للوعظ أثر تاريخي لا يُنكر ، فهو المحرك للهمم وقت الجهاد ، والمحفز للإنفاق في سبيل الله ، فلا يستطيع أحد أن ينسى دور عز الدين بن عبد السلام وتحفيزه على الجهاد والإنفاق زمن التتار ، وقد استعان صلاح الدين بالوعاظ والعلماء لشحن الهمم زمن الحروب الصليبية.
فالوعظ هو مخاطبة القلب والعقل للتأثير والاستمالة والإقناع بقضية ما ، فهو أداة تساوي القوة في كسب المواقف ، ولذا فقد ورد أن النبي قال:"إن من البيان لسحرا".
فبالكلمة المُعدة إعدادا جيدا يستطيع الواعظ الماهر أن يُنجز أعمالا ، فلاتظل الموعظة مجرد تأثر نفسي ، بل تتحول إلى فعل منجز.

فلا بد وأن يكون الواعظ ذكيا نقيا تقيا، فإذا وَثِق المتلقي فيه ، فاستطاع أن يُقنعه بنفسه ، تحققت العجائب ، فتأثير الكلمة يفوق تأثير السيف ، وفى ذلك يقول سهل بن هارون " سياسة البلاغة أشد من البلاغة ، كما أن التوقِّى على الدواء أشد من الدواء " وسياسة البلاغة أي السيطرة عليها وابتغاء الحقيقة فى استعمالها ، فإذا كانت البلاغة عسيرة لا تتوفر لكل إنسان ، فإن القدرة على توجيهها بحيث لا تستعمل إلا لكشف الحقيقة لاتتيسر لكل قادر عليها .
فالواعظ أحد تروس آلة التربية، فالعلاقة بين الوعظ والتربية علاقة قوية ، فالواعظ يحاول أن يربي المربي ، ويضع أمامه وسائل التغيير ، ولكن الوعظ أقل أثرا في التربية من غيره نظرا لكونه غير متصل وغير ممنهج وغير شامل ، فالواعظ يقدم الموعظة وينصرف ، أما المربي فيتابع تطبيقها .
ولذا فليحذر الواعظ أن يكون في سلوكه مخالفا لما يعظ به، أو أن يكون الموضوع خطيرا وتناوله عشوائيا، وعليه أن يقرأ التفسير قراءة واعية ويقف على أسباب النزول، وأن يدرس أصول العقيدة ، وأن يدرس الشبهات التي يثيرها المغرضون ، وأن يميز بين أنواع الأحاديث ، ولايستشهد بالضعيف، وأن يدرس استراتيجيات وطرق الأداء، وأن يدرس الفقه ويربطه بقضايا الواقع، وأن يدرس النحو والبلاغة،وأن يدرس أساليب الإقناع وفنون الإلقاء، وأن يدرس التاريخ الإسلامي ويربطه بالواقع.
وأن يكون على دراية بلغة الجسد، فهي لاتنفصل عن لغة اللسان، وإذا أحسن استخدامهما حقق هدفه، وأن يوظف الصوت، فالصوت بريد القلب والعقل ، وهو المترجم لما يدور بالذهن ، فلاينبغي أن يظل على وتيرة واحدة.
والواعظ الذكي يكون وقافا، أعني بذلك أن يستثمر كل ما يحيط به لكي يصل إلى هدفه، فيلتقط مشهدا فيستثمره استثمارا جيدا، فأفضل المواعظ ما جاء مناسبا لسياق الموقف ، مناسبا لنوعية المتلقي ، مخاطبا للعقل والقلب ، مصحوبا بتوجيه سلوكي واقعي.
والواعظ الذكي لايصطدم مع أحد، بل يناقش قضيته دون توجيه أو إشعار بتلميح، فالحق أبلج، والباطل لجلج، وربما تكون الموعظة سببا في تغيير من قصد تغييره، دون تجريح أو تصريح.
وعليه أن يهتم بمظهره، وألا يقف موقف الشبهات، وألا يجالس السفهاء فتسقط هيبته، وألا ينافق الوجهاء، فتسقط مكانته، بل عليه أن يكون مطلوبا مرغوبا، لا طالبا راغبا، لا يطرق بابا وهو في غير حاجة لطرقه، فمن طرق أبواب الأغنياء ألفوا وجوده فلم يغنهم نصحه.
وألا يفصل الدين عن الحياة، فما الدين إلا قانونا يسير حركة الحياة، متى غاب هذا القانون عمت الفوضى ، وانتشر الظلم.
وليكن قدوة في كل حياته، في كلامه وصمته، في حضوره وغيابه، في سعادته وحزنه، في مزاحه وجده، وأن يكتسب القلوب بابتسامته المتسمة بالوقار، مستفيدا من دم الشباب الذي يتقد نشاطا، وأن يكون مسارعا لأعمال الخير .
يتفقد الغائب، ويطمئن على المريض، ويتلطف للمعاند، ويشد على يد المثابر، ويساعد المحتاج، يرسل عبر جواله الرسائل النافعة، والكلمات المحفزة.
هذا وأسأل الله العلي القدير أن يرزقنا وإياكم الإخلاص في القول والعمل، وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد.