسة مولاي إسماعيل ، نحو التطوانيين، كانت سياسة ثقة، أمّا السلطان مولاي محمد بن عبد الله، فإنّ سياسته معهم كانت سياسة حذر.

ولقد فتك مولاي إسماعيل بالنقسيس، فما تأثّر الشعب التطواني، لأنّ مدّة النقسيسين طالت، فاستطالوا فيها على الشعب التطواني، فلمّا فتك بهم مولاي إسماعيل، رأى التطوانيون أنّ الفتك ببني النقسيس كان رحمة بهم، بخلاف الأمر في آل لوقش، فإنّهم كانوا تطّاونيين جملة واحدة، وهذه شنشنة أعرفها من أخزم. فإنّ بني أمية تشأموا في الشام، وتأندلسوا في الأندلس، فاصبح الشاميون يسيرون أينما رأوا ظلّ بني أميّة، وكذلك فعلوا في الأندلس"[6].
وعائلة لُوقَشْ أو لُوكَسْ أو الوَقَّاشْ[7]، من العائلات الأندلسية الأصل كما سلف، والتي كان عددها بتطوان في أواخر القرن التاسع عشر 821 أسرة، أي حوالي نصف سكّان مدينة تطوان، وهي من الأسر التي يتطابق اسمها باللّغة العربية مع أسماء العائلات المسلمة التي ظلّت بالأندلس بعد الهجرة الأولى سنة 1018هـ، وأرغمت على كتابة أسمائها بالحروف اللاتينية؛ وعدد هذه الأسر التطّاونية هو: 376 أسرة[8].
وممنّ اشتهر من أفراد هذه العائلة بالعلم والسياسة:
1- الفقيه الأديب، الحافظ المحدّث الشهير، المحقّق المدرّس، الكاتب البارع، الفارس الشجاع، كلّ هذه الأوصاف وغيرها، اتّصف بها الحاج أبو حفص الحاج عمر لوقش وهو أشهر أفراد الأسرة وأعلمها، وبه اشتهرت[9]، (ت:1151هـ)، وله من الكتابات: تعقيب على تقييد في سورة الفاتحة لابن زكري الفاسي (ت1144هـ)[10].
2- ولدُه الفقيه الفارس المغوار، والبطل الشجاع، محمّد بن الحاج عمر لوقش المتقدّم. ولد بتطوان عام 1140هـ، وتربّى على الخيل والفروسية، وقرأ مع السلطان سيدي محمد بن عبد الله، وكان له معه رضاع، وقد كان من أهل الثراء والمجد، توفي في حدود عام 1190هـ، في الحرم المشيشي، وبه دفن[11]. ومن أهمّ أعماله: بناء جامع لوقش والمدرسة المتصلة بها، وقد بناهما بما توفّر لديه من مال غنائم سبتة[12]. وقد أجاد وأفاد في إيراد تاريخها وأهمّ محطّاتها، وكلّ ما يتعلّق بها، الأستاذ العلامة التهامي الوزاني في كتابه (مدرسة لوقش) وهو مطبوع.
3- ولده الفقيه الحاج عبد الكريم لوقش، وقد كان من الشجاعة والفضل بالمحلّ الأرفع، ولاّه السلطان سيدي محمد بن عبد الله عمالة تطوان، نحو ستّة أو سبعة أشهر. وتوفّي نحو عام 1220هـ، ودفن باب المقابر من تطوان[13].
4- ولده عبد الوهاب بن عبد الكريم لوقش، الفقيه العلاّمة الأديب، الطّبيب الماهر النطاسي، رقيق محبّة آل البيت النبوي. (ت: 1262هـ) وقد وصفه العلاّمة أحمد الرهوني بأنّه (كان يتعاطى أنواع العلوم، وخصوصاً علوم الطّبّ وأعمال الصيدلية، ويخدم كاتباً مع القائد محمد بن عبد الرحمن أشعاش في ديوانة تطوان، ثم سافر للحجّ، فقضى آخر حياته بأشرف البقاع بعد المدينة المنوّرة)[14].
5- محمد العربي بن علي لوقش، كان من الفقهاء العدول بتطوان، واستمرّ عدلاً من عام 1251هـ إلى عام 1272هـ، وكان إماماً بضريح سيدي السعيدي، وتوفي في طريقه للحج عام 1272هـ، قبل وصوله مكة[15].
6- ولده العلاّمة المشارك، الطّبيب النّطاسي، والعالم الميقاتي محمد بن عبد الوهاب لوقش. (والد المفسّر) ولد عام (1229هـ) مدينة تطوان، (ت: 1320هـ). وستأتي ترجمته ضمن شيوخه.
7- ولده الفقيه المفسّر الصّوفي، العلامة عبد الوهاب لوقش، وهو المقصود بالترجمة (ت:1341هـ) بطنجة.
هؤلاء من بين أشهر أفراد أسرة لوقش، التي كان لها في وقت ما، الفضل والشهرة، والثراء، والوجاهة. والإحاطة بجميع أفراد الأسرة والكلام عليهم فرداً فرداً يحتاج إلى جزء مستقل، وحسبنا من القلادة ما أحاط بالعنق.

المبحث الثالث: بيئته ونشأته.
عاش العلاّمة عبد الوهاب لوقش في وسط علمي، صوفي بامتياز، فقد كانت تطوان في وقته تعجّ بالزوايا، وشيوخ التّربية، كان من أبرزهم الشيخ الصّوفي السيد عبد السلام ابن ريسون الذي كان خاتم شيوخ التربية الصوفية في القرن الثالث عشر الهجري.
كما تعتبر أسرة لوقش العريقة في العلم والرئاسة، والمناصب السامية، أكبر معين له لينشّأ نشأة علمية صافية، ويتربّى في وسط امتزج فيه العلم بالتصوّف والجاه، ولكنّ طفولته وبراءته كانت شاهدة على حرب تطوان التي يسمّيها الإسبان (حرب إفريقيا)، فحضر على مأساة الحرب، وخروج أهل تطوان فارّين بدينهم وأبدانهم، في حالة ملؤها الذّلة والضعف والقهر من طرف الإسبان.
كما لا نغفل أنّ عصر المترجَم عرف كثيراً من الاضطرابات والفتن، التي لم يعرف لها التاريخ مثيلاً، والتي حكم فيها السلطان الحسن الأول وثلاثة من أبنائه، وهم: السلطان عبد العزيز، وأخوه عبد الحفيظ، وأخوهما يوسف. وكانت فترة حرجة جدّاً. المبحث الرابع: دراسته وشيوخه.
1- شيوخ الدّرس:
- (والده): العلاّمة المشارك، الطّبيب النِّطَاسِي، والعالم الميقاتي محمد بن عبد الوهاب لوقش (1320هـ)[16]:
وقد تحدّث الابن عن والده في التفسير، وروى عنه أخباراً[17] تتعلّق بأهل الله وخاصته، وأموراً أخرى لها علاقة بتاريخ تطوان، وهو في هذا كلّه يصفه بأوصاف أهل العلم المرموقين. ومن ذلك قوله: "حدّثني والدي الفقيه الثّقة، الأنبه الحازم الضابط، محمد بن عبد الوهاب لوقش، التطواني المغربي"[18]. ومن ذلك قوله الدال على بروره بوالديه: "فقد توفّى الوالد والوالدة رحمهما الله، وقد زادا على التّسعين، وهما في تمام العقل والدّيانة واليقظة التّامّة"[19].
- الفقيه العلاّمة المقرئ عبد السلام الدّهري (ت1322هـ)[20]:
هو الفقيه العلاّمة العدل، الأستاذ المقرئ المجوّد، الخطيب الميقاتي الموسيقي، سيدي عبد السلام بن عبد الرحمان الدّهري، التّطواني، كلّ هذه الأوصاف اتّصف بها لمكانته وعلمه.

وهذا الشيخ درس عليه العلامة عبد الوهاب لوقش علم القراءات، وهو عمدته فيها، لتفرّده بمعرفة هذا الفنّ في وقته، وقد صرّح بالأخذ عنه في تفسير قوله تعالى: (وكلبهم باسط ذراعيه بالوصيد)، حيث قال: "وراء ذراعيه مرقق لورش من أجل الكسرة قبله، وهو الذي في أكثر التّصانيف، وبه قرأ الدّاني على فارس والخاقاني، وأخذ جماعة فيه بالتّفخيم من أجل العين بعده، وبه قرأ الدّاني على أبي الحسن والأخذ عندنا بالأوّل، ومثله سراعاً، وذراعاً، وأقول: والأخذ عندنا عن شيخنا الأستاذ سيدي عبد السلام الدّهري بالثاني"[21].

وواضح إعجاب لوقش بشيخه في القراءات وترجيح قوله على القول الثاني، ثم إنّه حلاه بالشيخ الأستاذ مما يدل على ملازمته له، وأنه عنده من المحقّقين.
-
العلاّمة المحقّق محمد بن أحمد البقالي (1336هـ)[22]:
هو الفقيه العلامة النّفاعة القاضي الشريف، سيدي محمد بن أحمد البقالي، ينتسب للعائلة البقالية الشريفة المشهور.
وقد صرّح العلامة عبد الوهاب لوقش بأخذه عنه، وذلك في رسالة التعزية التي أوردها العلامة المرير في كتابه النّعيم المقيم، والتي ورد فيها: (فعظّم الله أجرنا وأجركم واحد، وسائر الشرفاء والسادات البقّاليين، وأهل المحبّة والصّدق في دين الله، في شيخنا شيخ الجماعة، وأخينا وأخيكم في ذات الله، العلاّمة الدرّاكة، المشارك المحصّل، الهيّن الليّن، سيدي محمد ابن الأستاذ البركة، سيدي أحمد البقالي، و على الأبد، وجزاه بمحمده، على الدّين وأهله، شهادة كاملة يكون بها مع سيّد الأولين والآخرين، وكبار أهل البيت والصحابة، وجميع المنعم عليهم من النبيئين والشهداء والصّالحين، آمين، ولا حرمنا أجره، ولا فتننا وإياكم بعده. وحيث لم يبق أحدٌ يعمل بعلمه ونصحه، فالله أولى به، والله يرزق أولاده وأهل الصّدق من أحباب الله، الصبر عليه وعلى من مضى من أمثاله، وإنّا لله وإنّا إليه راجعون، ولا حول ولا قوّة إلاّ بالله العليّ العظيم، فيا أسفى على الدّين وغربة أمثاله، لكن الملك لله وحده، والله يعلم وأنتم لا تعلمون)[23].

- الفقيه العدل، العلامة المفتي سيدي محمد النجّار (1322هـ)[24] (صهره):
هو الفقيه العلاّمة المفتي، العدل الرّضى، أبو عبد الله محمد بن أحمد النّجار التطواني، أحد أساطين العلم الأخيار في وقته، منعوت بحسن السيرة، وجمال السريرة، وقد وصفه العلاّمة الرهوني بقوله: (شيخنا الفقيه العلاّمة المحقق، المحصّل الدرّاكة الفهامة، الورع الزاهد، النّاسك العابد، الصّارف لعمره فيما يعنيه، الطيّب الأصل والنّجار، أبو عبد الله سيدي الحاج محمد النّجّار)[25].
- العلاّمة القاضي محمد التهامي أفيلال (1339هـ)[26].
هو الفقيه العلامة، العدل القاضي محمّد التهامي أفيلال، ينتمي لأسرة أفيلال المعروفة بالمجد والعلم، والتخطيط في الوظائف العالية من قضاء زغيره، وهم من الشرفاء العلميين، العبدالسلاميين[27]. وصفه العلاّمة المؤرّخ أحمد الرّهوني بقوله: (متّيطي أوانه، وابن عتّاب زمانه، بل سحنون مصره، وشمس عصره)[28].
وهذا العالم لا يبعد عندي أن يكون شيخاً لعبد الوهاب لوقش، وقد حدّثني حفيد المفسّر (عبد الوهاب) أن لوقشاً كان مقرّباً عنده، يستشيره في كثير من الأمور، وكان لا ينصّب أحداً في منصب إلا بعد استشارته وتزكيته له، وقد نصّ على هذه العلاقة العلامة المؤرّخ محمد داود في مذكّراته (على رأس الأربعين)، وذلك في ترجمة الفقيه سيدي محمد بن عبد النبي بناني، حيث قال ما نصّه: (وكانت للفقيه –يعني بناني- معرفة سابقة بالفقيه الشيخ الحاج عبد الوهاب لوقش، فتوسّط له لدى القاضي سيدي التهامي أفيلال، فسمح له هذا بتعاطي حرفة العدالة)[29].
وهذا مؤشر واضح أيضاً على قربه منه، ووثيق الصلة به، فلا يستبعد عندي أن يكون أخذ عنه، ما دام أنه درّس بالزاوية الريسونة، وهي الزاوية التي دفن والد لوقش، والتي جلس بها وتبرك بها من الشيخ عبد السلام ابن ريسون كما سيأتي.
2- شيوخ الإجازة:
لا نعلم تحديداً تاريخ رحلة العلامة المفسّر عبد الوهّاب لوقش إلى فاس، ولكن تأكّد لي أنّه طلب العلم بها، وشرب ماءها، وأطال بها المقام، ومهما يكن من الأجواء الغامضة عن رفقائه في الطلب، وكم بقي بفاس، إلاّ أنني أتوقّع أن يكون ذهب في حدود 1290هـ، وله من العمر 21 سنة، وهو السنّ الذي يسمح في العادة لأخذ العلوم بعد الدراسة الأولى واستيفائها، ولا يبعد أن يكون سافر مع مجموعة من طلبة تطوان، وفيها ابن عمّه الفقيه العدل عبد الله لوقش، وأحمد الزواقي، ومحمد الموذن، ومحمد بن محمد الصفار، ومحمد بن أحمد العمراني[30]. إذ كلّ هؤلاء في سنّ متقاربة، وإن لم يذهب معهم، فقد عاشرهم، والتقى بهم، وأخذ معهم العلم.
وممّا يدلّ عندي على سفره لفاس ثلاثة أمور:

الأول: ما حكاه العلامة محمد داود في مذكراته على رأس الأربعين، ومما قاله: "...وقد أوصانا كثيراً، وبمناسبة سفرنا لفاس نهانا عن شرب ماء واديها قائلاً: إنّه يورث الحصا، فإن كان لابدّ، فلنشرب أيضاً من ماء عيونها، لأنّه يفتّت ذلك الحصا"[31].
وهذا يدلّ على معرفة لوقش بفاس وجلوسه بها، واطلاعه على أحوالها، والحكم على مياهها لا يتأتّى إلاّ لمن طال مقامه بها.
الثاني: كلام عبد الوهاب لوقش نفسه عن تجّار فاس في تفسيره[32]، ويفهم منه معاينة طريقة تعاملهم في البيع والشراء، وما إلى ذلك.
الثالث: تصريحه بالشيخ محمد بن المدني كنون، وتحليته له بشيخنا، فيه إشارة قاطعة على التلمذة عليه بجامع القرويين بفاس، وقد صرّح بهذا في تفسيره[33]، ولا يستبعد أن يكون أجازه كباقي الطلبة الوافدين من تطوان ممّن أجازهم.
- الفقيه العلامة شيخ الإسلام محمد بن المدني كنون (ت1302هـ)[34].
وقد ذكر الأستاذ المؤرّخ محمد داود أنّه من جملة من كان يزور العلامة السيّد عبد السلام بن علي ابن ريسون[35].
وليس بعيداً أن يكون العلامة عبد الوهاب لوقش التقى به بتطوان بعد دراسته، فقد كان لوقش أيضاً من المترددين على العلامة الشريف عبد السلام ابن ريسون كما سيأتي.
ولا شكّ أن العلامة عبد الوهاب لوقش تلقّى على غير الفقيه العلامة محمد بن المدني كنون، ممن انتصبوا للإقراء في جامع القرويين من هذه الطّبقة، مثل: العلامة التهامي بن المدني كنون (ت:1331هـ). والعلامة عبد السلام بن المهدي بن سودة (ت:1304هـ) والعلامة علي بن سليمان الدّمناتي (ت:1306هـ) والعلامة أحمد بن محمد بناني كلاّ (ت:1306هـ) والعلامة الطيب بن كيران (ت: 1314تهـ). وعبد الملك العلوي الضرير (ت: 1318هـ). وعبد الهادي الصقلّي (ت:1311هـ). ومحمد بن التهامي الوزّاني (ت: 1311هـ). وسيديمَحمد بن قاسم القادري (ت:1331هـ).
وهؤلاء الفطاحل من العلماء، كلّهم درّسوا بالقرويين في فترة واحدة، والاحتمال قوي أنّه جلس إليهم، وتشبّع من علومهم، وتزوّد بما يكفي من المعرفة، للعودة إلى بلدته تطوان، ولا يستبعد أن يكونوا أجازوه، وهو أمر جرى به العمل بالنسبة لطلبة العلم مع شيوخ القرويين.

