تفسير قوله تعالى : "لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَّسْحُورُونَ "(15) ( سورة الحِجْر )
هناك مسألتان أعرضهما :
أولًا إشارة للإعجاز العلمي في الآية .
ثانيًا :عرض تفسير كلمة " سُكِّرَتْ " وفي ختامه استفسار .
المسألة الأولى : يقول المهندس عبد الدايم الكحيل في موقع الإعجاز العلمي للقرآن الكريم مشيرًا إلى الإعجاز العلمي في الآية :
طرح القرآن العديد من الإشارات الكونية لم يكن أحد يتصورها وقت نزولها. ومنها الصعود إلى السماء، يقول تعالى: (وَلَوْ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَابًا مِنَ السَّمَاءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ * لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ) [الحجر: 14-15]. فهذه الآية الكريمة تؤكد إمكانية صعود البشر إلى السماء واستمرارهم حتى يصلوا إلى منطقة تسكَّر فيها الأبصار وتغلق وتنعدم الرؤيا، وبالفعل خرج الإنسان خارج الغلاف الجوي ورأى الظلام الدامس الذي يحيط بالأرض، وتبين له أن النهار مجرد طبقة رقيقة جداً.
المسألة الثانية : أورد الأئمة المفسرون تفسيرات عديدة ومتقاربة لكلمة " سُكِّرَتْ " فقالوا : معناها : سُدَّتْ .. سُحِرَتْ ..أُخِذَتْ .. عَمِيَتْ .. (ينظر تفسير السعدي وابن كثير والبغوي والقرطبي والطبري ومقالة في الألوكة)
وجاء في تفسير البغوي :
وقرأ ابن كثير : " سُكِرَتْ " بالتخفيف ،أي حُبست ومُنعت النظر ، كما يُسْكَرُ النهرُ لحبس الماء .
وقال الإمام الطبري :
وقوله ( لَقَالُوا إِنَّمَا سُكِّرَتْ أَبْصَارُنَا ) يقول: لقال هؤلاء المشركون الذين وصف جلّ ثناؤه صفتهم: ما هذا بحقّ إنما سكِّرت أبصارنا.
واختلفت القرّاء في قراءة قوله ( سُكِّرَتْ ) فقرأ أهل المدينة والعراق: ( سُكِّرَتْ ) بتشديد الكاف، بمعنى: غُشيت وغطيت، هكذا كان يقول أبو عمرو بن العلاء فيما ذُكر لي عنه. وذُكر عن مجاهد أنه كان يقرأ ( لَقالُوا إنَّمَا سُكِرَتْ ).
وبعد أن ساق الإمام الطبري عدة روايات وتفاسير متقاربة ، قال :
وأولى هذه الأقوال بالصواب عندي قول من قال: معنى ذلك: أخذت أبصارنا وسحرت، فلا تبصر الشيء على ما هو به، وذهب حدّ إبصارها ، وانطفأ نوره، كما يقال للشيء الحارّ إذا ذهبت فورته ، وسكن حدّ حرّه ، قد سكر يسكر ، قال المثنى بن جندل الطُّهوي:
جــاءَ الشِّــتاءُ واجْثَــألَّ ( اجتمع وتقبض ) القُــبَّرُ
واسـتَخْفَتِ الأفْعَـى وكـانت تَظْهَـرُ
وجَعَلَتْ عينُ الحَرُور ( الحَرّ) تَسْكُرُ
أي تسكن وتذهب وتنطفئ .
وقال ذو الرّمَّة:
قَبْــلَ انْصِــداعِ الفَجْـرِ والتَّهَجـر
وخَــوْضُهُنَّ اللَّيــلَ حـينَ يَسْـكُرُ
يعني: حين تسكن فورته.
وذُكر عن قيس أنها تقول: سكرت الريح تسكر سكورا، بمعنى: سكنت ، وإن كان ذلك عنها صحيحا، فإن معنى سُكِرَت وسُكِّرَتْ بالتخفيف والتشديد متقاربان، غير أن القراءة التي لا أستجيز غيرها في القرآن ( سُكِّرَتْ ) بالتشديد لإجماع الحجة من القراء عليها، وغير جائز خلافها فيما جاءت به مجمعة عليه. ( انظر تفسير الطبري)
وقد تعجبتُ من عبارة الإمام الطبري - - الأخيرة ؛ فقد قرأ " سُكِرَتْ " : الإمام ابن كثير .
(انظر القراءات العشر للشيخ كريم راجح ص 262 )
ويقول الإمام الشاطبي :
وَرُبَّ خَفِيفٌ إِذْ نَمَا سُكِّرَتْ دَنَا * تَنَزَّلُ ضَمُّ التَّا لِشعبةَ مُثِّلا ( البيت802)
فالدال كما لايخفى رمز للإمام ابن كثير ، فلماذا يقرر الإمام الطبري إجماع القراء على قراءة تشديد الكاف ؟
ما قول علمائنا الفضلاء ؟