اعلم - علمنا الله وإياك الخير - أن سؤال الله عزو جل دون خلقه هو المتعين ، لأن في السؤال إظهار الذل من السائل ، والمسكنة والحاجة والافتقار ، ولا يصلح الذل والافتقار إلا لله وحده ، لأنه حقيقة العبادة . كما أن في السؤال الاعتراف بقدرة المسئول على رفع الضر ، وإعطاء المطلوب ، وجلب المنافع ودفع المضار . وهذه كلها ليست إلا لله على الحقيقة .

ولهذا كانت وصية رسول الله لابن عباس - : " إذا سألت فاسأل الله " ، وكان الإمام أحمد - - يدعو ويقول : اللهم كما صنت وجهي عن السجود لغيرك ، فصنه عن المسألة لغيرك ، ولا يقدر على كشف الضر وجلب النفع سواك .

والله سبحانه يحب أن يُسأل ويُرغب إليه في الحوائج ويلح في سؤاله ودعائه ، ويغضب على من لا يسأله ويستدعي من عباده سؤاله ؛ فعن أبي هريرة قال : قال رسول الله : " من لا يسأل الله يغضب عليه " . وأخذها الشاعر فقال :

الله يغضب إن تركـت سؤاله ... وبني آدم حين يُسـأل يغضبُ

والله سبحانه يسمع دعاء الداعين ، ويجيب السائلين ، مع اختلاف اللغات وفنون الحاجات ، فهو سبحانه قادر على أن يعطي خلقه كلهم سؤلهم ، ولا ينقص ذلك من ملكه شيئا ، ففي الحديث الإلهي : " يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني فأعطيت كل واحد مسألته ما نقص ذلك من ملكي شيئاً إلا كما ينقص المخيط إذا أدخـل في البحر" .

أما المخلوق فبخلاف ذلك كله ، يكره أن يُسأل ، ويحب ألا يُسأل ، لعجزه وفقره وحاجته . ولهذا قال وهب بن منبه لرجل كان يأتي الملوك : ويحك تأتي من يغلق عنك بابه ، ويظهر لك فقره ، ويواري عنك غناه ، وتدع من يفتح لك بابه نصف الليل ، ونصف النهار ، ويظهر لك غناه ، ويقول : ادعن أستجب لك . وقال طاووس لعطاء : إياك أن تطلب حوائجك ممن أغلق دونك بابه ، وجعل دونها حجابه ، وعليك بمن بابه مفتوح إلى يوم القيامة ، أمرك أن تسأله ووعدك أن يجيبك . ولله در القائل :

لا تجلسنَّ ببابِ مَنْ .... يأبى عليكَ دخولَ دارِهْ

وتقـولُ حاجتي إليه .... يعوقهَا إِنْ لَمْ أُدَارِهْ

اتركْهُ واقصـدْ رَبَّـه .... تُقضَى وربُّ الدارِ كارِهْ