3- شيوخ التبرّك:
- الفقيه الصوفي السيّد عبد السلام بن علي ابن ريسون (ت1299هـ)[36]. وقد كانت له مجالس علمية خاصة، يحضرها علماء وأعيان البلد، وكانوا من حين لأخر يقرؤون مختلف كتب التفسير والحديث والسير، وخصوصاً السيرة النبوية التي كان يعطيها وقتا أكبر. هذا إلى ولعه بالموسيقى التي كان يتذوّقها ويتقنها إتقانا، وقد ورث هذا الولع من والده الشيخ علي، وأخيه الشيخ المكّي.
وأمّا العلامة المفسّر عبد الوهاب لوقش فكان أحد من جالسه وأخذ عنه، وانتسب إليه، خصوصاٌ إذا علمنا أنّ والده الفقيه المؤقّت العلامة محمد بن عبد الوهاب لوقش كان صديقاً مقرّباً له، وقد ذكره الأستاذ داود في ترجمته، ثمّ إنّ بين أسرة لوقش وأسرة ابن ريسون مصاهرة، ذلك أنّ زوج الشيخ ابن ريسون إحدى بنات القائد محمّد لوقش.كما أنّ صهر المفسّر عبد الوهاب، العلاّمة الفقيه النجّار الكبير المتقدّم كان أحد رواد زاويته، وجلسائه، والآخذين عنه، وقد دفن في تلك الزاوية.
وممّا يدلّ على أخذه عنه، والجلوس بين يديه، قوله في تفسيره، عند قول الشاعر:
ما مضى فات والمؤمّل غيب

ولك الساعة التي أنت فيها

"قال ولي الله، الشريف الصالح، سيدي عبد السلام بن علي ابن ريسون، الحسني العلمي، التطواني المغربي لنا، هذا البيت حكمة جعلها الله تجري على النّاس كالوادي، .."[37].
-
الفقيه الصّوفي المعمّر، الحاج عبد القادر بن أحمد ابن عجيبة (ت1313هـ)[38]. هو الشيخ الصّوفي المعمّر، عبد القادر بن أحمد بن عجيبة، وصفه العلاّمة الرهوني بقوله: "الشيخ الكامل، الموصل الواصل، قطب الوجود، ومعدن الكرم والجود، شيخ الطّريقة في عصره، وإمام أهل الحقيقة في مصره، مربّي المريدين، ومنار السّالكين، وأنس الواصلين، الولي الكبير، والغوث الشهير، أبو المواهب، سيّدنا ومولانا الحاج عبد القادر، ابن العارف سيّدي أحمد بن محمد ابن عجيبة، وأرضاه"[39].
وأما الشيخ عبد القادر ابن عجيبة، فقد درّس التفسير مراراً بتفسير جدّه البحر المديد، وكان تلميذه لوقش من الحريصين على الاستماع لدروسه، وكان السّارد له دائماً، وقد مدح تفسير البحر المديد بقصيدة أثبتت في آخر النّسخة الخطية، ولشدّة حرصه على ما يقول شيخه في التفسير كان يدوّن كلامه، فيأتي بكلامه بالحرف في تفسيره، وربّما كانت له نسخة من البحر المديد يدون عليها ما يمليه شيخه من إشارات.
ويعدّ وتفسير عبد الوهاب لوقش المصدر الوحيد الذي حفظ لنا أقوال الحاج عبد القادر بن عجيبة، ثمّ إنّ الشيخ لوقش لم يأخذ عن شيخه ابن عجيبة التفسير فقط، بل ربّما أخذ عنه كتباً أخرى، وقد كانت عادة الشيخ بن عجيبة أن يسرد الكتب دائما في سياحته وفي مقامه، فهذا العلامة مفضل أزيات تلميذه، وصاحب لوقش يكتب ختماً في الشيخ خليل بمناسبة ختمه، وهو صنو لوقش ورفيق دربه، وممّا يذكر في هذا الصّدد أنّه –أي الحاج عبد القادر بن عجيبة- ختم تفسير والده البحر المديد، فأنشأ تلميذه الشاعر مفضل أزيات قصيدة في تلك المناسبة، والتي مطلعها:
طيف الأحبّة موقظ الأنفاس

يملي على الأرواح والإحساس

- العلاّمة أحمد بن زيني دحلان الحسني (ت1304هـ)[40].
العلاّمة أحمد بن زيني دحلان: فقيه مكي مؤرخ. ولد بمكة وتولى فيها الإفتاء والتدريس. وفي أيامه أنشئت أول مطبعة بمكة فطبع فيها بعض كتبه. ومات في المدينة سنة 1304هـ.
والشيخ أحمد بن زيني دحلان من شيوخ العلامة عبد الوهاب لوقش المتبرّك بهم، ولا يبعد أن يكون أجازه، ولا ندري بالضبط متى اتصل به، وماذا أخذ عنه، ولكنه لقيه في أحد مواسم الحج، وأخذ عنه كغيره من الزائرين تلك البقاع، وقد ذكره في تفسيره ونعته بـ (شيخنا العلاّمة المبارك)، ومدح كتابه: (أسنى المطالب، في نجاة أبي طالب)[41] وهو مطبوع[42]، ونجاة أبي طالب من المسائل التي تكلّم فيها العلماء، وتضاربت فيها أقوالهم.
المبحث الخامس: حجّه.
من الملاحظ أنّ معظم أفراد عائلة لوقش يوصفون بالحاجّ، وجلّ من ترجمَ لهم حلاّهم بهذه الصّفة، وذلك راجع لكثرة حجّهم نظراً لمستواهم المادي المرموق، فأسرة لوقش معروفة بالغنى والجاه والسلطة، فالحجّ بالنسبة إليهم على هذا التقدير أيسر من الميسور. ومترجَمنا العلامة عبد الوهاب لوقش أحد من يوصف بالحاج، وصفه بها غيره، ووصف هو نفسه بها. إذ كان يكتب اسمه مقرونا بالحاج في جلّ توقيعاته.
وفي تفسره إشارة إلى سفره بالبابور، وهي في نظري إشارة قوية إلى رحلته البحرية للحجّ عبر الخط الذي كان يتّبعه المغاربة آنذاك، ولم يخرج من بلده لغير الحج، ولم يتيسر له الذهاب لتركيا، رغم كثرة دعائه وتمنيه ذلك. وهذا نصّه: ("أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج....يراها". وقد صادفها كاتبه مرّة في بابور بعد الفجر إلى قرب الطّلوع أو بعده، وافتُتن أهل المركب خوفاً من الاصطدام فتنة عظيمة، وصار كلّ من تمكنه المراقبة، كلّه ينظر ويراقب. فما شعرنا إلاّ وبابور آخر مثلنا، مارّ بقربنا وما شعر بنا وشعرنا به. وعصمه الله، وعصمنا منه)[43].
كما يوجد في تفسيره لسورة الفاتحة المستقلّ كلاماً ضمّنه حكم التخلّف عن الحجّ، مع تيسير الحج بالبواخر المهيئة، التي تسهل مأمورية الحج، فلا يبقى معها عذر للمستطيع. يقول : (ومن كبائر قسم المغضوب عليهم، ترك الحج لمن استطاع، لأنّه ركن من أركان الدّين، كالصّيام والزكاة والصلاة، ولا حجّة لمن يرخص في التخلّف عنه بسبب ركوب بابورات الكفّار عند الله، لأنّه زاد سهولة وقرباً، وأمناً، لم يبق مع بابورات هذا الزمن خطر كما كان مع مراكب القلاع)[44]. قلت: وهذا كلام مجرّب، يقطع الشكّ باليقين على ذهابه للحج.
وأمّا عن تاريخ حجّه فلا نعلمه بالضبط، ولكن هناك قرينة أخرى قويّة، تجعلنا نقطع بأنّه حجّ، وهو لقاؤه بالعلماء هناك، وممّن اجتمع به شيخ مكّة في وقته ومفتيها، أحمد زيني دحلان (ت1304هـ)، فقد صرّح في تفسيره بأنه شيخه كما مرّ في مبحث شيوخه. وقد كان الشيخ دحلان من كبار شيوخ عصره، إذ هو مفتي مكة الرسمي. وكان مقصوداً من طرف العلماء، لاسيما الحجاج منهم، فتكون مناسبة للالتقاء به وبغيره من العلماء والمدرّسين.
ويحتمل أيضاً أنّه حج في هذه الأثناء أو قبلها أو حج حجة أخرى بعد وفاة شيخه أحمد زيني دحلان، أي بعد عام 1304هـ، مع شيخه المربي الصوفي عبد القادر بن عجيبة، الذي عرف عنه كثرة سفره، حتّى لقّب بالحجّوجي لكثرة حجّه.
وأمّا انبهاره بالسكّة الحديدة التي أنشأها العثمانيون سنة 1901م، فالغالب أنّه تابع الأخبار عنها في الصّحف، وقد كانت السكة الحديدة أو (بابور البرّ) كما كان يسمّى، حدثاً عظيماً، ومفخرة يتباهى بها، وكان لذاك صدى واسع الانتشار، وساهم بالاشتراك فيها، معظم السلاطين، والخلفاء وأهل الحلّ والعقد، فهي إذن معجزة الفترة. فلا عجب أن يكثر من ذكرها لوقش وينبهر بها غاية الانبهار.

المبحث السادس: تصوّفه.
لابُدّ للمتصوّف من شيخ كامل يأخذ عنه، ويلقّنه الورد، ويهديه إلى طريق النجاة، ويبصّره بعيوبه، بشرط أن يكون سنده متّصلاً بالنبي صلى الله عليه وسلّم, كما قال ابن عاشر :
يصحب شيخاً عارف المسالك

يقيه في طريقه المهالك

وبحكم الوسط الديني المعاش بتطوان، والذي كان يعجّ بالطرق والزوايا، فإنّ العلامة المفسّر عبد الوهاب لوقش كان في بداية أمره منتسباً للزاوية الريسونية، وقد تقدّم في مبحث شيوخه أنّه جالس الشيخ الصوفي السيد عبد السلام بن علي ابن ريسون (ت: 1299هـ) وصرّح به، وكان هذا في أيام شباب المؤلّف، وهذا الانتماء للزواية الريسونية تابع لما كانت عليه عائلة لوقش من المصاهرة للشيخ ابن ريسون، كما أنّ جدّه الفقيه عبد الوهاب كان صديق السيد عبد السلام ابن ريسون، وكذا والده، و كذا صهره الفقيه النجّار الكبير الذي كان من جلسائه، ولمّا توفّي دفن في الزاوية الريسونية.
وهناك قرينة أخرى قويّة تشير لارتباطه بالزاوية الريسونية، وهي ورود تصلية الشيخ ابن ريسون في كناشه، ومنه نقلها الفقيه الرهوني في ترجمة الشيخ عبد السلام ابن ريسون[45]. فلا يخفى إذن هذا الترابط القوي بحكم البيئة والمصاهرة والمجاورة، وعائلة لوقش وابن ريسون كلاما من العائلات العريقة بتطوان.
وبعد وفاة شيخه العلامة عبد السلام ابن ريسون انتسب للطريقة الدرقاوية الشاذلية، ولزم شيخها بتطوان آنذاك، الفقيه الحاج عبد القادر ابن عجيبة (ت: 1313هـ)، فأخلص له، وبقي معه مدّة طويلة في زاويته، إلى أن أذن له بالتقدم على الفقراء، فصار مقدّماً للزواية الدرقاوية العجيبية إلى وفاة شيخه المذكور.
وقد أكثر لوقش من ذكر شيخه ابن عجيبة في تفسيره، وسجّل عنه كرامات، ومواقف، وأقوالاً، ينقلها بالحرف، ممّا يدل على أنه كان يكتب من فيه غالب ما يسمعه منه، كما كان يلازمه في سياحاته...
ولتوغّل لوقش في الطريقة الدرقاوية الشاذلية، وإخلاصه لشيخها ألّف فيه وفيها كتابه (الفتوحات العجيبة، في الدخول تحت ابن عجيبة)، وكان يمهر توقيعه بالدرقاوي عقب اسمه دائماً، وأمّا شيخه عبد القادر بن عجيبة، فقد حلاّه في تفسيره بالقطب والغوث والفرد والعلامة...لشدّة إعجابه به، كما رآه في المنام مراراً، وحكى عنه أشياء في هذا المضمار[46].

