إعداد: د/ يونس السباح
الرابطة المحمدية للعلماء/طنجة
يعدّ كتاب: (نصرة الإسلام في إخراج مقامات الدّين من القرآن) لأبي محمد عبد الوهاب لوقَش، من كتب التفاسير المعاصرة التي تطرّقت إلى عدّة أمور تتّصل من قريب أو بعيد بالقرآن الكريم، ولكنه بشكل عام يسير على خطّة فريدة، ومنهج واضح المعالم، وقد أُعين على هذا بعلمه الواسع، وثقافته الكبيرة، وحسّه القوي في استخراج الدفائن، ثمّ ساعده على هذا أيضاً تمرّسه بكتاب والد شيخه، العلامة أحمد بن عجيبة (1224هـ)، "بحره المديد"، الذي درسه على شيخه -ابن المفسّر- الحاج عبد القادر بن عجيبة (ت:1313هـ)، وختمه بين يديه ومدحه بقصيدة قالها بمناسبة الختم، وهي موجودة بآخر النسخة المخطوطة من البحر المديد. كما سجّل في تفسيره تلك النقولات والإفادت التي كان يمليها شيخه على مختلف الآيات. وهذه أبرز معالم منهجه في التفسير:

  • يبدأ المفسّر بطائفة من الآيات على رواية ورش، فيكتبها بقلمه ضبطاً ورسماً، وهو مذهب المغاربة في القراءة، وغالباً ما يفسّره بالتقسيم المعروف، الثمن، والربع والنصف..فلا يقف إلاّ عند نهاية الثمن، يفسّره، ثمّ يبدأ في الآخر.
  • يعرّج الشيخ لُوقَش على ما في الآيات المفسَّرة من أسباب النزول إن وجدت، ثمّ ينتقل إلى اللغة العربية، فيفسّر المفردات تفسيراً لغوياً، ويذكر أحياناً بعض أسرار البيان.
  • بعد المفردة اللغوية، ينتقل العلامة لُوقَش إلى جانب القراءات، الذي طغى على تفسيره، فيضبط القراءات ضبطاً، ويذكر ما ورد في الآية من أوجه، ويتوسّع في هذا الجانب كثيراً، وفيه يظهر براعته وعلمه الواسع بهذا العلم، ومن الغريب أنّني تتبعته في كثير من الأحيان ظنّا مني أنّه يستقي من "البحر المديد" الذي يعد عمدته، فتبيّن لي أن الرجل في علم القراءات ينفق من عنده، وزادني يقيناً لمّا صرّح بشيخه في القراءات، شيخ تطوان وعالمها المقرئ عبد السلام الدهري . وتقديمه القراءات على غيرها من جوانب التفسير الأخرى، لأنّ القراءات المتواترة تعدّ قرآنا يتلى، فالواجب ضبطها ومناقشتها قبل الانتقال إلى غيرها.
  • يتتبّع مفسّرنا معنى الآيات، فيذكر ما ورد في كلّ آية بتوسّع، فإن كان السياق فقهاً، استطرد وبيّن الأحكام، وربّما ناقشها، منافحاً دائما عن مذهب مالك، مستعرضاً نصوص الفقهاء المالكية في المذهب، مرجّحاً أحياناً ما يراه، وإن كان في الآية مناقشة نحوية خاض غمارها بكلّ ما أوتي من علم، فيبرز اطلاعه في علم بالنحو، وأحياناً يرجّح، وهكذا في سائر الآيات يفسرها بتوسع حسب سياقها.
  • بعد كلّ هذه الخطوات التي تمكّنه من تفسير الآية تفسيراً ظاهراً، يعمد إلى استخراج ما فيها من علم الباطن "التّصوّف"، الذي له فيه باع طويل، فيفسّر الآية بمقامات الدين الثلاث، (الإسلام، والإيمان، والإحسان)، وهذه فكرته في التفسير كلّه، لأنّ القرآن عنده لا يخرج عن هذه الأصول الثلاثة، فكلّ آية يحاول أن يبرز ما فيها من مقامات الدين، وقد صرّح بهذا في عنوان تفسيره: "نصرة الإسلام، في إخراج مقامات الدين من القرآن"، وهو ما يعبّر عنه بـ"من حيث الباطن"، أو: "لسان الحقيقة"، أو: "بلسان هذا المقام"، أو غيرها من الألفاظ، وفي تفسيره بعلم الباطن يصول ويجول، مبرزاً قدرته الفائقة، مستدلاً بحكم، وكلام القوم، وأشعارهم، وأشعاره هو، فلا ينتقل من الآيات إلاّ وقد أشبعها تفسيراً إشارياً في الغالب.
  • ينتقد مفسّرنا أوضاعاً عاشها، وهموماً عاناها، فكلّما وجد فرصة سانحة لربط الآية بواقعه، إلاّ فسّرها به، ومن هذه البابة، انتقاده القضاة، والمفتين، وشيوخ الزوايا "المرتزقة" حسب مذهبه، فهو بهذا المعنى يخوض في انتقادات أحوال اجتماعية، وأحوال مزرية، انطلاقاً من القرآن الكريم، ولا يخشى أحداً مهما كان، وهذه ميزة مهمّة في التّفسير.
  • يختم مفسّرنا جوانب تفسيره للآيات، بتنزيله القرآن على الواقع، متأثّراً في هذا كلّه بتفسير المنار، الذي ربطه مؤلفه بواقع الناس، ومعالجة أحوالهم، لأنّ القرآن من مقاصده هداية البشر، وهو صالح لكلّ زمان ومكان، ومن أجل هذا أسرف في تنزيل الآيات على الواقع، وقد أفلح في الكثير منها، وما لم يفلح فيه، فهو معذور فيه، لما كان يعانيه أيام كتابة تفسيره للقرآن الكريم من اضطرابات أحوال، وفتن، وتسلّط المستعمر على هذا البلد الحبيب، فكان يترجم كلّ هذا في تفسيره، وهو العالم المهاجر بدينة من ذلّ الاستعمار، وسلطة النصارى، وغالباً ما كان يصدّر اللون من التنزيل بعبارة: "والآية تجرّ ذيلها".