الابتلاء يكشف الصادق في إيمانه ممن يدعي الإيمان ؛ قال الله تعالى : أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ . وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ [العنكبوت: 2، 3] ... ولما ابتلى الله عباده بما يسمى ( كورونا ) ... رأينا أناسا هلعوا ورعبوا وخافوا وتحسسوا من كل شيء زعما منهم أنهم يلتمسون الأسباب ... وهل الأسباب تنجي مما أراد الله تعالى ؟ نعم التماس الأسباب من الدين ؛ ولكن اعتقاد أن هذه الأسباب فاعلة بنفسها ، ليس من الدين في شيء ، بل هو طعن في عقيدة من اعتقد ذلك .

اعلموا - علمني الله وإياكم الخير - أن الشخصية المسلمة تتميزبعقيدتها ، وعبادتها ، وسلوكها وأخلاقها ، ومعاملاتها ؛ فهذه أصول بناء الشخصية المسلمة ، التي يجب على المربين أن يغرسوها في المسلمين صغارًا وكبارًا ، لبناء الشخصية المسلمة ، التي تعيش بإسلامها ولإسلامها ، تؤثر ولا تتأثر ، ليعود إلى الأمة مجدُها وعزُّها ؛ فما ارتفعت الأمة إلا بالإسلام ، وما عزَّت إلا به ؛ ولله در أمير المؤمنين عمر حين قال : إن الله أعزَّنا بالإسلام ، فإن ابتغينا العزَّةَ في غيره .. أذلنا الله .

وأساس ذلك هو العقيدة التي ينعقد بها إيمان المسلم بالله تعالى ، وملائكته ، وكتبه ، ورسله ، واليوم الآخر ، والقدر خيره وشره .. فهذه أصول الإيمان التي ينبعث عنها كل أعمال المسلم الصادق : إضمارًا وقولا وفعلا ؛ فهو لا يضمر إلا ما يحبه الله تعالى ، ويبغض ما يبغضه الله تعالى ، ويرتكز في قلبه : حب الله ، والإخلاص له ، والرجاء فيه ، والخوف منه ، والتوكل عليه ، والثقة به وبما وعد ، وحسن الظن به ، واليقين ؛ ويعتقد اعتقادا جازما أنه لا يقع في ملك الله شيء إلا بإذنه وإرادته ، وأن الله يبتلي من يشاء بما شاء متى شاء ؛ وأن الابتلاء - خاصة الأوبئة - إنما هي إنذار من الله تعالى للجميع الصالح والطالح ؛ قال الله تعالى : وَاتَّقُوا فِتْنَةً لَا تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْكُمْ خَاصَّةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ [الأنفال: 25] . والابتلاء من غاياته الرجوع إلى الله ، قال عز شأنه : ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ [الروم: 41] .

والعبادات القلبية التي تحكم حركة المسلم وانفعالاته في الحياة ؛ فهي التي تحركه لطاعة الله تعالى والبعد عن معصيته ، وجهاد نفسه والشيطان ؛ فتزكو نفسه ، ويرتفع بذلك في الدنيا والآخرة ؛ فقد قال الله تعالى : مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ [ النحل : 97 ] .

كما أن إيمان المسلم باليوم الآخر وما يشتمل عليه من أهوال الحشر ، والحساب ، والميزان والصراط ، والجنة والنار ؛ يدفعه لفعل الطاعات واجتناب المعاصي ، وفي ذلك زكاة نفسه .

يا عباد الله ... ارجعوا إلى الله ... توبوا إليه واستغفروه .. تتنزل عليكم رحماته ، ويرفع عنكن البلاء .. قال على لسان صالح : يَا قَوْمِ لِمَ تَسْتَعْجِلُونَ بِالسَّيِّئَةِ قَبْلَ الْحَسَنَةِ لَوْلَا تَسْتَغْفِرُونَ اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ [النمل: 46].

اللهم ارحمنا فإنك بنا راحم ، ولا تعذبنا فأنت علينا قادر ... اللهم ما نزل بنا من لااء ووباء فبقدرك ، اللهم ربنا فارغعه بقدرتك ، وعافنا بعد ذلك ... إنك على كل شيء قدير ... اللهم لا يكشف الضر إلا أنت ، فاكشفه ربنا عنا وعن المسلين ، وأنت أرحم الراحمين ... آميييم ، وصل الله وسلم وبارك على النبي محمد وعلى آله وصحبه ... آمييين .