كما صرّح في تفسيره بالوِرد الذي أخذه عن شيخه، وإذنه فيه قائلاً: "ولذلك شيوخ العارفين الكبار، المتصلة سلسلة إذنهم ووردهم، بمولانا رسول الله ، لا يحضّون على ذكر شيء بعد الورد، ما يحضّون على الدوام على ذكر الاسم المفرد. ولذلك لمّا لقّننا شيخنا المذكور الورد الذي أخذه سيّدنا علي، كرّم الله وجهه ورضي عنه، عن مولانا رسول الله، صلى الله عليه وسلّم، وهو مائة من: (أستغفر الله)، ومائة من : (اللهم صل على سيّدنا محمد عبدك ورسولك النبي الأمي، وعلى آله وصحبه وسلّم تسليماً، مرّة واحدة عند تمام المائة، ومائة من: لا إله إلا الله، وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد، وهو على كل شيء قدير".
قال لي: اذكر بعد الورد، صباحاً ومساءً: الله. الله. الله، مئتين، وإن زدت، زادك الله. وقال بعد ذلك: إذا قمت من نومك، فقل شيئاً من الاستغفار، ثم اشرع في: الله. الله. الله، الخ). لأنّه ما ربح ما ربح من كبار العارفين، ، إلاّ بالدّوام عليه لساناً، وقلباً، وروحاً، وسرّاً، وجهراً. وسراً؛ لأنّ صاحبه لا يخرج من حضرة الله. قال شيخنا أيضاً، : والله ما ربحنا إلاّ منه. وكان يقول: من أراد الفرق في عين بحر الوحدة، فعليه بـ: الله. الله. الله. وقال : من يريد الفرق في الحضرة الكبرى، فعليه بـ: الله. وكان يقول : هو المدفع الكبير. وقال لي مرّة: إذا قلت: الله، هرب منك الشيطان، إلى أبي صفيحة، وهو وادي على نحو ساعتين من بلدي تطوان المغربية. وقال شيخ شيخه، الغوث مولاي العربي الدّرقاوي : ثمّ لقّنني شيخي الاسم الأعظم، وهو الله، من غير عدد. وقال لي: هو عندنا أيضاً من طريق أهل الباطن، السادة: أولاد بن عبد الله.
وقد عقدت للاسم المفرد باباً من كتابي: "الفتوحات العجيبة، في الدّخول تحت ابن عجيبة")[47].
وذكر في موضع آخر سنده في الطريق عن شيخه الحاج عبد القادر ابن عجيبة، "الشريف الحجوجي، عن شيخه القطب الكبير، الشريف سيدي الحاج أحمد ابن عبد المومن الغماري المغربي، عن الغوث مولاي العربي الدّرقاوي، عن باقي شيوخهم، . المتّصلة سلسلة إذنهم إلى الخليفة الرابع، باب مدينة العلم، مولانا علي ، عن مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلّم. وعلى آله واصحابه، وجميع أنواره"[48].

وبعد وفاة شيخه الرّوحي ابن عجيبة عام 1313هـ، تولّى مشيخة الطريق، وصار له أتباع ومريدون، واستمرّ على نهج شيخه في التربية والسلوك. ولكن لقي من المضايقات والتعب الشيء الكثير، فقد جابهه بعضهم بالمكروه، وأنكر عليه قوم آخرون، وكان لهم منه مواقف، منها ما أدّى إلى ردّ الفقيه المؤرّخ أحمد الرهوني عليه بكتاب (إعلام الأنام، بحقوق آل البيت الكرام)، وتمّ تقريظه من طرف عالمين مشهورين، هما الفقيه أحمد الزواقي، والفقيه الغماري العمراني، ممّا يدلّ على موقفهم منه، ورفضهم لما يقوم به وما يدعو إليه، وكذلك المقال المنشور بجريدة لسان المغرب بعنوان: (شيخ الطريقة عبد الوهاب الوقاش وأتباعه)، وفيه وصف له، وتتبع لحركاته، ونشاطاته...وقد بقي شيخ الطّريق إلى أن هاجر بسبب دخول الأجنبي مدينة تطوان، واستقرّ بطنجة.
ولا ينبغي أن نغفل في هذا السيّاق أنّ العلامة عبد الوهاب لوقش صوفي بالطّبع، وأن كلّ من ذكره قرنه بالصّوفي، بل الفقيه داود، ذكر أنّه أكبّ على كتب التصوّف دراسة ومطالعة. ثمّ إنّ تأثره بالتصوّف ولا سيما المغربي منه، جعله يترسم خطا العلامة والد شيخه في تفسيره البحر المديد، فألّف تفسيره بذاك النّفَس، بل وأفرد تفسير الفاتحة بجزء، بنفَس شيخه في تفاسيره للفاتحة: الصغير، والمتوسط، والكبير. كما ألّف أيضاً شرحاً على العينية الجيلانية، وكلّ هذا كتبه بتطوان عدا تفسيره الكبير، فإنّه كتبه في طنجة.
المبحث السابع: خصومته مع أهل عصره.
تبرّم الفقيه العلاّمة المفسّر من علاقة كثير من المنافسين له من أهل الطّرق الصوفية، مريدين وغيرهم، وانعكس هذا على شخصيته، وصار كلّما سنحت له الفرصة يعرّض بأعدائه ومنافسيه، وأوّل اصطدام له بهم، كان في حياة شيخه، وتولّى وظيف مقدّم الطريق، وعارضه باقي الفقراء، ويحكي الفقيه العلامة المؤرّخ التهامي الوزاني ، عن هذه القصّة فيقول: (...قال سيدي إدريس –يعني إدريس الحراق- وكنّا قليلي العدد حينما أخذت عن الشيخ ابن عجيبة، فلم يكن يحضر بداره إلاّ جماعة قليلة من النّاس، ثمّ طفقوا يأخذون عن الشيخ زرافات ووحداناً، فاقترح بعضهم أن يجعل الشيخ مقدّماً للفقراء يقوم بالنقابة عليهم، فلمّا ذكروا ذلك للشيخ في مساء أحد الأيّام، قال لهم: إذا كانت لكم رغبة في المقدّم، فإنّ المقدّم هو سيدي إدريس الحرّاق، فسكت الفقراء إلى أن صلّوا المغرب، وذكروا أذكارهم مع الشيخ، ثمّ خرجوا، وأخذ بعضهم ينتظر البعض، فاجتمعوا في درب مظلم يتبادلون الرأي فيما قاله الشيخ من إسناد وظيف مقدّم الفقراء إلى سيدي إدريس، وأخيراً قرّ رأيهم على أن يراجعوا الشيخ في ذلك، حيث إن سيدي إدريس لا يزال صغير السنّ، وتحامل بعضهم على سيّدي إدريس، إلى أن قال:إنّ الديك لا يتقدّم على النسور، ثمّ طفقوا يرشحون للنقابة من يرونه صالحاً، فاختاروا العدل الفقيه سيدي عبد الوهاب لوقش، وقرؤوا على ذلك الفاتحة، وهم بموقفهم بالدّرب المظلم، فلذلك كان سيدي محمد الشرتي–مجذوب من أصحاب ابن عجيبة وصهره على بنته-، يقول في حقّ لوقش "مقدّم الظّلام"، ولمّا جاء وقت دار الشيخ، تصدّر للكلام معه في شأن المقدّم كبراء الفقراء، وأخبروه بما قرّ رأيهم عليه من إسناد النّقابة للوقش، فوافقهم على ذلك، ولمّا اختلى بعض أصحابه، قال: ألا يستحيون أن يسموا حفيد الشيخ سيدي محمد الحرّاق بالدّيك، ويسمّوا أنفسهم بالنسور، ما كان ينبغي لهم ذلك)[49].
هذا النّص على قصره، يعطينا فكرة واضحة عن كيفية اختيار العلامة عبد الوهاب لوقش مقدّماً للطريق، وما دار بينه وبين إدريس الحراق من منافسة على هذا الوظيف، وإقرار الشيخ بنعجيبة الشيخ لوقش، ووصف النّاس إيّاه بالنسر لكبر في السنّ وفضله وعلمه، ووصف إدريس الحرّاق بالديك لصغره وعدم تمكّنه من العلوم.
وقد كان العلاّمة لوقش شديد النكير على من يخالفه ويضيّق عليه، ولعلّ هذه من المواقف التي سجّلت ضدّه، فأثارت حفيظة العلماء، والوجهاء، ومن لهم مكانة لاعتبار نسبهم أو حسبهم، ويحدّثنا في تفسيره لقوله تعالى (وليخش الذين لو تركوا من خلفهم ذرية ضعافا خافوا عليهم)، فيقول: ("وليخش" على هؤلاء "اليتمامى" وأضرابهم من المحجوبين بالدّليل والبرهان، "خافوا عليهم"، أن لا يذوقوا شيئاً بعدهم، من معارفهم وشهودهم، وعيانهم، "فليتقوا الله"، في هؤلاء، ويصبروا معهم، حتّى يعرفوا الله، ليسوق الله من يتقي اللهَ بعدهم في أولادهم، فيدرّجهم كذلك في معرفة الله، حتّى يصلوا لمقام آبائهم العارفين، أو لما قدّر الله من ذلك لهم، أو أقلّ أكثر، وليقولوا لمحاجير المقام، من أولاد الأجانب، ما يحبّون أن يقوله الشيوخ العارفون بعدهم لأولادهم، "قولاً سديداً"، في عرف أهل مقام الإحسان، تربية وأدباً ووعداً حسناً...)[50].

وهكذا يصوّر في تفسيره، لأدنى ملابسة، وعن طريق الإشارة، ما كان يعانيه من متصوّفة عصره، من التضييق، ومن الإشارة إليه بالازدراء، حتّى سخط من فعلهم هذا، ودخل معهم في حرب ضروس.

لقد عاش العلاّمة الصّوفي في وسط يعجّ بالعلماء، على اختلاف مشاربهم، وأنماط حياتهم، وطبيعة شخصيتهم، وعاش أيضاً في مدينة تطوان الذي كانت تعجّ بالطّرق الصوفية، ومقدّمي الزّوايا، وكان هو من المنتسبين للزّاوية القادرية العجيبة، التي كان شيخها وإمامها آنذاك الولي الصّالح الحاج عبد القادر بن عجيبة (ت:1313هـ)، وهذا الشيخ كانت له مكانة خاصة عند علماء تطوان، أو أهل تطوان بصفة عامّة، فقد كان منعوتاً بالصلاح، مسموع الكلمة، وله مع أهل تطوان حادث لا ينسى أبداً، إذ هو المتبرّك به في حادث الطّاعون الذي اجتاح مدينة تطوان، وفتك بمآت من النّاس، فكتب له أهلها يتوسّلون به، ويرجون بركته، وصالح دعائه، ليخفّف الله ما نزل، وقد استجاب الله دعاءه، وصار في أعين النّاس أكبر ممّا كان.
وفي هذه الفترة كان الشيخ عبد الوهاب لوقش مرشّحاً للمشيخة، ومهيأ لها، فهو الذي كان يقدّمه شيخه الرّوحي سيدي عبد القادر للإمامة بالناس، وتلقينهم الأوراد، وتعليمهم أمور الدنيا والدّين، وربّما زاحمه غيره في هذا فصارت المنافسة على أشدّها، وادّعى المتصدّر المنافس فضل الشّرف وأنّه كاف ليجعله مقدّم الطريق، والشيخ عبد الوهاب أموي أندلسي، فكان هذا سبباً لإثارة بعض القيل والقال في وسط أهل العلم، وزعمهم أنّه يزدري النّاس، ويسخر من الشرفاء، ويطعن في أنسابهم...
يقول في تفسيره نصرة الإسلام: (ولا يتّخذ بعضنا بعضاً)، عوامّ مقام الإسلام، علماءهم. (أرباباً من دون الله)، بالمدح والإطراء والعبودية. فوق ما يجب للمخلوق على مخلوق مثله، ولمسلم بلا سنّة ولا حقّ على مسلم، بأن يتشيّخ شيخ جاهل أو ناقص من أيّ طريق فيدعون النّاس إلى طريقه. بكونه ابن القطب الفلاني[51]، أو الشيخ المربّي الفلاني، أو ابن الشريف العظيم الفلاني، أو ابن الرئيس الفلاني، فيتبعه المتفقّرة الجاهلون، فيفنيهم في تعظيمه وإطرائه وخدمته، وبذل أموالهم له، لا في مقابلة حقّ، وسبيل شرعي، ويحذّره من غيره، ممّن فيه نصيحة لله ولرسوله ودينه، فيتقاطعون مع إخوانهم المومنين، ويتفرّقون عنهم، ويحرمون بركتهم، ونصيحتهم الدّينية، ويتفرّقون عنهم، وينازعون المومنين الصّادقين.
فبعد أن كانت طرق جميع شيوخ الحق تجتمع على الله، وعلى خليفة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، والقرآن، وتحبّب فيما بين الأمّة، وتؤلّف وتجمع على الله، صار هؤلاء الدجاجيل يقطعون أنفسهم وغيرهم عن الله، ويتّخذون بعضهم (أرباباً من دون الله)، مع أنّ وظيفة شيخهم هذا التّي ادّعاها من غير استحقاق، هي بعد جمعهم عليه، أن يقول لهم: أنا كأحدكم، تعالوا نتبرّأ جميعاً من حولنا وقوّتنا في عملنا، ومن عملنا وإخلاصنا، ونتعاون على البرّ والتّقوى، وندعو الله ظاهراً وباطناً، حتّى تكون الأمّة هكذا على قلب رجل واحد في دين الله، وعلى الجمع على خليفة رسول الله ، والقرآن، وأتقى وافضل منا من كلّ وجه)[52].
والواقع الملموس من كلام الشيخ عبد الوهاب لوقش من خلال تفسيره، أنّه ينعى على من يعتمد على الشرف بدون علم، ويسحر أعين النّاس، ليصل لأغراضه الشخصية، وليطمح إلى مبتغاه اعتماداً على الشرف وحده، ولم يكن له موقف مخزي من آل البيت أبداً، يقول في صدد هذا الكلام: (فكيف يسوغ لبعض سادة الأشراف، المعتمدين على شرفهم، ونسبهم الطّاهر، المنهمكين في معاصيهم، ولبعض حفدة أولاد الشيوخ ، الأولياء الكبار، المعتمدين كذلك على آبائهم، مع مخالفة السّنّة، ومتابعة البدعة)[53].
وفي موضع من تفسيره عند قوله تعالى: (ألم تر إلى الذين يزكون أنفسهم)، يقول: "وهي تجرّ ذيلها على كلّ من زكّى نفسه، وأثنى عليها، ومدحها بزكاء العمل والطاعة، أو التّقوى، أو العلم، أو النسب، أو الصلاح، أو الجهاد، أو رياسة الشيخوخة الظاهرة، تفاخراً وتكبّراً، أو تعاظماً، لا تحدّثاً بنعمة الله، مع الخوف والرجاء، وتمام العبودية"[54].

وقد أكثر في تفسيره، وأسرف في ذكر صراعه مع مجتمعه، وعبّر عنها بمختلف الأساليب، مما يدل على أنّه لم يكن مرضياً لدى الأكثرين.

هكذا كان يرى عبد الوهّاب لوقش، أنّ التصدّر يلزمه المعرفة أوّلاً، والإذن من الشيخ، لا الاعتماد على النسب فقط، وقد ضاق ذرعاً بهذا الأمر. وكان من المنافسين الذي يعاني منهم لوقش، شيخ الزّاوية الحرّاقية في وقته، سيدي إدريس بن الحسين بن العلامة الكبير، والمؤسس العظيم، محمد الحراق , وقد صّرح به في تفسيره[55]، وفي مراسلة منه تحت اليد نسخة منها. وهذا الموقف تطوّر إلى أن صار مثار نقاش بين العلماء، فقد رفع الشيخ لوقش سؤالاً للعلاّمة القاضي آنذاك أحمد الرّهوني يستفسره، ويطلب منه وضع حدّ لهذا السلوك، ووضع النقاط على الحروف، فكان هذا سبب تأليف كتاب (إعلام الأنام، بحقوق آل البيت الكرام) المشار إليه آنفاً ألفه العلامة أحمد الرّهوني، وهو في الأصل جواب عن سؤال العلاّمة لوقش، وقد وقرّظ له شيخه أحمد العمراني المعروف بالفقيه الغماري، وقرّظه أيضاً شيخ الجماعة وعالم تطوان في وقته، أحمد الزوّاقي، ممّا يفهم أنّ المجتمع كان يتّقيه، ويتوجّس منه خيفة، إمّا لحدة لسانه، أو اعتداده بنفسه، أو غير ذلك.

