كتاب الإعجاز العلمي قي القرآن
المؤلف : السيد الجميلي .
الدار الطابعة : دار القلم للتراث ، الطبعة الأولى 1998 .
تضمن هذا الكتاب موضوعات تتحدث عن الإشارات العلمية في القرآن الكريم ، ومعظم هذه المواضيع أبحاث مقتضبة نشرت في مجلة الرياضة والشباب التي تصدر بدبي في دولة الإمارات العربية المتحدة .
لم يبين المؤلف سبب تأليفه للكتاب ولا المنهج الذي سيتبعه فيه ، ولا كيفية منهجه في أبحاثه المقتضبة التي جمعها في كتابه ، وإنما اقتصر في مقدمة كتابه على الكلام عن أهمية التدبر بكتاب الله تعالى وأهمية دراسة الكشوفات العلمية الحديثة والمستحدثات الحضارية ، ثم ذكر مذاهب العلماء في التفسير ومصنفاتهم فتكلم ـ بشكل موجز سريع ـ عن التفسير بالمأثور وأهم مصنفاته والتفسير بالرأي وأهم مصنفاته ثم قال صـ 7 : ( وكان أمراً محتوماًُ أن يظهر أخيراً التفسير العلمي مختاراً لأنواع شتى من الإشارات العلمية للحقائق الكونية ومحاولة التوفيق ين الإشارات القرآنية والحقائق العلمية فتحت باباً للاجتهاد والبحث لم يكن مطروقاً من قبل . ) .
ثم بين صـ 8 اثر التفسير العلمي عند من قبله وشرح له صدراً في تقوية الإيمان وامتلاكهم الحجة والبرهان للعقيدة في وقت افتتن فيه الناس بالأسباب ،و تمسكوا بالتفسير العلمي " ليتسنى للإسلام ـ كما عبر الجميلي ـ التمشي مع التطور العلمي المعاصر الذي بلغ شأواً بعيداً في هذا العصر " .
ولكن تياراً آخر ظهر على الساحة يرفض التفسير العلمي ويقف منه موقف الحذر الشديد من أن يختلط الفهم ويفتح باب مفسدة عظيمة " فإن ربط التفسير القرآني بتلك النظريات أو الحقائق المتغيرة غير الثابتة يضر إضراراً بليغاً ويسبب فتنة شرسة لا مزيد عليها ." .
ثم قال صـ 8 : ( وقد ثبت أن الفريقين ـ المؤيد والمعارض للتفسير العلمي ـ كلاً منهما قد أغرق في مذهب وبالغ في رأيه ) .
ثم أخذ يبين موطن خطأ كلٍ منهما ، وأنه ينبغي على كل مثقف أن بأخذ من القرآن بقدر ثقافته وحدود فهمه بالحجة .. إلى أن قال صـ 10 : ( وصفوة القول ومجمل الموضوع: أن نأخذ بالتفسير العلمي للقرآن على حذر شديد وفي حيطة بالغة واحتراس وحذق وفطنه فلا تحمل الألفاظ فوق ما تطيق ولا يجب الصرف عن الظاهر إلا لضرورة تقتضي ذلك أو في حالة استحالة المعنى الظاهر ، ومن الخطر ومن غير المقبول أن يوصد جانب من العلوم الكونية المأهول في القرآن الكريم وهو من أمتع ما فيه إذ يتسع المقام لمخاطبة الأفهام الواعية المدركة المجربة ..) .ونحن إذ لا ننكر أهمية هذا الأمر إلا أن كلام السيد الجميلي غير مسلم له مطلقاً ، فإن الصرف عن الظاهر إما أن يكون لقرين تدل عليه وهذه القرينة إما معنى لغوياً دل عليه اللفظ أو قرينة بلاغية ، وأما الضرورة فلا أراها مستوفية مكانها في التفسير العلمي إذ ليس من الضرورة أن نلوي أعناق الآيات لنثبت أن نظرية ما موجودة في القرآن الكريم ؟! .