هذا من جهة أهل العلم والوجاهة، وأمّا نظرة المجتمع والفقراء إليه، فلم يكونوا معه على صفاء، وهو في نظرهم متسلّط، ومدّعي، ومتشبّع بما لم يعط، ولنا دليل على هذا، وهو المقال الذي نشر باسم مستعار، نشره أحد معارفه بجريدة: (لسان المغرب) التي كانت تصدر بطنجة[56]، وهذا الكاتب فيما يظهر من أعداد المجلّة أنّه مراسل للجريدة باستمرار، وعنوان المقال: (شيخ الطّريقة عبد الوهاب الوقّاش، وأتباعه)، نشر بجريدة لسان المغرب الصّادرة بطنجة بتاريخ 23 غشت 1908م، عدد: 49. ونصّه:

(جناب محرّر جريدة "اللّسان" دامت سعادته:
قرأنا في عددكم الماضي عن الفراش وسرعته، وجرأته مع حقارته، ما أوقفنا موقف التّأمّل والاعتبار، والنّظر والاستبصار، إذ ألفينا أناساً هنا كاملي الشّبه بذلك الفراش، غير أنّ الفراشة تنقطع عنها التّبعات عندما تلقي بنفسها في في مهاوي المضيقات، وهؤلاء القوم؛ لم يرد الله إلاّ بقاءهم طول حياتهم يتمرّدون، وإلى سوء مآلهم يعملون، أن يبحثون على ائتلافهم بأظلافهم، ودونك بعضاً من حديثهم: منهم الشيخ عبد الوهاب الأوقاش، عبّرت لكم بلفظة الشيخ لتطبّقوها أخيراً على معناه.
كان هذا الرّجل في ابتداء أمره قد اشتدّت عليه أزمة الفقر والقلّة، واقفاً على إنّما السبيل، ولكن لدهائه في الحيل والخديعة، جعل يفكّر في الصّنائع التي يحترف بها ويتوصّل بها إلى اقتناء الدّور من أيدي أربابه، فتراموا أوّلاً على الطّلبة العلماء، وجعل نفسه منهم ليغرّ جهّال البسطاء الذين يغترّون كما في علمكم بظواهر الأمور. فكان إذا وقع جمع من طلبة العلم، أو استدعاهم أحد لإكرام تجد الشيخ في مقدّمتهم مكبّراً عمامته، ماشطاً لحيته، مطوّلاً الأكمام، متطاولاً على السّدة الأعلام.
وأهل بلدتنا كثيراً ما يغلبهم الحياء، لا سيما ممن ألسنتهم حداد، لا يراعون في المؤمنين إلاًّ ولا ذمّة، كهذا الشيخ، فتجد النّاس يقدّمونه في العزومات، بل يجعلونه من رؤساء البعوثات، ومن لم يفعل يلق من شرّ لسانه، ما يعجز اللّسان عن تباينه، وعلى كلّ حال، فلا تجد عرساً أو وليمة إلاّ وهو مقدّم أهلها، إمّا ضيفاً، أو ضيفنا، وهو الأغلب.
ولكن؛ حيث طال أمره، وكانت جرأة لسانه تتغلّبه، وإقدامه في ميدان ما لا يحسنه يكذّبه، انفضح أمره حتّى بين البسطاء، وانجلى واتّضح ضدّ الخاصّ والعامّ، واجتلى ففطن الشيخ بافتضاحه، وقال: هذا باب لا يليق بنجاحه، هات بنا نخوض في التّجارة، ونشارك غيرنا في تلك الإمارة، فجعل يفعل ذلك، وخالط هذا، وشارك هذا كذلك، إلاّ أنّه لم يطل عليه هذه الحال، حتّى وجد نفسه غريقاً في أسوإ حال، وكلّ من خالط أو شارك أصبح يعضّ أنامل النّدم، وينظر ما يعالج به الأمر أو يتدارك، ولكن؛ من طالب منهم، يجده قد ركب جواده الأزرق، مشهداً على نفسه أنّه أفلس من طنبور، حسبما هو مشهور).
وهذا المقال على قصره، نستفيد منه فوائد جمّة تتعلّق بتاريخ المؤلّف، وعلاقته بمحيطه، والظّاهر أنّ الذي كتبه قصد إخفاء اسمه لكونه أحد الأعلام المعروفين ممّن له صلة بعبد الوهاب لوقش، وهذا واضح من أسلوبه أيضاً، وغير مستبعد أن يكون أحد فقراء الشيخ عبد القادر بن عجيبة ممن له منافسة معه.

ومهما يكن من أمر، فإن الذي يهمّنا هو نظرة المجتمع له، وأنّه كان منعوتاً بسلاطة اللسان، كما أنّه تقلّد منصب شيخ الزاوية بعد وفاة شيخه، كما يتّضح من العنوان، وأنّ له أتباعاً ونفوذ كلمة، كما استفدنا أنّه تعاطى التّجارة مدّة وشارك فيها مع غيره، ولم ينجح فيها، إذ سرعان ما ساءت حاله، وأثقل كاهله بالديون.

واستفدنا أيضاً أنّ أهل تطوان –وهو منهم- كانوا يقدّمون في الولائم غصباً عنهم، ليتّقوا لسانه، واستفدنا منه أنّ كان يعاني من الضيق وقلّة ذات اليد... هذا الأوصاف وغيرها تذكر للتّاريخ، والعبرة لا غير، والحقيقة والعلم عند الله.

والمطالع لتفسيره نصرة الإسلام يجد أموراً تتعلّق بشخصيته، وما عاناه من مضايقات، لاسيما بالزاوية، وبسبب المنافسة على المشيخة، وعلاقته بالشيخ إدريس الحراق، الذي كان يعرّض به كثراً، ومن ذلك ما قاله في تفسره: "وكذلك من رشّد في طريق الإحسان، وأُذن، وظهر عليه فضل معرفة الله، بالشهود والعيان، وحسده أولاد الشيوخ الكبار، أو حفائدهم، ورؤساء الزواوي المتفقّرة الجاهلين، وحذّروا منه ومن أتباعه، لا يوهّنه كفرهم به، وليكتف بالله وبمعرفته"[57].
فالمفسّر عبد الوهاب لوقش يوجّه كلامه للشريف الذي يعتمد على شرفه، وهو سادر في غيه، ومعترض عن منهج ربّه، ومفتخر بآبائه وأجداده، ومخالف بذلك قوله صلى الله عليه وسلّم: (ومن بطّأ به عمله، لم يسرع به نسبه).
وهناك سبب آخر جعل المؤلف مغموراً مع المغمورين، لا يرد في سلسلة علماء طبقته، وهو أيضاً سبب وجيه، وهذا السبب يتعلّق بنظرة التطوانيين إلى أسرة لوقش، ولا نغفل أنّ الفترة التي عاش فيها عبد الوهاب لوقش، كان مجتمعه مشرباً بحب آل البيت، مليئا بالزوايا، كثير المعتقد في الصّالحين.

وهذا الملحظ الذي يتعلّق بأسرة لوقش، نصّ عليه العلامة التهامي الوزّني في كتابه "مدرسة لوقش"، يقول فيه ما نصّه: (وأخذ خصوم آل لوقش يبحثون عن المطاعن، وكان لا بدّ لهم أن يتوصّلوا إلى ما يؤثر نوعاً من التأثير على عقول العامّة. فأشاعوا أنّ آل لوقش أعقاب يزيد الذي نكل بسيّدنا الحسين ابن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلّم.

وقد أدركنا من العجائز من كنّ يتأسّفن على آل لوقش أنّهم من أعقاب يزيد، مع ما عليه أسرة لوقش بتطاون من أخلاق عليا، ظلت محافظة عليها أجيالاً متطاولة. ثم هي لا تزال تحمل طابع الفضل إلى يومنا هذا.
وكان الردّ سهلاً على أصحاب هذه الدعاوات الفارغة: فإنّ اللّوقاشيين متأكّدون من كرم محتدهم، وأنّهم من بني أميّة زعماء قريش، وأنّ منهم خلفاء قرطبة، وما رضي يزيد نفسه عن عمله في حقّ سيّدنا الحسين . ولقد كان خلفاء قرطبة يعظّمون الأدارسة شديد التعظيم، لكن الشيعة المتطرّفة تحمل وزر يزيد على رقاب كلّ أموي وجد خلال أكثر من ثلاثة عشر قرناً.
وجاءت عزلة الحاج محمد لوقش في جبل العلم حجراً التقمه المغرضون، فإنّ جبل العلم المقرّ المركزي لآل البيت بالمغرب)[58].
المبحث
الثامن: هجرته.
هذه الفذلكة المختصرة نستفيد منها علاقة أسرة لوقش بطنجة قديماً، وأمّا الهجرة الثانية التي هاجر إليها المفسّر الكبير عبد الوهاب لوقش، فقد كانت مع دخول الإسبان إليها دخولاً سلمياً يوم الأربعاء 12 ربيع الأوّل عام 1331هـ/19 فبراير سنة 1913م، وهي ما تعرف بفترة الحماية[59]، والتي بقي بها المستعمر إلى الاستقلال.
ويحدّثنا الأستاذ داود في مذكّراته عن موقف العلماء من دخول الأجانب إلى مدينة تطوان، وتأهّبهم للهجرة، وقد كان عبد الوهاب لوقش أحد هؤلاء العلماء الوجهاء الذين لم يرضوا بالإقامة في بلاد الكفر، وكان هذا سبب هجرته إلى مدينة طنجة، وبها بقي إلى أن توفّي ودفن بها، وقد دام مقامه بها نحو عشر سنوات، وبها ابتدأ تأليف تفسيره، وختمه بها.

يقول العلامة محمّد داود: "وحلّ شهر ربيع الأوّل سنة 1331هـ/فبراير 1913م، فجاءت قوّة إسبانيا، واحتلّت تطوان احتلالاً سلمياً صباح يوم عيد المولد 12 ربيع الأوّل 1331هـ موافق 19 فبراير 1913م، وقبض الحاكم الإسباني على زمام السلطة، فبهت النّاس، وعقد بعض علماء تطوان مؤتمراً سرّياً حضره أربعة أشخاص، وهم المرحومون: السيّد عبد الوهاب لوقش، والسيّد محمد بن العربي الصبّاغ، والسيّد محمد اللواجري، والفقيه الفرطاخ، وقضوا في دار الصبّاغ بالصيّاغين ليلة كاملة في مراجعة أقوال العلماء وفتاويهم في حكم الجلوس تحت حكم الكفّار، وأخيراً استقرّ الرّأي على الهجرة إلى أرض إسلامية لا حكم بها إلاّ للمسلمين، ولا سلطة فيها إلاّ للشريعة الإسلامية السمحاء"[60].
هذا النّص على قصره، يفيد استباق العلامة عبد الوهاب لوقش لرفض الإقامة ببلده، مادام تحت حكم المستعمر، وأنّ هجرته لم تكن لغرض آخر سوى الإقامة ببلد الإسلام، ونستفيد منه تاريخ هجرته بالضبط، كما نستفيد منه حرصه على إقامة شعائر دينه، وذلك بعقد هذا المؤتمر السرّي هو ورفقاؤه، ويعتبر أسنّهم، ولا يبعد عني أن يكونوا بعد انعقاد هذا المؤتمر السرّي حسب تعبير الأستاذ داود ، خرجوا بفتوى معيّنة مكتوبة، نتيجة لبحثهم، وتلخيصاً لما قاله العلماء في المسألة، على عادة العلماء لمّا يتفرّغون للمطالعة في المسألة النّازلة. غير أنّ التاريخ لم يحتفظ لنا بشيء من هذا إلى الآن، وعسى يجود الزمان بدرره.
وعن هجرة التّطوانيين إلى طنجة يقول العلاّمة التهامي الوزّاني : (..وسادت أنّ فكرة الرّضى بحكم الأجنبي كفر، فأخذ كثير من النّاس يفرّون من تطوان وغيرها ويسكنون طنجة لما لها من الصّفة الدّولية، وأخذ المجاهدون يسمّون سكّان المدن نصرانياً ونصفاً، فكانوا يرون التّطوانيين شرّاً من الأجانب)[61].
هذه هي ملابسات هجرته، أمّا عن هذه الرفقة الأربعة، فكلّ واحد هاجر حسب قناعته وإمكاناته، فهذا الشيخ محمد الفرطاخ عمد إلى جميع ما كان في بيته من أثاث، فباعه عن آخره، وجهّز نفسه للهجرة للمدينة المنوّرة، على صاحبها أفضل الصلاة والسلام[62]، وفعلاً؛ تمّ له ما أراد، وسافر بأهله وولده، والتحق بشيخه العلاّمة محمد ابن جعفر الكتاني المهاجر أيضاً من بلده فاس عقب مقتل أخيه الشيخ محمد بن عبد الكبير الكتاني رحم الله الجميع[63].
وأمّا الثاني من الرفقة وهو الشيخ العلامة محمّد بن العربي الصبّاغ[64]، فقد هاجر أيضاً بإذن خاص، والتحق بشيخه محمد ابن جعفر الكتاني، وتوفي بعد مدّة يسيرة من هجرته بالمدينة المنوّرة، فأقام له المهاجرون وأهل المدينة جنازة قلّ أن رأى الرّاؤون مثلها، يقول العلاّمة التهامي الوزاني واصفاً جنازته، ومتحدّثاً عنه: (ومن جملة ما حدّثونا أنّهم كانوا يسيرون بنعشه بضع خطوات، ثمّ يضعون محمله على الأرض، فيتقدّم بعض المدنيين ويقول: أتدرون نعش من هذا؟ إنّ هذا نعش يضمّ رفات رجل فرّ بدينه إلى الله ورسوله)[65].
وأمّا ثالث الرفقة، وهو الفقيه العلامة الزاهد الورع، محمد اللّواجري[66]، فقد اعتزل الناس، ولزم بيته، ورضي من الغنيمة بالإياب، ولم يخرج من بيته إلاّ مرّة واحدة، وبقي ببيته أكثر من عشرين سنة، وكان المستعمر من أبغض ما تراه عينه، وبلغ من تعصّبه ومقته له، أنّ أخاه الفقيه أحمد اللواجري، أرسل له كيساً من دقيق، وكانت المجاعة آنذاك مستحوذة على جلّ سكّان المغرب، ولمّا سأل عن مصدر الدقيق، قالوا له إنّ أخاه أرسله إليه، فانتفض، وأرعد وأبرق، وأخرجه من بيته وحلف أن لا يتوق منه، لأنّ أخاه الحاج أحمد كان موظّفاً عند المخزن. حدّثني بهذا الفقيه العلامة محمد بوخزة في إحدى جلساتي معه. وهكذا بقي الفقيه اللواجري قابعاً في بيته، معتزلاً النّاس، إلى أن توفي، عزباً لم يتزوّج. .
هذه ظروف هجرة العلاّمة عبد الوهاب لوقش إلى طنجة، وبقي أن أشير إلى أنّ طنجة لم تكن مقصودة عنده لذاتها، وقد علمنا أن سبب اختياره لها يرجع لمقامه بها مع والده في حرب تطوان الأولى، ولما كان يعرفه من طبيعة العيش بها، وسبب آخر جعله يختارها، هو أنّ طنجة لم تكن داخلة تحت نظام معيّن، وإنّما كانت دولية، يسهل فيها العيش، ولا يضيّق فيها على أهل العلم، وقد كانت مقصودة من طرف عدد من الأسر من مختلف المدن، بل ومن كثير من أهل العلم بالبوادي المجاورة التي كانت تعرف اضطراباً بسبب الفتن والثوارت والسيبة.

وأما السبب الرئيس الذي جعله يستقرّ بها، هو محاولة اللحاق بالمجاهدين الأتراك الذين كان لوقش موالياً لسياستهم، ومعجباً بفكرة الجامعة الإسلامية، ومن المدافعين عنها، كما سنراه في تفسيره فيما يأتي من الفصول.

وقد أشار إلى هجرته كثيراً في تفسيره نصرة الإسلام، من ذلك قوله: (وقد هاجرت بحمد الله، وحسن عونه الجميل، لمّا احتلّ الإصبنيول بلدي تطوان المغربية، بأهلي ومن أمكنني من عيالي، لطنجة المغربية، حيث لم تمكّنّي الهجرة إذ ذاك لتركيا، ما دامت الحرب الهائلة، والفتن التي بعدها، فوافاني الله ، بما في الآية كلّه، تداركني الله بكمال وتمام نيّتي، مع طبع هذا التفسير، مع تمام العافية. آمين، والحمد لله ربّ العالمين)[67].
ويقول في موضع آخر، وهو واضح فيما ينويه المؤلّف من هجرته، يقول: (وقد خرجت من بلدي تطوان، لمّا استولى عليها الصبنيول، برأسي لطنجة، ثمّ لحقني عيالي الذين في نفقتي. وأنا أرجو كمال الهجرة لتركيا أو الشام، مهما كملت الحرب، وأطلقت الطّريق، إن شاء الله، بحوله وقوّته)[68].
ومن ذلك قوله وهو يختم جزءا من تفسيره: (..على يد الفقير الدّرقاوي عبد الوهاب بن محمد لوقش القرشي، الأموي، المرواني، المغربي، المهاجر الآن بطنجة بعد أخذ الإصبنيول بلدة تطوان، حتّى يطلق الله الطّريق إلى أنصار الدّين إن شاء الله، فيكمل هجرته بدينه إليهم إن شاء الله، بحوله وقوّته، آمين. إن الذي فرض عليك القرآن لرادّك إلى معاد)[69].
وأكثر من تمنّي الالتحاق بالمجاهدين الأتراك، المدافعين من أجل إعلاء كلمة الحق، -حسب المفسّر- فقد كان له طموح أكبر، وغاية أسمى، وهي الاجتماع برجال الدّولة وكبرائها، ولست أدري هذا الطموح الكبير، وما السرّ من ورائه؟ وقد صرّح بهذا في خاتمة تفسيره حيث قال: (وكان الفراغ من تبييضه بحمد الله وتمام شكره في ضحوة يوم الجمعة الأبرك، سابع أو ثامن رجب الفرد الحرام، عام تسعة وثلاثين وثلاث مائة وألف، على يد الحاج عبد الوهاب بن محمد لوقش، القرشي، الأموي، المرواني، الأندلسي، المغربي، التطواني، المهاجر الأن بطنجة منذ دخل لبلده الإصبنيول إلى أن يمدّ الله عليه بالهجرة والجمع مع رجال الدّولة العلية إن شاء الله، بحوله وقوته قريباً، آمين. والحمد لله ربّ العالمين)[70].
كما تحدّث كثيراً عن وجوب الهجرة من بلاد الكفر على بلاد الإسلام، إذا لم يأمن المرء على دينه، وصار غريباً في بلاد الكفر، ومن ذلك قوله: (..وكلّ من صار جيشاً للكفّار، وقاتل معهم إخوانه المسلمين، سواء بقرطاسه أو سيفه، أو قلمه أو رأيه، وتدبيره لهم، كما هو الكثير في مغربنا، فهذا حكمه إذا حضرته الوفاة، (إلاّ من أكره وقلبه مطمئنّ بالإيمان)، ولم يقتل مسلماً، فهو على نيّته، وكذلك من اختار سكنى اللّندريز وفرنسا، أو غيرهما، من بلاد الكفر، وأعجبته للتّجارة، واتّخذها داراً ومولداً، حتّى مات بها، وترك أولاده كفّاراً أو معرّضين للكفر. فهذا حكمه إذا حضرته الوفاة. والله أعلم وأحكم.
وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتمكّن فيه المرء من إقامة دينه، كما يجب)[71].
المبحث التاسع: انتماؤه السياسي، وولاؤه للعثمانيين.
يقف المطالع لتفسير العلامة عبد الوهاب لوقش على أفكاره السياسية الواضحة، سواء السياسة الداخلية، المتعلّقة بالمغرب، أو الخارجية، المتعلّقة بدولة الأتراك، والمناداة بالخلافة العثمانية، وهذا هو الطّابع الغالب على تفسيره، ولكن بالتمعّن في حياة الرجل، وما عاش فيه من تقلّبات، وسوء الأوضاع، وتدهور الدّول، يعرف معاناته، وما يقصده من معنى النّصرة في تفسيره. وإذا عرف السّبب، بطل العجب.
والمطّلع على سيرة العلامة لوقش يجده دائماً من المتابعين لأخبار السياسة، والمشاركين فيها، فقد كان من أعيان تطوان، الموقّعين على عريضة موجّهة إلى نائب السلطان بطنجة، الحاج محمد الطّرّيس، القاضية بتنحية الشرطة المحدَثة بتطوان، بموجب عقد الجزيرة الخضراء[72]. ممّا يعني معارضته لمؤتمر الجزيرة الخضراء، لما يؤول إليه من تشتيت شمل المغرب، والقضاء على أمنه الرّوحي.
كلّ هذا أدّى إلى انضمامه للحزب الحفيظي، المعارض للحزب العزيزي، الذي كان لوقش دائماً يشنّ غاراته، على المناصرين له، وينعتهم بالنصارى، وقد وصف العلامة محمّد داود هذه الحقبة، وانقسام النّاس فيها، قائلاً: (..في أواسط سنة 1325هــ، قامت مرّاكش وقبائلها الحوزية الكبرى بعزل السلطان عبد العزيز، ومبايعة أخيه عبد الحفيظ، وكان ذلك بمراكش صبيحة يوم الجمعة سادس رجب 1325هـ، ثم أعلنت فاس عزلها لعبد العزيز، في متمّ ذي القعدة، ونصرها لعبد الحفيظ في فاتح ذي الحجّة من نفس السّنة، ثمّ انقسم المغرب قسمين، قسم بقي محافظاً على بيعة المولى عبد العزيز، والقسم الآخر نصر المولى عبد الحفيظ.
وقد استفدنا من النّص نُصرة العلاّمة عبد الوهاب لوقش للحزب الحفيظي، الذي كان يناصره معظم أهل تطوان، وعرفنا أيضاً أسباب مناصرة هذا الحزب، كما استفدنا حضوره في المشهد السياسي -حسب تعبير الصحافة- بقوّة، بل كان من المنافحين عن هذا الحزب، لدرجة الغلوّ، حتى بلغ من تعصّبه ضدّ أنصار المولى عبد العزيز، أنّه كان حينما يشعر بالعطش وهو جالس في الحانوت الذي يتعاطى فيها العدالة، يطلب أن يؤتى شربة ماء، ولكن من غير بيت (الفرنساوي)، ويقصد به ابن أخته، السيّد علال الخطيب، الذي كان يخالفه في المذهب السياسي، ويناصر المولى عبد العزيز[73].
المبحث العاشر: تلاميذه.
لا نعلم -حسب ما توفّر عندنا من مصادر- انتصاب الشيخ العلاّمة عبد الوهاب لوقش للتّدريس، رغم مخالطته لأهل العلم، ورغم موسوعيته في مختلف العلوم، و يجوز أن نفترض أنه قد درّس مجموعة من الطّلبة بعد عودته من الدّراسة بفاس، كما هي العادة، فكيف وقد سطع اسمه، ولمع نجمه، وصار معروفاً في الأوساط العلمية، وقد يكون درّس مجموعة من الطّلبة أيضاً باختيارهم، وأنّ حلاقاته العلمية لم تكن معروفة معيّنة، لكثرة حلقات شيوخ تطوان آنذاك.
وقد يكون درّس بالزاوية العجيبة بتطوان مجموعة من الفقراء على طريقة شيخه الحاج عبد القادر ابن عجيبة في تدريس عدّة كتب، خصوصاً وأنه كان مقدّم الزاوية في حياته، وكان ينوب عنه في سفره، وهو عنده في المحلّ الأرفع، كما يمكن أن يكون تعاطى التدريس بعد وفاة شيخه وتقدّمه لشيخ الطريقة خلفاً له، كلّ هذه الفرضيات قد تكون، لا سيما هو منعوت عند الناس بالمعرفة والصدق والصلاح والتصوّف.

ولكن الذي نعلم أنّه تتلمذ له، وأخذ عنه النّحو، هو ابن أخته الفقيه العلاّمة علي بن محمد الخطيب، حسبما صرّح به العلامة المؤرّخ أحمد الرّهوني في كتابه (عمدة الرّاوين)[74].
المبحث الحادي عشر: مؤلّفاته.
1. تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدّين من القرآن:
هذا أحفل مؤلّفات العلامة المفسّر عبد الوهاب لوقش وأكبرها، ويسمّى: (تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدّين من القرآن)، أو: (تفسير ما لا بدّ منه في القرآن، على مراد الرحمن)، أو: (نصرة الإسلام والإيمان والإحسان، في معرفة تفسير إخراج مقامات الدّين من القرآن)[75]. وله تسمية أخرى أطول وأبين للمراد، وهي: (تفسير نصرة الإسلام والإيمان والإحسان، في إخراج مقامات الدّين من القرآن، وفي جمع كلمة المسلمين شرقاً ومغرباً، على خليفة واحد للرسول، ، والفرقان، مع تحقيق قراءات السبع، وما يسّره الله، من القراءات الخارجة عن السّبع)[76].
وهو تفسير كامل شامل لجميع سور القرآن، من سورة الفاتحة إلى سورة النّاس، وقد بدأه في مدينة طنجة، سنة 1334هـ، وانتهى منه سنة 1340هـ.وقد وقفت على الجزء السابع والأخير من هذا التفسير، بالمكتبة الداودية، وقد انتهى منه بتاريخ: 7 رجب عام 1339هـ. وقد تكون هذه نسخة أخرى منه.
أمّا مخطوطاته: فقد ذكر الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي، أنّه لا يوجد منه إلاّ نسخة واحدة، وهي نسخة المؤلّف، (وهي نسخة أصلية، وتقع في سبعة أجزاء، ويحتوي الجزء الأول منه على 300 صفحة، كضمّة في كنّاش ككنانيش العدول القدامى حالته لا بأس بها، وهو من الحجم الطّويل مقاس: 31.50/21.50. وعدد السطور في كلّ صفحة، 35 سطراً، ولكلّ صفحة طرّة ضيّقة، يستدرك فيها المؤلّف ما أغفله أو نسيه، والخطّ فيها مغربي دقيق واضح، لكن لا تأنّق فيه، وأحياناً يثير في الطّرر في غاية الضّيق والإدماج، حتّى إنّ قراءته لتتعذّر إلا باستعمال الزجاج الغليظ، والحبر كله أسود، إلاّ في مواضع كان فيها قهوياً باهتاً. وربّما استعمل المؤلّف الحبر البنفسجي، على قلّة في الطّرر. وربّما كشط المؤلّف بعض العبارات على قلّة. والآيات المفسَّرة فيه غير مشكولة. ولكنّها موضوعة بين قوسين، ومعلّم عليها بخطّ في أعلاها، وقلّما ترك المؤلّف بياضاً لاستراحة البصر، فلا بياض إلاّ إذا كان شعر، وقد تخلّل هذا الجزء بتر، من صفحة 86 إلى صفحة 125. ويحتوي على تفسير القرآن من المقدّمة والفاتحة، غلى قوله تعالى في سورة الأنعام: (فلا تكونن من الجاهلين). وليس بين السور فصل ببياض أو بسملة أو شيء، فقد يكون وقد لا يكون)[77].
2- تفسير الفاتحة الكبير:
هذا التفسير من مؤلّفاته التي لم نعرف عنها شيئا لحدّ الساعة، وقد ذكره في تفسيره لسورة الفاتحة الآتي، حيث قال: (..وقد عددتُ الأمثال الثلاثة بأمثلتها فيما علمته منهم، في تفسيري للفاتحة الكبير، ولا زال في المبيضة أيضاً، نفع الله به وبهذا وبسائر كتبي، لي وللمسلمين، والأولاد، والأتباع، وبراني من رؤية التأليف كلّه، حتّى لا يكون شيء من كتبي وأقوالي، وأفعالي، حجّة علي آمين، آمين، آمين)[78].
ومن خلال كلامه هذا نستنتج، أنّه ألّفه بعد وفاة شيخه الحاج عبد القادر ابن عجيبة، أي: بعد 1313هـ، وقبل تأليف تفسير الفاتحة الأتي، والمنقول منه، والذي فرغ منه عام 1321هـ. ونستنتج أيضاً أنّه تتبّع منهج والد شيخه في التفسير، وأنّ فكرة تفسير القرآن جاءته من مجالسة شيخه ابن عجيبة الذي كان يدرّس دائماً (سرداً)، تفسير البحر المديد، فتلقّف نفس فكرة والد شيخه العلامة أحمد بن عجيبة في تفاسيره الثلاثة للفاتحة. كما نستنتج أيضاً أنّ ألّفه وهو مقدّم الطريق، بعد وفاة شيخه، بدليل دعائه مع أتباعه، ولا أستبعد أن يكون درّس تفسير البحر المديد مع فقراء الزاوية، سيراً على نهج شيخه، والله أعلم.
3- تفسير الفاتحة:
هذا الشرح للفاتحة ذكره المؤلّف في تفسيره الكبير حيث قال: (وفي نسخة تفسير الفاتحة لي، مستقلّ، قبل هذا)[79].وعندي نسخة مصورة عنه.
يوجد أصل هذا التفسير بالمكتبة الوطنية بالرّباط. رقم: 2813 ك.[80] وهو من كتب الشيخ عبد الحي الكتاني بالمكتبة الوطنية، وكيف وصل إليه هذا الكتاب، هل نسخ له خصيصاً؟ أم كانت له علاقة بالشيخ عبد الوهاب لوقش؟ أم بيع في سياق لا يعلم؟ لا نعرف شيئا عن هذا الأمر.
ويقع هذا التفسير في 70 صفحة، من الدفتر المدرسي العادي، نسخ عن أصله، بخط تلميذه[81] وحفيده محمد بن علي الخطيب، بطنجة، بخطّ مغربي جميل، وانتهى منه يوم الجمعة ثاني عشر جمادى الأولى عام سبعة وثلاثين وثلاثمائة وألف، وقد انتهى ومنه مؤلّفه العلامة عبد الوهاب لوقش في 23 جمادى الأولى عام 1321هـ. فعلى هذا يكون هذا التفسير ألّفه في تطوان قبل أن يهاجر إلى طنجة عام 1331هـ، وتفسير الكبير (نصرة الإسلام) ألّفه من أوّله إلى آخره بطنجة.
4- شرح الحكم العطائية:
ذكره الأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السّلمي في قسم الدراسة[82]، وقد صرّح به المؤلّف في تفسيره[83]، ولم يزد على ذكر اسمه. كما صرّح به في تفسير سورة الفاتحة، المستقل[84]. وهذا يدلّ على أنّه فرغ منه قبل عام 1321هـ، وهو تاريخ تأليف تفسير الفاتحة.
5- ثمار الحقيقة الإيمانية الإحسانية، في شرح العينية الجيلانية القادرية:
وهذا المؤلّف أشار إليه تصريحاً في تفسيره حيث قال: (.. وقد بسطتها وحقّقتها بما لا مزيد عليه، والله أعلم، في "شرح العينية" المذكورة)[85]، وصرّح به في موضع آخر من تفسيره فقال: (..ومن أراد تتبّع الأبيات بشرحها، فعليه بشرحنا لهذه العينية)[86].
وأمّا وصفها فقد ذكر الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي في قسم الدراسة من تفسير نصرة الإسلام، أنّه يقع في مجلّد بلغت صفحاته 317 صفحة، وحالته رديئة، من جرّاء تحيّف الأرضة أطرافه، وسوء تجليده[87].