ثم إن ما قيد به السيد الجميلي من الحذر والفطنة قد خالفه في بعض مواطن في كتابه بل وخرج أيضاً عن ظاهر النص ومدلوله بغير حجة ، فعلى سبيل المثال : ينقل عن الأستاذ محمد إسماعيل إبراهيم ـ معتمداً قوله وغير ناقد له ـ صـ 12 من الكتاب في بحث ( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) : أن المقصود بالدخان في الآية ( ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ )(فصلت: من الآية11) أنها ( السحب الكونية أو المجرات التي نشأت فيها السماء والأرض ، والسماوات السبع التي ورد ذكرها في كثير من الآيات هي على أرجح الأقوال : الكواكب السبع السيارة المعروفة ، وأن اليومين المذكورين في الأية هما على رأي علماء الجيولوجيا الزمنين اللذين استغرق كل منهما ملايين السنين لتكوين هذه السماوات ، وأحد هذين الزمنين انقضى وقت أن كانت الأرض مرتوقة ، أي متصلة بالسديم والآخر بعد أن انفتقت الأرض ، أي انفصلت عن السديم . )
لعلك تلحظ ما في هذا الكلام من الإجحاف عند قوله أن أرجح الأقوال في السماوات هو الكواكب السبع ، وما فيه من مخالفة ظاهر النص ، وليس ما يدل على ما ذهب إليه المؤلف ..ثم ما ذكره عن الزمن وكأنه يجزم بصحة الكلام ! .
منهج المؤلف في الكتاب :
كما أسلفت فإن السيد الجميلي لم يبين منهجه ولا طريقته في الكتاب وفي طريقة عرض المعلومات والمواضيع التي سيطرحها إلا أنه يمكن القول بأنه اتخذ أسلوبين في ذلك ، فبعد أن يضع عنواناً للبحث :
ـ إما أن يبدأ البحث بذكر الآية التي هي محور البحث ومحل التفسير ، ثم يذكر أقوال بعض المفسرين فيها ، ثم يعلق عليها في ضوء العلم الحديث ومن المواضيع مثالاً على ذلك :
( ثم استوى إلى السماء وهي دخان ) صـ 11 .
( خلق السماوات والأرض ) صـ 15 .
( حال الجبال يوم القيامة ) صـ 115 .
( اللؤلؤ والمرجان ) صـ 113 .
وهذا المنهج العام الغالب والله أعلم .
ـ أو يبدأ موضوعه بعد العنوان بمقدمة تمهيدية عن الموضوع ليدخل فيه ثم يذكر الآيات في سياق الكلام كشاهد على ما قاله ويدرج معنى الآية وتفسيرها في سياق ذلك بما يخدم موضوعه وأمثلة ذلك :
( الفتق والرتق للسماوات والأرض ) صـ 13 .
( سبع سموات ) صـ 17 .
( إسلام الكائنات لله تعالى ) صـ 69 ، و صـ 73 .
( مواقع النجوم ) صـ 82 .
( عجائب المملكة الحيوانية ) صـ 99 .
ـ إلا أنه في بعض المواضع يعرض الآية ثم يذكر الأدلة والبراهين العلمية على ما دلت عليه دون أن يسوق كلاماً للمفسرين كما في بحث ( اتساع الكون واستمراره ) صـ 85 .
ـ وكذلك قد يتكلم في موضوع دون أن يستهله بآية ، أو يجعل في الموضوع شواهد قرآنية تدعمه ، اللهم إلا آية أو اثنتين ، كما في ( توازن الكرة الأرضية ) صـ 88 ، و ( النباتات المتوحشة ) صـ 106 ، و ( المملكة الحيوانية والمملكة النباتية سر جمال هذه المعمورة ) صـ107 .
وبالجملة : فقد أسهب السيد الجميلي في بعض المواضع حتى غدا كتابه ـ في بعض الأحيان ـ مختصاً بالعلوم الطبيعية فيما يبدوا للقارئ ، إلا أنه نافع ومفيد .
ولم يخل الكتاب من مناقشات علمية خاصة لآراء محمد عبده ، إذ قد بصوب المؤلف رأيه في تفسيراته تارة كما في بحث ( رأي الشيخ محمد عبده ومناقشته ) صـ 121 في قوله تعالى: ( أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقاً أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (النازعـات:27) ، وقد يخطئه ويخالفه كما في صـ 17 عند بحث ( سبع سماوات ) . والله أعلم