6- الفتوحات العجيبة، في الدّخول تحت ابن عجيبة:
هذا الكتاب لا نعلم عنه تفاصيل شكلاً ومضموناً، والذي يظهر من عنوانه، أنّه جعله في ترجمة شيخه الحاج عبد القادر ابن عجيبة، وتراجم فقرائه، وأصفيائه، وأوراده، وشرح أذكاره، ويفهم هذا الذي ذكرتُ من مراسلة بينه وبين العلاّمة مفضّل أزيات، وطلبه أن يكتب ترجمة الشيخ ابن عجيبة ويدون تراجم أصحابه، حتّى لا تختلط بالكذب، وتضيع الحقيقة، ولكن مفضل أزيات رفض بدعوى عدم الظهور، والزهد في الشهرة وما إلى ذلك، والذي يظهر لي أنّ الذي تولّى هذا الموضوع هو لوقش نفسه بعد رفض هذا الأخير طلبه، والله أعلم.

وقد أشار إلى هذا الكتاب في تفسيره في ثلاثة مواضع حسب ما توفّر لدي منه الآن.
ذكره أثناء تفسيره لآية: (إلاّ أن تتقوا منهم تقاة)، وبعد أن ذكر وجوب توحيد الكلمة..قال: (وقد بسطت هذه القضية أيضاً في آخر باب من كتاب"الفتوحات العجيبة، في الدخول تحت ابن عجيبة" شيخي وأرضاه عنّي)[88].
وذكره عند تفسير قوله تعالى: (ادعوا ربكم تضرّعاً وخفية)، وتحدّث عن الذكر وما يتلّق به، وقال: (وقد حقّقت ذلك حسبما يسّر الله في باب الذّكر من كتابي"الفتوحات العجيبة، في الدخول تحت ابن عجيبة" وأرضاه)[89].

ذكره عند تفسير قوله تعالى: (ولله الاسماء الحسنى فادعوه بها)، قال: (وقد عقدت للاسم المفرد باباً من كتابي: "الفتوحات العجيبة، في الدّخول تحت ابن عجيبة")[90].
7- الكنّاش:
هذا الكنّاش مع الأسف ضاع فيما ضاع من تآليفه، ولكنّها صار بيد صديقه العلاّمة المؤرّخ أحمد الرهوني، ونقل منه عدّة أشاء، مما يعطينا صورة عن طبيعته، وأنّها لا تخرج عن طبيعة الكنانيش المعروفة، المختلفة الموضوعات، ولاشكّ أنه ضمّن هذا الكنّاش معلومات عنه وعن والده وأسرته، وشيوخه، وأنظامه... ومن مشتملاته هذه الصلاة الشمهروشية، على خير البرية)، يقول العلاّمة الرهوني: (وقد وجدتّ في "كنّاش" المرحوم الفقيه العلاّمة الصوفي، سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش، المتوفّى بطنجة عام 1341هـ، والمولد بتطوان عام 1269هـ، أنّ هذه الصلاة رواها الولي الصّالح سيدي محمد ابن سيدي أحمد ابن القطب مولاي علي ابن ريسون، عن سيدي عبد الوهاب، عن أبيه سيدي محمد، عن أبيه سيدي شمهروش، يرويها عن النبي ، وأنّ سيدي عبد الوهاب المذكور، قدم على سيّدي محمد المذكور، في غرفة داره بباب السفلي من تطوان، وكتبها له، من حيث يسمع ولا يراه، وأمره بإبلاغ السلام لعمّه القطب، مولانا عبد السلام ابن ريسون، ، فرواها ورواها عن سيدي عبد السلام بعض أصحابه، وعنه سيدي عبد الوهاب لوقش، المنقولة من خطّه بـ "كنّاشه". والله ذو الفضل العظيم سبحانه)[91].
ولا شكّ أن هذا الكنّاش تضمّن معلومات هامّة عن تاريخ تطوان وشخصياتها، لذلك اعمتده الفقيه الرهوني ونقل منه، بل يعدّ من مصادره في تاريخه عمدة الرّاوين، وقد حاولت البحث عنه ولكنّي لم أهتد له، بحكم تفرّق خزانة الفقيه الرهوني، وذهاب بعضها للمكتبة الوطنية بالرباط، وقسم منها بيع لمكتبة تطوان، والباقي تفرّق ولا نعلم مصيره. وأريب أنّ هذا الكنّاش واحد من كنايش عدّة، دوّن فيها العلامة لوقش معلومات وأنظاماً وعقوداً، فتقلّده لمنصب العدالة يساعد على هذا الاستنتاج. والله أعلم.
المبحث الثاني عشر: مراسلاته.
من المؤكّد أن العلاّمة المفسّر عبد الوهاب لوقش كانت له مراسلات مع أهل عصره، ولاسيما فقراء الزاوية الدرقاوية سواء في الفترة التي عاش فيها بتطوان، أم بعد هجرته إلى طنجة، فالرجل كان من الوجهاء والعلماء، ويشارك بآرائه في كثير من المناسبات، ومن المؤكد كذلك أنّه كان يمتلك كنّاشاً خاصاً يدوّن فيه خصوصياته[92]، وماجريات الأحداث، غير أني لم أقف على شيء من هذا، وبعد البحث المتواصل حصلت على بعض مراسلاته على قلّتها، لكنها اشتملت على معلومات تاريخية هامة، وآراؤه في بعض الشخصيات، واهتمامه بالسياسة، وحالته في مهجره طنجة زمن الحروب والفتن والسيبة.
الرسالة الأولى:من عبد الوهاب لوقش إلى أبناء الشيخ الكبير، أحمد بن عبد القادر ابن عجيبة المعروف بأحمد الكبير (ببني بغداد)، بمناسبة وفاة والدهم الشيخ المذكور.
الرسالة الثانية: من عبد الوهاب لوقش لصديقه المفضل أزيات، وهي مؤرخة في 23 من محرّم الحرام فاتح عام 1313هـ).
الرسالة الثالثة: من عبد الوهاب لوقش إلى السيد أحمد بن عبد القادر بن عجيبة. في 5 ذي الحجة عام 1333هـ. عبد الوهاب لوقش وفقه الله آمين).
الرسالة الرابعة:وهي في رثاء شيخه الفقيه العلاّمة محمد بن أحمد البقالي[93] أحد تلامذة الشيخ المربي سيدي الحاج عبد القادر ابن عجيبة، كتب بها لصديقه الشريف سيدي المكّي ابن ريسون [94].
الرسالة الخامسة: من المفضل أزيات إلى عبد الوهاب لوقش. مؤرخة في .14 محرم 1334 هـ.
ونورد في هذا الصدد نموذجاً من هذه المراسلات النادرة لقيمتها، ولكونها تسلط الأضواء على جوانب مهمة من التاريخ المحلي المعاصر، وفيما يلي نصّ الرسالة التي اخترناها، وهي من العلامة عبد الوهاب لوقش إلى نجل شيخه ووارث سره، أحمد بن عبد القادر بن عجيبة دفين بني بغداد من غمارة، وصديقه العلامة الفضل أزيات، وهذا نصّها: (وعلى بنان النّاسوت وقلب الملكوت، وروح اللاهوت، الخليفتين الرئيسين العارفين العظيمين، الشيخ المطلق، سيدي مولاي أحمد ابن شيخنا الغوث الفرد سيدي الحاج عبد القادر ابن عجيبة ووزيره تاج الطّريق وإمامها، سيدي مفضّل أزيات حفظنا الله فيه، ورضي عنكم وأرضاكم، ورضي عن شيخنا وأرضاه عنّا وعنكم وعن الجميع آمين، وسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
وبعد كثرة الأشواق لكم، فإنّ رجلاً طالباً فاسياً مستخدماً في خدمة المخزن هنا، من متطوري الوقت، مشتغل بتأليف تاريخ إلى تاريخنا، يجمع فيه أولياء طنجة وتطوان وصلحاءهما وشرفاءهما، وما يعجبه من فقرائهما، ومن وجد له سبيلاً يعمل له إراثة، والله أعلم بمراده[95].
وقد عمل أوّلاً ترجمة لسيدي محمّد بن علي ابن ريسون الذي بطنجة، وعمل ترجمة على ما بلغني لإمامه سيدي الحفيد ذلك ما يكون، ثمّ قال إنّه من تلامذة الولي الشيخ سيدي الحاج عبد القادر بن عجيبة صاحب كرامة وقت الوباء مع أهل تطوان، ثم قال: ومن تلامذته الشريف، وحلاّه على وفق غرامه فيه، كأنّ المقصود من ذلك كلّه سيدي إدريس الحرّاق، وقال في حقّه:
ولمّا جاء للأخذ عن الشيخ، قام الشيخ إجلالاً له، وأجلسه على سلهامه، وسبقت له العناية، لا بصالح قدموه، ولا بعمل عملوه. ثم جاءني يبحث يبحثني عن نسب مولاي أحمد ابن عجيبة ، فقلت له: بلغني أنّك قلت في سيدي إدريس ما ذُكر، وكذا وكذا..أمّا كونه من فقراء الشيخ فلا نزاع، وأمّا كونه له إذن من الشيخ أو من غيره، فلا، وأمّا قضية السلهام فهي معكوسة، وذلك أنّ سيدي إدريس وسيدي عبد الغفور بن كيران[96] جاءا يوماً من سياحة بعيدة، ونحن الفقراء حاضرون، فخاطب الشيخ سيدي إدريس بقوله: أسيدي إدريس، إني كنت أريد أن أجازي جدّك فيك، لأنّه فرش سلهامه وأجلسني عليه أنا وأخي مولاي مولاي أحمد، والآن ها حُجر العافية منك، أسيدي إدريس، فارقك من هذا المقطوع، بلسان فصيح ثلاث مرّات، يردّد الجملة كلّها، فلمّا لم يجبه أحدهما لا بنفي ولا بإثبات، دار الشيخ في جميع الفقراء، وأشار إلى ابن كيران، وقال: هذا المقطوع؛ حرقوا له السّبحة، وأعملوه في الحبس.
وأمّا نسبه، فالثابت عندي أنّ الحرّاق الذي هو شريف هي الدّيار التي في قبيلة أهل سريف، والشيخ سيدي محمد الحرّاق ورضي عنه، هو شوني، فإن اتّصل نسبه بأهل سريف فهو منهم، ثم بلغني بعد ذلك أنّه لم يغيّر قضيّة السّلهام من ترجمته، لكنّه تردّد في نسبه، ثم جاءني فعملت له أنّ شيخنا ، له ألوف من الفقراء، وفيهم أكابر أموات وأحياء، وأنّ الشيخ بعده الذي يعطي الأوراد بغمارة وبني سعيد، ولده الكبير مولاي أحمد السعيدي، وله المئون أو الألوف من فقرائه بعد أبيه، وله سنّ قديم مع الشّيخ، ومعه علاّمة الطريق سيدي مفضّل، ومن صفته كذا وكذا، ولا يعرف ترجمة الشيخ وترجمة أصحابه الميتين والأحياء أحد مثلهم، فقال لي: أله هذا الولد؟ فقلت له: له ببني سعيد هذا وغيره، وبأنجرة آخرون، لكن هذا هو صاحب هذا المقام، ولا يتقدّم عليه هو وصاحبه أحد. ثم بلغني أنّه لا زال يخبط خبط عشوى في ذلك كلّه، والآن قد تعيّن على سيادتكما بفضلكما أن تكتبا أوّلاً ترجمة مولاي أحمد والد الشيخ ، ثم تراجم مشاهير أصحابه، ثم ترجمة شيخنا ، ثم ترجمة سيدي أحمد، ثم ترجمة سيدي مفضّل، ثم جميع أصحاب الشيخ الذين لا معرفة لنا بهم، ومن لنا بهم معرفة بحسب الإمكان والمناسبة، ثمّ جميع أولا الشيخ وحفائده نساء ورجالاً، ومحلاّت سكناهم، ثمّ نسب الشيخ، ليصان النسب والطريق، ويعرف الحق من الباطل، أرانا الله وإياكم الحق حقّاً وأرانا اتّباعه، وأرانا الباطل باطلاً وأرانا اجتنابه آمين.
ثمّ إنّ ذلك المؤلّف قد كتب لسيدي الحاج محمد بن الصديق، إلاّ أنّه اضطرب قوله له في ذلك، ورواية غيره عنه في ذلك، فقال لي: إنّه كتب له ليتشاور معه في الكتاب، مع أنّه من قديم يؤلّفه ويتردّد إليه كثيراً، ورواية غيري عنه، أنّه كتب له سلسلة في نسب سيدي أحمد الكبير، ورواية أنّه لم يجد سنداً في شرف سيدي الحاج أحمد جدّه، وإنّما وجد الولاية والشيخوخة والتربية والمعرفة، فالله أعلم بباطنه وسريرته، وأمّا أنا، فقد أيس أن يأخذ مني حرفاً إن شاء الله، لأنّه غير مأمون.

وسلّموا على جميع سادتنا الإخوان والفقراء والشرفاء، والمحبين، وخصوصاً الإخوان الصادقون الملازمون الصابرون المحبّون، فقراء أهل الشاون، وخصوصاً أهل الشاون، وخصوصاً سيدي الحاج الفاضل، وكل معروف عندي وغير معروف.

وفي ساعته قبضت كتاب سيدي محمد خيرون بتاريخ 26 قعدة، وفيها زيارة سيدي أحمد وسيدي مفضّل لكم، وسلامهم علي، وتوحشهم في، فإنّا كذلك وفوق ذلك، والله أعلم لو وجدت سبيلاً لطرت إليكم وإليهما، لكن الوقت لا يساعد، والفرج قريب. متّعنا الله وإيّاكم والأحباب وناصري الدّين بجمع كلمة الإسلام شرقاً ومغرباً آمين. لأنّ الدنيا قد تعذّرت من أجل الطّرق، ومن أجل البيع والشراء وجلب الأرزاق وكثرة الفتن، وسفك الدماء، لكن الملك ملك الله، ولا شركة لأحد معه في ملكه، يفعل الله ما يشاء.

جعلنا الله وإياكم من المتّقين أهل العاقبة في الدّنيا والأخرى، والزّيادة والحسنى آمين، والجواب عزماً. وأمّا ثمن السلطة فما دفعه الحامل لمن دفع لي الكتاب على قوله، وقد ردّهم ولمّا يصلني ذلك نفعل ما أشرت به إن شاء الله. وعلى تمام ودادكم وطلب دعائكم، والسلام. في 5 من الحجة الحرام عام 1333هـ. عبد الوهاب لوقش وفقه الله آمين).

المبحثالث الث عشر: شهادات العلماءفيه.
1- شهادات الفقيه العلامة أحمد الرهوني التطواني (ت:1373هـ).
حلاّّه صديقه العلامة الرّهوني مراراً، ووصفه بأوصاف عديدة، وممّا قال فيه:
- (الفقيه الصّوفي سيدي الحاج عبد الوهّاب لوقش)[97] وقال أيضاً في حقّه:
- (الفقيه العلاّمة الصّوفي الذّاكر المذكّر سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش)[98]. وقال أيضاً:
- (المرحوم الفقيه العلاّمة الصّوفي، سيدي عبد الوهاب لوقش)[99]. وقال أيضاً:
- (الصّادق المرحوم، سيدي الحاج عبد الوهاب بن محمد لوقش)[100]. وقال أيضاً:
- (الفقيه الصّوفي، سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش)[101]. وقال أيضاً:
- (الفقيه الصّوفي العدل، سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش)[102].
2- شهادة العلامة المؤرّخ محمد بن العياشي سكيرج (ت:1385هـ).
وصفه معاصره وصديقه العلامة محمد بن العياشي سكيرج بقوله:
-(الفقيه المتزهّد، الذاكر النّاسك المتعبّد، المنتمي للطّريقة، والمتشبّث بأذيال الحقيقة، السيّد الحاج عبد الوهاب المتوفّى بشهر شوال (سنة 1341هـ)، قبل العارف بالله سيدي الحاج حسن العمراني بأيام، ابن الفقيه العلامة السيد [فراغ] الوقّاش التّطواني داراً ومنشأ، ثمّ الطنجي الآن سكنى وإقامة)[103].
3- شهادات العلاّمة الموسوعي محمد بن محمد المرير (ت1398هـ). حلاّه الفقيه محمّد المُرير مراراً في فهرسته (النّعيم المقيم)، وممّا قال في حقّه:
- (الفقيه العابد، الذاكر الواعظ، سيدي الحاج عبد الوهاب ابن الفقيه سيدي محمد لوقش)[104].
وقال في موضع آخر:

- (السيّد الحاج عبد الوهّاب لوقش)[105]. وقال أيضاً:
- (الصّوفي الذّاكر، سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش)[106]. وقال أيضاً:
- (...الفقيه، التّالي كتاب الله، العابد الذّاكر، أحد تلامذة الشيخ المربّي، سيدي الحاج عبد القادر بن عجيبة؛ سيدي الحاج عبد الوهّاب لوقش)[107].
4- شهادات العلاّمة المؤرّخ محمد داود (ت: 1404هـ) قال في حقّه:
- (الفقيه الشيخ، الحاج عبد الوهاب لوقش)[108].
-
(الشّيخ الفقيه الصّوفي سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش التّطواني، المهاجر بعائلته إلى طنجة، والمتوفى بها يوم الجمعة 21 ذي القعدة عام 1341هـ، والمدفون فيها بمقبرة مرشان، وقد كان من أعيان تطوان وفقهائها، وله بها مواقف مذكورة، وكان واسع الاطّلاع، فصيح اللّسان)[109].
5- شهادة العلامة الأديب التهامي الوزّاني (ت: 1392هـ).
حلاّه العلاّمة التهامي الوزّاني بقوله:
- (العدل الفقيه، سيدي عبد الوهّاب لوقش)[110].
6- شهادة الفقيه الصّوفي أحمد السعيدي بن عبد القادر ابن عجيبة (ت: 1338هـ)
حلاّه صديقه وشيخه وابن شيخه، العلامة أحمد بن عبد القادر بن أحمد بن عجيبة، في مراسلة بينهما بقوله:
- (لسان الطريق، و قلب التحقيق، و شمس السَّعادة، في ملكوت الغيب و الشهادة، العلامة الصّوفي المحقّق، أبي المواهب سيدي الحاج عبد الوهاب لوقش)[111].
7- شهادة العلامة المجاهد، عبد الكريم اللّوه (ت: 1398هـ) وصفه بقوله:
- (العلاّمة السيّد عبد الوهاب لوقش، أحد التّطوانيين الذين غادروا تطوان إثر الاحتلال الإسباني، واستقرّوا بطنجة)[112].
8- شهادة الفقيه المطّلع، محمّد بن علي الخطيب (ت1378هـ):
حلاّه بقوله: (الفقيه العلاّمة الدرّاكة الفهّامة، صوفي زمانه، وفريد عصره وأوانه، سيدي الحاج عبد الوهاب ابن الفقيه النّزيه العلاّمة المنجّم النّبيه، سيدي محمد لوقش التّطواني المغربي، متّعنا الله بحياته آمين)[113].
9- شهادة الأستاذ الدكتور البحّاثة جعفر ابن الحاج السّلمي حفظه الله.
قال في حقّه: (عالم كبير، مفسّر، وصوفي درقاويّ، من تلامذة الحاج عبد القادر بن عجيبة...)[114].

المبحث الرابع عشر: وفاته ومقبره.
بعد عمر عامر بالذّكر، والتذكير، والمذاكرة، والعمل في التجارة وتقلّد منصب العدالة، وبعد هذه الحياة الحافلة بالتقلّبات، وهذه الأماني والأحلام التي كان يمنّي بها نفسه في هجرته إلى طنجة، وهي استكمال الهجرة إلى بلاد الأناضول دولة الخلافة، قضي المفسّر العالم حياته الأخيرة متتبّعاً للأخبار، ومتأهّباً للجهاد في أيّ لحظة، انتقل إلى الرّفيق الأعلى يوم الجمعة 21 من ذي القعدة عام 1341هـ/7 يوليوز 1923م عن 72 سنة[115]. ودفن بمقبرة مرشان من مدينة طنجة التي استقرّ بها في آخر حياته بعد أن فارق مسقط رأسه مدينة تطوان. وخلّف وراءه إرثاً ثقافياً هامّاً، وذرّية صالحة بإذن الله، رحم الله العلامة الفقيه المفسّر رحمة واسعة، وأجزل له المثوبة على ما أسداه لأمته، وجعل الجنة مثواه. آمين.


قائمة المصادر والمراجع
1- المخطوطات:
v تفسير سورة الفاتحة للعلاّمة عبد الوهاب لوقش. مخطوط: المكتبة الوطنية رقم: 2813 ك.
v تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن. الجزء السابع. مخطوط بالخزانة الداودية. رقم: 75.00.
v تنبيه ذوي الألباب، ليحذروا من لوكس الكذّاب. الخزانة الوطنية بالرباط. رقم: 5348.
v جراب الأديب السائح: لمحمد بوخبزة (مخطوط خاص).
v شجرة عائلة لوقش من وضع الأستاذ عبد الوهاب لوقش (مخطوط).
2- المطبوعات:
v اتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري. لعبد الله عوينة. دار الأمان بالرباط. الرابطة المحمدية للعلماء. ط 1:1433هـ/2012م.
v إعلام الأنام، بحقوق آل البيت الكرام. لأحمد الرّهوني التطاوني. دراسة وتحقيق: نور الدّين الغياط. طبع وتوزيع: دار الأمان. الرباط. ط 1. 1435هـ/2014م.
v أقوم منهاج، في تكريم جعفر ابن الحاج. شهادات وأعمال مهاداة إلى الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي. تنسيق: محمد رضى بودشار. /أحمد السعيدي. منشورات جمعية تطاون أسمير. ط 1: 2015م.
v تاريخ المغرب للتهامي الوزاّني. مطبعة الريف. ط 1. 1361هـ/1942م. تطوان.
v تاريخ تطوان. لمحمد داود. المطبعة المهدية. تطوان. 1386هـ/1966م.
v تطوان في القرن الثامن عشر: السّلطة- المجتمع- الدّين. لعبد العزيز السعود. ط 1. 2007م. منشورات تطاون أسمير.
v تفسير نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدّين من القرآن لعبد الوهاب لوقش. منشورات جمعية تطاون أسمير. ج1: سنة: 1431هـ/2010م. والثاني: 1432هـ/2011م. والثالث: 1435هـ/2014م. والرابع: 1437هـ/2015م.
v التفسير والمفسّرون بالمغرب الأقصى. لسعاد أشقر. مؤسسة البحوث والدراسات (مبدع)، فاس. دار السلام، القاهرة. 1431هـ/2010م.
v عائلات تطوان. لمحمد داود. مراجعة وتحقيق وإضافات: حسناء محمد داود. منشورات جمعية تطاون أسمير. 1437هـ/2016م.
v على رأس الأربعين. لمحمد داود. تقديم وتعليق: حسناء داود. منشورات جمعية تطاون أسمير. ط 1: 1421هـ/2001م.
v عمدة الراوين، في تاريخ تطّاوين. لأحمد الرهوني. تحقيق: جعفر ابن الحاج السلمي. منشورات جمعية تطاون أسمير. من: 1998م. إلى: 2015م.
v كشّاف أسماء عائلات تطّاون. لمحمد ابن عزوز حكيم. مطبعة الشويخ. تطوان (د.ت).
v مدرسة لوقش للتهامي الوزاني. تقديم نادية الرزيني.ط 1. سنة 2002 م. جمعية تطاون أسمير.
v المصادر العربية لتاريخ المغرب. لمحمد المنوني. ط 1. 1983م.
v معجم المطبوعات المغربية. للقيطوني. تقديم: الأستاذ عبد الله كنون. مطابع سلا. 1988م.
v معجم المفسرين بتطوان. للدكتور قطب الريسوني. إصدارات مكتبة سلمى الثقافية. تطوان.
v معلمة المغرب. تأليف: الجمعية المغربية للتأليف والترجمة والنشر. 1410 هـ.
v نزهة الإخوان، في أخبار تطوان. لعبد السلام السكيرج. تقديم وتحقيق: يوسف احنانا. مطبعة الخليج العربي. تطوان. ط 1. 2005م.
v النعيم المقيم، في ذكرى مدارس العلم ومجالس التّعليم. لمحمد المرير. تخريج: أحمد المرير. مراجعة: جعفر ابن الحاج السلمي. منشورات معية تطاون أسمير. مطبعة الخليج العربي. تطوان: ط1: 1426هـ/2005م.
3- البحوث الأكاديمية:
· التفسير والمفسرون بتطوان خلال القرن الرابع عشر الهجري مع دراسة وتحقيق نماذج من أعمال المفسرين، إعداد الطالبة الباحثة: مليكة هرندو، إشراف الدكتور: عبد السلام أحمد الكنوني، (رسالة دكتوراه)، كلية أصول الدين التابعة لجامع القرويين بتطوان، نوقشت في: (10/12/2013).
· رياض البهجة، في تاريخ طنجة. (دبلوم الدراسات العليا بتطوان) تحقيق: نبوية العشاب. دبلوم الدراسات العليا. كلية الآداب تطوان. 2005م.
4- المجلات والجرائد:
v جريدة لسان المغرب الصّادرة بطنجة بتاريخ 23 غشت 1908م، عدد: 49.
v جريدة أخبار الدنيا. العدد التاسع. سنة 1962م.
v مجلة (آفاق الثقافة والتراث) الصادرة عن مركز جمعة الماجد، العدد المزدوج: 29-30. يوليو 2000م.
v مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث. المنشور بمجلة دار الحديث الحسنية ع 3.


[1]نشر هذا البحث بمجلة الزقاق المحكّمة. العدد الثاني (2) بيع الأول 1440هـ/نونبر 2018م.
[2]ترجمته في: مواضع من تفسيره (نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدّين من القرآن). وعمدة الراوين في تاريخ تطّاوين: 2/13. 5/82/199/246. 6/54. 7/7. ورياض البهجة، في تاريخ طنجة. 2/119. على رأس الأربعين: 154/163/182. تاريخ تطوان لداود: 10/178/202/204/208/307. وعائلات تطوان: 2/252. والزاوية للتهامي الوزاني: 170/171. والنعيم المقيم: 1/42/204/205/222. 2/118/192/193. التقديم الدراسي لتفسير نصرة الإسلام" للأستاذ الدكتور جعفر ابن الحاج السلمي: 1/ 1-35. معجم المفسرين بتطوان: 91-101. واتجاهات التفسير في القرن الرابع عشر الهجري: 429-437.والتفسير والمفسّرون بتطوان خلال القرن الرّابع عشر الهجري، مع دراسة نماذج من التّفاسير 155-173. وجريدة لسان المغرب عدد: 49/ 23 غشت 1908م. وجريدة أخبار الدنيا العدد التاسع ص 6 سنة 1962م.
[3]- إلى هنا انتهى نسبه عند الفقيه العلامة المؤرّخ أحمد الرهوني في: (عمدة الرّاوين) 6/53. والحاج عمر ليس أوّل من دخل من الأندلس من أسرة لوقش.
[4]- ما بعد عمر لوقش من شجرتهم التي أعدّها عميد الأسرة الآن الحاج عبد الوهاب لوقش التطواني المولود بها سنة 1926م، وقد مكّنني من نسختها بارك الله فيه وجزاه خيراً. وقد ساق شجرة عائلة لوقش في القرن الثامن عشر، الأستاذ البحّاثة المطّلع، عبد العزيز السعود في كتابه: (تطوان في القرن الثامن عشر: السّلطة- المجتمع- الدّين) ص 119، فلتنظر.
[5]-عمدة الراوين: 3/223.
[6]-مدرسة لوقش للتهامي الوزاني: 51-52.
[7]هكذا يعرف بين أهل طنجة (الوقّاش)، وهي قريبة من لوقش، وبهذه الصيغة ذكره العلامة المنوني في مقاله: (مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث) المنشور بدار الحديث الحسنية ع 3 ص 65. وقد استنكر هذا اللّفظ مؤرّخ تطوان، الأستاذ محمد داود قائلاً: "أمّا الوقّاش بأل، فلا نعرفه، ولا تعرفه عائلة لوقش نفسها، ولا ندري من أين أتى به النّاصري صاحب الاستقصا، ومعه ابن زيدان". عائلات تطوان: 2/249.
[8]-انظر: كشّاف أسماء عائلات تطّاون لمحمد ابن عزوز حكيم.10-12.
[9]-ترجمته في: نزهة الإخوان: 20-26. البستان الظريف: 1/284-288. مختصر تاريخ تطوان: 84-86. عمدة الرّاوين: 1/184-186. 2/51-52. 3/223-224. تاريخ تطوان: 2/167-178-205-206. 3/18-35.
[10]-حقّق الدكتور عبد الله النقراط هذا التقييد، ونشره في مجلة (آفاق الثقافة والتراث) الصادرة عن مركز جمعة الماجد، العدد المزدوج: 29-30. يوليو 2000م. وقد قام بتحليل منهج المعقب والمجيب، الأستاذ العلامة الشيخ محمد بوخبزة التطواني في (معجم تفاسير القرآن الكريم) 2/236-240.
[11]-ترجمته في: نزهة الإخوان: 35-36. عمدة الراوين: 2/60-63. 3/224-225.
[12]-عمدة الرّاوين/ 4/131.
[13]-ترجمته في: نزهة الإخوان: 37. عمدة الراوين: 2/64-65. 3/225. مختصر تاريخ تطوان: 104. تاريخ تطوان: 3/176.
[14]عمدة الرّاوين: 3/226.
[15]-نفسه: 7/6.
[16]-ترجمته في عمدة الرّاوين: 1/231. 3/75-138-140-141-228. 4/23-155-189. 5/76. 6/3-53-54-2414. 8/176. 7/7.
[17]- انظر على سبيل المثال: تفسير نصرة الإسلام: 4/206.
[18]-تفسير نصرة الإسلام: 1/247.
[19]-نفسه: القسم الخطوط. ص 257.
[20]-ترجمته في: عمدة الرّاوين: 2/24. 3/156.5/240.6/17-30-197. تاريخ تطوان لداود: 5/228, معلمة المغرب: 12/4090.
[21]-تفسير نصرة الإسلام ص 442 (القسم المخطوط).
[22]-ترجمته في: عمدة الرّاوين: 6/18-21. على رأس الأربعين: 132-134. النعيم المقيم: 2/116-194. معلمة المغرب: 4/1303. أحمد الزواقي شيخ الجماعة بتطوان: 28.
[23]-النعيم المقيم: 2/192.
[24]-ترجمته في: عمدة الرّوين: 6/188-189. مختصر تاريخ تطوان: 328. أحمد الزواق شيخ الجماعة بتطوان: 29.
[25]-عمدة الرّاوين: 6/188.
[26]-ترجمته في: عمدة الراوين: 4/150-232. 6/19-83. ومعجم الشيوخ: 128-131.
[27]-معجم الشيوخ: 128.
[28]-عمدة الراوين: 4/150.
[29]-على رأس الأربعين: 154.
[30]-انظر: على رأس الأربعين: 127.
[31]-نفسه: 182.
[32]-تفسير نصرة الإسلام 293. القسم المخطوط.
[33]-نفسه: 4/270.
[34]-مصادر ترجمته: الدّرر البهية للفضيلي: 2/347. سلوة الأنفاس: 2/412-414. الإعلام بمن حل مراكش وأغمات من الأعلام: 7/94. فهرس الفهارس: 1/497-498. إتحاف المطالع: 1/288-289. الاستقصا: 8/195. شجرة النور الزكية: 429-430. الفكر السامي: 633-634. معلمة المغرب 20/6833. وغيرها.
[35]-تاريخ تطوان لداود: 7/118.
[36]ترجمته في: الدّرر البهية: 2/73-74. إتحاف المطالع: 1/276. عمدة الرّاوين: 5/ 95-164. عائلات تطوان: 1/ 314. النعيم المقيم: 1/67-92. تاريخ تطوان: 7/98-176. أبطال صنعوا التاريخ: 275-277. معلمة المغرب: 13/4517.
[37]-تفسير نصرة الإسلام: ص 448. القسم المخطوط.
[38]-ترجمته في: إتحاف المطالع: 1/331. فهرس الفهارس: 2/854. عمدة الرّاوين: 5/245. النعيم المقيم: 1/203-223. عائلات تطوان: 1/298.الزاوية: في إشارات كثيرة مبثوثة. التصور والتصديق: في إشارات. تفسير المترجَم عبد الوهاب لوقش: تضمّن كثيراً من أقواله وإشاراته. شرح الصلاة لابن العربي: (الذيل) 28. حياة سيدي أحمد بن عجيبة وشرح قصيدته العينية: لأحمد المرابط. 36.
[39]-عمدة الرّاوين: 5/245.
[40]-الأعلام للزركلي: 1/129.
[41]-انظر تفسير نصرة الإسلام: 1/124.
[42]-ألّف العلاّمة امحمّد بن عبد السلام كنون الفاسي (ت1328هـ) تأليفاً في نجاة أبي طالب، ولخّصه من كتاب زيني دحلان المذكور. انظر: معجم الشيوخ للعلامة عبد الحفيظ الفاسي ص 45.
[43]-تفسير نصرة الإسلام: 4/20.
[44]-تفسير الفاتحة: 19. (مخطوط).
[45]-انظر الإشارة إليه في عمدة الراوين: 5/82-83.
[46]- انظر على سبيل المثال: تفسير نصرة الإسلام: 4/170.
[47]-تفسير نصرة الإسلام: 4/217-218.
[48]-نفسه: 2/1.
[49]-الزاوية: 170.
[50]-تفسير نصرة الإسلام: 3/13.
[51]-يقصد شيخ الزاوية الحراقية في وقته، إدريس بن الحسين الحراق.
[52]-تفسير نصرة الإسلام: 2/116.
[53]-نفسه: 3/ 300.
[54]-نفسه: 3/50.
[55]-صرّح العلاّمة المؤرّخ أحمد الرّهوني أن إدريس الحرّاق تصدّى لتلقين الأوراد، والدعوة والإرشاد بعد وفاة الشيخ عبد القادر بن عجيبة، وهذا هو سبب مشاداته مع عبد الوهاب لوقش، حيث إن لوقشاً له إذن خاص، ومكانة مرموقة عند شيخه، ثم إنه أعلم من إدريس الحراق وأسنّ منه، فلذلك حصل بينهما إحن ومحن. وانظر هذه الإشارة في: عمدة الرّاوين: 4/185.
[56]-جريدة لسان المغرب: (أوّل منبر إعلامي مغربي عربي للسلطة المخزنية، وجاء ظهورها نتيجة الحملات المغرضة التي شنّتها الصّحافة الفرنسية بطنجة على المغرب). ومدير الجريدة هو أرتور نمور، وهي جريدة أسبوعية تصدر بالعربية، ابتدأت الجمعة 24 ذي الحجة عام 1324هـ/ 28 فبراير 1907م. وكلّ عدد يشتمل على 4 صفحات، وقد توقّف صدورها في جمادى الأخيرة عام 1327هـ/ يونيه 1909م، بعد أن صدر منها 84 عدداً. انظر: الصّحافة بشمال المغرب من التّأسيس إلى الاستقلال. للحبيب الخراز ص 438.
[57]-تفسير نصرة الإسلام: 3/52.
[58]-مدرسة لوقش للتهامي الوزاني: 51.
[59]-انظر تاريخ تطوان: 11/252.
[60]-على رأس الأربعين: 162-163.
[61]-تاريخ المغرب للتهامي الوزاني: 3/149.
[62]-الهجرة إلى المدينة آنذاك كانت وجهة جلّ المهاجرين، وقبلة لكلّ الفارّين بدينهم، وقد هاجر إليها في هذه الأثناء كثير من أهل الدّين والورع، من مختلف مدن المغرب، وكانت معاملة رجال الدّولة التركية آنذاك تغري بالهجرة، كما كان الوضع بالمدينة مريحاً، بحيث تجبى إليها ثمارات كلّ شيء من مختلف الدّول بفضل السكة الحديدة التي كانت تربط بين الشام والحجاز.
[63]-انظر على رأس الأربعين: 163.
[64]-هو الفقيه العلاّمة سيدي محمد بن العربي الصبّاغ التّطواني الأندلسي، درس ببلده تطوان، ثمّ رحل إلى فاس عام 1308هـ فأخذ على شيوخها، وعاد إلى بلده، فاستخدم عدلاً، ومارس الوعظ والإرشاد والتدريس، ثم ارتحل إلى المدينة المنوّرة بإذن خصوصي، ووصلها عام 1332هـ وبقي بها مدّة يسيرة مريضاً إلى أن توفّي، ودفن بالبقيع. انظر ترجمته عند الفقيه المؤرّخ أحمد الرّهوني في عمدة الراّوين: 6/248-249. والإشارة إليه في الزاوية: 58-59. وعلى رأس الأربعين:163. ومعلمة المغرب: 16/5484.
[65]-الزاوية: 58.
[66]-انظر ترجمته في عمدة الرّاوين: 5/181.
[67]-تفسير نصرة الإسلام: 3/88.الفقيه
[68]-تفسير نصرة الإسلام: 4/292-293.
[69]-تفسير نصرة الإسلام: ص 766 (القسم المخطوط).
[70]-نفسه: 7/201. مخطوط بالمكتبة الداودية.
[71]-نفسه: 3/86.
[72]-تاريخ تطوان: 10/178.
[73]-انظر هذه الحكاية في تاريخ تطوان: 10/204.
[74]-عمدة الرّاوين: 3/138.
[75]-تفسير نصرة الإسلام: 1/43.
[76]-نفسه: 1/36.
[77]-تفسير نصرة الإسلام: 1/ 30. (قسم الدراسة).
[78]-تفسير الفاتحة: ص 16. (مخطوط).
[79]-تفسير نصرة الإسلام: 1/61.
[80]-وقد ذكره الأستاذ العلامة محمد المنوني في مقاله الماتع المفيد: (مخطوطات مغربية في علوم القرآن والحديث) المنشور بمجلة دار الحديث الحسنية العدد 3 ص 65.
[81]-ترجمته في مبحث: تلاميذه.
[82]-تفسير نصرة الإسلام: (قسم الدراسة) 1/12.
[83]-تفسير نصرة الإسلام: 1/61.
[84]-تفسير سورة الفاتحة: 10 (مخطوط).
[85]-تفسير نصرة الإسلام: 1/61.
[86]-نفسه: 1/171.
[87]-نفسه: 1/12.
[88]-تفسير نصرة الإسلام: 2/55.
[89]-نفسه: 4/135.
[90]-نفسه: 4/218.
[91]-عمدة الرّاوين: 5/82-83.
[92]-سبقت الإشارة إليه في مؤلّفاته.
[93]-سبقت ترجمته في شيوخه.
[94]-النعيم المقيم: 2/192.
[95]-مقصود الشيخ عبد الوهاب لوقش بهذا المتطوّر، محمد بن العيّاشي السّكيرج الفاسي، من عائلة آل السكيرج الكريمة الأصل والمحتد، الأنصارية النسب، والأندلسية الحَسب، ومنها نزحوا للمغرب واستوطنوه، فمنهم من استوطن فاساً، ومنهم من أقام بتطوان. ولا زالت فروع الأصلين إلى الأن.والمترجَم له من عائلة السكيرج الفاسية، وهو أشهر أفرادها، لمكانته، وغزارة علم، وكثرة تآليفه.
فهو الفقيه المدرَرّس، المفتي، النّاظم النّاثر، الصّوفي، محمد بن العياشي السكيرج، ولد بفاس العالمة، سنه 1292هـ/1875م. وحفظ القرآن وبعض المتون العلمية، ثم توجّه إلى القرويين عام 1304هـ، ومن شيوخه بها: العلامة عبد الملك العلوي =الضّرير، وعبد الله البدراوي وعبد السلام بن عمر العلوي، ومحمد بن عبد القادر بن سودة وغيرهم من فطاحل العلماء من أهل هذه الطّبقة.
انتقل الفقيه السكيرج لمدينة طنجة بسبب مصاهرته للمهندس الزبير السكيرج، وحيث كان يعمل هذا الأخير، فتولّى بها الكتابة بدار السّلف مع أخيه الفقيه الحاج أحمد، الذي انتقل لسكناها أيضا لهذا السبب، ثمّ غادرها لتولية القضاء بوجدة.
عُيّن المتَرجم عدْلاً بديوانة طنجة، وكاتباً بدار السلف بها أيضاً، وكاتباً بالسفارة الهولاندية بنفس المدينة، وختاماً عيّن مدرّساً رسمياً بالمعهد الديني بذنجة كذلك، وكان يشتغل بخطّة العدالة والإفتاء بطنجة.
أمّا التأليف، فقد كان له فيه نشاط منقطع النظير، فألّف نحو سبعين تأليفاً في مختلف الفنون، وجلّها مخطوط، ونقتصر على ذكر مؤلفاته في التراجم لأنها المقصودة بالمراسلة أعلاه، فمنها: الدّرر الللآلي، في ثبوت الشرف البقّالي. طبع مرّتين، الأولى على الحجر بفاس في حياته. والثانية على الحروف بطنجة بعد وفاته. ومنها: نبذة التحقيق، في ترجمة الشيخ محمد ابن الصديق) وهو مذكور في طالعة التصور والتصديق. ومنها: ترجمة لشيخه محمد بن جعفر الكتّاني. ومنها: رياض البهجة، بأخبار طنجة في أربع مجلدات، وهو أوسع كتبه. والمؤلّف غزير الإنتاج كما سبق.
توفّي يوم الأربعاء 3 محرّم الحرام عام 1385هـ بطنجة، وأقبر مقابر الحاج بوعرّاقية.
ترجمته في: عمدة الراوين: 6/66-67. زهر الآس: 1/197. معجم المؤلّفين: 11/255. معجم المطبوعات المغربية: 159-160. التأليف ونهضته: 135. مواكب النّصر: 58-61. إسعاف الإخوان: 272-278. معلمة المغرب: 15/5056.
[96]-هو الفقير الذاكر سيدي عبد الغفور ابن كيران، ولد بتطوان سنة 1857هـ أحد الملازمين لإدريس الحراق، أحد شيوخ تطوان المحنّكين، والمعتقدين فيه، كان يخدم إدريس الحراق ويلازمه قلباً وقالباً، وكان أكثر منه سنّا، وقد دامت الصحبة بين الرجلين على ما كانت عليه في زمن الطّفولة إلى أن لقيا الله عزّ وجلّ، توفي بتطوان سنة 1353هـ و قد كان بن كيران حسن الصوت، يجتمع مع بعض رفقائه على الشيخ عبد القادر بن عجيبة. ولا تعرف تفاصيل حياته بالضّبط، وقد ساق بعض أخباره وأحواله الشيخ التهامي الوزاني في كتابه الزاوية: 167-168-172-173.
[97]-عمدة الرّوين: 2/13.
[98]-نفسه:3/226.
[99]-نفسه: 5/82 و 199.
[100]-نفسه: 5/246.
[101]-نفسه: 6/54.
[102]-نفسه:7/7.
[103]-رياض البهجة في أخبار طنجة 2/119.
[104]-النّعيم المقيم: 1/42.
[105]-نفسه:1/204-205.
[106]-نفسه: 2/118.
[107]-نفسه:2/192-193.
[108]-على رأس الأربعين: 154.
[109]-نفسه: 182.
[110]-الزاوية: 170.
[111]-مراسلة خاصة أتوفّر على نسخة منها، وانظر مبحث: مراسلاته.
[112]-جريدة أخبار الدّنيا: العدد التاسع ص 6. 1962.
[113]-واجهة تفسير سورة الفاتحة للعلاّمة عبد الوهاب لوقش. مخطوط: المكتبة الوطنية رقم: 2813 ك.
[114]-عمدة الرّاوين: 6/54. هامش: 206.
[115]-عمدة الراوين: 7/7. على رأس الأربعين: 182.